 قضايا

قاسم حسين صالح: لمناسبة اليوم العالمي لمكافحة المخدرات

قاسم حسين صالحالمخدرات وشباب العراق

ما يعنينا هنا ليس تعداد ما افسده حكم كتل واحزاب اسلامية، ولا احصاء قبائح ليس لها حد، بل ما فعلوه بأكبر شريحة اجتماعية وأقواها طاقة انتاجية.. المتمثلة باكثر من عشرة ملايين شاب عراقي.فبرغم انهم عانوا ثمان سنوات عاشوها في الحرب العراقية الايرانية تلتها ثلاث عشرة سنة من حصار على العراق، فان ما يعانونه الان في زمن حكم احزاب الاسلام السياسي.. أمرّ وأقسى وأوجع، ليس لفضاعته فقط بل ولأنه عكس المنطق، لأن النظام ديمقراطي بمعنى انه يعتمد مبدأ العدالة الآجتماعية، وأن قادتهم اسلاميون بينهم معممون يفترض انهم يطبقون حكم الاسلام في العدالة والنزاهة ورعاية الناس.

الجريمة التي ارتكبها هؤلاء (القادة) الفاشلون سياسيا، الذين استفردوا بالسلطة والثروة، انهم ادخلوا الشباب في دوامة سيكولوجية.. دوامة توالي الخيبات وايصالهم الى حالة الاحساس بانعدام المعنى من الحياة، والشعور بان وجودهم في العراق لا قيمة له.. وكان امامهم حلاّن:الهروب من العراق (الهجرة) او البقاء فيه اضطرارا.ولأن قسما كبيرا منهم ما عاد يطيق الواقع، فانه راح يفتش عن وسائل تمكّنه من الهروب من هذا الواقع، فوجدها في ثلاثة:المخدرات والمهلوسات والانتحار.

كنا تحدثنا في مقالة سابقة عن الانتحار وأوردنا بالأرقام تضاعف حالاته بين الشباب في زمن حكم الأسلام السياسي موثقة بتقارير رسمية وصحافة عالمية تتمتع بالمصداقية.. ونوجز هنا ما يثبت تضاعف تعاطي المخدرات والمهلوسات بين الشباب لتروا حجم كارثة لا تعيرها سلطة استغنت وطغت بما تستوجب من اهتمام.

المخدرات

ثمة حقيقة، وليقرأها من هم في المنطقة الخضراء، ان العراق كان في السبعينيات وما قبلها يعدّ الأقل نسبة في تعاطي المخدرات. وبنشوب الحرب العراقية الايرانية، بدأت المخدرات تدخل العراق.. بل انها بدأت تزرع ايضا بحسب تقارير الاستخبارات الامريكية التي عزتها الى ان انقطاع التمويل المالي للجماعات الارهابية ادى الى زراعة اشهر نبتة مخدرات تسمى (الداتواره) بمناطق في محافضة ديالى، فيما افادت تقارير حديثة لمكتب مكافحة المخدرات التابع للأمم المتحدة تقول بوجود ممرين رئيسين الأول عبر الحدود الشرقية التي تربط العراق مع إيران وافغانستان، والثاني يوصل إلى أوروبا الشرقية، إضافة الى ممرات بحرية على الخليج العربي تربط دول الخليج مع بعضها.. وثغرات واسعة تستخدمها العصابات الإيرانية والأفغانية.

الجديد أن العراق لم يعــد محطة ترانزيت للمخدرات فقط، وإنما تحوَّل إلى منطقة استهلاك بين اوساط الشباب تحديدا . والاكثر من ذلك، ان فلاحين في ميسان وديالى كانوا يزرعون الطماطة توجهوا الآن الى رزاعة الخشخاش والقنب والنباتات المخدرة الأخرى، ونجحت في تسويقها لان الربح فيها سريع ومغري.

 

والمفارقة ان التقارير الرسمية تفيد بأن مدنا عراقية ذات طابع ديني (كربلاء مثلا) جاءت في مقدمة المحافظات في نسبة تعاطي المخدرات، وان احصائية لمستشفى الرشاد المتخصص في الادمان افادت بان نسبة المراجعين زادت على 70%، وأن التعاطي الذي كان على صعيد الشباب والراشدين، صار الآن على صعيد المراهقين والاطفال ايضا!.وان مخدرات ما كانت معروفة في العراق صار الشباب يتعطونها بالآلاف. فوفقا لوكالة عراق برس اطلق قسم الصحة النفسية بمستشفى البصرة العام صرخة استغاثة لمساعدته بعد رواج تعاطي مادة (الكرستال) بين الشباب ابتداءا بالمراهقين ووصولا الى طلبة الجامعات. والكرستال هذا الذي يشبه زجاج السيارة المهشم يصل سعر الغرام الواحد منه (200) دولارا، يجعل متعاطيه ينسى واقعه ويحلق منتشيا في الخيال.

لم يدرك حكام الاسلام السياسي كارثة اضرار المخدرات بين اوساط الشباب، فهي على صعيد الشاب تؤدي الى: تلف الجهاز العصبي، تعطل الطاقة الانتاجية، ارتكاب جرائم سرقة، الموت المفاجيء، والانتحار. وعلى صعيد الاسرة يصبح فيها الشجار افتتاحية الصباح وختام المساء، العدوان، قتل احد افراد الاسرة، الخيانة الزوجية، ممارسة البغاء والدعارة والقوادة واكراه محارمه على الزنا!.. والزنا بالمحارم!!.فيما تؤدي على صعيد المجتمع الى تهرؤ النسيج الاجتماعي، انحرافات سلوكية واخلاقية وجنسية، زيادة معدلات الجريمة، وتراجع القيم الاخلاقية الاصيلة، فضلا عن انها تشغل الدولة بمعالجة المدمنين وملاحقة تجار المخدرات والمتعاطين واضعاف الطاقة الانتاجية وشلل التنمية.

في العاصمة بغداد، افادت التقارير بانتشار تعاطي المهلوسات بين الشباب.ومع تعدد انواعها (سوبيتاكس، اكستازي، باركيزول.. ) فان اكثرها شيوعا هي حبوب «ال سي دي».. وكلها تعمل على جعل متعاطيها يفقد صلته بالواقع، بمعنى ان الشاب العراقي المحبط، المخذول، المأزوم نفسيا.. وجد فيها فرصة للهرب من واقع الخيبات والفواجع الى التحليق في عالم من النشوة والانطلاق بلا حدود.

ومرة اخرى نقول، ان السلطة لا تدرك حجم مخاطر هذه الحبوب، يكفي ان نقول عنها ان متعاطيها يذبح الانسان كما يذبح دجاجة، والشاهد على ذلك ان داعش كانت تستخدمه مع مقاتليها الذين كانوا يفجرون انفسهم ويتلذذون بقتل الآخرين ذبحا او حرقا.

وثالث الكوارث الاخلاقية، هي انتشار (الأيدز) بين اوساط الشباب، فوفقا لتصريح مدير عام صحة الكرخ لفضائية الشرقية، فان الايدز عاد الى العراق بعد خلوه منه لثلاثين سنة، وان بغداد تشهد اصابات كثيرة بين الشباب والشابات، المتزوجين وغير المتزوجين.

نظرية سيكولوجية عراقية

اعتاد علماء النفس في العالم استخدام الحيوانات (الفئران عادة) لاجراء اختبارات عليها تساعد على فهم الانسان حين يتعرض للضغوط مثلا. وعلى مدى (14)سنة الأخيرة، كان العراق فيها مختبرا سيكولوجيا على ارض الواقع تعرض فيها العراقيون الى ضغوط لم تحصل في تاريخ الشعوب المعاصرة، وقدمت نظريات جديدة لعلماء النفس.. نجود عليهم بواحدة منها نوجزها في الآتي:

(هنالك علاقة طردية بين تزايد اقبال الشباب على تعاطي المخدرات والمهلوسات

وبين تزايد شعورهم بالاغتراب والاحساس بانعدام المعنى من الحياة،

اذا كان حكاّم ذلك الوطن يزدادون ثراءا ويتركون اهله يزدادون فقرا).

خاص بالسلطة:

لأن الأطباء النفسيين وعلماء النفس المختصين بالصحة النفسية هم الأقدر على التعامل مع هذه القضايا، فان لدينا استراتيجية للتعامل معها والحد منها، وكل ما نطلبه من السلطة هو توفير الفرصة لنا لأنقاذ جيل كامل من الشباب يتعرض الآن الى اخطر ثلاثة قاتلة: المخدرات والمهلوسات والأيدز.. ورابعها الانتحار.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5410 المصادف: 2021-06-28 02:59:26


Share on Myspace