 نصوص أدبية

علي القاسمي: الـنـجـدة

علي القاسميفتحَ عينيْه. لم يُبصر شيئًا. حدّقَ في اللاشيء، فَلمْ يرَ، أوَّل الأمر، سوى صفحةٍ من ضبابٍ كثيفٍ، أخذت تنقشع رويدًا رويدًا، ليتمكّن مِن تَـبَـيُّـن ما حوله شيئًا فشيئًا، كما تتمظهر مسودةُ صورةٍ فوتوغرافيّةٍ بعد وضعها في محلول كاشف الألوان في المختبر.

أحسَّ بألمٍ شديدٍ في رأسه، وفي صدره، وفي ذراعيْه، وساقيْه. كان مُمدَّدًا على قفاه على الأرض، بلا فِراش ولا بساط. حاول أن ينهض، ولكنَّه لم يقوَ حتّى على رفع رأسه. حَسِبَ أَنّه يستطيع النهوض إذا اتكأَ على يده اليمنى، غير أنّ ذراعه لم تستجِب له بأيّة حركة، كما لو كانت خيوط الاتصال معها قد انقطعت بالمرَّة. حوَّل بصرَه إلى ذراعه، فراعه منظرُ بقعةٍ من الدم على كُمِّ سترته. ذُعر، فصرخ بأقصى قوّته، بَيْدَ أنّه لم يسمع صرخة، ولا صوتًا، ولا مجرَّد نأمة. أغمض عينيْه.

لماذا هو مُلقًى على الأرض؟ ولِمَ الإحساس بهذا الوجع الممضِّ في الرأس؟ ونصال الألم المغمدة في أطراف الجسد كلِّه؟ لا يعرف سببًا. لا يتذكّر شيئًا. إنّه في حالته هذه أشبه ما يكون برجل كافكا الصرصار، غير أنّه لا حراك به.

استجمعَ شظايا فكره. لملمَ شتات ذاكرته، وفتح عينيْه مرَّةً أُخرى. إلى الأعلى، سماءٌ زرقاء، أغصانٌ خضراء، وعصافيرٌ بيضاء لا تكف عن الزقزقة التي تتناهى إلى أذنيه دويًّا متصلاً كدويٍّ منبعثٍ من خليّة نحل. إلى الأمام شجرةٌ مكتنزةُ الجذع، وإلى جانبها سيّارةٌ محطمة تناثر زجاجُها حَوْلها. حَوَّلَ نظراته بسرعة إلى ذراعه... بقعة الدم تتَّسع وتتَّسع. الضَّعف يدبُّ في أوصاله كقاتلٍ يرتدي طاقية الإخفاء. وبمرور كلِّ ثانية، يزداد الوَهَنُ قوة، ويمسي سيّد الموقف. سيفه المسلول ذلك الدم الهارب خارج الجسد مع النبض، قطرة فقطرة. وبقعة الدم تكبر وتكبر. أيقن أنّ نهايته قريبة، ما لم ينقطع تدفّق الدم من جرحه. ولكنَّه لا يستطيع الحركة. لا يمكنه أن يفعل شيئًا.

طريقٌ زراعيٌّ فرعيٌّ، نادرًا ما تمرُّ منه السيّارات. ليس ثمَّة بيوت للفلاحين، ولا أثر لماشية أو رعاة. أَمَلُه الوحيد في النجاة نجدةٌ ما تصله من مكانٍ ما، قبل أن ينفد زيتُ الحياة. بقعةُ الدمِّ تتَّسع وتتَّسع. لماذا لا يَتَّجه هذا الدم الملعون إلى داخل الجسد بدلا من النزيز إلى الأعلى؟ النزيف يتواصل، وهو ساكنٌ هناك في انتظار غودو، لايستطيع أن يفعل شيئًا، حتّى الكلام أو الهمس عنقاءُ يستحيل أن توجد.

لو كانت ابنته الصغيرة إلى جانبه الآن لشدَّت الجرح بخرقة من قميصه فينقطع هذا النزيف. ما أيسر الأمر... كانت تُضمِّد له ذقنَه بلصوق صغير، إذا ما انجرح أثناء حلاقة الصباح، فيرقأ الدم. ما أرقّ أصابعها البضة وهي تلامس وجهه بحنان، أو وهي تحمل كأسَ ماءٍ مثلَّج إليه... يشعر بظمأٍ شديدٍ... يتمنّى أن يعود إليها ، يراها، يداعبها، يلعب معها، يضمّها إلى صدره، يقبّلها... لا يريد أن يموت ... ولكنّ بقعة الدم تتَّسع وتتَّسع، والوَهَن يشتدُّ ويشتدُّ، ولا أثر لإنسان، ولا هدير لسيّارةٍ قادمة. أسبل جفونه.

سمعَ حركةً قريبة منه. مرهقًا فتح عينيْه بصعوبة. بقرةٌ سائبةٌ توقّفتْ إزاءه. التفتت نحوه. ثُمَّ واصلتْ سيرها عَبْرَ الطريق. تبعتْها نظراتُه. كانت وحيدة. اختفتْ في الحقل المجاور. وبقعة الدم تتحوَّل إلى الأرض بجانبه. والدوار يشتدّ. والوَهَن يزداد. انطبقتْ أجفانه.

نسمةٌ عليلة تَمَسُّ وجهَه مسًّا خفيفًا. يفتح عينيْه بجهد بالغ. يلمح شيئًا طويلاً داكنًا يتحرَّك من بعيد. بصعوبةٍ يُبقي جفنيْه الثقيليْن مواربيْن. يرى إنسانًا يسير. نعم، إنّه إنسان. إنّه يتَّجه صوبه. إنّه يقصده، بلا شكٍّ. إنّه يقترب منه. ترتفع ضربات قلبه قليلاً، كأنَّها تستحثّ القادم على الإسراع. تستعطفه. تستغيث به. النجدة! النجدة آتية. ولكنّ النزيف مستمرٌّ. وبقعة الدم على الأرض تتَّسع. والوَهَن يسود. وهو لا يستطيع أن يُبقي أجفانه مشرعة. يغمض عينيْه. دقات قلبه تتوانى، تتوارى، تكاد تندثر.

يُحسُّ وهو مغمض العينيْن ـ أنّ الرجل القادم يتوقَّف عنده قليلاً، ينحني عليه، يضع أَناملَ يده اليمنى على الجانب الأيسر من صدره، تحت سترته. من المؤكَّد أنّه يجسُّ نبضه، ليتأكّد من بقائه حيًّا. آه، لو كان يستطيع الكلام لقال له:

ـــ " إنّني ما أزال على قيد الحياة، حتّى إن لم تتناهَ دقاتُ قلبي إليكَ. افعلْ شيئًا، أرجوكَ، أتوسل إليكَ."

يحسُّ بالرجل يُمرِّر يدَه على صدره، تتعثّر بجيب سترته. لا بُدّ أنّه يريد تمسيد قلبه لـتـنـشيطه.

وبعد قليل تـنـتـقل أنامل الرجل إلى معصم يده اليسرى. يضغط على المعصم قليلاً. لا شك أنَّه يجسُّ نبضَه من مِعصمه بعد أن امتـنعت عليه دقات قلبه. لا. لا. إنَّه يزيل ساعته من معصمه... ثمَّ يسمع خطوات الرجل تبتعد عنه في اتِّجاه السيّارة.

***

قصة قصيرة

من مجموعة علي القاسمي: أوان الرحيل، ط5 (الدار البيضاء: دار الثقافة، 2019). والقصة كُتبت ونُشرت أواسط سنة 2003.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5616 المصادف: 2022-01-20 02:34:10


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5745 المصادف: الاحد 29 - 05 - 2022م