 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (218): الحافز الذاتي والأخلاق

majed algharbawi5خاص بالمثقف: الحلقة الثامنة عشرة بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

الحافز الذاتي والأخلاق

ماجد الغرباوي: انتهى الحديث عن رهانات الدين في تقويم سلوك الإنسان وحماية ضميره. نعود لمواصلة الحديث عن المستوى الثالث من مستويات الفعل الأخلاقي وهو الأهم جدا، بعد أن تحدثنا مفصّلا عن المستويين الأول والثاني. حيث مهّدت في مبحث الأخلاق والجزاء، بما يلي:

(...هنا يبرز سؤال: إن شرط الفعل الأخلاقي أن تأتي به لذاته، ويكون هو المحرك له إيجابا وسلبا. فهل يفقد صفته الأخلاقية حينما يؤتى به بداعي القربى وطمعا بالثواب، أو الخوف ودفعا للعقاب؟.) ثم وضحت الفكرة: (لا ريب، إن لازم القول بالحُسن والقُبح العقليين أن تكون الأخلاق مطلوبة بذاتها باعتبارها أحد تجليات إنسانية الإنسان التي يفترق بها عن غيره من الكائنات. فيأتي بالفعل الأخلاقي بدافع ذاتي، نابع من إنسانيته وطبيعته البشرية، بغض النظر عما يترتب على الفعل الأخلاقي من نتائج كالثواب أو العقاب. وبشكل أدق، إن إنسانية الإنسان تدفع باتجاه الفعل الأخلاقي بمعزل عن أية إرادة خارجية، فتكون مبادرة تلقائية، وتحفيز ذاتي، عفيف دافعه الأخلاق كتجلٍ إنساني فقط. فيبادرالمرء لاستغاثة أخيه الإنسان بحافز إنساني ذاتي. مبادرة محررة من كل قيد وشرط أو وفقا للمصطلح المنطقي قضية لا بشرط من جميع الجهات. بعيدا عن قبلياته الدينية والطائفية. وبعيدا عن أيديولوجيا تعيق مبادرته، بما فيها الأوامر الدينية، وما تفرضه العادات والتقاليد من أحكام تارة تكون جائرة ضد الآخر المختلف. فمصدر الإلزام سيكون ذات الحافز الذاتي المعبّر عن إنسانية الإنسان. بل يصدق أن نقول: "إن الفعل الأخلاقي هو الفعل الذي يشتمل على مبررات ذاتية، نابعة من طبيعته الإنسانية، تفرض المبادرة له".

والجواب: هناك ثلاثة مستويات للفعل، يمكن من خلالها تسوية هذا الإشكال، كي لا يفقد الفعل صفته الأخلاقية، ويكون للدين دور يعزز القيم الإنسانية.

1- الفعل بذاته: قد يتصف بالحُسن أو القُبح، بموجب أحكام العقل العملي الذي يهتدي لها ببداهاته وفطرته الإنسانية السليمة. فيكون حكمه حكما أخلاقيا على ذات الفعل، دون ارتهانه لأي جهة خارجية، دينية أو عرفية أو قانونية. ويأتي به الفرد، أو ينهى عنه، بحافز أخلاقي ذاتي. 

2- الفعل كممارسة سلوكية: حيث يتجلى الفعل الأخلاقي. وهنا يتوقف الوصف على نوايا الفرد، وسبب اندفاعه. فإن كان الدافع ذاتيا فيصدق أنه فعل أخلاقي، أو تنتفي عنه صفة الأخلاق. في الحالة الأولى يتسجيب لضميره الشخصي، وينتهى عن الفعل القبيح خوفا من توبيخه. بينما الحالة الثانية مرتهنة لجهة خارجية فتخسر صفتها الأخلاقية.

3- الفعل عندما يتعلق به أمر خارجي: كالدافع الديني أو العرفي أو القانوني. فهل يفقد صفته الأخلاقية؟. وكيف نوفق بينه وبين الأوامر الإلهية؟...). فالحديث إذاً يقتصر على المستوى الثالث.

المستوى الثالث: الفعل عندما يتعلق به أمر خارجي

تقدم أن شرط اتصاف الفعل بالأخلاق صدوره بحافز إنساني ذاتي وإرادة حرة. أو لا يتصف بها إذا شابت نواياه شائبة مادية أو معنوية. أو كان مجبرا على عمله. وعندي لا تكفي نية المرء في صدق الصفة الأخلاقية، وإن كانت مهمة، ما لم يترتب على عمله أثر إنساني، لأن الحُسن والقُبح من مدركات العقل العملي، والعقل العملي كما جاء في تعريفه: (مبدأ إدراك "ماذا يجب أن أفعل؟"). فهو ناظر للفعل وللسلوك. وقد بينت مفصلا مبررات شروط الفعل الأخلاقي، وعدم كفاية الإرادة الخيرة كما ذهب لذلك كانط، حيث جاء في مقطع متقدم: لا شك في أهمية النية بالنسبة للعمل، ولا شك أنها خير بذاتها، غير أن الفعل الأخلاقي كما أعتقد هو الفعل الذي يحقق إنسانية الإنسان، بشكل تتجلى إنسانيته بذات الفعل الأخلاقي. ولا يكفي التوقف عند الإرادة الخيرة، لأننا نتطلع لموقف عملي. وما لم يحقق إنسانية الإنسان يُستبعد الفعل، مهما كان ظاهره الخير، كالرياء الذي يصعب رصده بسهولة، فإنه يخرج عن كونه فعلا أخلاقيا. الفعل الأخلاقي يترك أثرا تكونينا حينما يزكي النفس ويجردها من أنانيتها وطموحاتها المخلة بالأخلاق، ويغدو الآخر نفسه عندما يتعامل معه على أساس إنساني. وهذا الفهم ينسجم مع رؤيتي للمشروع السماوي الهادف لإقامة مجتمع الفضيلة، بل ينسجم مع كل مشروع مثالي، يسعى لتحقيق سعادة الإنسان. وبالتالي فخيرية الإرادة تتحقق بفعل أخلاقي خالص، لا يقصد منه سوى تحقيق إنسانية الإنسان، ولا تكفي مجرد النية. لكنها تشفع إذا إلتبس الأمر، ووقع ما لا يقصده. وعليه لا يصدق المفهوم ما لم يكن دافعه الواجب الإنساني النابع من إنسانيته وأعماقه وفطرته السليمة. أي بما أنه إنسان أولاً وقبل كل شيء، فإن إنسانيته تفرض عليه الإلتزام بالفعل الإخلاقي لتأكيد صدقية إنسانيته.

وأما مجرد إرادة الخير التي يعتبرها كانط الفعل الأخلاقي الوحيد المطلوب لذاته، يواجه مشكلة نسبية مفهوم الخير بلحاظ مصاديقه. بينما الفعل الأخلاقي بدافع إنساني يختزل الخير بما يحقق تراكم الخير الإنساني. الخير العصي على التوظيف لمقاصد شريرة. فيكفي نسبية الخير بلحاظ مصاديقه ولو تصورا، في العدول عن مفهوم الفعل الأخلاقي عند كانط إلى ما هو أكثر تمحضا للخير. فالعمل الأخلاقي "ما يحقق إنسانية الإنسان". وعندما تتحقق إنسانية الإنسان بالفعل الأخلاقي يساهم في تعزيز الأمن والاستقرار والسعادة، وهي أهداف سامية، يطمح لها الإنسان السوي. لا خلاف حولها بين السماوي والأرضي، فتكون قانونا عاما، ومشتركا إنسانيا، ينبثق عن إنسانية الإنسان، ويكون الإلزام فيه إلزاما إنسانيا، يحقق به الإنسان إنسانية دون قصد منه. بمعنى أدق أن شأن الفعل الأخلاقي تحقيق إنسانية الإنسان، وحينما لا يحققها لا يُعد فعلا أخلاقيا، يبقى الفعل الأخلاقي مطلوبا لذاته، لا يستمد خيره من مقاصد ثانية. وتحقيق إنسانية الإنسان هي الخير الأسمى، ذلك الجوهر الذي ترتهن له صدقية الإنسان. ويمنكن اختزال الفعل الأخلاقي ومببرر وجوبه: (ما كان حافزه ذاتي وفاء لإنسانيته). فيكون الوفاء لإنسانيته مبرر شرعيته، وليس مجرد الواجب الأخلاقي. ولا المنفعة أو اللذة. وبهذا التعريف للفعل الأخلاقي نخلق روح المبادرة والاندفاع الذاتي لعمل الخير. بهذا أصبحت معالم الفعل الأخلاقي واضحة، من خلالها نمّيز الفعل الأخلاقي عن غيره. وهو موضوع البحث والمعني بإشكالية الدين والأخلاق. فالمقصود ذات الفعل الخارجي عندما يأتي به  الفرد هل كان بدافع إنساني خالص كي يصدق عليه مفهوم الفعل الأخلاقي أم لا؟. وبالتالي لو كانت نيته قبل تحقق الفعل خارجا غير إنسانية خالصة، لكن لحظة تحقق الفعل خارجا كان بنية إنسانية خالصة، فحينئذٍ يصدق المفهوم.

وهنا لا بد من التذكير بأمرين، الأول: إن سلب الصفة الأخلاقية عن الفعل لا يفقده صفة الخير العام بالضرورة. فقد يشمله عنوان العمل الصالح ومفهوم الخير العام. وأقصد به كل عمل صالح يترتب عليه أثر إيجابي للفرد أو المجتمع أو كلاهما، سواء كانت دوافعه أخلاقية أو دينية أو عرفية. فمن يأتي بعمل صالح بدافع القربى أو بأي دافع لا يفقد صفة الخير العام، فهو خير يترتب عليه أثر اجتماعي ونفسي. وهذا ليس مقصودنا من عنوان البحث: (الفعل عندما يتعلق به أمر خارجي). المقصود ما إذا تعلقت بالفعل إرادة إلهية هل يفقد صفته الأخلاقية أم لا؟. والثاني: إن هذا الإشكال لا يرد على الاتجاه الذي يعتقد بقيام الأخلاق على الدين بمعنى التشريع، ويرى أن الحُسن والقُبح ما حكمت به الشريعة وليس العقل. وإنما يرد الإشكال على من يعتقد بإستقلال الأخلاق عن الشريعة، ويؤمن أن الحُسن والقُبح ما حكم العقل بحُسنه وقُبحه. وقد مرّت الأدلة على ترجيحه دون الأول. وهنا يأتي الإشكال: هل يصدق مفهوم الفعل الأخلاقي على أمر تشريعي يتنافي مع القيم الأخلاقية للعقل العملي؟ وسبق أن استعرضت جملة تشريعات كآيات القتال التي جاءت شديدة اللهجة، لا يمكن للعقل تقبلها. والنصوص والآيات التي تتعارض ظاهرا مع القيم الأخلاقية، كل الموقف من الآخر، ومطاردته أينما كان، والتشدد أضعافا مضاعفة بعقوبته، خلاف للعدل والإنصاف القانوني: (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا)، وغير ذلك من آيات وروايات، كقتل الغلام من قبل العبد الصالح.

بهذا الشكل اتضح مفهوم الفعل الأخلاقي طرف الإشكالية، والآن ينبغي تحديد مفهوم الدين الطرف الآخر لها: (إشكالية العلاقة بين الدين والأخلاق)، لنعرف مع أي مفهوم للدين يمكن تصور الإشكالية؟ وهل ثمة مفهوم يمتنع فيه التعارض بينهما؟.

المفهوم الإنساني للدين

تقدم أن استقلالية الأخلاق عن الدين، لا تقصي الدين بمعنى الإيمان، رغم جملة إشكالات تثار حول حياديته وصدقية الإيمان، وقد مرًّ تفصيل الكلام. وكان السؤال: هل سيتأثر ضمير الإنسان بالقيم الدينية في موقفه من الفعل الأخلاقي؟. وهل يقف مع الدين أم يتمرد عليه إذا اقتضى الموقف الأخلاقي الانتصار للآخر، باعتباره إنسانا، بغض النظر عن خصوصياته؟. وهنا سيفقد الدين تأثيره إذا تمرّد معتنقوه، أو يفقد الضمير صدقيته، إذا تخلى عن وظيفته. ولا نعيد ما تقدم. لكن نسأل: أي دين يمكن أن ترد عليه الإشكالات المتقدمة؟. هل خصوص التجربة الدينية التي هي تجربة روحية خالصة تمثّل جوهر العلاقة بين الخالق والمخلوق. أم الدين بمعنى العقيدة والشريعة ونسق من الأفكار والمعتقدات، يوجه وعي الفرد وسلوكه؟. هل طرف الإشكالية هو جوهر الدين أو تجلياته وتشريعاته؟ ينبغي تحديد حدود المفهوم أولاً:

الحقيقة أن التجربة الدينية، التي تربط الإنسان بخالقه، وتشده لعالم الغيب، لذلك المطلق المتسربل بجبرواته وكبريائه وعظمته، تمثل جوهر الدين، وروحه وحقيقته، وما العقيدة والشريعة إلا لبلوغ رضى الله تعالى من خلال تجربته الدينية : (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). ورضا الله هي الغاية القصوى للمؤمن الملتزم. والرضا يتحقق بمعرفة الله، وقد ذكرت أكثر من تفسير لآية: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)، أحدها أن المراد بالعبادة هي معرفة الله. كما هو المروي عن ابن عباس. وتؤكده آية: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ). فإن مهمة الإنسان دينيا أن يتمحض للإيمان والقرب من الله تعالى عن علم ومعرفة. وهذا يتحقق بالتأمل والتسليم، وكل ما يحقق الفرد من خلال تجربته الدينية. فلا تكفي العبادة وحدها ما لم يتحقق ذالك الانشداد التلقائي لعالم الغيب والشهادة، لله تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ). فيصدق أن الدين قداس يروي ضمأ الروح، يتجلى وجدا وإلهاما وجمالا، تتداعى فيه غواية الحياة سوى وهج سريرته وإنسانيته: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)... لحظة صدق، وأنفاس عبقة بالإيمان، بعيدا عن منطق الإقصاء والتهميش والتكفير، وبعيدا عن منطق الفرقة الناجية. ينأى بنفسه عن إكراهات الفقه وتخرصات التراث . التجربة الدينية بهذا المفهوم تجربة إنسانية، وقاسم مشترك للحقيقة الأخلاقية. ولكي أبدد ما يحوم حول مفهومه، اتقصى معالمه، وحدود علاقته بالأخلاق، رغم أني أشرت لها أكثر من مرة، لكن مازال الغموض يكتنفها:

جوهر الدين أو معالم التجربة الدينية

ثمة فرق بين التجربة الروحية التي هي أعم من التجربة الدينية لتشمل تجارب المتصوفة، مطلق التصوف، والتجربة الدينية التي محورها الكائن الأسمى بجميع تجلياته أو "الخالق". بهذا تفترق عن غيرها. لأن محور كل تجربة روحية هو المقدس، فتارة يكون المقدس الله أو الخالق فيصدق على هذه التجربة مفهوم التجربة الدينية، وإذا كان المقدس في التجربة شيئا آخر غير الخالق بصفاته المشخصة، فيشملها مفهوم التجربة الروحية.

1- إنها مشترك إنساني، سبقت ظهور الرسالات وبعثت الأنبياء، تجربة يعيشها كل إنسان بمفرده، تعبيرا عن حاجة فطرية، مهما اختلفت تجلياتها، ومهما تفاوتت نسبتها، بمعزلٍ عن إنتمائه الديني والاجتماعي. أو بشكل أدق أن فطرة الإنسان بطبيعتها تعيش تلك التجربة الروحية، وخصوص التجربة الدينية بمختلف تجلياتها. فهي مخلقوقة بشكل تعتكف على ذاتها، تتأملها، تراجعها، ويكون الضمير رقيبا عليها.

2- تمثل التجربة الدينية جوهر الأديان، دون إقصاء للعقيدة والشريعة، بل أن غاية العبادات صقلها وتمتينها. ويكون دور الأنبياء إرشاديا لتفادي أي زيغ عن الحقيقة.

3- العبادات والشعائر والطقوس لا تكون دالة عليها بالضرورة، فقد يمارس الفرد عباداته، بمشاعر بعيدة عن جوهر الدين: (الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ). وقد يعيشها ضمن تجربته الروحية، فتختلف حينئذٍ تجلياتها.

4- التجربة الفطرية تجربة توحيدية، لأنها انشداد لخالق الوجود، لتلك الحقيقة المطلقة. يعيشها بكل وجوده حينما يتماهى معها في لحظة وجد متفردة. فتصدق من حيث المفهوم على كل توجه روحاني، بل وتعبر عن إيمان بوجود الخالق. فمن يشرك بالله لا ينكر وجود الخالق لكنه يشرك به. وعندما يتوجه له بروحه ومشاعره فهو يعيش ذات التجربة، غير أن الأديان اشترطت الإيمان الخالص: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ).

5- علاقة المخلوق بخالقه خلال تجربته الروحية، علاقة حب: (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)، علاقة نزيهة، سامية، لا تشوبها شائبة الكراهية أو الحقد. فهي لحظة صفاء روحي، يمكن استثمارها لتطوير مشاعر الإنسان.

6- يمثل الآخر في التجربتين الروحية بعامة، والتجربة الدينية بخاصة، الامتداد الطبيعي لإنسانية الإنسان، فتسقط جميع الاعتبارات سوى ذات المشترك الفطري والإنساني. فيشعر بشعوره، بسعادته وفرحه. بآلامه وأتراحه، فلا يظلمه ولا يعتدي عليه. فهي تجربة إنسانية، وهي دين الإنسان، لا بمعنى صنيعته بل بمعنى تجلٍ لفطرته وتأكيد ذاته.

7- الشرائع لا تمثل حقيقة الديانة الإنسانية، لأنها حاجات متغيرة يفرضها الواقع. فتكون الشريعة رؤية دينية أو نبوية للواقع: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا). بينما جوهر الأديان ثابتة، مادام الدين تجربة روحية ملازمة لوجود الإنسان.

8- الدين يضفي معنى لحياة الإنسان وهو يخوض تجربته الدينية، ويشعر بوثاقة ارتباطه بحركة الوجود. وفي ضوء تجربته الدينية يحدد خارطة علاقاته بالكون والإنسان. علاقة لا تخضع لمقاييس الشرائع، لأنها  لا تمثل حقيقة الدين، بل تمثل نظرته للواقع المتغير، ولكل حكم شروطه وفعليته.

9- ليست الفطرة سوى نفحة الله في روح الإنسان: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ). وهي مشترك إنساني، مادامت الآية تتحدث عن الجنس البشري. وعندما يبادر للعمل الأخلاقي بدافع إنساني، من أعماق فطرته، فهو بالحقيقة دافع إلهي، فثمة وحدة بين الفطرة وتجليات الخالق فيها، التي هي نفخته في روحه. فلا توجد ثنائية أو اثنينية كي يؤاخذ عليها.

10- التجربة الدينية تستعيد وعي الإنسان بذاته، وهذا أحد تجليات المعنى الذي تضفيه على حياة الإنسان. فهو في كل تجربة يكتشف ذات، ويؤكد وجوده، فيجد فيها معالمه. فيصدق أن التجربة الروحية، جوهر الأديان، هي مرآة الإنسان في حضرة الحق، وانكشاف الحقيقة.

11- التجربة الدينية تحرر الإنسان من كل عبودية عدا عبودية الله، فيصدق أن عبودية الله معادل موضوعي لمفهوم الحرية. وهو بفطرته يعرف حدوده التي بها تتأكد إنسانيته، دون التفريط بحريته التي هي لازم وجودي له.

12- لا تعني التجرب الدينية ترك الدنيا والتفرغ للعبادة والاعتكاف بالتكايا والزوايا والمساجد، بل أعني بها جوهر الدين. وكل ممارسة دينية هي في الحقيقة رافد لتنمية التجربة الدينية وصقلها كي تنفتح على المطلق، على الله، على الخالق، بأي لغة أو ثقافة. فهي ليست شيء آخر خارج الدين. بل جوهره وحقيقته، التي تبقى على كل حال، مهما تغيرت الشرائع والضرورات الدينية. بل تبقى حتى لو سقطت العبادات فرضا لا حقيقة. ولو قسمنا الشيء إلى ذاتي وعرض وفقا للمنطق الشكلي فإن التجربة الدينية التي أعنيها هي ذاتيات الشيء التي ينتفي الدين بانتفائها ويبقى ببقائها، فإذا كانت التجربة الروحية لازم وجودي للإنسان بمعنى التحقق الخارجي وليس الانطلوجي. فإن التجربة الدينية أخص منها، هي ذلك الحضور المبهم المهيمين وكيفية تمثّله.

13- النقطة المهمة جدا والتي لها علاقة بموضوع الأخلاق انتفاء معنى الثواب والعقاب في تأملات الفرد وطاعاته وعباداته، فهو يأتي بها خالصة لله: (ما عبدتك خوفا من نارك وطمعا في جنتك، بل وجدتك أهلا للعبادتي فعبدتك)، وهو قول منسوب للإمام علي، يمثل نضج التجربة الروحية. فيمتثل للفعل الأخلاقي امتثالا إنسانيا فطريا. وكذا في آية: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا). والإتيان به لوجه الله، لا يعني ارتهان العمل للثواب والعقاب، بل يعني استجابه لذلك العمق الروحي، لنفحة الله في خلقه، ذلك الحافز الذاتي للفعل الأخلاقي.

14- التجربة الدينية رغم أنها تجربة روحية، تقوده فيها مشاعره، لكنها لا تستبعد العقل ولا تتمرد عليه، بل تستضيء بنوره وهدايته.

بهذا نخلص أن إشكالية العلاقة بين الدين والأخلاق غير متصورة على مفهوم الدين بمعنى التجربة الروحية. بينما هي راسخة على مفهومه المتداول والشائع. فيستدعي مقاربته من زاوية مغايرة.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5395 المصادف: 2021-06-13 04:36:35


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5745 المصادف: الاحد 29 - 05 - 2022م