 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (211): أنسنة المقدس والأخلاق (2)

majed algharbawi11خاص بالمثقف: الحلقة الحادية عشرة بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

ثالثاُ - الاصطفاء: وهو أقوى تبادرا للذهن من القسمين المتقدمين، وأوضح مصاديق المقدس الديني، وأكثرها سطوة ورهبة وثراء. بل أن قدسية الرموز الدينية الكبرى من البديهيات عندهم، رغم تفاوت مستوياتها تبعا لمصاديقها وطبيعة النصوص التي دلت عليها، آيات أو روايات. كما أن دلالة المفهوم تتعدى التنزيه والتطهير والتعالي إلى التفويض أو الولاية التكوينية والتصرف بالكون. أي تتعدى من كون القداسة أمرا اعتباريا أو فيضا وتشريفا إلهيا، إلى سلطة حقيقية وإرادة تكوينية، حداً تصديق كل ما يُنسب لهم من خوارق وما يحاك حولهم من قصص وخرافات. ومردّ الملازمة بين المقدس والأسطرة في أذهان الناس، دلالة الاصطفاء الإلهي على التفويض، كأن يكون الاصطفاء تفويضا بالضرورة، بلا دليل قرآني سوى رغبات يسقطونها على رموزهم وأوثانهم البشرية. لا فرق في ذلك بين الاصطفاء الحقيقي كالأنبياء، والمزيف، وهو ما ينسب زورا وبهتانا لبعض الرموز الدينة بدوافع مختلفة. ولعل مرد الملازمة أيضا قياس الغائب على واقع العلاقات الاجتماعية ودور الولاء في السلطة. وهو قياس خاطئ. لعدم التجانس بين العلاقتين. علاقة الخالق بالمخلوق. وعلاقة الفرد مع أبناء جلدته. قد لا يعي الفرد الفارق النوعي بين العلاقتين، غير أن تمثّل العلاقة في المخيال البشري تتوقف على استعارة أمثلة حياتية، لتقريب المفهوم، كقياسه نعيم الجنة بما يحيطه من نعيم الدنيا. وبشكل أدق، إبهام المفهوم لا يعطي نفسه سوى تهويمات والتماعات تستمد وجودها من قبليات المتلقي وتتجلى من خلال خياله، فيصدق أنها تستمد حقيقتها من قبلياته، غير أن هذا لا يعني تطابق الصورة المتخيلة مع الواقع. وهو شأن جميع القضايا الغيبية. وقد مرَّ البيان في كتاب: النص وسؤال الحقيقة. وهنا نقتصر الكلام على الاصطفاء الإلهي وعلاقته بالقداسة، وأما تفصيلات المصطلح فقد مرَّت مقاربتها تفصيلا في كتاب: الفقيه والعقل التراثي. ص 232 وما بعدها.

لا ريب بوجود ملازمة بين الاصطفاء والقداسة، بمعنى السمو والرفعة والخصوصية. فمن يشهد له الكتاب بالاستقامة والقرب الإلهي، فهو شخص مقدّس، استثنائي في أخلاقه وسلوكه وحكمته. لكن السؤال: هل هناك ملازمة بين الاصطفاء الإلهي والأسطرة والإسراف في الغلو؟ هل يلزم من قداسة الرمز الديني ولايته التكوينية، وقدرته على التصرف بالكون، والإتيان بالمعاجز؟. أما بالنسبة لبعض الأوساط الدينية فهي من المسلمات وفي صميم عقيدتهم، وقضية راسخة، على أساسها يتوسلون برموزهم المقدسة لقضاء حاجاتهم، وتحقيق أحلامهم. وقد ساهم هذا التصور الساذج في بذر أو نواة لتشكّل سلطة الكهنوت عبر تمادي القرون، عندما ارتهن إرضاء الخالق برضا المخلوق / الرمز، ثم تولى الكهنة ورجال الدين دور الأوصياء، وهو عمل لا أخلاقي في حقيقته، مهما اتخذ من الدين وسيلة للتستر على حقيقته. فتفكيك الملازمة بين المقدس والأسطرة، وفضح سذاجة الوعي، يساهم في انتشال الوعي، واستعادة حرية الناس. مما يتطلب تمهيدا لفهم مصدر شرعية الاصطفاء، وما هي حدود سلطته؟

الاصطفاء مصطلح قرآني ورد في سياق الحديث عن الأنبياء ومهامهم الرسالية، لبيان لا فقط منزلتهم وسموهم وقربهم من الله، بل ثمة إشارة غير مباشرة لخصائص ذاتية يتصف بها الأنبياء والمرسلون تؤهلهم لتحمل أعباء الرسالة، ليس منها نقاء الدم، وطهارة العنصر أو أية صفة تبتعد عن القيم الدينية والإيمانية: كقول الآية: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ). وهنا يمكن الإشارة إلى تجارب الأنبياء الروحية، التي هي شرط الانفتاح على الغيب وتلقي الوحي الذي هو عملية مبهمة. فثمة عناصر في تجاربهم لا تقتصر على السمو الروحي والتماهي مع المطلق بل تتجاوزهما إلى أفق فهم الوجود وغاياته ومقاصده، إضافة لمعطيات التجربة الروحية التي لا ندركها ما لم نعش ذات التجربة، وهي تجارب فريدة، مهدت لتلقي الوحي. وبشكل أدق، إن عدم التجانس بين عالمي الغيب والشهادة، بين المقدس والمدنس، بين الإنسان والمطلق، يتطلب سموا روحيا يخلق وسطا يؤهل لتلقي الوحي، الذي هو لحظة تماهي وانكشاف الحقيقة، يلتقطها النبي وهو في أوج عروجه الروحي. ولا شك أن هذا المستوى من التجارب الدينية والقرب الإلهي يفرض قدسيتهم بالمعنى الإنساني للمفهوم، لا بالمعنى الأسطوري. وهي قداسة تستمد حقيقتها من الفارق الجوهري بين الخالق والمخلوق. حيث تنعدم المقارنة ويصدق الفيض الإلهي. ويصدق حينئذٍ أن هذا النوع من القداسة المختص بالأنبياء اعتبار وفيض وهبة إلهية، تقدر بقدرها. نتحرى حدودها لتفادي تداعيات الغلو، وأخطرها مصادرة الحريات، وارتهان الوعي، مما يسمح باستغلال الناس لمصالح طائفية وسياسية. فاتضح ثمة قيم ومبادئ وراء اصطفاء الأنبياء. وخصائص ذاتية تؤهلهم لتلقي الوحي وتحمل أعباء الرسالة: (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ). مما يؤكد أن الاصطفاء صفة تفاضلية على أساس روحي إيماني، وخصائص ذاتية ومؤهلات شخصية، لا تخرج عن حدود إنسانية الإنسان، لا عنصرية ولا قَبَلية، وإلا يلزم الشرك بالله: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا)، (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ). وأما آية: [...(وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ، وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ، وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ). فـ"من" التبعيض تنفي مدخلية "النَسَب" كقيمة عنصرية، رغم أن بعضهم ذرية بعض، فثمة طبيعة مشتركة بين هؤلاء الأنبياء تؤهلهم للنبوة والاصطفاء والتفضيل. وأيضا قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ، ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، فأيضا لا تشترط النَسب والقرابة أو الذرية وإلا فيتعين الإطلاق، غير أن هؤلاء أنبياء يوحى لهم، فنفهم أن الوحي كان أحد أسباب اصطفائهم، وأخيرا فإن آية: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)، لا تعني الفوضى في نسبة الاصطفاء فنقتصر على القدر المتيقن. ونحتاج الى تشخيص عالم الغيب والسرائر، لذا قال: (وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ)...].. المصدر نفسه، ص234.

وعي المفهوم

إن الاصطفاء الذي يدور الحديث حوله يتعدى الاختيار إلى ما هو أعمق دلالة حيث يشير الجذر اللغوي إلى الصفوة، وصفوة الشيء أو خلاصته، فيكون السياق دالا على إرادة المعنى الحقيقي للفظ. كما أن المفهوم بالمعنى القدسي يستمد شرعيته ووجوده من مصدره. وصدقيته تتوقف على وجود نص قرآني صريح بالخصوص لرفع اليد عن الأصل. أي أصل عدم ثبوت الاصطفاء لأحد. فهو منصب إلهي ذو دلالات خاصة. ونسبته لشخص لم يصرح به قرآنيا يشكل خطرا على الوعي الديني. ويفتح ثغرة لاستغلاله. وهذا ما نؤكد عليه دائما لفرز الاصطفاء الرباني عن غيره. ما يهمنا فعلا أن الاصطفاء ذات مقاصد ربانية، لا يلزم منه وجود طبيعة بشرية مختلفة، كما يدعي الخطاب العنصري، وخطابات الغلو الديني والقَبَلي، لأن الناس خُلقوا من نفس واحدة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً). ويبقى منضبطا ضمن سياقه الديني وحدود دلالاته، دون أسطرة أو غلو.  غير أن الاصطفاء في الوعي الجمعي لا يحيل على التعالي والمثالية والتزكية المطلقة فقط بل ويجنح للأسطرة والغلو ومنافسة الخالق في صفاته، والارتفاع به فوق النقد والمحاسبة. بينما القرآن يؤكد على بشرية الأنبياء، وثمة آيات تنفي عصمتهم الأسطورية. وهناك آيات تراقب وتحاسب: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ)، التي تؤكد إمكانية التقوّل رغم عدم وقوعه فعلا، فتكون دالة على نفي عصمة الأنبياء ايضا. وقوله: (عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ)، (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ).

عندما نتأمل المفهوم كما هو متداول، نجده ذات دلالات واسعة، كما ذكرتها في كتاب الفقيه والعقل التراثي، 234، تؤهل للانزلاق بالغلو والأسطرة، وهي:

- قدسية المُصطَفى: بمعنى تعاليه على النقد والمحاسبة، كلازم للمفهوم في وعي المتلقي.

- حجية سلوكه وأقواله مطلقا: باعتباره مثلا أعلى للكمال الديني – الإنساني.

- ولايته: التي يستمدها من ولاية الله، وفقا لدلالات بعض الآيات. وليس المقصود بالولاية خصوص الولاية السياسية بل الأعم، كولايته على المؤمنين أو أوسع من ذلك.

- وجوب موالاته وعدم خذلانه أو التخلف عنه.

- يكون مقياسا للحق والباطل: وقد ينسب له علم الغيب والتفويض والولاية التكوينية.

وقد ناقشت كل واحدة منها في محله، وهنا نبغي تحديد دلالات المفهوم قرآنيا وكما يبدو لنا من سياق الآيات، لتدارك أي التباس بين المعنيين المتداول والقرآني، ووضع حد للغلو الملازم للمفهوم، فإنها بلا دليل سوى أوهام الحقيقة وسذاجة الوعي واستغلال الكهنة ورجال الدين لطيبة الناس وبساطتهم وهي أساليب لا أخلاقية. فما هي دلالات المفهوم قرآنيا؟

قد لا يتبادر من لفظ الاصطفاء في الكتاب أكثر من دلالاته اللغوية، غير أن التأمل في سياق الآيات التي ورد فيها المصطلح يفرز مجموعة عناصر أو مكونات لمفهوم الاصطفاء. فإذا عجزنا عن تقديم تعريف جامع مانع منطقيا لغموض مفهوم الاصطفاء الإلهي، فيمكننا الترعيف به من خلال مكوناته ولوازمه. أو بشكل أدق تبرز للمتأمل في سياق الآيات بعض المشتركات، لا تتبادر لذهن القارئ العادي ومن أدمن رثاثة الوعي، وتستدعي العقل أداة لتشريح المفهوم وتحديد مكوناته. فالعقل يدرك بأن الخالق بما هو خالق حكيم، محيط بكل شيء، عندما يصطفى شخصا، يصطفى من تتمثل فيه صفات الكمال ليصدق مفهوم الاصطفاء، أي اختيار صفوة الشيء وخلاصته وفق معاييره. فالناس متفاوتون في وعيهم وإدراكهم وإيمانهم وجميع الصفات، وعندما يصطفى الخالق شخصا يختار صفوة البشر بما يحقق إرادته وقصديته. وبالتالي ستساهم هذه المشتركة في وعي مغاير لمفهوم الاصطفاء ودلالاته ووظائفه، وتقطع الطريف أمام الغلو والاستغلال. وهذه المشتركات هي:

1- الاصطفاء شأن إلهي: يتوقف ثبوته على وجود آية صريحة: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ). وبهذا تضع الآية حدا لفوضى الاصطفاء التي تطلق على كثير من الرموز بدواعٍ طائفية. أو مجرد تكهنات تفتقر للدليل القرآني الصريح. بما في ذلك مصاديق الآيات المطلقة كآية: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى)، فهي أيضا من مختصات الخالق، لا يمكن الجزم باصطفاء أحد بغير دليل. وحينئذٍ يختص الاصطفاء بذات الرمز دون سريانه لغيره من الناس، مهما كان قربه، إلا إذا نص الدليل القرآني عليه.  

2- المسؤولية: (الاصطفاء تكليف لا تشريف). مما يؤكد قصدية الاصطفاء، لا مجرد تشريف خارجة المسؤوليات الرسالية. بل ثمة مهمة وراء اصطفاء الأشخاص، كما في قوله: (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ). فعندما يختار الخالق من عباده نبيا يصطفى الأقدر على تحمل مسؤولية الرسالة السماوية. والوحي شرط النبوة. وقد يحتج أحدهم بمريم التي نصت الآية على اصطفائها: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ). فما هي مسؤوليتها؟: وهنا نؤكد أن المسؤولية أعم من المسؤولية المباشرة لحمل الرسالة: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)، فتشمل ما يتعلق بها من مهام غيرها، كما بالنسبة للملائكة، وقد عهد لمريم بناء شخصية رسالية هي شخصية عيسى النبي، وكانت تنتظرها مهمة مشاركته في حمل الرسالة، وكانت آية للناس، كما في قوله: (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ). وطالما جاءت في سياق مشاهد الأنبياء.

3- المثالية: كشرط ضمني للاصطفاء والنبوة، فعندما يصطفي الله  نبيا يصطفي الشخص المثالي في أخلاقه وسلوكه وإيمانه وصبره إلى غير ذلك من صفات تستدعيها مهمته: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ). إضافة لجميع الآيات التي تحدثت عن خُلق الأنبياء وأثنت على سلوكهم ومثاليتهم. فالشخص المصطفى شخص مثالي في صفاته وسلوكه أو ينتقض المفهوم ودلالته اللغوية.

4- الحكمة: التي تعني لغة وضع الشيء في محله. وشخص حكيم: يتدبر الأمور بعقلانية وروية: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ). وهي تارة تكون دالة على الاصطفاء وليست لازمة له، كما بالنسبة للقمان: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ). لأنها مشترك إنساني، تشمل الأنبياء وغيرهم: (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ). وقد تكون هبة إلهية كما بالنسبة لداود: (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ). وبما أن مسؤولية الاصطفاء مسؤولية رسالية، فتستدعي حكمة الرمز المصطفى.

بهذا نفهم أن ما يبدو للمتأمل في استعمال اللفظ وسياق الآيات أن الاصطفاء يدل على هذه المشتركات، قد تتفاوت مستوياتها وهذا لا يمنع من أصل صدقيتها. وأما الزائد وهو أسطرة الرمز المصطفى، فلا دليل عليه من القرآن، بل الآيات تؤكد بشرية الأنبياء، واحتمال وقوعهم في الخطأ، واختيار غير الأولى. هي أمور طبيعية للإنسان، والأنبياء ليسوا استثناء: (... قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ، قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ). (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ). والآية تقطع الطريق أمام كل محاولات الارتفاع بالرموز فوق البشر، لأن هذا التعالي شأن إلهي، وهو واحد لا شريك له. (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ). فكيف تنسب لهم المعاجز والخوارق، بلا دليل صريح من القرآن وهي من مختصات الخالقية، وشأن إلهي لا يسري لغيرهم؟.

إن مشكلتنا اليوم ليست في عجز الأدلة عن بيان الحقائق، بل مشكلتنا الأساس مع رثاثة الوعي، والجمود والمصالح الأيديولوجية، ووجود حواضن للغلو، تشكل درعا يصعب زعزعته بسهولة. وهي معاناة حقيقية لمن يروم ترشيد الوعي، وفضح تزوير الحقائق لغايات طائفية وسياسية.

يأتي في الحلقة القادمة.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5345 المصادف: 2021-04-24 03:24:24


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5740 المصادف: الثلاثاء 24 - 05 - 2022م