 قضايا

من ثقافة الوعي الى ثقافة التسليه

اياد الزهيريالثقافه لغةً؛ تعني الفطنه والحذاقه، أما أصطلاحاً؛ فهي نظام يتكون من مجموعه من الأفكار والمعتقدات، والأجراءات، والسلوكيات. والثقافه وفقاً لهذا التصور لا يمكن حصرها في مستوى أرتقائي واحد، بل تتدرج من الحاله البدائيه الى الحاله الراقيه، وهذا ما يكشف التباين في ثقافات الشعوب وكذلك الأفراد في المجتمع الواحد. فالثقافه الواعيه؛ هي الثقافه التي تنور عقل الأنسان، وترتقي في طريقة تفكيره، وتهذب من سلوكه، وتدمجه في دائرة المدنيه، حيث تعبر عن نفسها بقيم التسامح، والمحبه، والأعتراف بالأخر، وأحترام القانون، والسعي لتطوير المعارف والقدرات، وأرتفاع منسوب التعامل الأنساني بين البشر. لا شك أن الثقافه الواعيه تنعكس على الواقع في حاله من النمو والتطور، ويعيش المجتمع في بحبوحه من السلام والوئام والمحبه .

الواضح أن الأمم والشعوب، كلما ترتقي في السلم الثقافي كلما تعيش في حاله حضاريه متقدمه، والسبب أن الثقافه لها صله عضويه مع الجانب الحضاري بلحاظ أن الثقافه عباره عن معارف، وسلوك يجسد هذه المعارف، كما ذكرنا أعلاه في التعريف الأصطلاحي للثقافه، وهذا عكس ما يتصوره البعض، وهو تصور خاطيء، بأن الثقافه تعني مجموعة الأفكار والمعارف النظريه التي يحملها الفرد، وهذا خطأ كبير، وهذا عين ما أشار اليه القرآن الكريم، وصوره بصوره فنيه جميله حيث قال (كَمَثل الحِمار يَحمل أُسفاراً)، فمثلاً هناك الكثير من حفظة القرآن، حيث يحفظوه على ظهر قلب، وهم لا يفهموه ولا يعملون به، فهؤلاء حالتهم كحال الحمار الذي يحمل الأسفار، ولا يدري ما فيها. فالثقافه هي غذاء الأنسان الروحي والوجداني المنعكس على الممارسه والأخلاق، ولذلك عمل الأستعمار القديم على تكريس حالة الجهل في المجتمع لكي يديم وجوده في الهيمنه عليه وأستغلاله، أما اليوم، فالأستعمار يزيف الثقافه ولا يمنعها، ويحرفها، بل ويفرغها عن محتواها الحقيقي، ويحولها الى لون من ألوان التسليه، في محاوله لأشغال الشعوب في اللهو، وعدم الأنصراف للأعمال الجديه، لكي لا تتفرغ للتفكير والعمل الجدي، وتأخذ زمام المبادره بأدارة وتنمية نفسها . كما هناك محاوله تحمل طابع التخريب لهوية الشعوب، وخاصه الأسلاميه، والعمل على تحطيم مرتكزاتها، أملاً في أهتزاز الثقه بها من قِبل أبناءها، لكي يكون ذلك مقدمه لأحلال الثقافه المهيمنه والتي تأتي من خارج الحدود، والدفع بالتماهي فيها والأنصهار بها، رغبةً بأسقاط وتلاشي كل المحرمات التي تمنع الأستغلال والتطبيع الغير مرغوب مع دول لها أطماع توسعيه في بلداننا الأسلاميه، وهذا يأتي من معرفة الأخرين بضرورة القيم الثقافيه الرصينه ومدى ممانعتها وتصديها لكل ألوان الهيمنه والأستغلال للشعوب الأخرى، من هنا علينا معرفة طبيعة الحروب الحديثه والتي تدعى بحروب الجيل الرابع والخامس والتي تعتمد على العامل الثقافي وأستخدامه في أستباحة الشعوب وتركيعها، بدون أطلاق طلقه واحده، بل سيكون أحتلال هذه الشعوب بترحيب أبناءها المخدوعين بما سُرب لهم من ثقافه مزيفه، وتحمل آثار الأفيون، الذي يخدر شباب هذه الشعوب.

أن الثقافه التي يحاول خصومنا بثها بين أوساطنا، هي ثقافة التسليه، وهي ثقافة لهو يمتزج فيها اللهو البري والغير بريء . تقوم على أساس أدخال مفردات الأدمان على الأستهلاك، والغرق برغبات المتعه العابره، واللذه السريعه، وهذه مفردات أن أستبدت بك ستضعف عندك أي حالة تحدي في مسيرة حياتك، لأنها تحبب لك حياة الترف والدعه والميوعه والحياة المخمليه الناعمه، في حين نحن شعوب، وخاصه من عاشت حروب طويله في أمس الحاجه الى العمل الجاد، وأمامنا تحديات كبيره وعصيبه علينا تجاوزها بالمعارف الراقيه والسواعد الخشنه .، فالبلدان لا تبنى بالأماني، والأحلام، ولا ننتظر أن يأتي الأخر البعيد فيبني لك بالمجان.

نحن العراقين لمسنا دخول الثقافه التسلويه ألينا بعد السقوط، والتركيز عليها، ومن مظاهرها كثرة بناء المولات والفنادق الفارهه والمطاعم الكبيره، وترويج أقتناء السيارات الفخمه، والسفر الكثير، وكل مظاهر الهدر المالي الغير مبرر، ولكن شاهدنا وبأم أعيننا كيف أدى ذلك الى شيوع الجريمه، وأنحلال الأخلاق، والرغبه بعدم العمل، والأتجاه لسهر الليالي الحمراء والماجنه، وكلنا لمس التطور اللاأخلاقي في مجتمعنا ونزوعه للرذيله، فقد أنهارت القيم بشكل سريع، وبخطى مخيفه، بحيث أدخلت الرعب الى قلوب الجميع، وأصبح الأمن في خطر، وتعرض المجتمع الى حاله من التصدع غير معهوده، ودخلت عادات وأخلاقيات غريبه عن منظومتنا الأخلاقيه.

لاشك أن ثقافة التسليه لها قوة جذب أقوى، وأكثر أغراء من ثقافة الوعي، وخاصه عندما تأتي بعد فتره طويله من الحروب والحصار، فالنفوس تكون متعبه وتواقه للتسليه والترفيه، فالأستمتاع بها لا بأس به، عندما تكون بحدود معقوله ومقبوله، كحاله يُستفاد منها للتنفيس، حيث يستجمع الأنسان من خلالها قواه، ويعيد توازنه النفسي، وخاصه بعد معانات وحرمان طويل من جراء الحكم الشمولي والديكتاتوري البغيض . فمن المستحسن أن تجتمع ثقافة الوعي والتسليه لكي تغذي الروح والعقل، وتريح النفس معاً، كما الحذر كل الحذر من الأستغراق بالتسليه الى حد الثماله، فهذا النوع يفسد الذوق وخاصه الأستماع مثلاً للموسيقى والأغاني المبتذله والرخيصه، كما أن أرتياد كازينوهات القمار والمراقص يولد خشونة الطباع، ويخلق نوازع الشر في النفوس والعقول، لذى فالثقافه تدخل في صلب حياة الفرد والمجتمع، وهي من تصوغ شخصيتهما، وترسم طبيعة حياتهما، وهي من تقرر درجة الأمان المجتمعي . أن ثقافة التسليه لم تخلق الا شعباً فارغاً، وينحو نحو العبث والفوضى، ولا يستسيغ العمل الجاد، ولا يحترم قيم العمل، لذى ترى هناك من يدفع مجتمعنا الى تكريس ثقافة التسليه، كما من الضروري الأشاره الى عنصر غايه في الخطوره، الا وهي أشاعة ثقافة الشعوذه، عبر برامج تلفزيونيه يقدمها مشعوذين يلعبون بعقول الناس، عن طريق أقناعهم بقراءة المستقبل، حتى أني أرى الأستغراق في مشاهدة كرة القدم، واحده من الممارسات التي تقتل الكثير من الوقت وتستهلك الكثير من الجهد، وقد أشار أحد الباحثين الى دور أغاني أم كلثوم، ومدى تأثيرها على المجتمع المصري، وأشاعتها للأسترخاء فيه، في وقت يكون المجتمع المصري بأمس الحاجه الى اليقظه والحذر من العدو الأسرائيلي، فَنُسبت الى أحد أسباب نكسة حرب ال1967 تأثير أغاني أم كلثوم على المجتمع المصري في أشاعة اللهو والترف والفع بأتجاه الأسترخاء، والأبتعاد عن كل ما هو جاد، ومن مأساة مجتمعنا حتى الطبقه المثقفه لا تتصف أغلبها بالجديه، فتراها تجير الكثير من المؤتمرات واللقاءات الثقافيه الى مهرجانات للترفيه والمتعه والتسويق لأنفسهم .

 

أياد الزهيري

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5258 المصادف: 2021-01-27 01:30:20