 قضايا

علاء اللامي: هل أنقذت سُجاح والد النبي محمد من الذبح فعلا؟

علاء اللامياقترن اسم المتنبئة والكاهنة المسيحية سُجاح التميمية التغلبية باسم مدعي النبوة مسيلمة بن حبيب الحنفي الملقب في السردية الإسلامية بمسيلمة الكذاب، خلال فترة حروب الردة. فكانت الركن الثاني في تلك الحركة في إقليم اليمامة. وقد تزوجت من مسيلمة زواجا سياسيا لتقوية التحالف بين قبيلتيهما. وحين هُزِمَ مسيلمة في معركة الحديقة وقٌتِل، انسحبت سجاح وعادت إلى موطن قبيلتها في العراق وخرجت من المشهد التاريخي تماما، ولكن مصادر التراث أكدت أنها بعد أن نجت من القتل في حروب الردة، ظلت على قيد الحياة حتى عهد قيام الدولة الأموية، و"أنها أسلمت وحَسُنَ إسلامها/ كما يقول الطبري في تاريخه/ جزء 2/ ص 500 طبعة مؤسسة الأعلمي"، وتوفيت بمدينة البصرة، وفي رواية أخرى بمدينة الكوفة، في عهد خلافة معاوية بن أبي سفيان.

وتخبرنا مصادر التراث العربي الإسلامي أن لسُجاح علاقة مباشرة بحادثة نذر عبد المطلب بذبح ابنه عبد الله، ونَدَرَ أن التفت إلى تلك العلاقة أحد من القدماء والمعاصرين وتوقف عندها، ربما باستثناء الباحث السوري إبراهيم محمود في كتابه "سحرة وأنبياء".

إنَّ قصة نذر عبد المطلب بأن يذبح أحد أبنائه إذا رزقه الله عشرة أبناء ووقوع القدح "القرعة" على ابنه الأصغر عبد الله والد النبي، معروفة ومكررة في أمهات التراث العربي الإسلامي، فقد ذكرها ابن هشام وغيره في السيرة النبوية، والطبري في تاريخه، وابن أبي شيبة في مصنفه. وخلاصتها؛ أن عبد المطلب نذر "إن رزقه الله عشرة من الولد أن ينحر أحدهم، فلما رزقه الله عشرة من الولد، أقرع بينهم أيهم ينحر، فوقعت القرعة على عبد الله أصغر أبنائه وأحبهم إليه" ولكن قريش صدته عن ذبحه لئلا تتحول الحادثة إلى عادة لدى قريش والعرب ونصحه أحدهم أن يذهب إلى الحجاز فإن بها عرافة لها تابع فيسألها عن ذلك، وقالوا له "فإن أمرتْك بذبحه فاذبحه، وإن أمرتك بأمر لك وله فيه مخرج قبلته"، فانطلقوا حتى أتوا المدينة فوجدوا العرافة، وهي سجاح - فيما ذكره يونس بن بكير عن ابن إسحاق - بخيبر فركبوا حتى أتوها فسألوها، فنصحتهم بأن يستبدلوا عبد الله بديته من الإبل ثم "يضربوا عليها وعليه بالقداح فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها عنه فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم". ففعلوا "وخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشراً ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا فلم يزالوا يزيدون عشراً عشرا، ويخرج القدح على عبد الله حتى بلغت الإبل مائة، ثم ضربوا فخرج القدح على الإبل فقالت قريش لعبد المطلب وهو قائم عند هبل يدعو الله: قد انتهى، رضي ربك يا عبد المطلب. فعندها زعموا أن عبد المطلب قال: لا، حتى أضرب عليها بالقداح ثلاث مرات فضربوا ثلاثا ويقع القدح فيها على الإبل فنحرت./ سيرة ابن كثير بالسند إلى ابن إسحاق مؤلف السيرة النبوية / نسخة رقمية على النت".3246 tarikhnama

والواقع فإن اعتبار تلك الحرب بين المسلمين بعد وفاة النبي وبين تحالف مسيلمة وسجاح جزءا من حروب الردة، على اعتبار أن جمهور هذا التحالف ارتد عن الإسلام يصحُّ جزئيا، أما وصف مسيلمة وسجاح بالمرتدَين فينبغي التحفظ عليه منهجيا، مثلما يصح التحفظ على التشنيع والإزدراء وتشويه السمعة الشخصية الذي عامل به المؤرخون المسلمون هاتين الشخصيتين اللتين قادتا – إلى جانب مرتدين آخرين - أكبر تحرك ديني وعسكري وسياسي جدي ضد الإسلام ودولته الفتية بعد وفاة النبي. وسبب هذا التحفظ هو إنهما لم يكونا قد أعلنا إسلامها ثم ارتدا عليه، ولم يقل أحد المؤرخين المسلمين بذلك. فالباحث العراقي الراحل د. جواد علي في موسوعته الضخمة "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"، على سبيل المثال - يقول "إنه لم يجد في الأخبار ما يثبت صراحةً أن مسيلمة كان قد اعتنق الإسلام .. لذلك، ليس من الصواب أن نقول "ردة مسيلمة" أو "ارتداد مسيلمة" أو نحو ذلك ، لأنه لم يعتنق الإسلام ثم ارتد عنه، حتى ننعته بالمرتد/ كما يقتبس عنه إبراهيم محمود على ص 130 م.س". أما بخصوص سجاح التميمية فإن جميع كتب التراث الإسلامي المعول عليها، وفي مقدمتها تاريخ الطبري وسيرة ابن إسحاق تؤكد أنها كانت نصرانية وكاهنة معروفة ومعتبرة في الإقليم، وزعيمة قومها، وتحت إمرتها آلاف المقاتلين، وتذكر بعض المصادر أنها من القِلَّة من نساء العرب اللائي كنَّ يُحْسِنَّ القراءة والكتابة. ويعرفها ابن كثير بقوله (سُجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان التغلبية وهي امرأة من نصارى قبيلة تغلب) وفي مصدر آخر نقرأ انها "تنتمي إلى بني يربوع من بطون بني تميم" ويبدو أن نسبها التميمي غلب على التغلبي وهو لقب زوجها وكان من بني تغلب في العراق، علما أن القبيلتين من القبائل العدنانية لا القحطانية اليمنية.

أما قصة مسيلمة فهي أكثر وضوحا، حيث سردت لنا غالبية كتب التراث أنه كان يدعي النبوة قبل نزول الوحي وبداية الدعوة الإسلامية، وكان يعرف باسم "رحمن اليمامة"، وقد ورد ذكره في مفاوضات صلح الحديبية حين طلب النبي أن تبدأ الوثيقة بعبارة "بسم الله الرحمن الرحيم"، فاعترض عليه مفاوض قريش، سهيل بن عمرو، بالقول "نحن لا نعرف إلا رحمن اليمامة، بل اكتب كما كان يكتب آباؤنا: باسمك اللهم"، فوافق النبي. وتذكر كتب التاريخ أن مسيلمة "كان أكبر عمراً من رسول الله، وأنه قد تكهن وادعى النبوة باليمامة، ووجد له أتباعاً قبل نزول الوحي على النبي، وأن أهل مكة كانوا على علم برسالته". ومعروفة أيضا في كتب التراث قصة قدوم مسيلمة مع وفد كبير من قبيلته بني حنيفة متخفيا، لمفاوضة النبي العربي الكريم في عاصمته "المدينة" حول إعلان إسلامهم بشرط أن يمنح مسيلمة دورا في الدعوة والدولة بأن يشركه في الدعوة ويجعله خليفته، وأن مسيلمة قال "أريد أن يشركني محمد معه في النبوة كما أشرك موسى أخاه هارون، فسمعه النبي، فأمسك عرجوناً صغيراً من الأرض وقال لمسيلمة: والله يا مسيلمة، لئن سألتني هذا العرجون ما أعطيته لك. فخرج مسيلمة ولم يبايع الرسول/ السيرة النبوية لابن إسحاق/ عام الوفود وظهور مسيلمة - السنة 10 للهجرة/ نسخة رقمية". أو بقول مسيلمة، حسب رواية متممة، "يكون لي نصف الأرض ونصفها لمحمد" فرد النبي عليه بالقول "إنما الأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين"، ثم انتهت تلك المفاوضات بالفشل وانسحب الوفد من اللقاء بعد رفض النبي لهذا الشرط.

ولكن كتّاب التاريخ الإسلامي القدماء كتبوا ما كتبوا من وجهة نظرهم الإسلامية بما يُعلي من شأن المسلمين والإسلام المنتصر وبما يقتضيه ذلك من ذم الاعداء المهزومين والحط من شأنهم واستئصالهم، وهذا دأب كتّاب التاريخ في كل زمان ومكان "فالتاريخ يكتبه المنتصرون" كما قيل. والعبرة في قراءة تراثنا، ليس بشكل ببغاوي بل بعينين مفتوحتين وأيضاً وقبل كل شيء بعقل مفتوح ونقدي، فمن يخاف من قراءة ماضيه وتراثه بعقل نقدي سيعجز حتما عن رؤية واستشراف مستقبله والمشاركة في صنعه!

 

علاء اللامي

......................

* الصورة للوحة من النمط الواسطي تصور "مقتل مسيلمة الكذاب على يد وحشي بن حرب - قاتل حمزة عم النبي في أحد - في معركة "الحديقة" وردت في "كتاب تاريخنامه" لأبي علي  البلعمي وهي ترجمة تاريخ الطبري إلى الفارسية، عاش البلعمي في القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي".

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5617 المصادف: 2022-01-21 04:39:43


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5741 المصادف: الاربعاء 25 - 05 - 2022م