صحيفة المثقف

محمود محمد علي: من رباعيات: عمر الخيام إلي رباعيات صلاح جاهين (1)

محمود محمد عليقراءة في جدل السؤال والاندهاش

أنا لست في مقام الناقد الأدبي المتخصّص، لكني قارئ نهم لنصوص الشعر القديم والحديث منذ نعومة أظفاري، ففي اليومين الماضيين أتيت على ديوان “رباعيات الخيّام “بتعريب الشاعر أحمد رامي، والمؤلف هو غياث الدين أبو الفتوح عمر بن أبراهيم الخيّام المعروف بـ {عمر الخيّام} 1040 -1131 م، ولادة ووفاة نيسابور بلاد فارس، والخيّامُ لقبُ والدهِ حيث كانَ يعمل في صنع الخيام، وهو شاعر وفيلسوف وعالم رياضيات ؛ وخاصةً في موضوع الجبر حيث أشتغل في المعادلات الجبرية من الدرجة الثالثة، وعالم فلك أشتغلَ في تحديد التقويم السنوي للسلطان ملكشاه والذي صار التقويم الفارسي المتبّعْ اليوم، وهو فيلسوف متصّوّف أتهِمَ بالألحاد وأحرِقتْ كتبهُ ولم يصلنا سوى “الرباعيات” التي أحبها الناس بشغف وحُفِظّتْ في صدور المتتبعين والتي جسّدتْ شخصيتهُ وفلسفتهُ في الحياة (1).

والرباعية هي مذهب ونمطْ ولون شعري أختصّ بهِ وحدهُ {رباعيات الخيّام} للشاعر الفيلسوف {عمر الخيّام}وعرض علينا مذهبهُ الشعري هذا، وقد تقرأ الرباعيات ساعة، ولكنك تحس إنّك عشتَ حياة الخيّام طوال عمره، والرباعيةُ هي قالب شعري يرجع إلى أصول فارسية، أشهرها كما قلنا رباعيات عمر الخيام (2).

بدأ الشاعر الكبير أحمد رامي ترجمة رباعيات عمر الخيام عندما كان في باريس 1923 بعد دراسته اللغة الفارسية في مدرسة اللغات الشرقية في جامعة السوربون، وقد صدرت الطبعة الأولى في القاهرة في صيف 1924 ؛ ومن قبل رامي ظلت رباعيات عمر الخيام غائبة في بطن الكتب، حتى ترجمتها إلى الإنجليزية الشاعر “فتزجرالد” سنة 1859 ثم توالت الترجمات بها بعدة لغات أجنبية، وقد صدرت باللغة العربية مترجمة عن الإنجليزية (3) ؛ ويقول أحمد رامي في مقدمة رباعيات عمر الخيام التي ترجمها “يذكر أنه في سنة 1930 اكتشف أول مخطوط مصور لرباعيات الخيام بخط أحد سكان مدينة مشهد سنة 911 هجرية وأول من تنبه إليه شخص يسمى “نجيب أشرف” فاشتراه وأهداه إلى مكتبة بتنا بالهند، وأوراق هذا المخطوط خالية من ذكر طريقة انتقاله من فارس إلى الهند. وفيه ست ومائتان رباعية مكتوبة بخط جميل، وبه من الصور البديعة ما يجعله طرفة فارسية نادرة (4).

ورباعيات الخيام تحكي ما بداخل الخيام من عشق، وحب، وأمل، وخمر، وتفاؤل، ويأس، وقنوط، وصوفيّة، وتمرد، وتديّن، وندم، وهذهِ بعض من مقاطعها:

سمعتُ صوتاً هاتفاً في السحرْ.

نادى من الغيبِ غفاة البشرْ.

هبوا أملأوا كأسَ المنى قبلَ أنْ.

يملأ كأسَ العمرِ كفُ القدرْ.

القلبُ قد أضناهُ عشق الجمال..

والصدرُ قد ضاقَ بما لا يقالْ.

أفقٌ خفيف الظلِ هذا السحر.

نادى دَعْ النومَ وناغِ الوترْ.

فما أطالَ النومُ عمراَ ولا.

قصّرَ في الأعمارِ طول السهر.ْ

فأمشي الهوينا إنّ هذا الثرى.

منْ أعيُنٍ ساحرة الأحورار.

وهكذا تتوالى رباعيات الخيام كأنها حوار أو صراع بالحجة والمنطق بين ثنائيات مُتعددة ومُتقابلات في بحث النفس البشرية عن الكمال، بين نقيضين، البطل والخصم، المؤمن والملحد، الزاهد والوجودي، والأبيقوري والأفلاطوني. رباعية تضعنا في المسجد ورباعية تضعنا في الحانة، تارة تدعونا الى العبادة وتارة الى الطرب، طوراً تشدنا الى الملذات وطوراً تشدنا بالعفة، مرة تغوينا بالعشق الجسدي، ومرة تسمو الى الحب الإلهي. وبين هذا وذاك، نسمع نغمات كئيبة ومتشائمة، ترثي، وتندب الذات البشرية؛ وقد أثنى المتصوفون الذين جاؤوا بعد الخيام على الرباعيات ووجدوها تعج بالمعاني والرموز الصوفية، فتناقلوها واستشهدوا بها. وإذا بالخيام الذي يحث على النهل من مباهج الحياة وملذاتها، يحث على التعبد والقناعة والزهد. وليست تلك المباهج برؤيتهم غير رموز: الروض يرمز إلى الدنيا، وخد الحسناء الى الحقيقة، والخمرة إلى ماء الحياة، وأنغام العود الى التناغم الأزلي في الوجود، والجداول والأنهار ترمز الى الجنة (5).

ويرى الكثير من النقاد أن ترجمة “أحمد رامي” لرباعيات الخيام فاقت النص الأصلي جمالاً، لكن لا يخلو هذا القول من إجحاف لجماليات الرباعيات وسلاسة أفكارها الأم ؛ وقد انتقل هذا القالب إلى الشعر العربي الحديث وأصبح فنًّا من فنونه المحببة التي يُقبل عليها كثير من الشعراء الذين يرتبط شعرهم بالغناء، أو محبة الحياة، أو حتى التفلسف، أو التأمل في أحوال الكون، لكن تلك الرباعيات، دائمًا ما ترجعنا إلى تأملات عمر الخيام في رباعياته الشهيرة، التي تبارى الشعراء العرب في ترجمتها، ولعل أشهرها – فيما يعرفه الذوق المصري- ترجمة أحمد رامي التي غنت بعضها الفنانة المصرية “أم كلثوم” (ذات الصوت الندي) فجعلتنا نهيم بها عشقًا (6).

وإذا كانت الحيرة مؤلمة فليس هنا لذة تفوق لذة هذه الحيرة التي يلقيك “عمر الخيام” في أحضانها أو بين مخالبها، ذلك لأنها ليست ناجمة من أنك تجد نفسك في فراغ من حوله فراغ، بل لأنك في قلب دوامة تدور من حولك لا تعرف أين رأسها من ذيلها، هذا هو عين الخدر الذي يحبه الكبار الذين يركبون أرجوحة الصغار (7).

والرباعيات هي أفضل القوالب للشاعر الفيلسوف الذي يريد أن يعرض علينا مذهبه، لا في بحث فقهي، أو في تتابع منطقي، بل في ومضات متألقة. الديوان حينئذ يأخذ شكل العد الذي تنسلك فيه حبات من أحجار كريمة مختلفة المياه، ولكنها تنبع جميعًا من معين واحد؛ والرباعية الواحدة تنبئ عن إقبال شديد على الحياة وإكبار لها. وتعلق بها، وتنبئ في الوقت ذاته عن الاستهانة بهذه الحياة واحتقارها لا تدري أهي لذة حسية أم هي لذة روحية؟.. أمتفائل هو أم متشائم مؤمن؟. .هو أم كافر؟.. هل هو مطمئن أم خائف؟.. هل هو مستسلم للحياة أم رافض لها؟.. هل هو يؤمن بالبشر، أم يكفر بالفناء، أم بالبقاء؟ هل يعطف على ضعف الإنسان أم يضيق به؟.. قد لا تعرف كيف تجيب على هذه الأسئلة. ولكنك ستعرف ولا ريب شيئًا واحدًا لا يمكن لك إنكاره: هو أنك لقيت عنده السعادة التي كنت تتمناها ولا تجدها: أن تقابل فنانًا أصيلاً لأحد لإنسانيته ورقته وصدق نظرته وعمقها، هو وحده الذي يجود عليك بفيض الكريم؛ وتنم رباعيات عمر الخيام عن أنها لم تتشكل إلا بعد أن استقر ربها على رأي فلسفي في الحياة، نضج عنده أولا وتحدد، ثم تكامل واتسق. وحتى إذا كان قوام هذا الرأي القاطع هو الحيرة، فإنها حيرة مقننة ثابتة، إنه المحور المرسوم من قبل الذي تدور عليه الرباعيات جميعها، كل واحدة منها تقيس منه وتنعكس عليه، كل رباعية جزء فيه خصائص الكل، يكشف ويعرف به، فلا نشعر ونحن نمضي في قراءتها أننا نشهد تشييدًا متعاقبًا لبنيان لا نعرف كيف يكون إلا بعد تمامه. الرباعيات تتعلق بالرأي وحده دون صاحب الرأي، فليس فيها إشارة تنبئ عن شخصيته أو هيئته أو صفاته (8).

أما صلاح جاهين فقد كتب رباعياته منجمة، في كل عدد من صحيفة أسبوعية واحدة، وما أظنه دار في خلده أو في خلدنا، وهو يفعل ذلك أنه يعكس في هذه الرباعية، خصائص الكل لرأي فلسفي في الحياة نضج، واستقر في ذهنه، بل خيل إليه – كما خيل إلينا – أنه ترك حبله على الغارب. ما وقع في شبكته من صيد فهو قانصه، يستمد الرباعية مرة من عالم الفكر وحده، ومرة من مشاهدة المحسوس، ولا بأس عليه أن يشير أحيانًا إلى شخصه (9).

وعن شخصه كما ورد عنه هو: صلاح الدين أحمد بهجت حلمي الشهير بـ ” صلاح جاهين، وهو أحد الأدباء الذين شكلوا الوجدان المصري الحديث، فكان شعره يمثل نقلة نوعية في شعر العامية علي مستوي الشكل والمضمون (10)، فهو فنان مبدع، متعدد المواهب، ابتكر عددا من شخصيات الكاريكاتير الشعبية، وأثار برسومه معارك سياسية، وفكرية كبيرة، وهو أحد راود الكتابة لمسرح العرائس في مصر بل وفي الوطن العربي، كما كتب استعراضات كثيرة للتلفزيون وسيناريو وحوار عديد من الأفلام، وأيضا كان لأدواره التمثيلية في الأفلام السينمائية طبيعة الإنسان المصري الشهم المنتمي إلي أرضه وناسه ومجتمعه، ويتجلى ذلك في أفلامه ” المماليك” و” اللص والكلاب”، و” لا وقت للحب”، وقد نال وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولي، كل ذلك إلي جانب عمله الصحفي الذي بدأه في عام 1952م، وتألقت أعماله الفنية في روز اليوسف، واشترك في إصدار مجلة ” صباح الخير”، ثم انضم للأهرام عام 1964م (11).. وللحديث بقية..

 

أ.د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..................

1-أنظر كتاب عمر الخيام عالم الفلك والرياضيات وكتابه نوروز نامة، ترجمة رمضان مصطفي متولي، مراجعة وتقديم، السباعي محمد السباعي، المركز القومي للترجمة، الهبئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة، 2008، ص 19-22.

2- أنظر رباعيات عمر الخيام، ترجمة أحمد رامي، ار الشروق – القاهرة الطبعة الاولى 1421هـ، ص 12.

3- أحمد إبراهيم الشريف: رباعيات Omar khayyam.. قصة ترجمتها على يد الشاعر أحمد رامي، مقال بصحيفة اليوم السابع المصرية، السبت، 18 مايو 2019 10:43 ص.

4- أنظر رباعيات عمر الخيام، ترجمة أحمد رامي، مرجع سابق، ص 16.

5- أنظر د. حسين جمعة: فلسفة الخيّام في الرباعيات (بين الوجود والعدم وبين الزهد والتصوف)، القاهرة، 2015، ص 17-19؛ وأنظر أيضا فريد نعمة: رباعيات الخيام.. فلسفة عشق وتأملات حياة، مقال منشور بصحيفة البيان في الأول من ذو القعدة 1442هـ.

6- د. جابر عصفور: رؤى نقدية عن رباعيات صلاح جاهين، مقال منشور بالأهرام، في السابع من يوليو عام 2017.

7-أنظر: مقدمة الكاتب الكبير يحيى حقي لرباعيات الشاعر العظيم صلاح جاهين، ضمن مختارات أدبية، القاهرة، 2011، ص 17.

8- المرجع نفسه، ص 44.

9- المرجع نفسه، ص 46.

10-نبيل بهجت: القيم وأثرها على البناء الفني في مسرح الطفل عند صلاح جاهين، المجلة المصرية للدراسات المتخصصة، جامعة عين شمس – كلية التربية النوعية، ع16، 2017، ص 15.

11-جابر بسيوني: صلاح جاهين الشاعر المفكر، مجلة الأدباء، جمعية الأدباء، العدد الثالث، 2007م، ص 90.

 

في المثقف اليوم

في نصوص اليوم