 آراء

صلاح حزام: لاعمل سياسي بدون فكر

صلاح حزامالعمل السياسي سواء أكان من خلال الانضمام الى حزب او حركة سياسية او كفرد مستقل، غير ممكن بدون وجود أطار فكري واضح ومُعلَن وبدون وجود برنامج عمل يستند الى ذلك الأطار الفكري كمرجعية للنشاط السياسي.

بدون الانتماء الى فكر معروف يتحول العمل السياسي الى نشاط يشبه عمل العصابات الإجرامية التي تهدف الى جني الأموال بمختلف الطرق والأساليب.

والّا بماذا يُفسِّر الشخص انتمائه لحزب او حركة سياسية؟ ان لم يكن ايماناً بفكر تلك الحركة فهو انتماء الى عصابة.

من ينتمي الى عصابة، لن يسأل عن موقف رئيس العصابة من الدين والدولة والنظام الاقتصادي والعلاقات الخارجية والمرأة والطفل وشبكات الأمان الاجتماعي ومكافحة الفقر الخ...

ينتمي الشخص الى العصابة لكي يدفعوا له المال فقط مقابل قيامه بأي عمل يُكلّف به !!!

كيف يمنح الناس أصواتهم للأشخاص والأحزاب دون فكر مُعلن يؤمنون به ؟؟

من المفروض أن الأشخاص ذوي الميول الاشتراكية او الرأسمالية او الدينية او القومية والقومية المتطرفة وانصار البيئة وانصار المرأة الخ ... يبحثون عمّن يمثلهم في الطيف السياسي الذي تتنافس مكوناته في الانتخابات ويدققون في برامج تلك الأحزاب والحركات والافراد، لكي يمنحوا أصواتهم لمن يتفقون معه.

بدون وجود وعي ونزعات محددة لدى الجمهور وبدون صورة وهوية واضحة لدى مكونات الطيف السياسي، لن يكون للعملية الانتخابية اي معنى..

افراد يؤمنون بمباديء وقيم وسياسات معينة ويبحثون عنها في الحركات والاحزاب المتنافسة، مقابل ذلك هناك حركات واحزاب تمتلك مثل تلك المباديء والقيم والبرامج وبشكل واضح ومعلن ( لا أقصد انها تمتلك شعارات صحفية وانشائية سطحية).

الانتخابات، فلسفياً، تشبه عملية الذهاب الى السوق للتسوق بحريّة (مع امتلاك المال اللازم)،حيث تكون السلع معروضة بوضوح والمشتري يتجول ويسأل ويدقق مع البائع قبل ان يقرر ماذا يشتري ..

في الانتخابات الحرة والحقيقية، يكون المشتري هو الناخب، والسلع المعروضة هي الجهات المتنافسة في الانتخابات التي تعرض مالديها بوضوح تماماً مثل عَرض السلع في السوق .. امتلاك الحق في التصويت هو مثل امتلاك المال عند الذهاب الى السوق .

مفوضية الانتخابات (او مايماثلها في الوظيفة) تلعب دور دائرة التقييس والسيطرة النوعية والتي تضمن للمشتري (الناخب) سلامة وصحة السلع المعروضة (الجهات السياسية المتنافسة)..

وهكذا نجد التماثل والتطابق تقريباً بين الديمقراطية الاقتصادية والديمقراطية السياسية .

التقيتُ في اكثر من مناسبة خارج العراق مع اشخاص كانوا سابقاً قادة في أحزاب سياسية مهمة في العراق .. كلهم يرفعون شعار الاشتراكية كهدف مركزي، لكني اكتشفت انهم لايعرفون عنها سوى كونها شعار وبعض الكلمات والجُمَل العاطفية السطحية مثل إنصاف الفقراء وماشابه .

لايعرفون ان كون الحزب اشتراكي يعني ان لديه موقف من عدد كبير من القضايا عليه التعامل معها اذا وصل للسلطة في مجال الاقتصاد والسياسة الخارجية والسياسة الاجتماعية والتشريع وحقوق النساء والاطفال والفئات المهمشة وواجبات الدولة وواجبات الناس الخ....

بهذا المعنى وبالرجوع الى تاريخ الحركات السياسية في العراق، كم حزباً كان لديه مثل هذا الفكر الواضح والعميق؟؟

كل ما اطلعت عليه كان حشواً انشائياً لاقيمة له .

تابعتُ قبل فترة سلسلة مقابلات مع شخص عراقي، قضى ١٦ عاماً في السجن ولم يلتقِ بعائلته لمدة ٢٠ سنة، حكم عليه بالاعدام ثم تم تخفيف الحكم الى المؤبد..

كان ينتمي الى حزب قومي وحُكم عليه في الثمانينيات ووضع في سجن ابي غريب..

ترك اطفاله صغاراً والتقاهم خارج العراق رجالاً..

سؤالي: من أجل اي مباديء وافكار عظيمة قدم هذا الرجل كل هذه التضحيات ؟؟

كل الاحزاب القومية كانت شعاراتها:

وحدة، حرية، اشتراكية

او

اشتراكية، حرية، وحدة

لخلق بعض الاختلاف !!

كلهم لم يقدموا شرحاً علمياً لاشتراكيتهم !! احدهم يقول انها اشتراكية عربية، والآخر يقول انها خاصة، والآخر يقول طريقنا خاص في بناء الاشتراكية، وآخر يربطها بالاسلام وبالامام علي والخليفة عمر الخ ...

لكنها كلها انشاء فارغ وعاطفي، وكلهم طبقوا رأسمالية الدولة ..

شعار الحرية، جعلوه رمزاً للقمع والاستبداد وسحق المجتمع ..

اما الوحدة، فان كل زعيم لحزب قومي كان يُنصّب نفسه زعيماً للعروبة من المحيط الى الخليج، دون تفويض او شرعية!! كل منهم مسك بوابة من بوابات الوطن العربي واعلن قيامه بالدفاع عنها (لا ادري لماذا تكون بوابات الوطن العربي مشرعة دائماً وتحتاج الى فارس يسحق شعبة دفاعاً عن تلك البوابة نيابة عن الأمة)!!!

 

د. صلاح حزام

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

الكاتب القدير الدكتور صلاح حزام
مقال دقيق جداًَ ورأي أكثر فهما لطبائع السياسة وأقرب معرفة بدوران عجلة الديمقراطية
تلك العجلة التي قد تكون فارغة المضمون في حالة غياب الأفكار الثرية والمنفتحة.
والملاحظ أن السياسة في الثقافة الغربية ثرية بأفكارها وتنوعها المعرفي، ليس فقط على مستوى الأحزاب،
بل على صعيد الممارسات وفهم القوانين والآليات وراء ممارسة الديمقراطية وقيم الانتخابات وعمل المؤسسات.
أما في عالمنا العربي، فالكارثة أن أصحاب السلطة واقفون على تلال من الجهل إزاء طبيعة الدولة ونظامها السياسي
ورغم نضوبهم من الأفكار إلا أنهم يصرون على تعميم حالة انعدام الفكر إلى أبعد مدى.
ليت السياسيين العرب يدركون أن السياسة دون فكر حقيقي هي إهدار لجميع ثروات المجتمع
وتلك هي المشكلة التي نعيشها منذ عصور الدويلات والعصبيات مروراً بالدولة الوطنية المتسلق على أكتافها جهلاء بدرجة رؤساء!!
طابت أوقاتكم وخالص تحياتي

سامي عبد العال
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5383 المصادف: 2021-06-01 10:05:41


Share on Myspace