 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (203): التراث والأخلاق

majed algharbawi5خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق. 

ماجد الغرباوي: 

الاستثناء الرابع: التراث الإقصائي

واضح أن القيد في العنوان احترازي، لاستثناء التراث الإنساني من مفهوم مطلق التراث. وهو تراكم معرفي يقوم على احترام العقل، ومركزية الإنسان باعتباره قيمة عليا بغض النظر عن انتمائه وخصوصيته. إضافة للتراث العلمي والعقلي والفلسفي والتربوي والفني، وكل تراث يكرّس النزعة الإنسانية. ليختص الاستثناء بالتراث الإقصائي وليد التناحر الطائفي والسياسي، المثقل بتداعيات حديث الفرقة الناجية التي تبيح نبذ الآخر، واستباحة كرامته، على الصعيد الديني. وكل تراث، ديني أو غير ديني، يغذي مشاعر الكراهية والأحقاد والإقصاء، أو يستهين بالإنسان، ويضطهده بدوعٍ دينية أو غيرها. وهذا النوع من النصوص لا يصلح مهما كانت قدسيته مرجعية أخلاقية وإنسانية، ولا يساهم في إثراء الرصيد الروحي والثقافي لتزكية النفس وحماية الضمير من التلكأ والانهيار. ولا يساعد على تنمية الروح الإنسانية. التراث الإقصائي يقع على الضد من التراث الإنساني وثقافته التي تؤكد على الوازع الإنساني، كمشترك كوني، بين جميع البشر، يمكن الاحتكام له في الجانب الأخلاقي. ما نحتاجه في المسألة الأخلاقية تلك المشتركات الإنسانية التي تحفز على الاستجابة للفعل الأخلاقي بدوافع إنسانية. وهذا ما نراهن عليه لمكافحة التفاضل على أساس طائفي أو عنصري، لتبقى قيمة الإنسان بإنسانيته لا بخصوصيته وانتمائه.

في كتاب الهوية والفعل الحضاري ذكرت أن المقصود بـ(التراث: ما أنجزه السلف من دراسات وبحوث، فكرية وعقدية وثقافية وفقهية ما زالت تفرض نفسها مرجعيات تؤثر في وعينا وتفكيرنا وفهمنا، وتحتفظ بقدر كبير من الاحترام والقداسة، خاصة في الأوساط الدينية والتراثية المحافظة). فيستثني التعريف النصوص التأسيسية المقدسة (القرآن، وما له جذر قرآني شارح ومبين من صحيح السيرة النبوية).

ومهما بالغوا بقدسية التراث لكنه يبقى منجزا بشريا في إطار ظرفه الزماني والمكاني، فيحتفظ بتاريخيته، وعدم تعاليه على النقد. ويبقى مرتهنا في إطلاقه وتأثيره لمتانة مبانيه ومبادئه وأسسه، بما في ذلك الفقه الإسلامي الذي يشتغل على نصوص الكتاب والسنة. رغم أن الفقه وفتاوى الفقهاء غدت سلطة مقدسة، يترتب على مخالفتها عقوبات دنيوية فضلا عن العقوبات الأخروية، وهي قدسية مريبة لا أساس لها سوى فهم خاطئ لدور الدين في الحياة، ودور الإنسان فيها، ورغبة الفقيه في تحصين سلطته بالمقدّس، وتوظيف الفتوى لصالح مكانته الاجتماعية والسياسية، وتلبية لطموحاته المذهبية والطائفية. يؤكد ذلك موقف كل فقيه من الآخر المختلف مذهبيا، رغم وحدة مصادر التشريع، واتفاق فقهاء المسلمين على أكثر من 90 بالمئة من أحكام الشريعة. (الهوية والفعل الحضاري، ص171).

تكمن خطورة التراث كونه أحد مصادر المعرفة، وربما المصدر الوحيد لدى طيف واسع من الناس، مازالوا يعتقدون بثراء التراث، وشموله معرفيا لكل صنوف الحياة، بما فيها القضايا العلمية والطبية. بل بلغت ثقة بعضهم بالتراث رفض النتائج العلمية المبرهن عليها بالتجارب والأدلة العلمية، والتمسك بالمعرفة التراثية لتفسير الظواهر الكونية والحياتية. والأمر الآخر عندما تكتسي المعرفة التراثية قدسية، تفرض على المتلقي الشرح والتفسير والتبرير دون النقد والمراجعة، وهذا ما نراه واضحا بالنسبة للدراسات الدينية والحوزوية، بل ويمثّل التراث بالنسبة لهم مصدرا معرفيا. وكلما اقترب التراث من عصر الوحي اكتسب قدسية وقيمة وصدقية أكبر، خاصة وحديث خير القرون قرني، لعب دورا في إضفاء صفة القداسة على السلف والارتفاع بتراثهم مستوى عالٍ من الحرمة والحصانة، وغدا نقده والمساس به استهانة بالمقدس وحرماته. جاء في صحيح البخاري: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ). بل أن لهذا الحديث أثرا سلبيا على الوعي، يحد من طموح مستقبل أفضل، مادام المفاضلة دينية، ومادام القرن الأول هو خير القرون. وهو فهم سلفي، يأبى مغادرة القرون الأولى. وكلما يفعله تمثل الماضي، وتقليد السلف، وقياس الحاضر على الغائب. والغائب في وعيه صورة مثالية، رغم تاريخيتها. على هذا الأساس تراهم يقدّسون رموزه، ويستدعون تجاربه، وسيرة رجاله، فهو مثل أعلى لدى بعض الاتجاهات السلفية خاصة. وهو مصدر معرفتهم، لا يعلو عليه مصدر، في مجال المعرفة الدينية والأخلاق سوى القرآن والسنة النبوية، وفقا لفهمهم وتفسيرهم القائم على التراث ذاته. وتجد النص الديني الأعم من النص المقدس على ألسنة الناس يهتدون بهديه، فكيف لا يكون مهما وخطيرا؟ فاستثناء التراث الإقصائي من الرصيد الثقافي والروحي المهلم لحماية الضمير البشري، وتعضيد الاخلاق، مبرر جدا، مادمنا نتطلع لمصادر إلهام تحي الفطرة البشرية وتغني الروح الإنسانية، فهل تصدق هذه المواصفات على التراث؟ وهل باستطاعته تغذية قيم الفضيلة على أسس إنسانية لا تشوبها شوائب الطائفية؟. إن الارتكاز للتراث بما هو تراث لا يحقق ما نصبو له في مجال الأخلاق.

كان الكلام عن دور الدين كطاقة روحية لتعزيز القيم الأخلاقية وتحفيز الضمير وحمايته. وبما أن الدين مجموعة نصوص مقدسة، وأخرى ثانوية، هي فهم وتفسير للنص المقدس، تأثرت بقبليات الملتقي ويقينياته ومشاعره واتجاهه السياسي والطائفي، غير أنها اكتسبت شرعية أقوى عندما احتكرت تفسير النص، وحلت محل النصوص التأسيسية، تدعمها رواية تنهى عن مقاربة آيات الكتاب إلا من خلالها، وما قاله السلف، خصوص الصحابة ومن ثم التابعين. لذا كان ينبغي لنا استثناء ما يضر بالمهمة الأخلاقية. وعلى هذا الأساس تمت بعض الاستثناءات، مرَّ الكلام حولها، ونلحق بها التراث الإقصائي. الذي هو أشد ضررا على القيم الأخلاقية والإنسانية، ويستدعي مكافحته لتفادي تداعياته السلبية، وانعكاساته السقيمه على المشاعر الإنسانية. فهو تراث يكرس قيم الرذيلة بدلا من قيم الفضيلة.

لنستعرض بعض خصائص التراث الإقصائي، سيما التراث الديني، وخصوص تراث المسلمين، الذي يمثل قراءات مختلفة للمدونة الأولى / القرآن، كل قراءة تمثل اتجاها ومنهجا في تفسير الكتاب وآيات، وتحديد مصاديقه. بل هي قراءات غير بريئة أسقطوا عليها أحكامهم المسبقة ووظفوها لخدمة مصالحه. وهذه النقطة بالذات لعبت دورا سلبيا سممت التراث، حيث اشتد التنافس على روايات الفضائل كشواهد تعزز شرعية كل طرف مقابل الطرف الآخر، حداً كذبوا على الرسول، ونسبوا له كثيرا من الروايات، وقوّلوا القرآن ما لم يقل، فترى التراث يطالعك بتأويلات مدهشة لآياته، بعضها غارق بالخرافات والآخر يكرس مصالح طائفية وسياسية. لكن هل يكفي هذا مبررا لاستثناء التراث، أم هناك أسباب غيرها؟.

لأجل تقديم مبررات مقنعة نستعرض جملة حقائق يتسم بها التراث، من خلالها يمكننا التأكد من قيمته المعرفية، ومدى قدرته على خدمة الواقع الأخلاقي. فربما نجد العكس أن التراث سبب رئيس وراء هدر القيم الأخلاقية، والتشوهات الإنسانية. فبعض النصوص الطائفية تشعر أنها تستبطن عاهات نفسية وردة فعل من وجود الآخر، خاصة المناوئ السياسي، منها:

- لم يَقُمْ نزاع الخلفاء حول السلطة على أية مرجعية قرآنية أو نبوية، صريحة واضحة تحسم النزاع، فتنامت روح الخلاف، وراح كل فريق يبحث عن شواهد وروايات تعزز شرعيته، ونبذ الآخر أو تكفيره. وإذا لم يكن هذا واضحا في زمن ما يسمى بالخلافة الراشدة، فقد اتخذ مع معاوية بعدا تنظيريا، فكان علم الكلام القديم دفاعا عن العقيدة الإسلامية، ودفاعا عن المذاهب والفِرق، وفي تلك الفترة بالذات ظهرت مقولات كلامية كالقدر والجبر وغيرهما، شرعنت سلوك الخليفة، مهما كان ظالما، ومهما سفك من دماء بريئة، سيما دماء المعارضة وأصحاب الرأي المخالف. وعبر السنين تراكم لدينا تراث هائل، في سياق صراع السلطة. تراث كان ومايزال وفياً لذلك النزاع الأول، مع أو ضد، فتأثرت العلوم به مباشرة أو غير مباشرة حتى انعكست بشكل واضح في علوم التفسير والفقه بل حتى النحو.. فكيف يخدم الأخلاق تراث إقصائي يقلب موازين الحق باطلا، ويجعل من الباطل حقا؟. إنه تراث مؤدلج، همّه الأول الدفاع عن الذات وإن كانت على باطل. وإقصاء الآخر وإن كان على حق. لذا يتضاعف حذرنا، لقدرته على تزوير الوعي، وقد يغفل عنه الإنسان، مادام يحمل راية الدين، وإمضاء الفقهاء، وهم فقهاء السلطان.

- لعب التراث دورا خطيرا في شرعنة العنف، واستباحة الدماء، خاصة تجارب الخلفاء، وفتوحات المسلمين. وموقف الخلفاء من الآخر، وشروط المواطنة المفروض عليهم عنوة كالجزية وضرائب أخرى. حيث عاشت الأقليات مستبعدة في ظل الخلافات والسلطنات المسلمة. وراحت الأقلام تبرر السياسات التعسفية ضد الآخر، وتشرعن السلوك اللا أخلاقي منه، فكيف يكون التراث بصورته القاتمة مصدرا للأخلاق، ومنبعا للقيم الإنسانية؟. الأخلاق تتنافى مع العنف. والفعل الأخلاقي يرتهن في صدقيته للدافع الإنساني، ويأتي به الفرد بعنوان الواجب الإنساني، بينما دوافع العنف سياسية وطائفية. تختزن الإقصاء. فينعكس سلبا على ضمير الإنسان ووعيه. والكلام ناظر للعنف كثقافة ووعي وأيديولوجيا، فلا يصلح مرجعية للأخلاق وقيم الفضيلة.

أما العنف كفعل خارجي وما هي مبرراته؟ فهذا أمر مختلف، فيما إذا توقف الفعل الأخلاقي على ممارسة العنف، فإنه يقدّر بقدره، ومازاد يتنافى مع المنطق الأخلاقي، القائم على رفض الظلم والجوار. كما لو اندفع شخص إنسانيا لانتشال شخص من الموت، شخص مجهول بالنسبة له، غير أن انتشاله اقتضى قدرا من العنف، كوجود شخص ثالث يريد قتله. فقدر الضرورة لا يسلب الفعل الأخلاقي صفته، ومازاد يدان عليه. فالعنف يصدق عليه مفهوم القوة، كما ميزت في كتاب تحديات العنف بين العنف والقوة المشروعة، لضرورات أمنية، تقدر بقدرها.

- إن تراث الفِرق والمذاهب المحكوم لمنطق الفِرقة الناجية مصدر للكراهية والاحقاد ونبذ الآخر. يشهد لذلك حجم الروايات والنصوص المحرضة ضد الآخر، وهذا بطبعه يولد مشاعر كراهية، ينكص معها الضمير الإنساني عن القيام بواجبه الرقابي، حينما يتغاضى عن الظلم والجور، ويتراخى عن القيام بواجبه الأخلاقي لأسباب طائفية وسياسية.

- يصدق على مفهوم التراث، الروايات والفتاوى والآراء الفقهية التي تتخذ من تلك الروايات دليلا شرعيا، هي الأخرى تحرض على الكراهية ونبذ الآخر، خاصة عندما يُستثنى الآخر من مفهوم الإيمان، كما في توزيع الزكاة والحقوق الشرعية والمناصب الحكومية. أو الفتاوى التي تدعو للتبرئة من المناوئ المذهبي، وعدم مصاهرته، وغير ذلك من أحكام وفتاوى تسمم الروح الأخلاقية، وتقلب موازينها بحجة شرعيتها، وشرعية أدلتها. والأشد الفتاوى التكفيري، التي تهدر دماء الند المذهبي أو السياسي.

- الفقه السلطاني الذي تم التنظير فيه لشرعنة السلطة مهما كانت ظالمة، وشرعية قتل معارضيها، بحجج واهية، كالحفاظ على الدين، ولا أدري ما علاقة الدين بالخلفاء والسلاطين؟. ولماذا ينهار بانهيارهم؟ وكم عدد الذين فارقوا الحياة، ولم يتأثر دين الناس بموتهم. لكنها عناوين لتشويه الحقيقة، وحماية الاستبداد السياسي. ولا تخفى تداعياتها، حينما يتبنى المتلقي تلك الأحكام السلطانية، ويعتبرها مرجعيات فقيه مثالية؟.

- تراث الملوك والسلاطين، الذي يسعى لأنسنة الظلمة والجبابرة، من خلال التأكيد على الجوانب الإنسانية، مهما كانت ضئيلة، باهتة، واستبعاد انحرافاتهم الأخلاقية والسلوكيه. فتبدو سيرتهم مشرقة بالعدل والإحسان. وهي صور مؤثرة عندما تسوق بأساليب أدبية، وسرد تاريخي مشوق، فتعمل على تزوير الوعي.

- كل تراث يهدر كرامة الإنسان، ويكرّس روح العبودية، ويركز على جسد المرأة ومفاتنها على حساب كرامتها وحيثيتها الممتهنة، والنصوص التي تدافع حق العبث بهن، تحت عناوين الجواري، وملك اليمين والإماء، وينسى الكارثة اللا إنسانية التي أودت بهن سبايا في قصور الخلفاء والسلاطين.

ما تقدم إذاً يبرر استثناء التراث الإقصائي من النصوص التي يمكن توظيفها لتعزيز القيم الأخلاقية وتحفيز الضمير ليواصل عمله الرقابي الصارم. نحن بحاجة إلى تحشيد كل مصدر ثقافي لضمان فعل أخلاقي يساهم في تعزيز فرص قيام مجتمع الفضيلة. غير أن الاستثناءات التي مرت، لا تخدم المهمة الأخلاقية.

التراث الإنساني

نخلص أن مقابل التراث الإقصائي ثمة تراث إنساني مضيء، يثري المشاعر الإنسانية، ويكرس القيم الأخلاقية، وهي نصوص ذات نزعة إنسانية تثري القيم الأخلاقية، وتمد الفرد بطاقة روحية، كالكتابات الصوفية والأخلاقية والتربوية والفنية والجمالية والأدبية بمختلف أجناسها. التراث الإنساني الأصيل، الخالي من الطائفية والكراهية مصدر إلهام للأخلاق وقيم الفضيلة، ومقاوم لثقافة الكراهية والعنف، يركز على الإنسان كقيمة عليا، ويؤكد على مركزيته والاهتمام بمصالحه. يرفض استغلاله وتوظيفه، ويدعو للمطالبة بحقوقه المشروعة، سيما حريته. فينبغي استثماره، لتصحيح السياقات السلوكية للمجتمع. كما ينبغي توظيف كل التراث العقلي والعقلاني في صراعنا الحضاري مع التخلف والخرافات وخطابات التفرقة والتشظي. التراث الإنساني بطبيعته يفتح آفاقا إنسانية واسعة، تحرر الوعي من مخالب الطائفية والتخلف، وترقى بالفرد لمستوى المسؤولية التاريخية. ويساعد على إحياء الضمير البشري، بما يختزن من طاقة مؤثرة إيجابية. ويصدق أن التراث الإنساني العقلاني، الذي يجعل من العقل مرجعية لأحكامه، ويعتبر الإنسان قيمة أساسية، يصلح ان يكون مرجعية حاسمة عندما يلتبس الوعي، لهذا يعتبر العقل العملي معيارا للقيم الأخلاقية.

إن تداخل المقدس بالمدنس، والسماوي بالأرضي، والإلهي بالبشري أحد الأسباب التي دعتنا للتفتيش عن روافد ثقافية إنسانية، لحماية الضمير، وهو يخوض في كل يوم أعتى المعارك مع مغريات الحياة وانهيار القيم الأخلاقية الأجتماعية، وتمادي الناس بالظلم والعدوان، وهيمنة المشاعر الطائفية.

إذاً مفهوم التراث هنا، يستثني النصوص ذات النزعة الإنسانية المقومة للروح الأخلاقية. أي النصوص التي تنظر للإنسان بما هو إنسان، بعيدا عن خصوصياته وانتمائه. الإنسان الذي كرمته السماء قبل الأرض لإنسانيته، ذلك المفهوم الذي يجد صده في أعماق الروح، واقتضى تفضيله على كثير من المخلوقات: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً). أو النصوص التي تعالج قضايا إنسانية من منظور إنساني محض، تنعكس إيجابا على مشاعر الفرد، وتغذّي وازعه الإنساني الذي هو رهان الأخلاق. فهي ثقافة نقية، غير ملوثة بالكراهية والأحقاد، وعصية على الأدلجة والتوظيف الطائفي. نحن نعاني الآن من المنطق الطائفي الإقصائي الذي لا يكتفي بسلب الفعل صفته الأخلاقية، بل ويشرعن الرذيلة أخلاقيا، وهذا النصوص قد تحد من التمادي اللا أخلاقي، حينما تحرك مشاعر المتلقي، وتفرض عليه مراجعة سلوكه. وبالتالي، لم يكن الدين هو الرافد الوحيد للرصيد الروحي والثقافي الذي نراهن عليه في تعزيز رقابة الضمير، وتزكية النفس البشرية. غير أن الدين وقداسة النصوص أقوى مصادر الإلهام الروحي. لكن ماذا تبقى من المدونة الأولى للنص المقدس بعد استثناءات عريضة لآيات الأحكام، بما فيها آيات القتال، والآيات الناظرة لقضايا خارجية استدعت أحكاما استثنائية؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي المفكر الفاضل ماجد الغرباوي
كل المودة والتقدير
حتما لا اجاريك في مجال مشروعك النقدي النهضوي في نقد وغربلة تراثنا العربي الاسلامي
واجد من يعتبر تراثنا منذ عصور تدوينه ولحد اليوم كفيل بحل كل اشكالية معاصرة تواجهنا علمية او معرفية
لن يضيف شيئا في اعلاء شأن تراثنا بمقدار الاساءة له في تحنيطه بمقولات دوغمائية بدلا من النقد المنصف الذي يعطيه
مكانته الحضارية المعاصرة, فباستثناء قدسية القران الكريم والسنة النبوية المطهرة فكل ما هو شرح وتفسير مضاف
يقع حتما تحت طائلة المساءلة النقدية التي لا يقوى عليها سوى نخبة من المتنورين الذين يؤدون رسالتهم في الحياة
شكرا لجهودك وتحياتي

علي محمد اليوسف
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لمحبتك وبهاء حضورك الاخ الباحث الفلسفي القدير الاستاذ علي محمد اليوسف. انه توضع الكبار. شكرا لك دامئا وشكرا لمداخلتك القيمة. بالفعل انها اساءة وعدم احترام للعقل. اتمناك بعافية

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

منذ الغربال لنعيمة و حتى الغربال الجديد لمندور و العلاقة بين القديم القديم و القديم الجديد او الثابت و المتحرك مثار جدل و اخذ و رد.
و ربما من التجارب المعاصرة مشروع المفكر التنويري عبد الله الغذامي. فهو يميز بين التقاليد و التراث. و بين سلطة الوهم و سلطة التاريخ.
و مؤلفاته عن المرأة و الجسد و اللغة تضع الدال و المدلول امام مرحلة ما بعد أدونيس.
مع الاقرار باستمرارية الديالكتيك الأدونيسي على غرار ديالكتيك كبار غير عرب امثال هيغل و بعده ماركس ثم فوكو و دولوز و دريدا .. إلخ..
لست متفلسفا. و لا عالما. لكن اهتماماتي المتواضعة هي التي تقودني للاهتمام بهذه المسألة . ان لم يكن من الزاوية الفقهية كما لدى الاستاذ الغرباوي على الأقل من زاوية معرفية.
لنقل انها وجهة نظر انسان قلق يخاف من الخطط المبيتة لهذه الشريحة المسكينة من مجتمعنا العربي و هي شريحة المثقف الذي تطارده سلطاته.
التعرية التي ترتكبها زوايا من السلطات بحق المثقف لن تدفعنا لنكون راقصات ستربتيز.
لدينا فضائح و عري بما يكفي و لا ضرورة للمزيد من هذه الغلطات .
شكرا..

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لك اخي العزيز د. صالح الرزوق وشكرا لمتابعك وتفاعلك مع الحوارات. دمت بسلامة

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

مقال ممتاز و عميق و واضح من مفكر جاد رصين مخلص لفكره و لأمته و وطنه.

د.ظريف حسين
This comment was minimized by the moderator on the site

مودة وتقدير واحترام لبهاء حضورك الاستاذ الدكتور ظريف حسين. رضاك عن كتاباتي اسعدني. دمت بعطاء وعافية اخي الكريم

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5286 المصادف: 2021-02-24 03:48:33


Share on Myspace