 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (220): التعارض بين جوهر الدين والأخلاق

majed algharbawi7خاص بالمثقف: الحلقة العشرون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

جوهر الدين والأخلاق

ماجد الغرباوي: خلاصة ما تقدم، أن جوهر الدين وحقيقته ذلك القاسم المشترك بين جميع الأديان. أو "تلك الحقيقة التي يدور مدارها صدق وعدم صدق مفهوم الدين". وما عداها تمظهرات، وأنحاء من التدين، كالعبادات والطقوس والشعائر والتشريعات، لا تسلب جوهر الدين حقيقته مهما اختلفت أو تغيّرت استجابة لضرورات روحية أو اجتماعية.  وجوهر الدين خصوص التجربة الدينية. ذلك الحضور المهيمن للغيب، وكيفية تمثّل المطلق، الكائن الأسمى، فتكون أخص من التجربة الروحية، بينهما عموم وخصوص مطلق، وفقا للمنطق الصوري. فكل تجربة دينية هي تجربة روحية بالضرورة، لكن ليس كل تجربة روحية هي تجربة دينية، فتبقى التجربة مرتهنة لدلالة المقدس. أو ما يشير له المقدس خلال تلك التجربة تحديدا. لذا فالتجربة الدينية تختلف عن المشاعر، وما يعتري الفرد في أجواء الطقوس والممارسات العبادية، لتعدد مناشئ وجودها.

التجربة الدينية، تجربة تمثّل المطلق / المقدس / الخالق. حينما تنفتح على الغيب، تتأمله. تستنطق ذلك الصمت المهيب، فتشعر بقوة حضوره وهيمنته. بلا حاجة لحواسك الخمسة. وحينما تتأول ما تشعر به من إيحاءات، أو ما يتراءى لك، تنبهر بتلك الحقيقة أو بعضها، فتستغن به عن أي دليل عقلي لتأكيد حضوره، حدا تكون التقوى مؤشرا ودالة على يقينك، وثقتك. فتناجيه من أعماقك، فتتردد أصداؤه في أرجائك. فتسمو فوق نوازعك المادية، وترقى في أخلاقك. إنها لحظة انفتاح على الغيب والمطلق، تعيشه في أجوائك الروحية، وتشعر بها خلال تأملك ودعائك. فينتابك يقين بامتلاك الحقيقة أو بعضها. لا ينازعك حولها أحد، لأنها تجربة شخصية، وعلاقة خاصة مع خالقك، موطنها القلب. وهي لحظة تأويلية بامتياز، لعدم وجود لغة مشتركة، وعدم وجود تجانس بين عالمي الغيب والشهادة. بين الوحي أو الإيحاء وبين التلاوة والنص والقراءة. فيكون المعنى مرتهنا لتأويل ما يدركه وما يوحى له خلال تجربته، بأي شكل أو دلالة موحية. أو أن ما يقر في قلبك دال على تأويل ما يشرق في أعماقك. تبدأ بسيطة: (باندهاش أو سؤال أو ملاحظة أو حالة نفسية تمر بك، أو حضور روحي خلال عبادتك أو تأمل وأنت تقارب الأسئلة الوجودية الكبرى أو حضور روحي مفاجئ أو تضطرك الحاجة للتعلق بالغيب)، ثم تتطور عبر تزكية النفس من أدران الذنوب والموبقات، والمشاعر النرجسية والفوقية، ثم تتصاعد كل حسب وعيه وقدرته على تمثّل القضايا المجردة. وكما يقول السيد محمد باقر الصدر هناك مراتب غير متناهية ترقى بك إلى الخالق. وهي أنحاء متطورة من الإدراك والتمثّل، حتى تصل مرحلة النبوة، التجربة الدينية المتطورة جدا، ودالتها الوحي: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى،إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى). التجربة الدينة هي ذلك الانقطاع للخالق، لذلك اللغز المحيّر، مهما طالت أو قصرت، حينما تحتضنه في قلبك، وتنجايه في أعماقك، فأنت في كل هذه الحالات تستحضره، تتمثّله، فيشرق في أرجائك. تأنس به، وتثق بوعوده، لا يرتابك شك بوجوده. تقطع أنه يسمع ويستجيب دعاءك، ويتجاوز عنك، ويغيثك إذا استغته، فهي تجربتك مع الله خالصة، حيث تبقى أنت الإنسان مجردا عن كل شيء، في مقابل الله الخالق المطق. تلك هي تجربتك، التي لا يمكن أن تتعارض مع الأخلاق، بل تلهمك الأخلاق والقيم الإنسانية الرفيعة. فتكون علاقة خالصة مباشرة مع الله لا تتخللها أي شائبة شرك تحت أي عنوان، الشفاعة أو غيرها: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ)، (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ).

وبهذا يتضح الفرق بين المشاعر الروحانية والإنسانية المتولدة عن التجربة الدينية والتجربة الروحية. الأولى تفيض عن ذات التجربة الدينية، تجربة المخلوق بالكائن الأسمى / الخالق. فتورث اليقين عندما تكون مصدرا لإيمانه، وتمحّصه عندما تكون تالية له. وتتولد عنها مشاعر إنسانية، تتفجر ينابيع حب إنساني نقي، يخلو من التعصب والانحياز. بينا المشاعر المتولدة عن التجربة الروحية قد تصاب بلوثة الطائفية والأيديولوجية، فتجده شخصا روحانيا ويضمر كراهية الآخر المختلف دينيا وثقافيا. فالتجربة الدينية هي المقصودة بعدم التقاطع بينها وبين الأخلاق. تلك التجربة القائمة على التحرر المطلق. وتتجلى فيها الحرية بأنصع صورها. الحرية هي القدرة على الاختيار، بعيدا عن أية مؤثرات مادية أو معنوية.

إن هدف الأديان ترشيد الوعي لمركزية العقل، وتعميق الحضور الميتافيزيقي في أعماق النفس البشرية، لاستعادة إنسانية الإنسان المهددة دائما بفعل نزواته، وما يحيطه من تحديات وإكراهات قد يخضع لها لا إراديا. الحضور الميتافيزيقي يخلق وازع التقوى ويسمو بالإنسان فوق توافه الحياة، وتغدو الأخلاق طبعا وسمة، تلك الأخلاق الإنسانية المفعمة بالمحبة والصدق والإخلاص والعدل وعدم الظلم والجور والشعور بالتفوق العنصري أو المادي.

وهنا تنبيهات تخص ذات التمثّل في التجربة الدينية بعد أن بينت ميزاتها وطبيعة اختلافها عن التجربة الروحية:

1- إن التجربة الدينية تجربة شخصية، متفاوتة، بما في ذلك تجارب الأنبياء كما جاء في الآية المتقدمة حول مستويات قربهم من الله. وبما أنها متفاوتة فهي نسبية. تبقى مفتوحة الأفق، ويبقى الإنسان يسعى في كماله ورقيه الروحي.

2- إن تمثل الخالق أو الكائن الأسمى في التجربة الدينية، تمثّل لقضية مجردة، ميتافيزيقية، لا حقيقة لها خارج فضائه المعرفي، وقدرته على استفزاز مخيلته، فتتناسب طرديا مع خصوبة الخيال، وقدرة العقل. فيكون الفرد شريكا في خلقها. أما فضاؤه المعرفي فهو تراكم لقبلياته وتأملاته وتمثلاته، وما يتوالد عنها من صور ذهنية في قاع الخيال، فتكون دالة على خصوبة خياله، وقدرته على الإبداع. وبالتالي فإن قبليات الفرد تؤثر في نضوج التجربة الدينية وتحديد ملامحها وهويتها.

3- إن تمثّل المطلق، عملية تأويلية، محكومة لقبليات الفرد، تفرضها عدم  تجانس عالمي الغيب والشهادة، وعدم وجود لغة مشتركة، أو واقع يمكن الاحتكام له، فيتأول الفرد ما يجده محاطا به، الذي قد يكون وحيا كما بالنسبة للأنبياء. أو ما يبدو له أو يشاهده أو ما يتخيله أو ما يتراءى من نور، وما يسمع من أصوات، وغير ذلك كثير مما يقال وينقل. وليس ثمة حدود لدرجات الكمال للسمو الروحي والأخلاقي، فهي ممتدة شاسعة.

4- التجربة الدينية تجربة ذاتية، داخلية، في أعماق النفس وأفق الخيال. وما يعيشه ويشاهده أو ما يعبر عنه في اللغة الصوفية بالمشاهدات، وبلوغ درجة اليقين أو عين اليقين، لا تعني اختراق عوالم خارج حدود الوجود الإنساني.  ويبقى الفرد مرابطا داخل مخيلته، لا يغادر مكانه، ولا يطفو فوق عوالم خارج عالمه، كل هذا لا دليل عليه. فالتجربة الدينية حراك داخلي، حتى يبلغ درجة اليقين، ومن ثم حق اليقين. بشكل أدق، إن الارتقاء في مراتب اليقين ومراتب انكشاف الحقيقة، ليس انتقالا ماديا من عالم الدنيا إلى عوالم أخرى، بل آفاق جديدة للنفس البشرية، يتمثل فيها العقل عوالم مغايرة. تفتح لنا آفاقا يبدو فيها المتخيل الرمزي واقعا، يعيشه. فالعملية برمتها تجربة داخل مخيلة الفرد، وليس اختراقا حقيقيا لعوالم علوية. غير أن المكوث داخل الخيال يجعل منه واقعا، ويجعل من الوهم حقيقة. وطالما عاش الإنسان ما يسمى بأحلام اليقظة، حيث يتصور ما يود تصوره، ويتفاعل معه حد الانبساط أو الغضب، ويسقط عليه كل ما يريده. وهذا مجرد مثال لتقريب الفكرة. وليس تشكيكا بالتجارب الدينية.

5- إن نضوج التجربة الدينية مشروط بالحرية والتحرر المطلق من جميع قبلياته وأوثانه ليبقى إنسانا خالصا. أو تتعثر تجربته وقد تخفق ثم تتلاشى وتضمحل. بل أن التجربة الدينية عملية تحرير الذات من قيودها وأوهامها.

6- الفرد في التجربة الدينية يتمتع بكامل حريته واستقلاليته وإرادته، بعيدا عن أية تحيزات، فيغدو التسامح والسمو الأخلاقي طبعا وسجية.

7- المشترك بين التجارب الدينية هي ذات التجربة وليست مشخصاتها. يمر بها كل إنسان، ولو بأدنى مستوياتها حينما يرمق السماء، أو تضيق به الدنيا ويرفع يديه بالدعاء، فيجد قلبه يخترق كل الحواجز والموانع النفسية ليتعلق به، ويعيش لحظة وجد قوامها الحب الذي يدفع به لتمثله، والاستغراق به، حدا يشعر به يغمره، ويتماهي معه.

8- إن ظمأ الروح لمعرفة الحقيقة يعتبر دافعا قويا لتطور التجربة الدينية، فهو لا يكتفي بتجربته الروحية ويسعى لتبديد حيرته، فتمثّل المطلق تعبير آخر عن عجزه. أو هو الطريق الوحيد المتاح لاكتشاف الحقيقة. فتبقى التجربة الدينية، تجربة شخصية، نسبية، تتحكم بها قبليات الفرد وقوة مخيلته.

9- إن صدقية التجربة الدينية لا تتوقف على مدى مطابقتها للواقع، مادام الواقع غيبا مجهولا لنا، لا يمكننا إدراكه أو تجريبه. ولا تتوقف على صدق ما يراه في تمثلاته للمطلق. لذا يحتاج الأنبياء إلى معجزة لتصديقهم، ثم بعد ذلك نقرّ لهم بصدق دعواهم ونتعبد بما يقولون.

10- المعرفة المتولدة عن التجربة الدينية معرفة نسبية. قد تكون حجة على صاحبها، أما بالنسبة لنا فتبقى معرفة نسبية، وقضية محتملة الصدق والكذب معا، ما لم يدل الدليل الخارجي على صدقها وثبوتها. وبشكل عام كل معرفة غير قطعية، لم تصل درجة العلم واليقين، تبقى في دائرة الإمكان، الأعم من الظن والشك والاحتمال. ومادامت المعرفة في التجربة الدينية مرتهنة لقبليات الفرد في تمثلاتها، فهي معرفة حدسية، لكن أوهام الحقيقة تجعل منها معرفة يقينية بالنسبة لصاحبها فقط. ولا أقصد البعد السلبي من كلمة أوهام، بل ما يقع في مقابل اليقين. وأما المعرفة الدالة على الله فهي قضية ذاتية وشخصية غير خاضعة للاختبار، فتبقى شأنا شخصيا، لا دليل لنا على إنكارها، وهو يعتقد امتلاك الحقيقية.

11- الفرد خلال تجربته الدينية وربما التجربة الروحية أيضا يغدو وجودا إنسانيا مطلقا، وروحا شفافة تتعالى، تسمو في عالم أرقى، وهي في هذه الحال وجود أخلاقي. ينظر للفضيلة والرذيلة بعين أخلاقية إنسانية سامية، فتكون مجردة من كل ما عدا وجودها الإنساني الحر. فلا معنى للتعارض بين الديني والأخلاقي في هذه الحالة.

***

يمكن الاستشهاد بتجارب الأنبياء، كما أشارت لها بعض الآيات لتقريب فكرة التجربة الدينية، وكيف تتجلى الحقيقة حد اليقين ومن ثم عين اليقين، لا يحيد عنها. وهنا استشهد بآيات دلالتها واضحة على المطلوب. رغم أن الأمر لا يقتصر عليهم، بل تجد الإنسان العادي يعيش تجربته فتترسخ قناعته وإيمانه، عندما يستجاب دعاءه، وتنكشف كربته. وأحيانا تجد قناعته راسخة، لا تتزعزع، حتى مع عدم استجابة الدعاء، فهو يعيش يقينا عمليا راسخا متولدا عن تجربته الدينية والروحية في يقظته وفي منامه. ولنتأمل هذه الآيات التي تؤكد صدق تجارب الأنبياء والرسل، من خلال الوحي، خاصة العروج الروحي، ومعايشة الحقيقة كواقع لا ينتابه الشك، وتؤكد ذات الآيات صدقها:

- (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ﴿1﴾ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴿2﴾ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴿3﴾ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴿4﴾ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ﴿5﴾ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى ﴿6﴾ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ﴿7﴾ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ﴿8﴾ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ﴿9﴾ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴿10﴾ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ﴿11﴾ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ﴿12﴾ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴿13﴾ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ﴿14﴾ عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ﴿15﴾ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ﴿16﴾ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴿17﴾ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى).

- (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ).

- (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي). فهو يتطلع إلى أفق روحي أخصب.

- (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ). فهي تؤكد لموسى صدق تجربته الروحية، وليس بحاجة لأن يرى الله جهرة.

نخلص أن الأديان كظاهرة اجتماعية ومؤسساتية هي تجليات للحقيقة الدينية، تارة تحمل روح الدين وأخرى تتخذ طابعا منحازا يكرس الاقصاء والاستبعاد حينما يسقطان على الدين مصالحهما الأيديولوجية والسياسية. وعليه إذا كانت مقومات الأديان هي: المقدس، العبادات، الشعائر والطقوس. وبعض يضيف النذور بل وحتى المؤسسات الدينية. أو بشكل عام: كل ما يعبر عن الظاهرة الدينية، فإن المقوّم الأساس للتجربة الدينية هو المقدس فقط. وحينئذٍ يمكن تصور التعارض بين الأوامر الدينية والأخلاقية. فننتقل للمستوى الثاني:

ثانيا: تعارض الأحكام الشرعية مع الأخلاق:

بدءا هنا مقدمات يتوقف عليها فهم التعارض بين الأحكام الشرعية والأخلاق، ينبغي الإشارة لها:

المقدمة الأولى: لا يمكن تجريد الدين (لا أقل في نظر الناس) من تاريخه ورموزه ومؤسساته وشعائره وطقوسه وشرائعه وتراثه ومدوناته التأسيسية بل وحتى الثانوية بعد تدوينها، حيث تكتسب صفة دينية، وتشملها قداسة الدين لارتباطها به. وكان فصل جوهر الدين عن الدين كلام نظري لتعريفه منطقيا، كما يفعل المنطقي حينما يريد تعريف الإنسان بالحد التام فإنه يحدد جنسه وفصله القريبين أولا، وأما خارجا فلا نشاهد سوى كائن واحد هو الإنسان، الذي هو مصداق للمفهوم الذهني. كذلك بالنسبة للدين، لا يوجد سوى شيء واحد: (الكل المركب من عقيدة وشريعة وسلوك وفقا لهداية أحكام الكتاب وقيمه الأخلاقية). من يتمسك بها تصدق عليه صفة المتدين أو المؤمن الملتزم. وعنوان الموضوع هو الدين بالمعنى الثاني، حيث يمكن التعارض بين الأوامر الشرعية والأخلاقية، مادامت الشريعة جزءا مقوما للدين بمعنى المصداق الخارجي.

المقدمة الثانية: الأحكام الشرعية هي خصوص ما ورد في القرآن من أحكام، لاختصاص التشريع بالله فقط، وقد بينت مبررات هذا المبنى مرارا، وكان دليلي آيات الكتاب، ومناقشة ما استدلوا به على حجية مطلق سنة النبي قرآنيا. وقد ثبت في حينه عدم وجود أي دليل صريح من الكتاب يمكنهم الاستدلال به على حجية مطلق السنة النبوية. فتقتصر حجتها على تبليغ وبيان ما له جذر قرآني من الأحكام في ضوء الواقع وضروراته، وهذا يستدعي خبرة لتمييز الروايات النبوية، إذ تقدم أن السنة خمسة أقسام، أحدها تبليغ وبيان أحكام الشريعة الإسلامية. وما عدا السنة النبوية آراء اجتهادية، وفهما للنص تقع مسؤوليته على صاحبه. فالبحث يقتصر على الأحكام الواردة في الكتاب. وهذه المقدمة ضرورية لتفادي التباس الأمور، فثمة تراكمات فتوائية وآراء اجتهادية كثيرة جدا، لا حجية لها خارج حدود الدائرة المذهبية. وقد مرّ الحديث عن استثناء فتاوى الفقهاء والمؤسسات الدينية من الدين كمقوم للأخلاق وحماية الضمير البشري. لكن ما هو الموقف عندما تتعارض السنة مع الكتاب؟ وكثيرا ما نسمع من يستشهد بروايات أو سيرة تتعارض مع منطق القرآن أو الأخلاق؟ بلا شك هنا نقدم الكتاب، مادام صريحا واضحا بينا في أحكامه. مادمنا نجهل حيثيات السيرة. فربما ثمة مبررات شرعية أو ضرورات لو اطلعنا عليها لكانت لنا وجهة نظر مختلفة. من هذه الجهة لا تنعقد للسيرة أية حجية في مقابل حجية آيات الكتاب الكريم. فيكون أصلا ويقدم علينا دائما.

وإذا كان التعارض بين الأخلاق وجوهر الدين ممتنعا للأسباب المتقدمة، فإن التعارض بينها وبين الأحكام التشريعية، تشهد له مجموعة أحكام، صريحة في دلالاتها. ولتفادي التعميم ينبغي التفصيل بين الأحكام الشرعية التي تتعارض ظاهرا مع القيم الأخلاقية كبعض أحكام الجهاد وأحكام العبيد والموقف من الآخر، عن غيرها من أحكام الشريعة كأحكام العبادات والمعاملات وأحكام الزواج والطلاق والعقود وغير ذلك.

المقدمة الثالثة: لا تعارض بين الأحكام الشرعية والأخلاق بنظر من يرى قيام الأخلاق على الشريعة. إذ الفعل عنده حيادي، ليس حسنا ولا قبيحا بذاته، بل يكتسب صفته الأخلاقية منها، فما أمرت به فهو حسن، وما نهت عنه الشريعة فهو قبيح، وليس للعقل العملي حكم مستقل عنها، فلا تعارض إلا لدى القائلين باستقلال الأخلاق عن الشريعة. وهو ما تبناه البحث ابتداء. وقد ذكرت مجموعة مبررات لترجيح هذا الرأي، من جملتها: عجزنا عن فهم الملاكات البعيدة للأحكام التي تتعارض ظاهرا مع القيم الأخلاقية، كقتل الغلام من قبل العبد الصالح، واعتراض موسى عليه من وحي فطرته وروحه الإنسانية. كما أن القرآن ينوه: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم). مما يؤكد أن الشرائع تراعي التحولات الزمكانية. فهي متغيرة، ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة، لكن لم يجعلهم كذلك على أساس الشريعة، بل وحدهم بالدين. ونحن بصدد قواعد كلية، كونية، وإنسانية، تصلح أن تكون معيارا مشتركا بين جميع البشرية: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ)، (مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ). فالجميع ينتمى للإسلام بمعنى التسليم، ويعبدون إلها واحدا. يوحدونه ويقرون له بالطاعة والتسليم لقدرته وإرادته. بهذا يتضح إن الاتجاه القائل باستقلال الأخلاق عن الدين بمعنى التشريع هو المعني بهذه الإشكالية دون الاتجاه الثاني.

والآن نستقرئ الأحكام الشرعية لمعرفة حدود التعارض بينها وبين الأخلاق لتفادي أي تعميم، يفضي إلى تزوير الوعي على حساب الطاقة الروحية للدين التي نطمح توظيفها لحماية الضمير وتقويم السلوك الإنساني.

 

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (10)

This comment was minimized by the moderator on the site

مع الاستاذ الغرباوي كل الحق ان يميز بين العادات و الدين. او بين الايمان و التدين. فالطقوس هي مثل فعل شرطي منعكس. تتحكم به ايقاع الحياة اليومية دون تفكير. بيننا الحالة الروحية تنظيف للنفس و البدن من شوائب الحياة.
و لذلك لدينا اسلام تاريخي و تأسلم و هو ظاهرة ان لم تضر لا تنفع ايضا.

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

كان ينبغي لنا التمييز بين الدين والديني، واقصد بالدين خصوص جوهره وحقيقته، ونحن ندرس احتمالات التعارض بينه وبين الأخلاق. التعارض بينها وبين جوهر الدين سيكون من باب السالبة بانتفاء الموضوع، إذ لا أوامر ولا تشريعات، سوى الروح وما تحتضنه مشاعر التعليق بالغيب، والانشداد للخالق. تحياتي لتفاعلك الاخ الاستاذ د. صالح الرزوق

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

كالعادة يبهرنا الأستاذ ماجد الغرباوي بقدرته الفائقة على الإقناع، وذلك من خلال قدرة على التحليل والانطلاق في دراسة الظاهرة من عمقها دون تسليط لأفكار خارجية مسقطة . وهذه مزية أستاذنا الغرباوي .وحقيقة أبدع أكثر في تصوير ذاتية التجربة الدينية وما يتشكل في ذهن المتدين من فضاء ذهني يخترق عبره حدود الوجود الإنساني في سبيل إدراك مراتب اليقين .. هنا يقر الكاتب بضرورة التحرر المطلق من جميع القبليات .ولعلها رسالة مشفرة للمتلقي تقر بأن جوهر الدين هو ذلك البحث في أعماق الذات الإنسانية للوصول إلى اليقين .وذلك حين تتحرر الذات من كل المسقطات على الفكر لأن معرفة جوهر الدين إنما هو معرفة من الداخل .من الحدس ..لا معرفة حقيقية من خارج .حتى وإن خلتها الحقيقة فهي منقوصة . الغاية التي ترجى من كل ذلك تطوير التجربة لأن الروح ميالة للارتواء من نبع المعرفة الحق وليس المعرفة المسلطة بالتلقين الدغمائي والتعصب الوثوقي .جوهر الدين يمكن ان ندركه عبر التطوير المعرفي ولعل ذلك جوهر مشروع الغرباوي الفكري .

Khira Mbarki
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذة الباحثة والناقدة المميزة خيرة مباركي. شكرا لاشراقتك، وانت تداخلين على البحث برؤى، تؤكد تفاعلك وخبرتك بجوانب الموضوع، مما يعطي لمداخلتك قيمة علمية، وهو ما نحتاجه. وأشكر إشادتك بالبحث، ومشاعرك الطيبة النبيلة التي غمرتني. نعم أكدت أن شرط هذه التجربة هي الحرية. تحرر المتلقي من كل أوثنه وقيوده وتابواته. فالحرية تكون هنا شرط لصقل النفس البشري كي تسقط فوقها أنور الروح في انشدادها للغيب والمطلق. كل التقدير لك الاستاذة الجليلة. تقبلي احترامي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

على أثر الحاتمي الطائي الأندلسي وأرسلان الدمشقي. نفع الله بكم وكتب أجركم وزادكم من فضله

رشيد (فوزي) مصباح
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لثقتك اخي العزيز. شكرا لمحبتك ولطفك. خالص الامنيات لك بدوام العافية الكاتب الجيدر الاخ الاستاذ رشيد.

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

العزيز الأستاذ
ماجد الغرباوي

تحية و سلام.


2- إن تمثل الخالق أو الكائن الأسمى في التجربة الدينية، تمثّل لقضية مجردة، ميتافيزيقية، لا حقيقة لها خارج فضائه المعرفي،

مامعنى أنّ هذه القضية المجرّدة لا حقيقةَ لها

خارج الفضاء المعرفي لصاحب التجربة ؟

هل تقصدُ لا وجودَ لها ؟.

الرجاء التوضيح

مع خالص الشكر والتقدير

مصطفى علي
This comment was minimized by the moderator on the site

اهلا وسهلا بك اخي العزيز الشاعر القدير مصطفى علي، وشكرا لمتابعتك وتفاعلك مع البحث. القضايا قسمان: خارجية يمكن الاشارة إليها والاستدلال عليها. وقضايا مجردة، ميتافيزيقية، وهي كل القضايا الغيبية، ليس لها حقيقة خارجية يمكن الاشارة لها والاستدلال عليها، وبالتالي ليس لها وجود خارجي. فالمتلقي يتمثّل القضايا المجردة، من خلال مقارنتها بمعارفه وقبلياته وما يحيط به، ثم يأخذ الخيال دوره لرسم صورتها، فيكون المتلقي شريك في الحقيقة. وفي مناسبة ذكرت مثالا لتقريب فكرة التمثل بصديق يتصل بك تلفونيا، يحدثك عن نوع فاكهة موجودة في بلدك، فلا تعاني في معرفتها، وتارة يصف لك فاكهة غير موجودة، لكن يوجد ما يشبهها، كان تكون من فصيلة الحمضيات، فيمكنك تصورها من خلال القرائن. واما إذا حدثك عن فاكهة غير موجودة، وليس لها فصيلة فواكه في بلادك، فيعضيك بعض ملامحها، فأنت تسعى لتمثلها من خلال مقارنتها بما لديك من معلومات، وما استطاع خيالك من تصورها. فالمقال الاولى تستحضر طعمها ولونها وجميع صفاتها، والثانية مجرد تمثل، فهل تمثلك مطابق للواقع؟ كلا، بل من خلال بعض المعلومات (النص)، وخصوبة خيالك ترسم لها صورة ما. فالحقيقة في الاولى مطلقة وفي الثانية نسبية. فمثلا الملائكة لا نعرف عنها شيء سوى ما يصفه الكتاب الكريم، ونحن نتمثلها. ولعل في كلام النبي عن نعيم الاخرة ما يوضح الفكرة تماما. يقول في وصفه: (ما لا عين رأت ولا إذن سمعت ولا خطر على بال بشر)، فنفهم أن كل ما ذكر من ايات من وصف لا يطابق الواقع تماما بل محاولات لتقريب النعيم والعذاب. والواقع شيء مغاير. لذا بالنسبة للنعيم يقول تعالى: ورضوان من الله اكبر. وقد استفدت من هذه الاشارة دليلا على فهم مغاير لمفهوم الجزاء، وغاياته ومقاصده عند الله.
وتمثل القضايا اليمتافيزيقية لا يعني عدم مطابقتها للواقع، بل لا يمكننا الاستدلال عليها خارج النص، فنحن نؤمن بها تسليما باعتبارنا نؤمن بالله واليوم الآخر. في كتاب النص وسؤال الحقيقة، هناك تفصيلات عن القضايا لو احببت ابعثه لك.
مع تقدير

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

العزيز الاستاذ
ماجد الغرباوي.

سأكون في غاية السرور

إن شملني كرمكم بنسخةٍ

من كتابكم المشار له أعلاه

وهذا هو عنواني :
4 Galway Close
Templestowe 3106 VIC

مصطفى علي
This comment was minimized by the moderator on the site

ياليت يا اخي . لحد الان لم اقتني نسخ ورقية من كتبي الثمانية الاخيرة والاهم، ولا اعرف ماذا افعل. كنت اقصد ابعث لك نسخة بي دي اف اذا ينفعك
هذا رابط صفحتي على الفيسبوك ربما تود التواصل مع التقدير
https://www.facebook.com/majed.algharbawi/

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5409 المصادف: 2021-06-27 05:02:39


Share on Myspace