عبد الستار نورعليوُلدْتُ قربَ حضرةِ الگيلاني

شممْتُ فيهِ ريحةَ الجنانِ،

فاحتواني.

ألقيتُ عصفوريَ في أحضانِهِ،

أهداني

حروفَهُ

مِنْ سدرةِ البستانِ *

عاليةً

فوق ذرى الزمانِ

والمكانِ:

"يا فقراءَ الصوفيةِ،"

خذوهُ،

عمِّدوهُ

في نهركمْ،

يفيضً بالحنانِ

والمغاني،

وعطِّروا لسانَهُ

بالمِسكِ والريحانِ،

وقلِّدوهُ

شارةَ الرهبانِ،

ولْتملأوا سلالَهُ

بالتينِ والزيتونِ والرمانِ.

 

فكانَ أنْ حلّقَ بي

في عالمٍ

ليس لهُ منْ ثانِ....

***

شعر: عبد الستار نورعلي

الثلاثاء 9 نوفمبر 2021

.................................

*  كانتْ هناك سدرةٌ عاليةٌ عند سور مرقد الشيخ عبد القادر الگيلاني بمحاذاة شارع الملك غازي (الكفاح). وكان احدُ خدّام المرقدِ يعتلي السور؛ ليبيعَ من ثمرها (النبق)، حيث يُدلّيه للزبائنِ بعلبةٍ معدنية مربوطة بحبل. اعتدْنا في صغرنا، ونحن عائدون من الدوام في (مدرسة الفيلية الابتدائية الأهلية للبنين) القريبة من المرقد، أنْ نشتريَ نبقاً بعانة (عملة معدنية قديمة تتكون من اربعة فلوس) فرحين فرحَنا الطفوليّ، متلذذين بالنبق الطيّب. 

 

حاتم جعفرأقصاها ثلاثون يوماً، هي الفترة التي تقرر منحها لمن يرغب في السفر خارج البلاد، غير قابلة للتجديد أو التمديد تحت أي ظرف. هذا ما أصدرته السلطات من تعليمات لمواطنيها، وهي ليست بالفترة الكافية والكفيلة بكل تأكيد لإشباع رغبة اﻷم من رؤية ولدها البكر، والذي كان قد تَغَرَّب مضطرا، أسوة بغيره  ومنذ بضع سنين، بسبب اﻷوضاع السياسية التي عصفت بالبلاد. ولولا ذلك الإنفراج النسبي والمؤقت الذي تحقق آنذاك، إثر المفاوضات المضنية بين البلدين (الجارين والشقيقين والعدوين في نفس الوقت) لما كان لها أن تلتقيه، ولو كان اﻷمر متروكا لها ﻷختارت البقاء معه فترة أطول، لكن ما حيلتها فالوقت قد نفذ سريعا، وشروط الإنفتاح والتفاهم التي إتفق عليها حكام البلدين، بُنيت على أساس من أمنهما القومي بالدرجة اﻷولى، ومن ثم تَمَّ إلحاقه بجملة من الإجراءات التي ستدخل في هذا الإطار وتعززه. هذا ما تم نشره في الصحف الرسمية الناطقة بإسم النظامين، ودخل حيز التنفيذ، وبات معمولا به  منذ تأريخه.

***

بناءا على طلب الإبن وصديقه الذي يقاسمه إنتمائه السياسي، فقد توقفت سيارة التكسي التي أقلتهم من الفندق الذي شغلته والدته وأخته طيلة فترة بقائهما هناك، في مكان بعيد نسبيا عن محطة الحافلات المخصصة للنقل الخارجي، ولإعتبارات أمنية لم يكشفا عن دواعيها بشكل مفصل. سائق السيارة رفض تقاضي أجرته، فقد أعجبته اللهجة التي كان يتحدث بها مَنْ إعتبرهم ضيوفا على بلده، غير أنَّ اﻷم رفضت ذلك بل زادت على كرمه كرما.

في البدأ ساروا سوية، اﻷم وإبنتها والصديق وإبنها. ومع إقترابهم من الهدف المراد بلوغه، وبناءا على رغبة الإبن وبإشارة منه، أخذا بالتباعد شيئا فشيئا. ومع كل خطوة تخطوها اﻷم، كانت ترافقها دمعة ساخنة رغم وصايا الإبن الذي أجبِرَ على كتم مشاعره. ولكي يبعث في روحها شيء من الطمأنينة ولكي تراعي موقفه والحالة التي تُحيط به، فليلة عودتهما والتي إستمرت حتى ساعات الصباح اﻷولى، ما إنفك ولدها يعيد عليها: الدار هناك يا أمي ليست باﻵمنة، وأخشى عليكم من عيون العسس وآذانهم، ولن أكشف لك سراً إن قلت، بأنهم قد عبروا الحدود وباتوا على مقربة منّا، وترينهم يصولون ويجولون أمام أنظارنا، وتحت عناوين وواجهات مختلفة، يتقنها أصحاب السلطة، إنهما متشابهان يا أمي (يقصد نظام الحكم في البلدين) وما لنا من خيار نلجأ اليه حتى اﻵن، وقد تصلك من اﻷخبار في اﻷيام المقبلة، ما تفتح لنا أبواب النجاة ويستقر بنا المقام في دولة أخرى، آملا أن تكون أكثر أمنا وسلاما.

وحين تباعدا وبعد أن إطمئن وعلى ما يعتقد بأن لا عين تلاحقهم أو ترصدهم، فقد تشجعا على تبادل التحايا والتلويح لبعضهما البعض بحذر وإنتباه شديدين. في هذه اﻷثناء كادت اﻷم أن تعود أدراجها وتلتحق بولدها ثانية وليحدث ما يحدث، لولا بعض الإعتبارات التي أجبرتها على التراجع، فهناك مَن ينتظرها من  الأبناء والأحفاد، الذين كانت قد تركتهم، تحت رحمة مَنْ لا رحمة له، فضلا عن توقيعها على ورقة، تعهدت فيها بالعودة ريثما تنتهي الفترة المسموح بها  للسفر، والتي تمَّ الإتفاق عليها سلفاً وإلاّ سيحدث ما لا يُحمد عقباه.

إستعانت بالصبر وبالصمت وبدعاء كان والدها حين طفولتها يردده على مسامع أهل بيته، وكلما إقتضى الحال وشعرَ بالضيق وإنحسار المنافذ، يدعو فيه خالقه   أن يبرؤ كلَّ مريض ويُعيد كلَّ غريب الى أهله وحضن أمه. من ثمَّ راحت معتلية بصعوبة بالغة بضعة درجات، دخولا الى جوف الحافلة المقرر توجهها الى الوطن. تبعتها إبنتها، غير أن اﻷخيرة تعثرت قليلا، فقد تقاطع صعودها ونزول مساعد السائق، أهي مصادفة أم أنَّ هناك أمراً ما؟. لم تشغلها هذه الواقعة طويلا، فقلبها كان معلقا على قارورة العطر التي أهداها إياها شقيقها، وخشيتها من سقوطها وإنكسارها، ومن قبلها عليه (أخيها) الذي قد لا تلتقيه مرة أخرى.

ليس هناك من وقت محدد للإنطلاق، فاﻷمر وكما جرت العادة وما هو معمول به، يعتمد على مدى إشغال كل مقاعد الحافلة والبالغ عددها الخمسين. وما إن تجاوزت الساعة منتصف الظهيرة بقليل، حتى لاح من بعيد الراكب اﻷخير، يمشي الهوينا ولا يحمل معه سوى حقيبة يد صغيرة في يساره وفي اﻷخرى مجموعة من الصحف، وما عليه الاّ الصعود الى الحافلة مباشرة، دون القيام بأي إجراء آخر. إذاً على بركة الله، قال السائق لمساعده، في لغة بدت كما الذي يأخذ موافقته، وهذا ما لم نعتد عليه، فزمام اﻷمر ومع قيادة أي ركب غالبا ما تكون بيد القبطان أو الربان.

تحركت الحافلة. إنه يوم خير فها هو المطر بدأ بالتساقط، ليضع حدا لموجة الحر الطارئة، والتي ضربت البلاد في العشرة أيام اﻷخيرة. هذا ما قاله السائق وبصوت مسموع نسبيا، الاّ أن مساعده الذي يجلس بجانبه لم تظهر عليه أي من ردات الفعل. إتجهت الحافلة نحو الشارع المحاذي للنهر الذي ينتصف المدينة، لعله للمرة اﻷولى يختار طريقا كهذا. في ذات الوقت إنشغل السائق بالبحث عن أحد أشرطة الكاسيت المحببة الى قلبه وذائقته، فالطريق طويل ولا يمكن قضائه الاّ بما تطيب له النفس وتطرب.

الشوارع التي مرَّت بها الحافلة بدأت هادئة والحياة تبدو طبيعية نسبيا، والناس يتحركون بإنسيابية مُلفتة، يحسدون عليها، فنادرا ما تسمع صراخا يثير الإنتباه، أو عراكا باﻷيدي بين مجاميع لا يمكنك أن تقف على أسبابه أو تعطيه ما يبرره. هل هم طوع إرادة النظام ورهن إشارته، أم هو شعب هادئ بفطرته وطبيعته. أمّا هناك (يقصد بلاده) وإذا ما أجرينا مقارنة سريعة، فهم في فوضى وتوتر دائمين. ما حالنا قالها في سرّه هذه المرة، لعله لا يريد إسماع مساعده، فالأخير منشغل بالمرآة الداخلية للحافلة، وأكثر اﻷحيان تجده متطلعا بين فترة وأخرى الى البنت التي تجلس على المقعد الملاصق لوالدتها، والتي كان قد تقاطع معها على سُلَّمْ الحافلة أثناءصعودها.

بعد عدة محاولات وإعتمادا على الملصقات والإشارات الدالة، إهتدى أخيرا الى الطريق الرئيسي الذي سيؤدي في نهاية المطاف الى بلاده. في هذه اﻷثناء ومن دون أن يعطي الإيعاز لمساعده فقد قام اﻷخير بالتحرك نحو الركاب لجمع أجور السفر. وما أن بلغ السيدة وبنتها فقد تعمد الإطالة هناك، مفتعلا بعض الحركات التي ربما ستوهم اﻵخر بعفوية تصرفه. البنت من جانبها لم توليه إهتماما فقد كان شاغلها فراق شقيقها وقارورة العطر التي كا قد أهداها إياها قبيل لحظات من إفتراقهما.

وﻷن الطريق طويلة فقد راح قسم من الركاب يشاغلون بعضهم بعضا بأحاديث تضاربت في مواضيعها وفي جديتها، فهم مضطرون على ذلك، إذ حيلة لهم ولا منفذ، فالوصول الى عاصمة بلادهم والمحطة الرئيسية، ستأخذ من الوقت ما لا يقل عن إثني عشرة ساعة، هذا دون أن يضعوا في حسابهم عدد التوقفات. أما القسم اﻵخر فقد أضناهم التعب، ولعل أسبابه تعود الى الليلة الفائتة فراحوا في غفوتهم سارحين، أملا في تعويض ما فاتهم من ساعات النوم، فكثير من الناس يساورهم القلق مع كل ليلة سفر.

بعد بضع ساعات على الرحلة، بدت تظهر على ركاب الحافلة علامات التعب والملل، لذا تجدهم هادئين قانطين، غير أن ذلك الحال لم يستمر طويلا، فقد قطعه نحيب اﻷم على ولدها الذي تركته هناك. في هذه اللحظات ورغم أن البنت حاولت أن تخفي مشاعرها وإنفعالاتها طيلة الساعات المنصرمة على فراقها لشقيقها، الاّ أنها وبشكل مفاجئ إلتفتت الى والدتها لتحملها مسؤولية عودتهم الى بلادهم، فقد كانت أمامهم وكما قالت لها فرصة البقاء هناك فترة أطول، دون أن تضع في بالها حسابات تلك التعهدات التي أجبرَت والدتها على توقيعها وما  سيترتب عليها من إلتزامات، كشرط لابد منه للسماح لهما بالسفر. حاولت اﻷم وبشتى الطرق إسكاتها، غير ان ذلك لم يأتِ بأية نتيجة، بل ذهب اﻷمر الى أبعد من ذلك، فصوتيهما بلغ مديات بات مسموعا من قبل ركاب الحافلة، لتشي محياهم بالسخط والإنزعاج.

اﻷنكى من ذلك هو طبيعة الكلام الذي كان يدور بينهما، فلو توقف على الصوت العالي والصراخ لهان اﻷمر، بل طال اﻷوضاع السياسية التي تمر بها البلاد وحالة الحرب الدائرة منذ سنوات، ولا من أمل يرتجى لإيقافها. واﻷخطر في حلقات كلامها أن أخذت تشن هجوما كاسحا على نظام الحكم في بلدها وسياساته القمعية، والتي طالت مختلف المكونات السياسية واﻷحزاب بما فيها تلك التي كانت حليفة لها حتى اﻷمس القريب، متوقفة وبشكل تفصيلي ومطول عند التصفيات الجسدية وحالات الإبعاد عن مراكز القرار المهمة، بحق كبار القادة والمسؤولين في جهاز الدولة، والتي أقدم عليها الحزب الحاكم.

إحدى السيدات ممن كنَّ في الحافلة ورغم كبر سنها وصعوبة حركتها، فقد حاولت أن تُسكت إنفعالات وأحاديث البنت وبكل الوسائل، هامسة أحيانا بأذنها بأنها ستنتظر مصيرا مؤلما إذا ما إستمرت على هذا النحو. وإستمرارا  لجهودها فقد أشارت اليها بأن الحافلة التي تقلنا قد عبرت الحدود الدولية وأصبح ركابها تحت سيطرة وسطوة القوات اﻷمنية لدولتنا. في هذه اﻷثناء تعمَّد مساعد السائق على تخفيظ مستوى الصوت الصادر من مسجل الحافلة، ليصغي بوضوح الى ما كان يدور من كلام بين تلك البنت وَمَنْ معها، وكان له ما أراد.

وما هي الاّ دقائق معدودات حتى توقفت الحافلة عند نقطة التفتيش الخاصة ببلدها، وصوت البنت لا زال عاليا حيث فشلت كل الجهود المبذولة لإسكاتها. في هذه اﻷثناء قام مساعد السائق بالتوجه نحو ركاب الحافلة، طالبا منهم تحضير جوازات السفر من أجل التفتيش. في البداية تمنعت البنت عن الإستجابة، إذ لا زالت في حالة من التوتر، مما أدى بالمساعد القيام بضغط أكثر عليها وبلغة تنم عن تسلط واضح ولا يخلو كذلك من إستهتار في تصرفه. أخيرا استجابت لما أريدَ منها وبتأثير وضغط من والدتها.

عاد مساعد السائق بعد أن قام بتقديم جوازات سفر الركاب الى نقطة التفتيش بغرض إجراء عملية الفحص عليها وتدقيقها. كل جوازات السفر أعيدت الى أصحابها ما عدا إثنين، أحدهما يعود لآخر الملتحقين بالحافلة، صاحب الحقيبة اليدوية والصحف. والثاني يعود للبنت التي وصفها مساعد سائق الحافلة بالعنيدة، فضلا عن نعوت أخرى لا يطيب لنا أعادة التذكير بها في هذا المقام، لإنطوائها على مفردات لا تليق بقارئنا التعرف عليها.

في هذه الحالة يستدعي اﻷمر وبناءا على هو متعامل به، أن يقوم الشخص المعني بجواز سفره بالترجل من الحافلة والتوجه الى نقطة التفتيش للإستفهام والقيام بما هو مطلوب. وعلى هذا اﻷساس توجه الشخص والبنت نحو المكان المخصص لحل هذه الإشكالية. وبعد دقائق عاد صاحب الحقيبة الى الحافلة ومعه جواز سفره ولم تعد البنت، وهذا ما دعا والدتها الى التوجه الى ذات المكان حيث إبنتها، فكانت الصدمة أن رفض رجال اﻷمن المشرفين على نقطة التفتيش من إعادة جواز السفر اليها، بل ذهبوا أبعد من ذلك، حيث تقرر إقتيادها الى سيارة خاصة تابعة للدولة، بهدف تسليمها الى السلطات اﻷمنية المعنية في العاصمة.

حاولت اﻷم جاهدة أن تحل الإشكال وبشتى الطرق الاّ انها فشلت في مسعاها. وفيما بعد جرى تخييرها بين أن تلتحق بإبنتها ويجري تسفيرهما سوية، أو أن تراجع السلطات المختصة فيما بعد لإجلاء اﻷمر. البنت من جهتها رفضت الخيار  اﻷول، ظناً منها بأنها وبمفردها قادرة على تسوية أي إشكال أو سوء فهم كان قد حصل. فما كان للأم لحظتذاك الاّ أن تعود مجبرة أدراجها، لتسلم لإبنتها حقيبتها اليدوية بعد أن تأكدت من وجود قارورة العطر التي كان قد أهداها لها شقيقها. وما هي الاّ لحظات حتى إنطلقت سيارة اﻷمن الخاصة وهي تقل البنت وبجانبها جالس مساعد السائق، دون معرفة الهدف الذي سيتوجهون اليه.

بعد قرابة الستة أشهر من البحث المضني في العديد من مراكز الشرطة والمستشفيات وبعض من دوائر اﻷمن وبوساطة مَنْ لهو سطوة وجاه لدى رجال الدولة، تّمَّ العثور أخيراً على البنت، وهي جثة هامدة، في أحد الدور المهجورة والخربة. أستدلَّ على مكان وجودها بمساعدة من سكان تلك المنطقة ، ممن كانوا يحسنون اليها.

بدت البنت في صورتها اﻷخيرة، شعثاء الشعر، مرتدية ذات الملابس يوم تمَّ إقتيادها الى جهة لم تستطع عائلتها الإهتداء اليها، رغم كل المحاولات التي بذلتها. كانت ممسكة بقوة بقارورة العطر التي أهداها إياها شقيقها. وبجانبها قطة صغيرة، ذات شعر برتقالي كث، وعيون شديدة الزرقة، ما إنفكت تموء كما النحيب، على فقدانها لِمَنْ آوتها وقاسمتها التشرد والملاحقة.

***

حاتم جعفر

السويد ـــ مالمو

 

حنان عبد القادرأيها النهر

متى ستمنحني انسيابك

كي أتسلل إلى روحه المندفعة نحو المصب؟

أيها الحزن

متى يعلمني وجعك أن أنتبه للصخرة المقبلة

لتتحطم عليها بهجة روحي

بتؤدة؟!

(2)

أتدري ..؟

حين أترعتَ كأسي بالدهشة

كان عليك وقتها أن تملأ كأسك بالصبر

ليتسنى لنا سويا

أن نحتسي ومضة من ألقٍ

فربيع الحياة

قصير جدا .

(3)

زهرة اللوتس التي نبتت في دمي

أجبرتني الحياة على وأدها

أوزع بتلاتها في جهاتك الأربع

أيها المحزون :

شابت الروح

وحزنك قاتلي

إلى متى

ستحتمل الروح

عصف جليدك؟

(4)

أسطوريٌّ هذا الحزن

يحصرني في غرفتي القديمة

يترك طائره الخرافي يقتات من روحي

من حلمي الذي لم يكتمل بعد

لا أملك دربا للسماء

كي أرسل صرختي الأخيرة

الآن ... أموت وحيدا .

***

حنان عبد القادر

شاعرة وقاصة مصرية - عضو اتحاد الكتاب

 

 

صادق السامرائيأيُّها الكَوْنُ الفَسيْحُ الأصْغَـرُ

هَلْ بِها تَشقى وأنْتَ الأكْبَرُ؟

 

عِلّةُ الإنْسانِ في نَفسٍ طَغَتْ

وأبوهـــــا مُنطَواهُ المُنكَرُ

 

فِعْلُ خيْرٍ إبْنُ شَرٍ كامِنٍ

وكَذا الأشْرارُ فيها تُبْحِرُ

 

أنْتَ مَرْهونٌ بنَفْسٍ خاصَمَتْ

وتَعالتْ فَـــوْقَ عَقْلٍ يُعْقــــَرُ

 

يُعْجِزُ الأدْيانَ مَهْووسُ الرُؤى

وعَـــدوٌّ مِـــنْ عَـــــــدِوٍّ يَثْأرُ

 

بنُفوسٍ في هَواها أشِرَتْ

ورَغيْبٍ مِنْ رَغيْبٍ يَنْفِرُ

 

وعلى الإشْراقِ ألقَتْ حِمْلها

وغَشاها أصْفَرٌ أو أحْمَرُ

 

غابُ فِعْلٍ وسُلوكٍ غادِرٍ

جَعَلَ القَتلَ لقَتلٍ يَنْصِرُ

 

كَشَّرَتْ أنْيابُ سُوءٍ فائِقٍ

وإذا الخَلقُ بخَلقٍ يَعْثَرُ

 

وبِها الأدْيانُ أضْحَتْ لَعْنَةً

وقِناعاً لمُسيْئٍ يَزْأرُ

 

هكذا دامَتْ بأرْضٍ كابَدَتْ

صَوْلةَ الإجْرامِ فيها تَنْهَرُ

 

مِثلما دارَتْ يَدورُ خَلقُها

كلّها بَعْضٌ وبَعْضٌ يَنْحَرُ

 

أيّها الكوْنُ المُؤتّى كالثَرى

جُبِلَ الطينُ كذاتٍ تُهْدَرُ

 

ما لها الدُنيا تَساقَتْ نازفاً

واسْتَطابَتْ ما بحِقدٍ يُسْجَرُ

 

إنَّها عاشَتْ أساها وانْتَشَتْ

وبألوانِ عَذابٍ تَحْضَرُ

 

ومِنَ الأوْجاعِ ناءَتْ واشْتَكتْ

وبِجُرْحٍ لجِراحٍ تَسْتُرُ

 

عانَقَتْ روحَ زمانٍ بائِسٍ

وتَفانَتْ بدَنيْئٍ يَغْدِرُ

 

كلُّ نَفْسٍ دونَ رَدْعٍ فَتَكَتْ

وتَمادَتْ بخَطيْلٍ تَفْخَرُ

 

بشرٌ أنْتَ وفيها أشِرُ

إخْلعِ الباءَ فأنْتَ الآمِرُ

 

لا تَقُلْ إنّا وأنّي ما بَدى

نَقمَةُ الذاتِ بذاتٍ تُطمَرُ

 

أنّها نَفْسٌ ونَفْسٌ شاكَسَتْ

نَبْعَ روحٍ ولعَقْلٍ تَنْهَرُ

 

مَجْدُها أخْذٌ وسَفكٌ للدِمى

وحُطامٌ بحُطامٍ يُجْبَرُ

 

كُرْبَةُ الأيّامِ مِنْ سُوءِ المُنى

وكَثيرُ الناسِ شَرٌ أغْبَرُ

 

كُلما زادَتْ نفوسٌ إعْتدَتْ

وتَواصَتْ بسلوكٍ يَعْسِرُ

 

أنْتَ مَوْجودٌ كوَحْشٍ كاسِرٍ

بدِماءِ الغَيْرِ يَرغى يَسْكُرُ

 

كلُّ ألوانِ رجاءٍ أهْمِلتْ

أحْمِرُ اللونِ جَميلٌ يُبْهِرُ

 

آلةُ السَيْفِ أبادَتْ أمّةً

حَزُّها الأعْناقُ فِعْلٌ أقْدَرُ

 

بَيْنَ نَطْعٍ وسُيوفٍ ظلمَتْ

وقويٍّ لنديدٍ يَجْزِرُ

 

وبدينٍ أمَّةُ فيها شَقَتْ

لرِسالِ الديْنِ صارَتْ تَهْجُرُ

 

ديْنُها فِسْقٌ فَسادٌ شائِعٌ

وفَتاوى لمَصيْرٍ تَبْتِرُ

 

أمَّرَتْ نَفْسٌ وسُوءٌ ديْدَنٌ

وقَضَتْ دِيْنٌ بنفسٍ يُدْحَرُ

 

عالِمُ الغَيْبِ يَرانا كُلنا

مِثلَ أسْماكٍ بمَوْتٍ تَكْثِرُ

 

يا صِراطَ البُعْدِ في جَوْفِ الوَغى

أزليٌّ شأوُها لا يُبْصِرُ

 

مُنْتَهى العُدوانِ خَيْباتُ الأنا

لتُرابٍ أنتَ تَسْعى تَحْفرُ

 

يا قَريْنَ الأيْنِ يا شَجْوَ الضَنى

كلُّ مَأوى لشرورٍ يَخْسَرُ

 

كنْ بها وَرداً شَمَمْنا عِطرَهُ

لا تكُنْ شَوْكاً نَحوساً يَزْجِرُ

 

مِنْ تُرابٍ صَنَّعَتْ أطْوارَها

وتُرابٌ آكِلٌ ما تُضْمِرُ

***

د. صادق السامرائي

6\1\2022

 

 

محمد حمدعبثا ابحث عن وجهي الضائع

في قعر المرآة

او عن قسماتي أن كانت لي اصلا قسمات

تستحق الذكر !

تأسرني فوضى الاشياء

ويغريني صخبُ الحانات

اسخرُ علنا

وبكامل وعيي

من صمتِ الاحياء وثرثرة الاموات

ومن بين ركام الاحلام

وبقايا "تلك" السنوات

اجمع بيديّ العاريتين

اجزائي

وشظايا قلب سكنته الاوهام

وعاش

على"نكران الذات"

احدودب ظهري من ثقل الكلمات

وصوتي جفّ على شفتيّ

وانا انبح

ومن يهمّه نبح الشعراء؟ خلف قوافل

من هجروا او فُقدوا أو رحلوا قسرا:

نكِرات جئنا

وسنخرج من اوسع ابواب المنفى

نكِرات !

***

محمد حمد

 

محسن عبد المعطيأَخَذْتُكِ فِي حِضْنِي وَطَمْأَنْتُ خَاطِرِي

بِغَادَتِيَ الْحَسْنَاءِ أَسْمُــو مُقَدَّمَـــــــــا

 

نَسِيــــــــرُ بِرَأْيَيْنَا وَنَمْشِـــي بِخُطْـــرِنَا

مَـــعَ الْحُبِّ وَالْإِخْلَاصِ زَهْراً وَبُرْعُمَا

 

أُنَادِيكِ وَالْأَيَّامُ لَفَّتْ لِقَاءَنَا

بِشَالٍ وَحِنَّاءٍ وَحُبٍّ تَنَعَّمَا

 

تَدَافَعْتُ حَتَّى قِيلَ وَحْشٌ مُسَيَّــــبٌ

وَرَوَّضْتِنِي بِالْحُبِّ مَا زَالَ مُقْحَمَا

 

أَخَذْتُكِ بِالْأَحْضَانَ حَتَّى تَشَكَّلَتْ

وَشُكِّلْتِ أَوْتَاراً وَحُبًّا وَأَوْسُمَـــا

 

تَعَالَيْ لِرُكْنِ الضَّمِّ يَزْدَدْ نَعِيمُنَا

تَذُوبِينَ فِي قَلْبِي رَحِيقاً مُبَلْسَمَا

 

أَنَا الْحُبُّ وَالْأَشْوَاقُ وَالنِّعْمَةُ الِّتِي

أَهَلَّتْ عَلَـــــى قَلْبٍ شَفِيقٍ تَرَحَّمَا

 

أَنَا النَّورُ فِي أَعْمَاقِ أَعْمَاقِكِ الَّتِي

تُصَلِّي عَلَى نَجْوَايَ لَحْناً مُهَنْدَمَا

***

محسن عبد المعطي

 

 

وليد الزوكانيمن يَقْدِرُ أن يَفْتَحَ كُوَّةَ العَدمِ الصَّغيرَةَ؟

أن يُفَتِّشَ ثيابَ المَوتِ الطَّويلَةِ، عن كَلامٍ أخير؟

كيفَ أتَهَجَّى التَّحِيَّاتِ والصَّلَواتِ،

ومُعَلّقاتِ اللَّغْوِ في المَضافاتِ؟

خُذْ بِيَمينِكَ..

واخطُ على نَزْوَةِ القلْبِ هنا بِشِمالِكَ،

ولا تَسْألْ عن الغَيْبِ فَتَكونَ من الخاسِرين.

 

لا نِسْوَةً يَرْأَفْنَ بكَ.. ويَغْضُضْنَ أعيُنَهُنَّ

الجَميلَةَ عنكَ

كم نَظرَةٍ أشْعَلَتْ قِنْدِيلَ قَلبِكَ،

أنت الوحيدُ،

وحَوْلكَ تَطوفُ القَبَائِلُ جَوْعَى لغَزْوٍ جديد.

 

أبي ما عادَ يَطْويني كُلَّما أحْنَى ظَهرَهُ للصَّلاةِ

ولا يُعَلِّقُنِي بِخَيْطِ الفَضِيلَةِ،

ليُبَعْثِرَ حَوْلي، مَكَارِمَ الخُلُقِ المُهَشَّمِ.

 

كانَ رَجُلاً قَبيحاً إبْلِيسُ

يَخْطَفُنَا من سِيَرِ الصَّالِحينَ

ويَرْمينَا كَالثَّعالِبِ حَوْلَ مَزَارِعِ العِنَبِ المُحَرَّمِ.

 

وأمّي، تُعَطِّرُ الصُّبْحَ بِخُبْزِهَا السَّاخِنِ

وهي تَنشُرُهُ على أذْرُعِ الضَّوْءِ النَّحِيلَةِ

تفْتحُ يَدَها، على أفُقٍ من سَنَابِلِ الرَّغْبَةِ،

تَدْلُقُ في البَيتِ دَلْوَ العَملِ الشَّاقّ، ليَكْبُرَ العِفْرِيتُ،

هكَذا كانَتْ تُسمِّيني،

 

غِبْتُ مَرَّةً عَنْهَا

تَتَبَّعَتْ خَيْطَ الحَليبِ إلى رُكبَتَيّ صَبِيَّةٍ، تَفَتَّحَتَا في صِبَاي،

ابْتَسمَتْ، وقالتْ: كَبُرَ العِفْرِيت.

 

نَتَقَلَّبُ في وجَعِ أَبِي

نُقلّبُ في خَطْوِهِ، أَمكنَةً، لم تَزَلْ عَالِقَةً هَهنَا في قَدَمَيْه،

قُلْ لنا يا أبي:

كيف رَوَّضْتَ النَّجْمَةَ، حين انْقلبَتْ عليْكَ الطَّريقُ؟

وكيف طَوَيْتَ العَتْمَةَ ونَفَضْتَها من ذئابِ الجبل؟

 

قُلْ لنا:

كيف كان يَعودُ الحصانُ وحيداً، من آخرِ الشَّغَفِ إلى البَيْتِ،

مَهْمَا ابْتعَدْتَ به؟

وكيف يَعودُ السُّنُونُوُ حامِلاً كل الجِهاتِ

الى سَقْفِنا؟

قُلْ لنا يا أبي

لماذا الدَّارُ واسِعَةٌ

والأرضُ ضَيّقةٌ

والسَّمَاء

أصْغَرُ من سَمِّ إبْرَة؟

 

ما زلتُ أذْكُر وقْتَ الرَّحيلِ

ونحن نَصُرُّ زُوَّادَةَ القلبِ مُبتَعِدينَ عن الحرْبِ،

كانت حُقولُ القمْحِ شاخِصَةً سَنابِلَها نحونا

والسّماءُ طَبَقاً من دَمٍ وأنين

 

كلُّ شَيْءٍ ظلَّ هناك

واقفاً تحت قَنْطَرَةِ الغياب

التّينَةُ في باحَةِ الدَّارِ،

شَجرُ الكِينا يَحْرُسُ أعْشاشَ العَصافيرِ حتى تَعودَ

السَّروةُ مَغْروزَةٌ مثْلَ رُمْحٍ

يَحْرُسُ البابَ الحزين.

 

وَحْدَها اللَّهْفَةُ يا أبي، وَحْدَها

رَكِبَتْ رَأسَها

ورَكَضَتْ خَلْفنا.

***

وليد الزوكاني - سورية

 

عبد الرؤوف بوفتحلا بأس..

افتح نافذتي  كل صباح

مثل بُسْتاني عجوز .

أضحك هنا ، وهناك

شماتة في  اليأس..

- ربما..

حتى لا يُقال

أين اختفى عاشق التراب

والقرنفل

والحبق المتطاول

والبرتقال..؟!

- كل صباح..

اتدرّب على ابتسامة غير مُستعملة

اقسّطها  عَلَيِّ ،

وعلى الرصيف السخيف

والاماكن التي احبّها

وعلى.. ما تبقّى من الاصحاب

طول النهار.

ابتسامة في طيف قوس قزح

تليق بطفل مَزْهوّ امام المِرْآة

وحتى لا يُقال

إنّ فُلانا  اصبح في هَيْأة تمثال

- لا شماتة

- لا توجد  ايّ عارشة للتفاؤل..

كل نص رديء

كل وتر تراخى في ارتباك الانامل

وكل اغنية تموت في غدير البال

-  اي..صديقتي

مع كل هذا الرماد

اشم خطى  العابرين

اقول لهم باطلا :

حين يسألون عن حالي

- ( الحمد لله..)

لماذا تذكرت كل شيء

دفعة واحدة..

من اول عثرة

خلف فراشة تأخذها الريح

وحتى..

اخر  دَلْو مثقوب

وفرح مالح

- بالتأكيد ..

 لا احد يعلم شيئا

كيف تهشمت الالواح

كيف احترقت اصابع

عازف الناي

وانقطع الشذى.

لا احد يعلم ياا صديقتي

آثار الملح

حال اجنحتي

وأن الريش الذي سقط في القاع

اكثر من الريش المتبقي

والمساقة أطول من فرحي

وكل السماء..

لا تصلح لاقامة حفل..!

***

عبد الرؤوف بوفتح - تونس

 

 

صالح الرزوقلم يكن ملحيس مرتاحا لشريكه في السيارة. كان يضعها أمام البناية في الحر اللاهب، وخلال ربع ساعة تتحول لفرن، ومهما نصحه باستعمال المرآب لا يتجاوب.  يقول: نسيت. أو استدعوني لمهمة عاجلة..

واليوم بالذات طاف الكيل. عندما فتح الباب وجد كومة من الصحف الرخيصة على مقعد السائق. بمعنى أنها هابطة وليس قليلة الثمن. صحف ومجلات سخيفة مثل “عين الراصد” و”عدسة المجهر” و”شمس الفن”.

قلب فيها ملحيس باشمئزاز، ورأى أسماء محرجة مثل اسمه. مع ذلك لم تكن تجلب عليهم السخرية. وصعدت المرارة من داخله لتغطي وجهه. ألقى كومة الورق الأصفر على المقعد الخلفي، وهو يفكر ببرنامج هذا اليوم.

الآن لديه سائحة أوروبية. وسينقلها من القرية التراثية في أبو ظبي إلى اللوفر على طريق دبي.  وتمنى من ربه أن لا تكون مثل سابقتها، كثيرة التشكي والتذمر.

دار المحرك. ونفخ المكيف نسمة لطيفة. وبدأ مزاجه يعتدل. لكن بقيت بعض الرواسب في قلبه. كل شيء له بقايا. لا شيء يذهب دون أثر. الجرح يترك ندبة. والدولاب يرسم خطا على الأرض. كيف يمكنه أن ينسى السخرية أثناء خدمة العلم؟. كان المدرب يناديه يا ملحوس وهو ينفجر من الضحك. ولكن ما ذنبه؟. مرت أيام الجيش وهو مثل قوس مشدود أو بالونة منفوخة. ولم يكن أمامه أحد يمكن أن يعاتبه. كان الجاني هو الوالد، وقد مات بحادث سير. مع ذلك كلما اشتد ألمه يرفع صوته ويلومه.

يقول له: لماذا هذا الظلم يا أبتي. الأسماء بالمجان. لماذا اخترت لي هذا العذاب؟؟!.

وطبعا لم يكن يرد أحد. اللهم إلا صوت أغصان شجرة في باحة الثكنة. الميت مثل الأصم والأبكم، حتى لو سمع لا يستطيع أن ينطق. وهذه لعنة إضافية.

ولم يخفف هذا العذاب غير الغربة. حينما هرب إلى اليونان، بعد الحرب،  وقبل السفر إلى أبو ظبي. هناك كان اسم ملحيس سهلا على اللسان، وربما أسهل من عمر أو عبده أو قاسم...

وصل ملحيس لجوار عين أبو ظبي، ولاحت أمامه أسوار القرية بلونها البني، والأبراج العملاقة والمضلعة التي تتخللها. وتحركت مشاعره. كانت حياته تبدو له مثل دواليب هذه السيارة. فقد تحول بسبب الحرب من أستاذ تاريخ إلى دليل سياحي.

وهذه صفة مهذبة لسائق. لكنه وخلال أي مشوار يتبرع بشرح تاريخ الإمارات، وتقديم فكرة عنه. مثلا معنى وأصل البرجين التوأم. أو أهمية قصر الإمارات وعلاقته بقصر فرساي. والفرق بين منتجع القرم وأبراج القرية وهكذا. وطبعا يضيف تفاصيل للتشويق، وحسب مزاج كل زائر.. للسائح الرومنسي يخترع مغامرات خيالية، ويناقش مع رجل الأعمال معجزة التصنيع، إلخ...

***

أخذ ملحيس نظرة أخيرة من المرآة المعلقة أمامه. ولكن ما أهمية أن ينظر لنفسه. كان وجهه مجرد قناع،  ويبدله حسب الحاجة. لكل حالة وجه. شكل بلا مضمون. حياة قائمة على المداهنة والنفاق. الإنسان أحيانا يغش نفسه. ولم يجد ضيرا في ذلك. فهو بالنسبة للآخرين غير موجود. وعبارة عن وسيلة للتنقل. يمكن أن تقول هو مثل هذا الإسفلت الممتد أمامه. شيء يعبر عليه الآخرون.

أمام باب القرية وقف بالسيارة حائرا. كيف يمكنه أن يتعرف على السائحة؟.

نقل نظراته بين زرافات الأجانب. كانت كوكبة تدخل، ومقابلها ثلاثة أو أربعة أفواج تخرج. ترك المحرك يدور، وغادر المركبة، واختلط بالحشود. ثم دخل من البوابة. وفي الداخل شاهد أمامه صفحة مياه الخليج. كانت ممدودة بشكل بساط فضي، وتوهم أنه يسمع بأذنه نداء السياب وهو يبكي، ويقول:

وعلى الرمال، على الخليج

جلس الغريب، يسرح البصر المحير في الخليج

ويهد أعمدة الضياء بما يصعد من نشيج.

وهنا انتبه لانعكاس أشعة الشمس كأنها تسقط على صفائح من الحديد المطروق الذي تصنع منه السيوف. وجمد لحظة أمام هذا المشهد. ثم تلفت حوله. ولمح محمية الهجن. وكانت محاصرة بأسلاك شائكة لها لون الملح أو الجليد، وخلفها جمل مد رقبته الطويلة على الأرض،  وحمل سنامه على ظهره. وهناك وقفت سائحة بثياب أوروبية. وأمل أنها هي. لكن كيف السبيل للتأكد من ذلك؟.

ويبدو أن الجمل انتبه لحيرته، فرفع رأسه، ونظر إليه بعينيه الدعجاوين، وبدأ يحرك فكيه كأنه يمضغ لقمة وهمية...

***

صالح الرزوق

آذار 2020

 

 

الحسين بوخرطةتعود سالم أن يقضي متأملا عطلة ساعات يومي نهاية الأسبوع في قرية الأجداد الأشاوس. حج كالعادة إلى بيت جده العلامة عبد الرحمان. خرج منشغل البال على التاسعة ليلا من منزل العزة والشرف في المنطقة. ارتكن في أسفل الشجرة المباركة المقاومة للتصحر وانجراف التربة.

شُحِنَ أملا عندما داهمه ضياء القمر، وأحاط مِخياله نورا ساطعا. مُتكئا على جدعها، مُشرئبا السماء بنجومها البراقة، افتكر صديق طفولته وشبابه عتريس. أقلقه ما يردده الناس في شأنه. لقد أصبح ضحية سهاد مُزْمِن. يخاطب نفسه كالأحمق جهرا في الشارع العام. حكى عنه أحد المتربصين به أنه سمعه يردد أكثر من مرة، والدموع تغمر المآقي، العبارة التالية: "أذن ذات سراب حياة مسخرة تعيسة تنتعل حذاء وبر الجودة النادر، الذي لا يريح الأرجل المنتعلة". تذكر سالم اللحظات العسيرة التي بدأ صديقه الحميم يبتعد عنه بالتدريج، متجنبا الدخول معه، كما ألفا ذلك، في حوارات شيقة في مجالات الفكر والمعرفة والسياسة.

أدرك سالم مغزى مستجدات أوضاع صديقه الحميم بسرعة. أخرج هاتفه الخلوي. ركب أرقامه بتركيز شديد. ردد على مسامعه نفس العبارة بلكنة المستوعب لدلالتها الخارقة، وختمها: "إنه مسار انزلاق نفس لوامة وضمير حي. يا ما اقتنينا معا أحذية بسيطة ومريحة بأُجرتينا المستحقة، وكنا نعيش السعادة العارمة". تنهد عتريس من الأعماق وختم المكالمة الهاتفية بعبارة حزن وأسف، استسلم على إثرها سالم للبكاء والشهيق : "لقد فات الأوان".

الحسين بوخرطة

 

عبد الله سرمد الجميلنحتِّ وجهي بإزميلٍ مــــنَ النُّوَبِ         

أيا حياةَ الضنى والحزنِ والكُرَبِ

 

تركْتِ عمـــــريَ أوراقاً مُجعَّدَةً

بها خططْتِ حكاياتٍ من التَعَبِ

 

لئيمــةٌ أنتِ يا دنيايَ قاسيـــــــةٌ

كزوجةِ الأبِ لا تحنو بلا ذهَبِ

***

عبد الله سرمد الجميل - شاعر وطبيب من العراق

 

 

محمد صالح الغريسيحين تعلو ضجّة الدّنيا برأسي

أمتطي ظلّي،

و أمشي حائر الأفكار

مُنْهَارَ القوى

هاربا من وهم عمري

وغبار الذّكريات،

و انكاسارات الرّؤى

أقتفي في الدّرب ظلّي،

فيضيع الدّرب منّي

في غيابات الدّجي...

ما لأشباح اللّيالي،

قد جرت في الأفق خلفي،

كالسّحالي،

أو كصاد رام في القيظ ارتواء ، ما ارتوى

أيقظت في الطفل همّا،

قوّضت آمال حلم

كان غضّا فذوى

مرّت الأيّام تترى،

و استحال الطّفل شيخا

يعزف الآلام موّالا حزينْ

حلمه في النّوم كابوس ثقيلٌ

و سعال و أنينْ ..

و قطار الذّكريات

مثقلٌ، يحمل همّا، و دموعا و حنينْ...

ذكر الشّيخ صباه

و شبابا قد تولّى

فسقى الأرض كؤوسا،

دمعه الجاري السّخينْ ...

في ظلام الليل،

شام الشّيخ نورا، يغمر اللّيل بهاءْ

نقطةً بيضاء تغتال سوادا،

تتعالى في جلال

بين ركب من نجوم

سابحات في السّماءْ..

مركبا أرخى شراعا،

ظلّ يسري في سكون

و إذا اللّيل ضياءٌ يستحمّ بالضّياءْ...

فرح الطّفل الّذي في داخلي..

بل  طار بِشْرًا كملاك في السّماءْ:

أيّها البدر العظيمْ

تاقت النّفس حنينا

و هفا قلبي إليكم

مثل ولهان كتومْ

ليتكم ترضون بي خلاّ عزيزا

و صديقا للنّجومْ...

لم تكد تغفو جفون الطّفل حتّى

أبصرت عيناه في النّوم خيولا/عربات من زجاجْ

و أميرات صبايا

مرحات في ابتهاجْ...

بات قلب الطّفل صبّا،

بين نور البدر ليلا، و قوام زانه حسن و تاجْ

فاتركوا يا إخوتي الطّفل الّذي في داخلي

اتركوه في جنان الحلم يلهو

بين حور البدر في الرّوض الجميلْ

و احذروا .. لا توقظوهُ

فورود الحلم إن أيقظتَها، تخشى الذّبولْ

و ثواني العمر تأبى عَدَّهَا

لم يبق فيها غير بعضٍ من قليلْ.

***

شعر : محمد الصالح الغريسي

20/01/2022

 

 

 

"لم ابحث عن نصفي الآخر

لأني ، لمْ اشعرُ أني نصف"

يتحاور منقوص الذات

بين ظلال الكلمات

وسيل العبراتْ..

**

أنا كلي في الجوهر والمعنى

لا أبغي اضواء

لا ابغي أصداء

والشكلُ، في هذا المعنى هراءْ..

في عرفي أشياءٌ

هي أكثرُ عمقاً وبهاءْ..

**

لا أزهو بين ظلالِ الأهواء..

فانا لست حكيماً

كي أذبح راحلتي

وانا لست بخيلاً

حتى أمنع شمسي

عن الظلماءْ..

وأنا ، في قافيتي

أبحر في موج الشوق

وموج الشهقاتْ..

وسحاباتُ سخائي

تمطرُ في كل الحاراتْ..

نثيث الحب

وجمال الروح

ونبل الآهاتْ..

**

النصفُ ، يتضور نهماً

كي لا يرضا

كي لا يشفى

من دائرةِ الشكلِ

ليبقى مهووساً ببريق الكلماتْ..

فأنا ما كنت هلامياً

أو رقماً

يتحلق حول الأشياءْ..

وكما كنتُ أحاورُ ذاتي

أحاورُ هذا الألق الدائر من حولي

ولا أكبر بالإطراء،

ولا الإغراء..

**

كفوا ياهذا عن السير

في درب الشكلِ

وعودوا أدراج الريح

حيث فراديس الفرح الصافي

تتلألأ بين ظلوعي

رغم همومي

وتلاحين شجوني

فأنا لستُ نبياً

ولستُ حكيماً

فأنا كليٌ ، لا نصفاً

تحكمه الرغبات

أو النزواتْ..

كليٌ ، لا يبحث عن أنْصافْ..!!

***

جودت العاني

21/01/2022

 

جاسم الخالديأصدقائي

سماويون  ..

طيبون ..

صامتون ..

مستمعون للقرآن والأدعية

أتنقل بينهم حتى لا يشعروا

بوجوم القبر ..

 

قبورهم ضيقة ٌ

لكنها

تتسع لكل الدعواتِ والصلوات

اصدقائي

أقصى ما يتمنون قنينة ماءٍ

 تسكب

على شواهدهم

وقراءة سورة الفاتحة

ودعاء أهل القبور

وسورة يس

لا يطمعون بأكثر من ذلك

 

منذ العيد الماضي

صرت أعرفهم

واحدا

واحدا

الامواتُ مثلنا

يحبون العودة الى الجذور

يتسَـمّون بأسماء قراهم وعشائرهم

 

لا فرق بينهم وبيننا

بيوتنا فارهة

وهم في حُجَرٍ صغيرة

يرون ما لا نرى

 

لا عيد لي

 ولا اصدقاء

فأنا ارضي

وهم سماويُّون

***

د. جاسم الخالدي

 

 

ثمة رجل يقرع باب القلب

ويتوارى

ثمة رجل يتفشى في دمي

نظراته تصهل في مخيلتي

صوته يهز جذع روحي

ثمة رجل يرشق نافذة القلب

وينأى

 

أيها الشقي

تعال

واسكب روحك في روحي

هو الحب على أشده

فتعال

ولا تتلفت لمواء القصائد والأزقة والطرقات

ليكن الحب موعدنا الذي لا يخلف

 

أيها الشريد

لا زال في القلب متسع لجرح

فليكن هذا الجرح آخر الأوطان

ها هو الشتاء يدلي بملامحك على ارتجاف مني وآه

كيف يجيء البرد على هيئة نار؟

عبثا تزحف الأصابع على الأصابع

عبثا تتسلق الأضلاع الأضلاع

عبثا تشتهيني وتقاومني

 

أيها الرابض في أقصى النبض وأدناه

قيل: لا يحيق الحب إلا بمعتنقه

فتعال اتل شفاهك ابتهالات على شفاهي

وقل: الحمد للحب على لفح لوعته

***

بقلم إيمان بوطريعة من الجزائر

 

 

اسراء فرحانتدور بذهنيَ الفكرُ

بدنيا لستُ أفهمها

أمانٍ في شغاف القلب مسكنها

إذا ما جئتُ أكتبها

مضى بخيانتي الحبرُ

فلي في العمر أصحابٌ

وأذكرهم.. وأحفظ عهدَ صحبتهم

ولا ذكروا .. ولا حفظوا

ولي في العمر أحبابٌ

مضوا والقلب أخرجهم

جميعاً من ليالينا

وهبناهم مودتنا

وأهدونا مآسينا

سراباً في سنين العمر قد عَبَروا

وظلّتْ بعدهم عِبَرُ

*

وعندك أنت يا نهري

محوت الكل من عمري

فهل تدري بأنك خير أحبابي

وعندك أنت يا نهري

يصير الحب أغنية بأهدابي

وعندك أنتَ يا نهري

نسيتُ جميع أصحابي

فمعْكَ العمر يخضرُّ

وعندك تزهر الأيام

عندك ينتهي الخطرُ

لجأتُ إليك يا نهرُ

*

على الدرب

أتيت بمفردي أخطو على الدرب

وأحمل بضع شمعات

على لوح من الخشب

وحلمٌ كان يسكنني

كما سكن التَّخوّفُ قلب مرتعبِ

كما سكن الرجاء بعين مرتقِبِ

كما سكن الحنين بقلبيَ الصبِّ

كما سكن الشتاءُ به

وزادتْ بردَه الذِّكَرُ

*

وأوقدتُ المنى شمعه

ظلام الليل أتعبني

ظلامٌ لا تحاربُهُ سوى الشمعات ملتمعهْ

وضوءُ الشمعِ مرتجفٌ

كما ارتجفت على أهدابيَ الدمعهْ

أعلّقُ ناظري فيه

و يأخذني الشرودُ معَهْ

شموعٌ صرتَ تحضنها

تهدهدها

فحاول أن تداريها

بحق الحب واللوعهْ

*

هي الآمال في التيار مثل الدمع تنهمرُ

لقد أطفأتَ شمعاتي

وزدتَ الهم والتعبا

وصار الليل يخنقني

يزيد بخافقي رعبا

فحلم كان بين يديّ قد نُهِبا

هنا وحدي.. هنا أمشي..

وقلبي؟!!

لم أجد قلبي!!!

لقد هربا

وصار الخوف يجري بي

ويدفعني إلى الهربِ

وما ذنبي؟!

لقد أبكيتُ صمتَ الماء والصفصاف والغَرَبا

فحبٌّ كان بين يديّ قد نُهِبا

*

وحتى إنتَ يا نهرُ

ظننْتُكَ أنتَ تبقى لي

إذا الأصحابُ خلوني

وإن غابوا.. وإن غدروا

وحتى أنتَ يا نهرُ

تركتَ الدمعَ أغنيةً بأهدابي

ظنَنْتُكَ خير أحبابي

ومعْكَ العمرُ يخضرُّ

وعندكَ تزهر الأيام..

عندكَ ينتهي الخطرُ

وحتى أنتَ يا نهرُ

أتطعنني وتتركني

 مع الأحلام أُحتضَرُ

لماذا قل لي يا نهرُ؟؟!!!

***

شعر: إسراء فرحان

من كتاب قمر الزمان

 

 

ناظم الصرخيعَرَبيَّةٌ خـــــــــطَّ الإلهُ حُرُوفَها

فازدادَ وَصْلًا غربُها بالْمَشْرِقِ

 

أَضْفَتْ على الأكوانِ نورَ جَلَالِها

فَتَهافَتتْ نُهَّالُهـــــــــا كيْ تَسْتقي

 

مِنْ مَكْرُماتٍ ظللتْ باحاتَها

متوهِجاتٍ بالمفَاخِرِ ترتقي

 

حَمَلَتْ هُدى الرّحمنِ في فُرْقَانِهِ

وسَمَــتْ فنَارًا للهُــــــداةِ السُّبَّقِ

 

فاغرفْ مِنَ النَّبعِ الفُراتِ مياههُ

واشْهقْ بأجنِحةِ النُّسورِ وحلِّـقِ

 

فمِدادُها مَطرُ السَّماءِ وقوسُها

ونسيجُها قِمــمُ الجِبالِ الشُّهّقِ

 

جَادتْ عليكَ سَحَــائِبٌ ريَّانـــةٌ

إذْ ما ابتغيتَ الْودْقَ غيرَ مُرقَّقِ

 

يتهافتُ الَّلأْلاءُ فـــي أكْمامِها

والغيْثُ شَلَّالٌ لغَرْسٍ مُورِقِ

 

في رَونَقٍ وَسَعَ الفَصَاحةَ والنَّدى

مَدَّ الجســــــورَ وزانَها بالمَنْطِقِ

 

غارَ الحَقـــــودُ بجُنْحِ ليلٍ مُظلِمٍ

يَسْعى لوأْدِ الشَّمسَ حينَ تَشرُّقِ

 

لــمْ يَسْتَسغْ مـدًّا أَضَاءَ مَوَاطِنًا

فتحَ الحُصُونَ وكلَّ بابٍ مُغْلَقِ

 

لكـنّ كَفَّ اللهِ حانيةٌ علـــــى

لُغةِ الرِّسَالةِ بالكتَابِ الْمُوْثَقِ

 

صَدْرُ المجالسِ، والمَسَاجِدُ جُلَّها

بِصَلاتِها - إنْ لمْ تكنْ- لمْ تُرْزَقِ

 

هي أمُّنا فــــي كَنْفِها أَمْجادُنَا

يَشْدو بِها التاريخُ شَدْوَ تَشَوُّقِ

 

سَمْتُ الفِخَارِ على جَبينِ عُرُوبتِي

ياربُّ صُنْـــها مِنْ بَلاءٍ مُحْــــدِقِ

***

ناظم الصرخي- بغداد-العراق

 

كريم الاسديمثنويّات ورباعيّات عربية ..

(من وحي ذكريات مغترب عراقي، بمناسبة مرور 31 سنة على الحرب المسماة، عاصفة الصحراء، التي بدأت في 17 كانون الثاني 1991)


 دهورٌ تعدَّتْ وأَنهارُ كوكبِنا الأرضِ تمنحُ ماءً طهورا

لكي يعشقَ العاشقونَ، ولكنَّهم بينَ اشجارِهمْ أوغلوا في الشِجارِ دهورا

**

مِن بعيدِ البعيدِ ومنذُ الدروبِ التي أوغلتْ في الغوايهْ

كانَ للنهشِ نابٌ ومخلبْ

وللقتلِ في الغابِ ملعبْ

فأصبحَ سفكُ الدماءِ هوىً وهوايهْ

**

لأنَّ الزمانَ احترابٌ يقودُ احترابْ

لذا كانَ تبديلُ هذا المكانِ بذاكَ المكانِ اغترابْ

**

لكي لا تكونَ غريمي فتغلبُني في السباق

سأقتلُكَ الآنَ قبلَ فواتِ الأوان

ومعي - كي نكونَ عليكَ جميعاً - سلاحُ الرفاق

هكذا قالَ ابنُ الزمانِ الحديثِ وابنُ قديمِ الزمان

**

بعدَ منتصفِ الشهرِ هذا وقبلَ عقودٍ ثلاثهْ *

كتبَ العالَمُ (المتحضرُ) ملحمةً في الرثاثهْ

**

المدينةُ بونُ، وبونٌ عن الأهل كانْ **

سأبحثُ عنهم على ضفةِ (الراينِ) المدلهِمِ بغيمِ شتاءٍ ثقيلْ

فأسمعُ موجَ الفراتِ بكاءَ صغارٍ وهمهمةً وعويلْ

اننا الآن في مُهجةِ البردِ في شهر (يانْ.)

**

هذهِ بنتُ سكسونَ شقراءُ مِن ضيعةٍ في شمال البلادْ ***

تحاولُ ان تشعلَ الشمعَ في دربِكَ القاتمِ الصعبِ مِن جذوةٍ في الفؤادْ

**

أنا الآن طالبُ عِلمٍ غريبٌ وأسكنُ في السكنِ الداخلي

وقدْ بَعُدَ الأهلُ مامِنْ خليلٍ يحبُّ العراقَ هنا مِن أقاصي الضلوع

ومامِن حبيبٍ يكابرُ حتى يردَّ الى النهرِ نهراً مسيلَ الدموع

ضبابُ الظلامِ ثقيلٌ فما مِن طريقٍ ـ ولو في الحدوس ـ جلي

**

هنا شبحٌ صالَ بَعْدَ اكتمالِ الرتوشْ

هنا بَطَلٌ لفَّقوهُ وأَسموهُ : بوشْ ****

**

أين تمضي وأنت الذي نَحتَ النهرُ روحَكَ بستانَ نخلٍ فبستانَ نخلْ

وطافتْ بحيراتِ قلبِكَ اشرعةٌ وشموسْ

وطوَّحَ صوتُ المغنينَ في الماءِ خِلّاً يحاورُ خِلْ

وصاغتْ رياحُ الفصولِ كيانَكَ ضوءاً يجاورُ ظلْ

**

ما الذي ستقولُ وعمّا قريبٍ تقومُ القيامهْ

وسيسعى المحبونَ للقتلِ يقتتلونَ فكلٌ يعلِّي مقامَهْ

**

وها نزلتْ كتلُ النارِ في مدرسهْ

ومادَت اشدُ البراكين بين ضلوع الصبايا

وعربدَ حقدٌ دفينٌ ولا يعلمُ الغيبُ مَنْ غَرَسَهْ

ومَن وزَّعَ الشؤمَ اشرطةً وهدايا

**

والذي يَقتلُ مِنْ علْوِ ميلينِ طفلاً وطفلهْ

سيرقى الى بطلٍ في عيونِ محبيه في جَمْعِ صحبٍ وصخبٍ وحفلهْ

**

افرحوا ببطولاتِكم ايّها الطائرونَ ويا أيها الطارئونْ

ولكنْ لعامٍ، لشهرٍ، ليومٍ، لساعهْ

والذين استماتوا يدلّونكمْ في الطريقِ وانتم بِهمْ هازئونْ

سيُخرجُهم طفلُنا عاجزينَ عن النطقِ مِنْ أُغنياتِ الجماعهْ *****

**

كريم الأسدي

.......................

ملاحظات:

* التاريخ هنا يشير بشكل تقريبي الى 17 كانون الثاني 1991

** مدينة بون هي المدينة التي بدأت فيها دراستي الجامعية في المانيا، والراين هو النهر الشهير الذي يمر في المانيا والذي تقع على ضفافه مدينة بون..

امّا كلمة (يان) فهي اشارة الى شهر كانون الثاني حيث اسمه في اللغة الألمانية (Januar) ويختصر في هذه اللغة كتابةً الى (Jan)، وحيث الحرف J في الألمانية يُلفظ مثل الياء في العربية ..

*** بنت سكسون: اشارة الى زميلة لي كانت آنذاك تشاطرني السكن والحياة في بيت الطلبة التابع لجامعة بون وتنحدر من مقاطعة سكسونيا الشمالية في المانيا 

**** بوش: الاشارة هنا الى جورج بوش الأول رئيس الولايات المتحدة الأميركية التي قادت تحالفاً عسكرياً من ثلاثين دولة ضد العراق في هذه الحرب .

هناك مفارقة مقصودة في هذا التعبير حيث ان البوش أو بوش كلمة تعني في اللهجة الشعبية العراقية الفراغ أو القنينة الفارغة، كما ان كلمة (بُطل) في اللهجة الشعبية العراقي تعني قنينة !! أجد التوضيح هنا مهماً للزميلات والزملاء الذين لا يجيدون أو لا يعرفون اللهجة العراقية ..

***** زمان ومكان كتابة هذه المقاطع في 17 كانون الثاني 2022، في برلين، وهي جزء من مشروع شعري اشتغلُ عليه منذ أعوام تحت اسم (مثنويّات ورباعيّات عربية) وسبق ان نشرتُ منه الكثير من الأقسام، وأخطط له ان يكتمل عمّا قريب في ألف مقطع ومقطع من القصائد القصيرة، حيث كل مقطع هو مثنوي من بيتين أو رباعي من أربعة أبيات .. مواضيع المشروع تشمل الوجود، الكون، الحياة، الاِنسان، العالَم، الزمان، المكان، الحب، الجمال، العدالة، السلام، الحرب، الأخلاق، الحريَّة، الوطن، الاغتراب، الذكريات، الحنين، الصداقة .

وأحاول دائماً الاضافة الى المشروع كلّما طاوعني الشعر، وسبق لي ان اعطيت نبذة تفصيلية عنه وعن تقنياته وطرائقه واهتماماته ومواضيعه.

 

 

 

خالد الحليفي اليومِ الأولِ من هذا العامْ

وأنا نائمْ

دخَلَتْ رأسي اِمرأةٌ أجهلُها،  

راحتْ تعبثُ في ذاكرتي

تشطبُ منها ما شاءتْ

ممّا لا تَعرِفُ فحواهُ،  

ولا تَعرِفُ جدواهْ

هل ستغادرُ  رأسي؟

هل سأراها،

وأنا أستقبلُ عاماً، وأودّعُ عامْ؟

- 2 -

إمرأةٌ،

كنتُ أراها

تعبُرُ  يوميّاً

في صُحبَةِ عاشقْ

كانتْ لا تعرفُ من دنياها

إلاُّ  أَنْ تَتَباهى

وتُجِمّلَ مرآها

ذاتَ صباحٍ،

كانتْ تتحاشى أنظارَ الناسْ

تتعثّرُ  في مَمْشاها

.......................  

أين هُمُ الأحبابُ؟،  

وأين هُمُ العشّاقْ؟!

- 3 – 

إمرأةٌ لَمْ تُولَدْ بعدْ

حدّثهمْ عنها، عرّافٌ كان يُصدّقهُ الناسْ

قال لهم و الكلُّ يودّعُ آخرَ أيّام العامْ

حين تدقُّ الأجراسْ

لتودّعَ أيّامَ العامَ الآتي

ستجيء إلينا اِمرأةٌ خارقةُ الإحساسْ

لتحقّقَ ما فاتَ مِنَ الأحلامْ

وتبدّدَ ما يُرهِقُنا من وَسْواسْ

..........................................

..........................................

جاء العامُ، ومرُ العامُ

وهُمْ ينتظرونْ

كيفَ الأمرُ  يكونْ

ومتى تُنقذهُمْ إمرأة لم تولدْ بعدْ؟

***

شعر: خالد الحلّي 

 

علي القاسميفتحَ عينيْه. لم يُبصر شيئًا. حدّقَ في اللاشيء، فَلمْ يرَ، أوَّل الأمر، سوى صفحةٍ من ضبابٍ كثيفٍ، أخذت تنقشع رويدًا رويدًا، ليتمكّن مِن تَـبَـيُّـن ما حوله شيئًا فشيئًا، كما تتمظهر مسودةُ صورةٍ فوتوغرافيّةٍ بعد وضعها في محلول كاشف الألوان في المختبر.

أحسَّ بألمٍ شديدٍ في رأسه، وفي صدره، وفي ذراعيْه، وساقيْه. كان مُمدَّدًا على قفاه على الأرض، بلا فِراش ولا بساط. حاول أن ينهض، ولكنَّه لم يقوَ حتّى على رفع رأسه. حَسِبَ أَنّه يستطيع النهوض إذا اتكأَ على يده اليمنى، غير أنّ ذراعه لم تستجِب له بأيّة حركة، كما لو كانت خيوط الاتصال معها قد انقطعت بالمرَّة. حوَّل بصرَه إلى ذراعه، فراعه منظرُ بقعةٍ من الدم على كُمِّ سترته. ذُعر، فصرخ بأقصى قوّته، بَيْدَ أنّه لم يسمع صرخة، ولا صوتًا، ولا مجرَّد نأمة. أغمض عينيْه.

لماذا هو مُلقًى على الأرض؟ ولِمَ الإحساس بهذا الوجع الممضِّ في الرأس؟ ونصال الألم المغمدة في أطراف الجسد كلِّه؟ لا يعرف سببًا. لا يتذكّر شيئًا. إنّه في حالته هذه أشبه ما يكون برجل كافكا الصرصار، غير أنّه لا حراك به.

استجمعَ شظايا فكره. لملمَ شتات ذاكرته، وفتح عينيْه مرَّةً أُخرى. إلى الأعلى، سماءٌ زرقاء، أغصانٌ خضراء، وعصافيرٌ بيضاء لا تكف عن الزقزقة التي تتناهى إلى أذنيه دويًّا متصلاً كدويٍّ منبعثٍ من خليّة نحل. إلى الأمام شجرةٌ مكتنزةُ الجذع، وإلى جانبها سيّارةٌ محطمة تناثر زجاجُها حَوْلها. حَوَّلَ نظراته بسرعة إلى ذراعه... بقعة الدم تتَّسع وتتَّسع. الضَّعف يدبُّ في أوصاله كقاتلٍ يرتدي طاقية الإخفاء. وبمرور كلِّ ثانية، يزداد الوَهَنُ قوة، ويمسي سيّد الموقف. سيفه المسلول ذلك الدم الهارب خارج الجسد مع النبض، قطرة فقطرة. وبقعة الدم تكبر وتكبر. أيقن أنّ نهايته قريبة، ما لم ينقطع تدفّق الدم من جرحه. ولكنَّه لا يستطيع الحركة. لا يمكنه أن يفعل شيئًا.

طريقٌ زراعيٌّ فرعيٌّ، نادرًا ما تمرُّ منه السيّارات. ليس ثمَّة بيوت للفلاحين، ولا أثر لماشية أو رعاة. أَمَلُه الوحيد في النجاة نجدةٌ ما تصله من مكانٍ ما، قبل أن ينفد زيتُ الحياة. بقعةُ الدمِّ تتَّسع وتتَّسع. لماذا لا يَتَّجه هذا الدم الملعون إلى داخل الجسد بدلا من النزيز إلى الأعلى؟ النزيف يتواصل، وهو ساكنٌ هناك في انتظار غودو، لايستطيع أن يفعل شيئًا، حتّى الكلام أو الهمس عنقاءُ يستحيل أن توجد.

لو كانت ابنته الصغيرة إلى جانبه الآن لشدَّت الجرح بخرقة من قميصه فينقطع هذا النزيف. ما أيسر الأمر... كانت تُضمِّد له ذقنَه بلصوق صغير، إذا ما انجرح أثناء حلاقة الصباح، فيرقأ الدم. ما أرقّ أصابعها البضة وهي تلامس وجهه بحنان، أو وهي تحمل كأسَ ماءٍ مثلَّج إليه... يشعر بظمأٍ شديدٍ... يتمنّى أن يعود إليها ، يراها، يداعبها، يلعب معها، يضمّها إلى صدره، يقبّلها... لا يريد أن يموت ... ولكنّ بقعة الدم تتَّسع وتتَّسع، والوَهَن يشتدُّ ويشتدُّ، ولا أثر لإنسان، ولا هدير لسيّارةٍ قادمة. أسبل جفونه.

سمعَ حركةً قريبة منه. مرهقًا فتح عينيْه بصعوبة. بقرةٌ سائبةٌ توقّفتْ إزاءه. التفتت نحوه. ثُمَّ واصلتْ سيرها عَبْرَ الطريق. تبعتْها نظراتُه. كانت وحيدة. اختفتْ في الحقل المجاور. وبقعة الدم تتحوَّل إلى الأرض بجانبه. والدوار يشتدّ. والوَهَن يزداد. انطبقتْ أجفانه.

نسمةٌ عليلة تَمَسُّ وجهَه مسًّا خفيفًا. يفتح عينيْه بجهد بالغ. يلمح شيئًا طويلاً داكنًا يتحرَّك من بعيد. بصعوبةٍ يُبقي جفنيْه الثقيليْن مواربيْن. يرى إنسانًا يسير. نعم، إنّه إنسان. إنّه يتَّجه صوبه. إنّه يقصده، بلا شكٍّ. إنّه يقترب منه. ترتفع ضربات قلبه قليلاً، كأنَّها تستحثّ القادم على الإسراع. تستعطفه. تستغيث به. النجدة! النجدة آتية. ولكنّ النزيف مستمرٌّ. وبقعة الدم على الأرض تتَّسع. والوَهَن يسود. وهو لا يستطيع أن يُبقي أجفانه مشرعة. يغمض عينيْه. دقات قلبه تتوانى، تتوارى، تكاد تندثر.

يُحسُّ وهو مغمض العينيْن ـ أنّ الرجل القادم يتوقَّف عنده قليلاً، ينحني عليه، يضع أَناملَ يده اليمنى على الجانب الأيسر من صدره، تحت سترته. من المؤكَّد أنّه يجسُّ نبضه، ليتأكّد من بقائه حيًّا. آه، لو كان يستطيع الكلام لقال له:

ـــ " إنّني ما أزال على قيد الحياة، حتّى إن لم تتناهَ دقاتُ قلبي إليكَ. افعلْ شيئًا، أرجوكَ، أتوسل إليكَ."

يحسُّ بالرجل يُمرِّر يدَه على صدره، تتعثّر بجيب سترته. لا بُدّ أنّه يريد تمسيد قلبه لـتـنـشيطه.

وبعد قليل تـنـتـقل أنامل الرجل إلى معصم يده اليسرى. يضغط على المعصم قليلاً. لا شك أنَّه يجسُّ نبضَه من مِعصمه بعد أن امتـنعت عليه دقات قلبه. لا. لا. إنَّه يزيل ساعته من معصمه... ثمَّ يسمع خطوات الرجل تبتعد عنه في اتِّجاه السيّارة.

***

قصة قصيرة

من مجموعة علي القاسمي: أوان الرحيل، ط5 (الدار البيضاء: دار الثقافة، 2019). والقصة كُتبت ونُشرت أواسط سنة 2003.