 نصوص أدبية

وطلعتَ كالشمسِ المضيئة

بِجبينِكَ ارتسمتْ نبوءةْ

*

بِلسانِكَ الفُصحى هديـ

ــرٌ يُنطقُ الفِكرَ الجريئةْ

*

في قلبِكَ القرآنُ يُتـ

ـلى لستَ تقترفُ الخطئية

*

يا مَنْ نشأتَ بخيرِ بيـ

ـتٍ خيرِ مُجتمعٍ وبيئة

*

يا مَنْ يُشابِهُ خيرَ خلـ

ـقٍ حُسن أخلاقٍ وضيئة

*

يا فارسًا ما كرَّ إلا

والحقُ قُربتُهُ المليئة

*

ما همَّهُ سيفُ الردى

وبِكفِهِ سيفُ المشيئة

*

وعكستَ بوصلةَ الورى

عن مَسلَكِ الدربِ الرديئة

*

وجهتَها نحو الذي

تتعلمُ الدنيا وضوءه

*

نحو المثيرِ بِمَنْ زكى

ماءَ الكرامةِ والمرؤة

**

يا ناشرًا فينا هوىً

تَشتَاقُ دُنيانا هُدوءه

*

العزُّ شيَّدَ مسكنًا

بالطُهرِ يَلزَمُ أنْ نَجيئه

*

تَتسارعُ الخطواتُ عجـ ـلاها كذلكمُ البطيئة

*

نحوَ اتقادِ عُلاكَ يا

بَدرًا ويا شمسًا مضيئة

*

وغدوتَ رمزَا للتقى

أنَّى لنذِلٍ أنْ يَسوءه

*

لا زلتَ تُشرقُ في العُلى

وعِداكَ في بؤرٍ وبيئة

*

دكدكتَ عرشَ أميَّةٍ

وكشفتَ صورتَها القميئة

*

وبذلتَ نفسَكَ للهدى

بثباتِ خطوتِكَ الجريئة

*

وتركتّ مِنهاجَ الورى

في رَوحةٍ يبكي وجَيئة

*

يرنوكَ ثَغرًا وادعًا

قتلوا ابتسامتَهُ البريئة

*

ويرى النبوةَ في الثرى

بِدمٍ ومُهجتُها ظميئة

*

ويقولُ بعَدَكَ لا صفا

عيشٌ ولا طابت هنيئة

***

أديب عبدالقادر أبو المكارم

21/7/2018م

 

حسن السالميوقصص أخرى قصيرة جدّا

فوق النِّسيان

لا أذكر كيف زُلزلت الأرض زلزالها في ذلك الفجر المشؤوم، وصوت المدافع والرّشّاشات يزرع في قلوبنا ما لا يحيط به الكلام...

وعندما مسح النّهار بيده البيضاء على ما تبقّى من المدينة أدركت أننّي ما نجوت إلّا ليكون عذابي أشدّ من الموت نفسه... وسط الخراب كان رضيعي البكر يصرخ ملء آذان العالم، وهو يشدّ على ثدي أمّه البارد.. يحرّكها فلا تجيب...

**

أبي.. يروي

خريف سنة 1954

تفقّد بعيره فخرج يقصّ أثره.. هنا برك. هنا رعى قليلا... وها هي الآثار تتّجه إلى...

- آشْ تَعْمِلْ هْنَا؟

- (...)

- ضَاعْلِكْ فِي الجْبَلْ يَا قَوَّادْ فْرَانْسَا!؟

- وَاللهِ خَطِينِي... يَا امِّيمْتِي!!

- مِتْخَافِشْ. امْشِ قُدَّامِي!

- رَانِي وِلْدْ عَمّْكُمْ... بْجَاهْ رَبِّي!!!

مشى خطوات. وفجأة أحسّ بشيء بارد في رقبته فتحسّسها بأنامله.. كان ذلك قبل أن ينفر الدّم ويسقط متخبّطا...

**

الوجه المظلم للقمر

الحقّ أقول ما دفعني إلى الجبل إلّا الجوع. بوثيقة من قائد "الثّوَار" أحصل على الأرزّ...

بتّ ليلتي معهم محاصرا بنظرات الشّكّ ونواح يأتيني من مكان خفّي... صباحا رأيت شيخا وولده الشّاب في الوثاق...

"اقضوا حاجتهما"

"لن تُنصروا ودماؤنا البريئة تلطّخ أيديكم"!

"اسكت يا خائن!"

وقشع الذبّاح رأس الشّاب ومرّر سكّينه... وكان الأب الشّيخ مذهولا، ينظر ولا ينظر...

فكّرت في الهرب ولكن...

لا يحدث دائما

"لعن الله الفقر. ذبح زوجتي أمام عينيّ وها هو يشحذ سكّينه البشعة ليذبح ما تبقّى لي منها."

وأرسل نظرة قلقة على أطفاله الرّاقدين تحت قبّة سماء صيفيّة... رفع رأسه فانحبست أنفاسه فجأة، وهو ينظر مدهوشا إلى ذلك الشّهاب الذي انفلت من السّماء واتّجه نحو بيته...

"قل وداعا للفقر.. ألفا مليون دولار لك وحدك. ثمن النّيزك الذي اختار دارك دون سواها!"

***

حسن سالمي

إنهُ الصبحُ أَفِقْ يا مُهجتي

ألقتْ الشمسُ جذيلاتِ الذهبْ

*

قهوتي الشقراء تغلي، عطرُها

ما تُغنيهِ مهابيجُ العربْ

*

يا لَها راقصةً شرقيّةً

فوقَ نارٍ من خفيفاتِ اللّهبْ

*

قُمْ و شاركني معي فنجانُها

طعمُهُ أشهى لأني مَن تُحبْ

**

مِن يدي الفنجانُ يُهدَى فتفضّلْ

و اسرقِ العمر و بدّدْ و تدلّلْ

*

لا يطولُ الوقتُ ما دُمنا معًا

أعطنا مِن زحمةِ الساعاتِ أطولْ

*

اشرب الفنجان تهنَأْ بعدها

ذوقُنا راقٍ بها والطعمُ مُذهلْ

*

هاتِ حدّثني و قل لي صادقًا

لونها البنيُّ أم عينايَ أجملْ

*

إنّما عينايَ شعرٌ نادرٌ

فتّشَتْ عنهُ جميلاتُ الكتُبْ

**

نكهةُ الفنجان موسيقى و حبْ

فارتشفُ حبي و ذوّبني و ذُبْ

*

مُرَّة بالطبعِ كانتْ إنّما

طعمُها حلمُ عناقيدِ العنبْ

*

حبُّنا قد ذابَ فيها سُكّرًا

أو كما الشهد على الدنيا انسكبْ

*

بُحتُ بالسرِّ الذي في طعمها

فابتسمْ و اترُكْ تعابير العجبْ

**

أعطِني الفنجان مقلوبًا أُبصّرْ

إنّ حُسنَ الحظّ في الفنجانِ أزهَرْ

*

بيّض الفألَ و هِبني غايتي

قلبَكَ الفيّاضَ لم أطمعْ بأكثرْ

*

أوسَطَ الفنجانِ حسناء لعوبٌ

تقرأُ الفنجان شعريًا ثمّ تنثُرْ

*

قد سقتكَ البُنَّ خمرًا من يديها

أنتَ تهواها و قدْ تهواكَ أكثَرْ

*

أمسكِ الفنجانَ و ابصُمْ ههنا

بصمة الفنجانِ صارتْ قلبَ حبْ

**

إنني أغنيةٌ لحني الهوى

غنّني تحلو مواويلُ الطربْ

*

قهوتي أسطورةٌ لا تنتهي

لا تدانيها أساطيرُ الحِقَبْ

***

صباح الخير

شعر: إسراء فرحان

من كتاب: قمر الزمان

يعلمني حبها أن افتح نافذتي بين تقاسيم السحاب وسوسنات النداء

وتنهمر جلاجل السمر حينما تتساقط أيقونات لنا في مواسم البرتقال

يفر الليل من وهج مودتها عبر أردية البيوت وكواكب سحب الضباب

من شرفتها يتدلى البنفسج  يناغم الخزام والمقلتان في عبق الكتاب

دربها مر المذاق للدالفين من وخزات العيون وحرقة النجوم الناعسات ظلال

مقلتاها تشرب النابالم خمرا عسجديا تهمس في حرقة النوافذ والغلال

همسي يدور بي في فلك الخطيئة وهوامس الظلام شبه فكرة من الهيام

هي غزة تسبح في ضباب من نسمات الموج وابتسام قبلتها القمراء

ليلتها تزفها عرسا بين أشباح تذوب على هواجس الحنين والذكريات

إليها في افقها وميض انطفاءة   تنسجها حالات اكتمال دورات الضياع

هي ظلنا لا يخترقه قرار في مصابيح العناق إلى اليباب والعناق في الغبوق

جديلتها تنبض في جداول من بريق  مبهورة الأضواء من أجساد الغلمان

فتياتنا يخنقها ظلام دامس في انتظاري كالفراغ ويأس الباقين رماد

لن تمنع الاذن القيامة في صراخ قيامة تنسج من الفؤاد جداول القرار

حبها المجنون غزة يلفه الديك المسفوح من حدقات شوقها لتلك العيون

حبيبتي غزة كيف اصف لها ما بقلبي من شجون وشوق لتلك العيون

حب الآخرين في قلبي وان طال لا يدوم لأن حبها الأزلي لا يهون

***

نادي ساري الديك - رام الله / فلسطين

إليها حبيبتي وهي تلتحف غرامي حين لا ينطق سكون العارفين من القدود .

 

شاهدتُهُ مِن شاهِقاتِ قصائدي

يَبكي ويَضحكُ،

في صباحٍ باردِ

مَن أنتَ؟

يا شيخًا يُسَبِّحُ ماضِغًا تَعَبَ السِّنينِ،

كأُفعوانٍ حاقِدِ؟

بِمُرقَّعاتٍ بالدُّموعِ،

خُيوطُها مِن دامِياتِ مَواجِعي ومَواجِدي

شابتْ مَعانِيهِ،

وأُقْعِدَ لَفْظُهُ،

ثَكِلًا بِطارِفِ نَصِّهِ والتَّالِدِ

وكأنما طَرَدُوْهُ مِن تابوتِهِ

لم يَنْجُ حَتَّى مَوتهُ مِن طارِدِ!

**

مَن أَنتَ؟

يا مُدُنَ الجِياعِ،

بِعالَمٍ تَشْقَى بَيادِرُهُ بِكَفِّ الحاصِدِ؟

في عَينِكَ التَّاريخُ يَكتُبُ نَهرَهُ بِالجَمْرِ،

والتَّاريخُ أَوْثَقُ ناقِدِ!

**

مَن أَنتَ؟

يا وَطَنًا تَوَلَّدَ في دَمِي

مِن أَلْفِ مَوْتٍ كالهِلالِ الوالِدِ؟

ما ماتَ،

تَبكِيهِ القَوافي يُتِّمَتْ،

ما عاشَ بَدرًا،

كالشِّفاءِ العائِدِ

كسِجارةٍ تَعْلُو دُخانا لَحظةً

لتَحُطُّ ساجِرَها بِحَتْفٍ راصِدِ!

**

وخُيولُنا تَأْبَى الفَوارسَ كُلَّها

لمَّا رَأَتْها أُمَّةً في واحِدِ

إِعصارَ أسماءٍ تَقادمَ رَسْمُها

لا عاشتِ الأسماءُ رَسْمَ شَواهدِ!

وسَفينةُ الطُّوفانِ تَغسِلُ رايتي

بَينَ السَّحابِ مِنَ الزَّمانِ الخالِدِ

بَرِئتْ مِنَ الماضي المَجيدِ

وجاسَدَتْ في حاضِرِ الأَوباشِ ذُلَّ الماجِدِ

(جَعْماءَ)(1)،

يَقْلِبُها الصَّبِيُّ فتَنْثَني رَهْنَ انقِلابٍ،

في انحِدارٍ صاعِدِ!

**

شاهدتُهُ،

يا لَيتني أَعمَى،

ولم أَرَ ما رأيتُ بِعَينِهِ مِن شاهِدِ

وإذا أنا،

والعاصِفاتُ تَلُفُّني،

فأَلُوْذُ مِن ظَمَئي بِمائي النَّافِدِ

أَشْتامُ، عَن عُمُرٍ، مَخايِلَ بارِقٍ

هَطِلِ الشُّؤونِ بِعارِياتِ مَعاهِدي

وإذا التي كَمْ راسَلَتْني في الهوَى

تَختالُ كالرَّشَأِ النَّفُورِ العاقِدِ!

**

شافهتُها،

فارتَفَّ عُنَّابٌ عَلَى شَفَتي،

وأَجْفَلَ جِيْدُها عَن ساعِدي

قالتْ:

إِلَيكَ، فقَدْ سَلَوْتُ،

ورُبَّما وَأَدَ الفُؤادُ فُؤادَهُ بِعُطارِدِ

ماذا وراءَكَ غَيْرُ أَطيافٍ هَمَتْ؟

والأرضُ لا تَحْيا بِطَيْفٍ شارِدِ!

عِشْ لِلخَيالِ، وبِالخَيالِ،

فإِنَّني عانقتُ في جَسَدِي انبِعاثَ المارِدِ

عانقتُ أَيَّامِي الجديدةَ،

نِسْغُها ماءُ الحياةِ .. قَلائدًا بقَلائدِ!

**

ساءلتُها:

- مَن ذلِكَ الشَّيخُ الذي تَعِبَ الزَّمانُ يَعُدُّ فِيهِ مَوالِدي؟

وعَلامَ يَرمُقُني بِطَرْفٍ صارِمٍ؛

فتَطِيرُ مِن عَيْنَيَّ شُقْرُ مَواعِدي؟

**

- هُوَ والدِي.

مِن أَيْنَ تَعْرِفُهُ، إذا لم تَعْرِفِ الأُنثَى التي بِمَجاسِدي؟

غادَرْتَهُ نَهْبَ الجُنُوْنِ بِصَحْصَحٍ

رَضِعَتْ ذِئابُ الجِنِّ فِيهِ بِناهِدي!

**

- ما لي أنا؟

لا ذَنبَ لي في قِصَّةٍ تَحكينَها ..

لا تَطْعَني بِعقائدي!

فأنا عَشِقتُكِ،

ما عَشِقْتُ قَبِيلةً،

لا شأنَ لي بِأَقارِبٍ وأَباعِدِ!

**

- العِشْقُ قَطْرُ الرُّوْحِ،

إِمَّا يَنْهَمِي فيُبَرْعِمُ الباقِيْ بِغُصْنِ البائدِ

لا،

ما عَرَفْتَ الحُبَّ،

لولا تَرْتَوِي مِن بِئرِ آماسِيْ وعِطْرِ مَوارِدِي!

يا مَن عَشِقْتَ،

أَما عَلِمْتَ بِأَنَّ في قَلْبِ المُحِبِّ يَثُوْرُ شَعْبُ خَرائدِ؟

**

ودَّعتُها،

إِذْ وَدَّعَتْ أَيامَنا الأُولَى،

بِذِكْرَى كالشِّهابِ الواقِدِ

وخَلَوْتُ، أَتْلُوْ دَرْسَها في الحُبِّ،

عَلِّي أَرْتَقي مِعراجَها بِقصائدِي!

***

أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفي

.....................

(1)  الجَعْماء: دُويبة من فصيلة الجُعلان (الخنافس). ذات لونٍ أسود. غير مؤذية. ربما عَبِثَ بها العابثون من الصِّبيان فقلبوها على ظهرها، فتظلُّ تُحَرِّك أطرافها في الهواء، لا تستطيع الانقلاب على وجهها، للتحرُّك على طبيعتها، إلَّا بعد برهة. قد يُضرَب بها المثل في المسالمة والبلاهة.

 

أراك ياحُسين، عابر النهايه ْ

وفي يديك النور، والهدايه ْ

أراك بين أمّة ٍ

مشلولة الشريان!!

تغالب الموت، تصيح بالزمان ْ

وصوتك العظيم يملأ المكان ْ

أراك في كلّ العصور، والمدى

تعلّم الإنسان!!

**

أراك ياحُسين،

في عباءة الرسول

حاملاً دموع (فاطمة ْ)!!

أراك عدت توقظ الموتى!!

فلم تزل دماك

في قميص كلّ مسلم ٍ، ومسلمة!!

ياثائراً مدماه ُ طائر المدى،

وكوكب الطريق ْ!!

يا ... (فلك نوح ٍ )، يا ... (عصا موسى)

ويا ... (روح المسيح)!!

يا ... وجه (يوسف النبيّ)، جاء بالسنابل المذهّبه ْ

ياعودة الأمطار للقفار

والطيور للشجر ْ

ياوارثاً حبّ الذي ... صلّى عليه الله، والملائكة!!

أراك كالغفران للذنوب،

كالخلاص للبشر ْ!!

**

أيقنت ياابن أطهر النساء ْ

بأنّك الصوت الذي

ردّده الزبور، والتوراة، والإنجيل، والهدى!!

وأنك الجرح الذي

يضيءُ في المسار ْ!!

والشمس فيه تحتمي، ويحتمي القمر!!

يا أيّها الركب الذي

يحدو به (جبريل) للسلام ْ!!

ياسيّد الفردوس ..

ياقاتل الظلام ْ!!

الموت في ذكراك مات!!

والليل في خطاك مات!!

وها أنا أراك ْ

ودورة النجوم في خطاك!!

أنشودة ً للسائرين!!

وقبلة ً للثائرين!!

وراية ً أخيرة ً في زمن المقاومه ْ!!

**

حُسينُ، ياحرّيّتي

حُسين ُ، يامرثيّتي

لم يكفني عليك حزن العالمين ْ!!!

فبعدك الماء صدىً للماء ْ!!

وبعدك الحياة لاحياة،

والسنين لا سنين ْ!!

***

بغداد / الشاعر أبو يوسف المنشد

أتأمل  وجه الغيمة  المعلقة

كمشجب بالسماء

تصر ألا تمطر

كغيمة القلب الملبدة .

ارقب الغيمة

علها تبوح لي بسر

لماذا لا تمطر مثلا ..؟؟

أؤجل سؤالي

انظر إلى وجهي في المرآة

أخاطب  اساريرى

التي لا تنفرج  بالتبسم

أتساءل لمَ لا تمطرين ؟؟

لم َلا  تفتحين قلبك  بالبوح

عله يأذن للملامح إن  تتحرر من  التجهم.

2

شاءت السيارة أن تركن قرب المطار

نزلت ..

أتأمل الوافدين بحقائبهم

يتعثرون  في سيرهم

صوب أول سيارة تحملهم  لوجهتهم

حركة دؤوبة

و ديكور رائع للحياة في صولاتها و جولاتها

وحده المطار قبلة القلب لجزر النسيان

لملرافىء  البعيدة

هناك,,لا صوت لأبجدية الملل

لا مكان للملل

و أنت تودع  كل محطات الرتابة

و تلوح للجميع

وداعا.

3

ليثنى استطيع ألا أعود

لكنها السماء ذاتها

التي احتمى بها

مهما ابتعدت

إنها سماء الوطن!

4

غيمة فاجرة

عبرت كل الحدود

و لا يحلو لها المقام

إلا على  شواطئ  قلبي

غيمة  عمرها

نكسة

بل

نكستان  !!

أراقب خطوي

احتمى بالسماء علها تمطر

لماذا

منذ الأزل

تصطف كل الخيانات

و لا يلتفت الجناة لنبضي؟

***

صليحة نعيجة

قسنطينة  ꞉8 /11/2021

يا سوطاً يصرخُ من وجعٍ

ببوادٍ تسكنها الوحشة

وثكالى شموع تتسامى

بمدادِ دموع الأيتام

ظمأ يقتات من ظمأ

بقرابٍ أرهقها الرمض

ورمال الصحراء تأنُّ

تُقبّل أقدام الأطهار

وتطوف طيورا نائحة

لربيعٍ أسفكهُ الغدر

ياصوت الله بالملكوت

وصلاة نبيّ يتهجد

بغاة تأسر بضعتهُ

ويلاحقهم سوط أبتر

في أرض الله نمت وربت

أضرحة فداء وشموخ

مواكب للخلدِ تسامت

ترنوا لرياضِ الرحمن

صوت الاسباط صدىً يبقى

يتردد بين الأزمان

***

مريم لطفي

 

كيف النجاةُ و أنتِ اليومَ مُهلِكَتي؟!!

الروحُ تنهارُ

و تغربُ شمسُ مملكتي!!

*

ما عُدتِ

قابَ قوسينِ أو أدنى

من القلبِ المعنّى

أو من نبضِ مُشكلتي

*

و لقد رميتِ وردَ الودِّ في نزقٍ

و علا شراعُكِ

فيما خُضتُ

مَعركتي

*

هذي الحياةُ لا تبقي وجعًا

و لا فرحًا

زنديقةٌ

من بطنِ مشركةِ

*

إذا عَلُوتُ

فلا تأتيني طائعةً

لا الحبُّ يُضْعفُني

و لا الحروفُ مُربِكَتي

*

إنّي نسيتُكِ

مثلَ ندبةٍ سقطت

من وجهِ فاتنةٍ

فلا اهتزّتْ

ولا بَكَتِ

*

دعي الأيّامَ

تمضي بيننا سَقَطًا

العينُ قرَّتْ

فما وَهَنَتْ

ولا شَكَتِ

*

إنّي لأُومِنُ

بالأفراحِ تحملُها

ذاتٌ من الأيّامِ كانتْ

أُسَّ مَهلَكتي

***

د.عبد المجيد أحمد المحمود

سوريا

 

يا زَميلي دَعْ سَراباً غَشَّنا

فَرؤانا إسْتَباحَتْ مَجْدَنا

أنْتَ نِبْراسُ حَياةٍ عِنْدَنا

وانْطلاقٌ لعُلانا قَبْلَنا

كُنْتَ إنْساناً طموحاً بارِقاً

وحَصيفاً مُسْتقيداً بَيْنَنا

إعْتلى ظهْرَ مُرادٍ جامِحٍ

نحوَ آفاقِ تَراءَتْ مَوْطِناً

وبنا دارَتْ وأجَّتْ نارُها

فَتَناهى كَرَمادٍ حُلْمُنا

وَطنٌ عانى وشَعْبٌ مُبْتلى

وإذا العُمْرُ هَباءٌ خَلفَنا

أمّةٌ أضَحَتْ شظايا أمَّةٍ

وبها الأوْطانُ أشَقَتْ أمَّنا

يا زميلي خابَ سَعْيٌ وانْتهى

وتَداعى كلُّ شيئٍ حَوْلنا

فلماذا أنْتَ فيها عازمٌ

يَتَحدّى مُسْتَديْناً صَوْتَنا

سَتُجِبْني عَربيٌّ صامِدٌ

وعَنيدٌ فأبيٌّ أصْلنا

قُلتَ صِدْقاً دونَ فِعْلٍ صادقٍ

دَحَضَ الفِعلُ نَوايا قَوْلنا

ما بَذرناهُ تَوارى خائِباً

فانْهَزَمْنا وقَتَلنا إنَّنا

قد تَرَجّلنا وبانَتْ خُدْعةٌ

ما وَعيْناها فأغَوَتْ جيلَنا

عَصَفَتْ فينا أعاصيرٌعَتَتْ

فَتوارى ما بَنَيْناهُ هُنا

وكذا عِشْنا زَماناً قاسِياً

كنِيامٍ في خُداعٍ لفَّنا

ما انْتَبهْنا وعَلينا أجْهزَتْ

إنّها فازَتْ فأنْكتْ جُرْحَنا

قَدْحةُ الأفكارِ أذْكتْ شُعْلةً

في رَميمٍ وسَقيمٍ حَفَّنا

ذِكْرَياتٌ أجَّجَتْ روحَ المُنى

واسْتَشاطتْ رُغْمَ أنّاتِ الأنا

لسْتُ أدْري خَبَراً جاشَ النُهى

أنْتَ حَيٌّ أمْ بها خبْطَ الضَنى

يا زَميلي تلكَ أيّامٌ خَلتْ

ما عَرفناها فجَهْلٌ سادَنا

قدَرٌ يَسْعى وأقدارٌ أتَتْ

وبها سِجْنٌ أكولٌ قدَّنا

بدنٌ خانَ وروحٌ أُزهِقَتْ

وعُروشٌ إسْتعارَتْ وَهْمَنا

ولنا فيها كِتابٌ مُبْهَمٌ

خَطّهُ الضوْءُ برمْسٍ ضَمَّنا

هائمٌ أنتَ بدهْماءِ الوَرى

وبرَمْضاءِ نَشاطٍ ذَلّنا

فَتَعلمْ كيفَ تُسْقى يَقظةً

أ بعَقلٍ سَوْفَ نَحْيا عُمرَنا؟

زَمَنٌ ولّى وشَمْسٌ أشرَقَتْ

وعليْنا بجَديدٍ يُهْدِنا

يا زميلي إنْتَهَكْنا سِفْرَنا

وبفكرٍ دونَ فِعلٍ حَتْفُنا!!

ما تآخَيْنا كجَمْعٍ واعِدٍ

فَرْدُها طاشَ مُبيداً جَمْعَنا!!

وبها الأيّامُ برهانُ الأذى

عِزَّةٌ ضاعَتْ وخَلقٌ إنْفَنى!!

فَتَرَجَّلْ عَنْ دُخانٍ ضامِرٍ

وتَمَسَّكْ بحَنايا شَعْبِنا!!

خَطأٌ يَرْعى خَطايا فاقَمَتْ

لوْعْةً جازَتْ مَزايا هَمِّنا!!

أيُّها الرائيْ لماذا إشْتَكَتْ

أمَّةٌ قادَتْ صِراطاً يُهْدِنا؟

هلْ سَنُسْقيها بفِكْرٍ فاعِلٍ

أمْ بقَوْلٍ دونَ فِعْلٍ يُشْفِنا؟!!

رَحِمَ اللهُ زَميلاً ثائِراً

أطْلقَ الروحَ فهامَتْ روحُنا!!

كَثُرَ الطيْشُ وقلّتْ حِكْمَةٌ

وخريدٌ في ثَنايا وعْيِنا!!

***

د. صادق السامرائي

29\3\2022

يشد قوامك نحو الرحيل،

ينخر عظامك المتعبة،

يحول بينك وبين طقوسك المبجلة،

يتزعم خطواتك،

يذهب بها بعيدا،

يطمرك الوهن،

ينازع جبروتك،

تصبح مكبلا.

*

ينظر نحوك،

تغدو عاجزا عن أداء التحية،

ترفع يديك ببطء قليلا،

تلوح بالاستسلام،

تغادر وسادتك،

يفارقك المكان.

*

يحتجز كلماتك،

يستنزف مشاعرك،

يصر قدميك،

يجرك إليه،

يكتم أنفاسك،

يفصل بيننك وبين من تحب دون استئذان.

*

يجعل منك كيانا غارقا في بحر غامض،

يقتحم أسوار جبروتك،

يغور بك صوب العتمة،

يسقط حقك في الإعتراض،

تشعر بالخذلان.

*

هنالك عند نقطة من الأفق،

تخفق روحك،

تشد قيود حضورك المسافات،

تنطوي حقبة من الزمان،

يضطرب الخوف عند مشارف الجبل،

تخر متقلبا،

تلفك المغارات،

تطفو صورتك عند السفح،

تغرب عند المقام،

تستعيد القافلة شروط انتمائها الأزلي،

ينتشر السكون،

يكف الآخرون عن البكاء.

***

عقيل العبود/ سان دييغو

 

في غابةِ الاحتمالْ

يخترقُ المُمْكِنُ وجهَ المحالْ

وترتدي الشكوكُ وجهَ اليقينْ

فما الذي تصبو  إليه السنينْ،

بعد مخاضاتِ عذابٍ طوالْ؟

**

- 2 -

مَنْ وَأَدَ الأحلامَ في مهدِنا؟

مَنْ زَرَعَ الأشواكَ في دربِنا؟

أوقاتُنا مُجْدِبةٌ قاحلةْ

متى تجئينَ ربيعاً لنا،

لتُمْرِعي واحاتِنا الذابلةْ،

و ترجعي أيّامَنا الراحلةْ؟

**

- 3 -

هذا الذي تشدو  به دائماً

حيْرةُ أيّامنا

صارَ  لنا

نشيدَنا المُزْمِنا

يُمكِنُ، لا  يُمكِنُ، قَدْ  يُمكِنُ

***

شعر: خالد الحلّي

ملبورن - أستراليا

 

وأنت تطل من الشرفة

تقول للبحر

المأساة يا رفيقي

هي أن تجد نفسك

على ضفاف نهر مورق

رفيقا للخسارة وخيانة الأحبة

تتأمل أسراب الطيور المهاجرة

في مشهد حزين

يشبه لوحة مرسومة بالأبيض والأسود

معلقة على جدار مقبل على الانهيار.

المأساة هي أن تجد نفسك وحيدا

كنورس مكسور الجناح

ينظر بحزن إلى البحر ورذاذ موجه

والمراكب العابرة إلى الموانئ

عاجزا عن التحليق في أفقه الأزرق.

المأساة يارفيقي

هي أن تجالس ظلك المنسي

في حياد تام مع فلسفة الوجود

من غير لغة..

ولا حكاية..

ولا ذاكرة..

تداعب فنجان قهوتك المرة

وتعبت بقطع السكر على المائدة

وأنت تجتر بداخلك الخسارة تلو الخسارة.

المأساة هي أن تجد نفسك عاريا

كأشجار الخريف بلا أوراق

على رصيف شارع مهمل منسي

بلا مصابيح..

وبلا أمواج عاتية..

وبلا فرح يعيد إليك شغب الطفولة

وبلا حضورها المتوهج كالنار

في الزمان والمكان .

المأساة هي أن يمر بالقرب منك الناس

والطيف والحرف دون مواساة..

ودون تحية الصباح

يشغلهم الوقت بعيدا عنك

وتشغلك رؤاك بعيدا عنهم.

***

عبدالرزاق اسطيطو

 

مثلَ نسمةٍ تتهادى

يرفعُ طرفَهُ

يلقي السلامَ

فتجفلُ الطيورُ:

لا سلام

إلّا في الأضغاثِ

*

يسيرُ مع نفسِه

لا يبالي

إن أمسكَ ظلَّه

أو صار وظلَّه شبحينِ

*

واقفٌ عند البوابةِ الأخيرةِ

ينتظرُ التحليقَ

نظرَ إلى أعلى النافذةِ

تذكّر ذلك الطائرَ

الذي حلّق ولم يعدْ

*

بعد عامٍ ونيف من الدمعِ

تذكّر أن عينَهُ

صارت قربةً مثقوبةً

وأن الماءَ لا يكفّ

عن الإنهطالِ

*

كلما تذكّر فتاتَهُ الأولى

وجد أمامَهُ

صورةَ المرأة التي تتشحُ بالسوادِ

وفوق رأسهِ راية الفقدِ

*

في كلّ عامٍ

يقفُ الحسينُ وحيدًا

يلتفتُ

فلا يجد خلفَهُ

إلآ بقايا كفّ

وراية

*

سألت مجنونًا؛

لماذا لا تجيدُ البكاءَ

قال غاضبًا:

لأني بكيتُ

ما يكفي

***

د. جاسم الخالدي

أنشودة للأطفال تحت عنوان

وَطَني - هذا السِّرّ الجَميلُ

***

وَطَني رُبوعُكَ

لوحَة ٌ لِفنانٍ

رَسَمَ الرّبيعَ

ذهَبَ الخَريفِ

غَزْلَ البَناتِ

زُرْقة َ البَحر

وَزينَة َ الشّطآن ِ.

**

وَطَني رُبوعُكَ

لوْحَةٌ لِفنان ٍ:

شَبّابَة ُ الرّاعي

شُموخُ الجبال ِ

تَدَفّقُ الوادي

وَفَزْعَة ُ الشّجعان ِ.

**

وَطَني...

أحْبَبْتُ فيكَ

جَمالَ الغاباتِ

شَدْوَ الحَمام ِ

طيَرانَ الفَراشاتِ

وَمَوسِمَ أزهار الرّمّان ِ.

**

وَطَني..

أنتَ الفَرَحُ والغِبطَة ُ

أنتَ المَحَبّة..ُ

أنتَ الأهْلُ .. يا وَطَني

فيك البَيْتُ والدّفءُ

ليْ...وَلِكُلِّ إنْسان ِ.

***

بقلم الدكتور إسماعيل مكارم

.........................

هوامش:

غزل البنات: حبات الثلج كبيرة الحجم في موسم الشتاء

شبابة الرّاعي: مزمار الراعي

الفزعة : هي نجدة المستغيث ومن يطلب العون،

أي النخوة العربية.

دونت عام 2019

على هامش اجتياح 1982 للبنان*

اولا: نُذُرُ الحرب

الطير العربيُّ الفينيقيُّ اللؤلوء في عينيهِ

والطير العربي الفينيقيُّ لألئه تتصدرُ قائمة الانباءِ المجهولة

الريشُ الكث على  كلتا عينيهِ

والطُحلبُ والتعتيمُ مروجٌ تتعسكرُ من حول الأُذُنينِ

الطيرُ البيروتيُّ قوادِمُهُ المرمرُ من لبنان

وخوافيهِ سهامُ الفتحِ الاسلاميّ وأسيافُ الرومانِ

الطير الفينيقيّ الابيض نورسُ بحر الدنيا

يتوسط هذا العالمْ

والطيرُ اللبنانيّ بلا عينين يحدّق في أمواج البحرِ

كسروا حدّة عينيه

جعلوا المسمار الفولاذي إطاراً أممياً للاحداقِ

قصّوا الريش الذهبيَّ - الثلجيّ الزاهي

فتبعثر قشاً يقطر قاراً مغليا

وتناثر في البحر الى الاعماقْ.

النورس مخنوقٌ مذبوحٌ

المقلةُ لا نورٌ فيها لا ومض لا إشعاع

الطير النورس لا عشَ ولا زوجَ ولا اهل له

والنورس مقطوع الاصل سوى صوتِ الجيرانِ

منكوبٌ تتقاذفه الانواءُ الجوية والمعسول من الانباءِ

الريش أكفُّ الاطفال وأذرع قتلانا

من يرحم هذا الانسانَ التعبانا ؟

النورس ماتت في عينيه حبيبات الرمانِ

والنورس لحن الناقوس الكنسيّ المتذبذب في امواج الشيطانِ

لا يعبر إلاّ جسراً دموياً من أحزانِ

فالآتي أكبر مما تتحمله ذاكرة الانسانِ.

النورس مفقوء العينينِ

والنورس مقطوع الأرجل والايدي

طير اسطوريٌّ فينيقيٌ جاب الشطآن وحيداً إلاّ المجدافْ

يضرب في نوء الدنيا ارشق من اسماك القرشِ

وحيتان البحر الطامي

في عينيه البللورُ الازليّ الصافي

وعقيق التيجان الملكية ثم كريم الماسِ.

*

تَرَفٌ ما تسمعه يا إنسانُ

كذبٌ ما تسمعه عن لبنانْ.

صُوُرٌ في خير واللهِ يغازلها المرفأُ والساحل والكثبانُ

صُوُرٌ سور العرب الادنى

قلعة هذا التاريخ العصريِّ

تصد الريح من الاسفل والاعلى

صُوُرٌ سوّرها الرحمن وحصّنها المولى ...

كذبٌ ما تسمعه يا إنسانُ

دجلٌ ما تسمعه عن لبنانْ

المسرح مفتوح مائةَ يومٍ في الشهرِ

تعالَ تفرجْ يا سكرانُ

إفتح عينك يا إنسانُ

فمصائرنا تترنح في رأس الغثيانِ

والجيل القادم مسمومٌ منذ الآنْ

باعته العرب العاربة الشماءُ مهيناً وذليلاً

باعوه مع النفط المتوهج قنديلاً.

**

ثانيا: النبي داوود في الجنوب

داوودُ الملكُ الطالوتُ ترفرف نجمته هولاً في صيدا

وملوك الطين تصفّق للطائر والعابر والساقط والهارب والنعسانِ

إرفع صوتك يا إنسانُ

ما من عار فوق القمة اكبر من هذا العارِ

صيدا ساحلك الرمليّ بلا ماءٍ إلاّ الاشلاءُ

يقضمها الموج الابدي العاتي

ويسأل في شبق محموم اين الآتي ؟

الهجرة أمواج تدفعها الريح شمالاً

صفّاً

صفّاً

والريح مخالبها أمضى من حد السيفِ

البشر المهزوم مساكنه اضحت مأوىً صرفا

للجن وللغيلانِ

والبشر المطرود ضحية هذا الطوفانِ

من التصريحات الجوفاءِ

لا تشبعُ لا تروي ظمآنا

لا تنقذ حتى جرذٍ في حفرة نسيان .ِ

البشرُ البشر الملأ المظلوم المهمومُ المكلومُ

تقاعس عن درس التاريخِ

فأغمضَ عينيهِ ونام على ذيل الثعبانِ.

*

الحربُ الحربُ الريح العاتيةُ الصَرْصَرْ

وصلاح الدين عساكره في قعر اليمِ

مدافعه صدئتْ

والرياتُ المقلوبة ما من أحد يرفعها للأعلى

فتهيأْ لبنانُ لكارثةٍ لا تُبقي للموتِ سوى

حفنة أقزام مأبونين ومنبوذين مقاعدهمْ

من إعصارٍ أو من نارِ

خذهم يا موتُ فهل بعد النكبة من عارٍ

اكبر من هذا العارِ؟؟

**

ثالثا: الحرب في بيروت

بيروتُ مآذنُها اضحت وكراً للغربانِ

هدفاً سهلاً للطائر والغائر والمتفجّرِ

والمتفسفرِ من آلات الموت المكتوب على لبنانْ.

*

بيروتُ مقاهيها غلّقت الابوابَ

وأغفى الحانوتيُّ جريحاً ظمآناً جوعانا

والبرج تفّلق فسفوراً مصهورا

وحديداً مغلياً ودخانا

والبارجةُ السوداءُ تفحّ فحيحَ الحيّات السودِ

وناباها بالسمِ الاصفر منتفخانِ.

*

بيروتُ الساعةُ ها قد حانتْ

فإغتسلي بالضوء الضاربِ في قلب الاعصارِ.

*

من ذا يصرخ في الليل العاتي؟

إمرأةٌ تبحث عن طفليها حيث هوت جدرانُ الدارِ

من ذا يمشي بين الأنقاضِ؟

طفلٌ يبحث عن ابويهِ؟

من هذا الجاثم مصفرّاً من فرط الإعياءِ؟

شيخٌ يرأسُ عائلةً وصلت تواً من صيدا

من هذا؟

هذا ياسرُ عَرَفاتْ.

*

بيروتُ جنائزُ لا حَصْرَ لها

والموت يدق عليها باباً بابا

بيروتُ مقابرُ لا عدَّ لها

ومساكنها أنقاضٌ فوق الاحبابِ.

الحربُ إلهي

رُحماك إلهي

إرحمني من ظلم شقيقي الانسانِ

العبد المؤمن يستغفر يستعظم ماضيهِ

والعبد المؤمن يستصرخ يستنجدُ لكنْ

مَن يحميهِ؟

بيروت موانيكِ البيضُ صواريها مقلوبةْ

بيروتُ الربانُ بلا بوصلةٍ شق اليما

وأمواج الريح وكثبان الحيتانِ

والصقرُ الساميُّ مدافعهُ وا أسفا

أفواهٌ دُرْدٌ جوفاءُ

والسهلُ الموتُ مروجٌ من غيلانِ

أ أنا دون الانسانِ؟

أ أنا أصغر من قنبلةٍ في الميدانِ؟

*

الموت يخطّطُ للرائح والغادي

والنكبة لا شكلَ لها

والرعبُ يدق على الحيطانِ بلا إنذارٍ أو إخطارٍ واستئذانِ

وعناقيدُ الأجل الأصفر والأخضر والأسودِ والأحمرْ

تتطايرُ من هول الرعبِ شظايا

أجسادا وأكفا ورؤوسا وطقوسا

وجيادا ورجالا ونساء وفؤوسا ...

ما أعظمَ سيماكَ وأنت تُهانُ

ما أكبر قتلاك تلّظى فوق النيرانِ

ما أروع هذا الانسانُ.

**

رابعا: الفاتحة

لبنانُ الشجرُ الزيتونُ المتوهجُ نوراً عُلْويا

مشكاةُ الكون وطعمُ العنبر والسكّر والتفاحِ

أزليُّ الهيكل والمعصمُ زنبقةٌ تتفتح فجراً

قبل الأصباحِ

والجدول نهرٌ في جنَّةِ عَدْنِ

ومزاجُ الماءِ المتألقِ كافورا

الكرمةُ تحت الارض يعتّقها الرهبانُ دهورا

كأساً مسحوراً وبخورا

والجبلُ العالي يحدّقُ في ماء البحرِ

طيوباً و خُزامى وعطورا ...

*

لبنانُ الآنَ خرابُ

ودموعٌ ودماءٌ وسرابُ

والنورسُ مقتولٌ مرميٌّ تحت الأعقابِ

فإقرأْ

فاتحةَ الأحياءِ الموتى

واقرأْ فاتحةَ الموتى الأحياءْ.

***

دكتور عدنان الظاهر

..........................

* اذيعت بصوت الشاعر من اذاعة صوت الجماهير في طرابلس - ليبيا اثناء حصار بيروت 1982

 

لِمَ يا فُراتَ الخيرِ تجري غاضِبًا؟

مهلًا ولا تغضبْ،

فإنّا حائرونْ.

موجاتُكَ الهَوْجاءُ  تُرْهِبُنا،

وإنّا خائفون.

*

الليلُ داهَمَنا ولا

ندري الى أين الرحيلْ،

أَإِلى الجبالِ فلا جبالْ!

مشلولةٌ أقدامُنا،

مكتوفةٌ كلُّ الأيادي،

كلُّ شيئٍ عندنا شِبْهُ مُحالْ

*

خاشِعةٌ أبصارُنا،

الوقتُ يسبِقُنا وما زلنا نُكابِرْ

صَعْبٌ علينا

أن نُغادِرَ…. لا نُخاطرْ

*

لُطْفًا فُراتَ الخيرِ أمْهِلْنا رُوَيْدا

صَرَخَ الرضيعُ

أما سمِعْتَ الصارخينْ؟

هلاّ رحمتَ العاجزين؟

رِفقاً بأهْلِكَ يافُراتَ الطَّيِّبينْ

فلقد عَشِقْناكَ سنينْ،

ولقد أَلِفْناكَ سنينْ!

*

منك نَهِلْنا كُلَّ خيرٍ كُلَّ طِيبْ،

واذا اسْتُغِثْنا نسْتَجيبْ.

ألْهَمْتَنا معنى الحياةْ

علمتنا نحيا الإباءْ

نَنْشُرُ نورَ اللهِ في الأرض بلا

مَنٍّ ونحنُ السُّعَداءْ

*

واحَسْرَتاهُ أرى عُيونًا

باكِياتْ

تجْهلُ ما تحملُ تلك القادماتْ!

أبناؤُكَ النُّجُبُ الغَيارى واجِمونْ

ماذا عساهُم فاعلون؟

إيْ يا فراتْ

اليومَ لا نعلمُ ما هو اۤتْ

إنّا لنَخْشى أنْ تَموتَ الذكرياتْ

*

يا أيُّها النهرُ العظيمْ

أتَحِلُّ ضَيْفًا عندنا عند الصَّباحْ؟

أمْ في دُجى الليلِ البَهيمْ؟

هل لكَ أن تُخْبِرَنا قبلَ الوُصولْ،

ليسَ لدينا ما نقولْ!

*

سَتَرى أحِبّاءً يُحَيُّوكَ

يُجيدونَ التَّحِيَّةَ …… حَيِّهِمْ

سيعانقوكَ يُوَقِّروكْ

ستراهُموا عينَ اليقينْ

كُنْ يا فراتُ لهم وقُلْ

يا طيِّبونَ لكمُ السلامْ

خَجِلُ أنا منكم، وها

سأعودُ ناموا آمِنينْ

***

شعر عبد يونس لافي

....................

* كتبت هذه القصيدة تحت تهديد الفرات في المناطق الغربية من أرض العراق، في فيضانه العارم عام  1968، وقد سبقه اخر عام  1967 أي قبل اكثر من نصف قرن..

 

رَجَــزَ البـــدرُ ، فحـيّاهُ الحُـسـامُ

واقــتـدى بالنهْـج أنـصارٌ كــرامُ

*

أذْهَـلَ الخَـصْـمَ ، بأوصافٍ بهـا

قَـبـَسُ المـوروث :عِـلـمٌ ومَـقـامُ

*

زانَـها فـي مُعجَم الأبطالِ نَـهْـجٌ

هــو لـلحَـزْمِ  ولـلعَــزْم  وســامُ

*

فـاوَضوه  باسْــمِ أنســابٍ لــهـم

بحــديــثٍ  فـيــه آمــالٌ جِـســامُ

*

لِــيَـنالـوا مـأرَبـا ، فــي سعـيهم

هَــزُلَ الـفِـكـرُ لــديـهـم والـمَرامُ

*

زأرَ الـشِــبْـلُ ، فــدَوّى زاجِــراً

انني للسّــبْطِ ، ســيـفٌ لايُضـامُ

*

قــيل مـَنْ ذا الشـبلُ، قالـوا  انـه

حامـِلُ الرايـة عــباسُ ، الهُـمـامُ

*

لــه صَـوْلاتٌ كصَـوْلاتِ عـلـيٍّ

فـأصـابَ الـخَصْمَ ذعـرٌ وسـَقـامُ

*

اقدمَ الضرغامُ صوْبَ الماء يسعى

حـطّــمَ الأسـوارَ فاسْـتاءَ الـنظــامُ

*

نَـــسْـلُ طه ، فــي خُطى إقْـدامِـهِ

عَــزْمُ صنـديـدٍ تـؤاخـيـه الـمَهـامُ

*

شـتتَ الفرســانَ في سُوح الوَغى

راجـزا ، والحـربُ نـارٌ وحِـمـامُ

*

(انني  العــباس أغدو فـي السِّقا)

لا أخاف الموتَ إن حان الصِدامُ

*

قِـربةُ الماء – فراتٌ – وعُطاشى

مفـرداتٌ ، مـؤلِـمٌ فيـــها الـكـلامُ

*

سـَـجَّـلتْ للـظلـم تاريخـاً ، معيبا

كـلُّ سَـطْرٍ فيــه عـارٌ و ظـــلامُ

*

مـفـرداتٌ أفصـحـتْ عـن فاعلٍ

عِلــةُ الـنـقصِ بـــه ، داءٌ مُـقـامُ

***

(من الرمل)

شعر عدنان عبدالنبي البلداوي

محمد الدرقاويكنا على مائدة الإفطار حين رن جرس الباب، كانت الرنات متسارعة مقلقة، تتلوها دقات متوالية، تحمل معها رعدا وبرقا، أوخطرا داهما، قالت أمي: حتما تورية أختي لا تأتي الا والقيامة في أعقابها..

صدقت، فقد دخلت خالتي وهي ترمي شرارات لسانها سبا وشتما، بلا تحية أو سلام: قالت لوالدي وكأنها تصدر له أمرا بلا مقدمات: يلزم ان تنهي الامر مع زوجي اليوم قبل غد...

رفعت أمي اليها نظرات لوم و تأنيب متثاقلة، وكأنها أدركت ما أقدمت عليه:

ـ ياك ما جبتي الثالثة معك؟ ارجو ان تتركي زوجي بعيدا عن مشاكلك، فهو لا يعمل بأمر من أحد..

ردت خالتي بنوع من التحدي وكانها تفرض أمرا وتزيح ثقلا على أكتافها قد رزح:

ـ ومن بعد، لم أعد أحتمل العيش معه.. لا عليك سأعرف كيف آخذ حقي وزيادة..

تنهدت أمي بغصة حارقة:

ـ ربما العكس هو الصحيح، فمن يتحمل حياة معك وعليها يصطبر؟، رغباتك ألوف..طيش، حمق وطلبات لا تنتهي..الى متى تورية، الى متى؟..

لم أكن أصغي لحديثهما فانشغالي بصور تترى على التلفاز ضمن أخبار الصباح، أبعدتني عن متابعة ما يقال.. "قوم اصطفوا على الطرقات كالفطر يغسلون السيارات وقد تعمدوا قطع أوصال أنابيب الماء المدفونة في باطن الأرض، كغيرهم داخل المدن ممن سدوا المنافذ والشوارع في فوضى مستغلين الملك العمومي بلا رقابة أو احتراس، أنانية، فوضى وامعان في التحدي، بداوة صارت تأتي على الأخضر واليابس بلا وعي وكأنها تنتقم لإهمال طال البوادي والقرى، عمقت جراحه سنوات القحط ودعايات العمل المكذوب في المدينة، فباع القرويون أراضيهم لسماسرة الانتخابات ممن تصدروا المجالس والقيادات وهاجروا يكتسحون المدن كالجراد يعيثون فيها فسادا..

حاول والدي التدخل بحديث لكن أمي صدته قائلة:

"كمل فطورك ونوض لشغالك، الله يعطي لبلا للي يقد به.. فران قاد بحومة "

خالتي تورية أصغر من أمي بأربع سنوات، لكن العلاقة بينهما دوما متوثرة لا تصفو، خالتي تنظر الى أمي بعين الغيرة والحسد، فأمي كلمة الصدق التي لا تكسر في البيت، عزم وإرادة، وقد عوضها الله بهما عن جمال هو ما لبسته خالتي رداء غرور، تحد وطيش الى حد الانحراف، اقله ما يتردد في عائلتنا، أن خالتي قد استحوذت على خطيب أتى لأختها السعدية التي هي اليوم أمي بعد ان عنست لجمال محدود ولخصلتين يكرههما الرجال في النساء: الصرامة وقوة الشخصية، فالسعدية لا تسمح لأي كان أن يتقافز على أكتافها، يتحكم في قراراتها، أو يخالف أوامرها، أو يفسد نظاما تعود عليه البيت حفاظا على طقوسه وأناقته، وقد استطاعت خالتي ان تقتفي أثر الرجل فاستمالته بإغراء ونزق منها، أعدته السعدية طيشا، اذلالا لكرامة المرأة وقلة حياء منها، كما هو فقدان رجولة، وضعف قرار، من الخاطب الذي أبت ان ترتبط به بعد أن جرب ألاعيب خالتي، من طيش ورغبات لا تنتهي ثم عاد متوسلا، فركلته السعدية بعد ان تحققت من رعونته وتقلبه..

تم طلاق خالتي، وصارت ثقلا ولسانا لاغطا يعيش بيننا، أنف مدسوس بفضول في كل صغيرة وكبيرة، صراع يومي بين عقليتين متناقضتين ضاعف من مشاكل قلما تخبو بين ما يأتيه أبي من سلوكات وبين ما يظل يردده مما يستبطنه محفوظا بلا تأويل ولا سبب نزول من كتاب الله وأحاديث الرسول، وما يحاول أن يفرضه على أمي وبه لا تقتنع، كارتداء الحجاب، و عمل المرأة بين الرجال بألبسة شبيهة بما يلبسه الذكور بالرغم من أن أبي شخصية انفصامية فهو أول من يقع في نقائص وتباينات ما يجتر فتضيع معها محفوظاته و قراراته كلما رأى انثى، او تبسمت له صبية، أو مر على مسامعه حديث زواج من قبل أحد دعاة التعدد..كما أنه كان لا يتعفف من أن يقضم من المدخول اليومي ما يخفيه عن أمي فتتظاهر بلا مبالاة.. كانت أمي تكره أن تتسرب أمور بيتنا خارج أسوار البيت مفضلة أن تظل بعيدا عن الأنظار والأسماع، فهي تكره أن تجد نفسها تعيش بين مطرقة وسندان لسان أبي الذي يمطرق عقولنا بلا وعي ويتكلم بلا دراية كالرحى تدور ولا تدري لها طحينة، وبين سلوكات كانت تنتزع منها ضحكات سخرية وهي تردد بينها وبين نفسها:" معذور، حديث عهد بنعمة، مقهور ضربته الدنيا بحظ دون أن يتمزق له سروال على مقاعد الدراسة، او تتهرأ له جفون على البحث والتحصيل، أو يجد نفسه بين أمواج البحر مقدما روحه للمتاجرين في البشر"..

لم ترتح أمي لوجود خالتي بيننا، فهي تمقت الدسائس أو التعامل بوجهين، كما تكره أن يطول تفكيرغير تفكيرها في بيت هي صاحبته وأعلم بما يدور فيه..

ذات صباح نهض ابي ليجد حقيبة ملابسه قرب الباب، وكأنه أدرك السبب بعد عبارة رمتها أمي على وجهه:" شدة الحرص على الأمانة دليل خيانة، ولن يؤتمن رجل خائن يركل ما وهبه الله بلاحساب" فلم يجد أبي غير الصمت، ولم يتوان في حمل الحقيبة ويفتح الباب، قبل أن تضيف أمي ما قد يفرقع الرمانة، فأعرف ما لا يريد أبي أن يبلغني، لكن قبل الخروج قالت له أمي بكل ثبات ورباطة جاش:

ـ ألم تنس شيئا؟..

تطلع اليها كانه يستفسرها عما يمكن ان يكون قد غاب عنه دون أن يتوقف لسانه عن اجترار ما يحفظ، فتبادره:

ـ يمين الطلاق ومفاتيح المتجر..

لأول مرة أتأكد ان التجارة التي كان يديرها أبي هي خالصة لأمي مما ورثته عن جدي لا شراكة بينهما، وان ابي لم يكن غير عامل من عمال جدي الذي توسم فيه الخير فزوجه أمي بعد ضغوط قوية عليها، فالرجل "درويش" خدوم أمين، حافظ لكتاب الله أو هكذا رآه ويستطيع أن يساعد بنته بعد أن بلغ بجدي العجز والوهن ؛ لكن تقلبات الانسان في الزمان تجعله قضية مطروحة دوما للنقاش، ثم لماذا هذا السلوك المفاجئ من أمي؟ أي جرم اقترفه ابي حتى يستحق هذا العقاب القاسي من قبلها؟ اعي تفكير أمي الإيجابي والذي حققت من خلاله نموا تجاريا واتساعا لما ورثته عن جدي، وانها لم تكن مع ابي تترك أي شيء للصدفة، فرغم ما تعرفه عنه فهي تحاول ارضاءه بما يحقق له استقلالا ماديا، على الأقل ظاهريا، فهي لا تتوانى في محاسبته، توجيهه، والتغاضي عن هفوات تتعمد على الا تثيرها بحك على الدبرة فكيفما كان الامر فهو رجل يلزمه نوع من الاستقلال المادي..كانت لا تتوانى في اقتراح حلول لما قد يداهمه من مشاكل تجارية ، كما أنها كثيرا ما كانت ترافقه في سفرياته لعقد الصفقات والبحث عن أسواق جديدة، خصوصا وهي تخشى أن ينساق لنزواته أو يقع تحت اغراءات أصحاب المشاريع ممن أسسوا بنوكا إسلامية غارقة في الضبابية وعدم الانسجام مع الواقع المالي، هيمنوا على السوق التجارية بالمظاهر واغراءات الربح الحلال، وهذا ما كان يحرك طمع أبي وميولاته؛ ويوم وشوش بعض افراد العائلة بعلاقات يعقدها ابي خارج أسوار البيت لم تنزعج أمي، فليس من عادتها أن تؤمن بما تسمع بلا دليل، فهي تكره ان تسمح لأي تفكير سلبي بغزو نفسها أو احباط ثقتها في عزيمتها وقوة شخصيتها، فهي دوما توظف قوة تفكيرها الإيجابي وتتطلع الى المستقبل بثقة وهذا سر نجاحها، حتى في تربيتي كنت لا اعرف غيرها فهي من يقوم نحوي بكل شيء، والحق يقال أنها تكون مبدعة في كل ما تأتي به، ما خلقت واقعا الا كان النجاح في ركابه، ومن هذا السلوك كانت توجهني، وتعلمني الحياة بحرص وضبط وصرامة أحيانا وهي تتابعني خطوة خطوة، لهذا فأثر أبي في حياتي يكاد يكون منعدما، أولا لان ابي لم يدخل مدرسة في حياته، وكل ما يتوفر عليه من معارف هي محفوظات غيبية التقطها من بيوت عشعش فيها الجهل والقهر الظلامي، و من مسموعات تتكررمن هذيان فقراء الزوايا وأساطير الأضرحة، ثانيا لانه لا يملك قوة شخصيتها، وقد كنت لا ادري هل سلوكات ابي من طيبته أم من مشحوناته وسذاجته؟!!.وكما خرج والدي من البيت لا يحمل غيرحقيبة ثيابه، كذلك لحقت به خالتي بعد اسبوع بعد ان اشترت شقة بعيدة عنا، فيها تزوجت ولم يكن الزوج غير أبي..

وقد علمت من خلال نقاش حاد بين أمي وخالتي يوم رحيلها، أن أمي افتقدت أبي ذات ليلة فوجدته نائما في غرفة خالتي وبين أحضانها.. وحيث ان أمي لا تعالج مشاكها بالصياح والتشهير فقد افترقت مع أبي بلا دراما ولا قيل وقال.

تولت أمي تجارتها بنفسها، وأعادت ترتيب اعمالها متكئة على حبها لأن تتعلم كل جديد، وعلى صيانة رأس مالها، مستعينة بانفتاح عقلي مبدع، وبنساء ممن كن يقدرنها ويحترمن قوة شخصيتها، صدقها واخلاصها مع نفسها و غيرها.. صارت أمي في السوق التجارية بعد أن أسست شركة خاصة بالنساء رقما يضرب له ألف حساب، فكل متعامل يدرك انها ليست ممن يمكن التلاعب معها، تقدر قيمتها وتحترم قيم الغير..

لم تستقم الحياة بين أبي وخالتي غير سنتين وبضعة اشهر، فقد رزقهما الله طفلة ماتت بعد أن تركتها خالتي قرب سخانة كهربائية جرتها الصغيرة فاحترقت وماتت بعد ان لم ينفع معها علاج؛ وكان الطلاق..

كلما كبرت ازدادت لهفتي لرؤية أبي، يعصرني اليه حنين قاتل فأتساءل: هل هو حقا أبي؟ لماذا عني لا يسأل ابدا؟..كان يتلبسني تفكير يؤرقني حول شخصية أمي بذكائها وأفكارها، وشخصية أبي بضعفه وسلبيته واستسلامه المتسرع لنزواته، فمظهر أبي وما كانت تفرضه عليه امي من اناقة حتى يظهر بمظهر التاجر الميسور السعيد ليس هو عمقه الهش والذي يتصاغر أمام كل انثى تلاعبه بنظرة أو تغريه بكلمة ؛حين كنت أسأل امي عن هذا الإهمال من قبل أبي كان يأتي ردها منطقيا في كلمات:

ـ هاتفه معك، كلمه أولا، حق الأبوة عليك يلزمك بالسؤال عنه..

أكثر من مرة يعدني بان يأتي الي ويخلف وعده، لا أدري لماذا كان يتهرب من رؤيتي؟..

للمرة الخامسة تتزوج خالتي، فقد كانت لاتخرج من عدة حتى تجد نفسها مرتبطة برجل آخر دون أن تكلف نفسها مراجعة قناعاتها وإعادة ترتيب افكارها، كانت تعي أن أزواجها ممن يلهثون وراء غناها وطمعا في بيتها، لكن سرعان ما يتحسرون على طمع لم يقدهم الا لحتفهم وفشل مسعاهم فقد صارت خبيرة بما يجعلهم يفرون قبل أن يبلغوا مأربهم..

أصيب والدي بسرطان في غدة البروستات سنة تخرجي من كلية الطب، حين علمت أمي بمرضه جهزت له غرفة في بيتنا وخصصت له خادمة للسهرعليه:

"ـ كيفما كان الامر فهو أبوك وأنت من صلبه، كما أنه شرف وجهك ومرآة مستقبلك، فربما لم يكن له اختيار في تشكيل بنيته النفسية وضعف شخصيته..

كانت حالته تسوء يوما بعد يوم بعد ان استنفذ كل وسائل العلاج بلا نتيجة، فقد انتشر الداء في جهازه التناسلي الى أن أتى على عمره.. لقد أكبرت أمي وأنا أراها تبكي لحاله، وهي التي قلما تسمح لماء عينيها بجود، كانت تحس وهنه وعيناه تتعلقان بها، تتوسلان تجاوزا عما بدر منه، كانت ترفع عينيها اليه وتحدق فيه بثقة وتمعن، ثم لا تلبث ان تشهق وكأن رجفة قوية تلف جسدها بقشعريرة من رهبة الموت فتتمتم بهمس:

يرحمك الله ويغفر لك، فقد سامحتك، فأنت أبو ابني أولا وأخيرا..

يومها أدركت أن أمي أنثى بقلب رجل لفيف قوة وحزم ورباطة جأش بين ثناياها تتولد الرقة والحنان والنعومة ولا تموت حقيقة أو يغيب منطق..

تم استدعائي يوما على عجل لاجراء عملية فورية لسيدة تشكو نزيفا حادا في رحمها..لم أمكث في غرفة العمليات غير وقت وجيز جعلني اعود أدراجي باكيا منتحبا فلم تكن المريضة غير خالتي التي بلغت درجة مستفحلة من سرطان الرحم يستحيل معه القيام بأية عملية وكأن المريضة كانت غائبة عن وعيها، منشغلة عن الداء الذي ينخرها بلا انتباه او إحساس بنزيفها وآلامها..

بعد يوم فقط توفيت المريضة.. مرة أخرى أرى صرة الدمع تنفجر في عيون أمي مترحمة طالبة الغفران لخالتي التي كم أساءت لنفسها ولغيرها...

كبرت وصرت جراحا وأتحمل مسؤوليات، وانا قريب من أن اصير أبا لوليد ثالث بعد بنتين، تعلمت الكثير وامتلكت خبرات عن الوجود والمعرفة والأخلاق، وصرت أنا نفسي معيارا للخير والشر وحين أتذكر كل ما مر ببيتنا من نزاعات عائلية اتراجع عن كثير مما اولته وفسرته حول علاقة امي بخالتي وعلاقتها بابي وعلاقة ابي بكل من امي وخالتي وغيرهما.. ترى من كان منهم يقرر الحقيقة؟ أم أن كلا منهما كان خيرا لنفسه بمقدار ما يحقق مصالحه الشخصية ومنافع ترضي غروره النفسي؟

ربما لم تكن أمي خيرا مطلقا بإرادة من حديد كما كنت اراها، ولا ابي كان ضعفا مطلقا الى درجة العته، رغم ما كان يستبطنه من محفوظات الحلال والحرام لم تردعه عن هوى النفس، وعن الذوبان برغبة الى انثى قد تشده بهمسة أو لمسة او نظرة اغراء كما كان يتبدى لي وتراه أمي، أو ما كان يقضمه من المدخول اليومي للمتجر بلا علم أو إذن من صاحبته، ولا خالتي كانت شرا مطلقا، أنانية وتطاول على كل ما ليس لها، والاستحواذ عليه لنفسها..

ربما هي التربية والتنشئة وما يتلاعب في عقول الناس متسربا بلا ارادة وفي غفلة من كل رقابة، او يفهمه و يتشربه كل فرد حسب ما يعي ويفهم ويستبطن، وحسب مايتعلم ويتلقى ويمارس بل وكيف يسوس ويساس..

أخيرا تبقى لكل منا نزعته الإنسانية، حقيقته ومعرفته والتي على ضوئها يمارس حياته وحقيقته، وبها يصير مرآة أمام نفسه وغيره...

***

محمد الدرقاوي ـ المغرب

يا لضجيج النوارس!

على الجسر

الريح تكاد تتكلم أيضا.

**

يا للريح!

تحرك الأغصان

ونهديك المتبرعمين.

**

يا للقيظ!

الشمس تحتكر جميع المقاعد

في الحديقة.

**

صراخ الخطاف،

قلبي مذعور جدا

مما يخبئه الغد.

**

ضربة شمس،

الفزاعة تتدلى

كما لو أنها مغمى عليها.

**

على الحائط المهترىء

وجه غوريلا

يحدق في اللاشيء.

**

رائحة الصنوبر،

الغابة تكبر

في أعماقي

**

على ضريح

دون شاهدة

حزمة أقحوانات.

**

على الحائط

ظل السحلية

أسرع من الضوء.

**

هدية للضفدع،

القبعة التي تحملها الريح

إلى البركة.

**

بعد موسم الحصاد،

من الوحدة

يكاد يشيب رأس الفزاعة.

**

مظاهرة،

رائحة سمك السردين

تتعالى أصوات القطط.

**

يا لمسكني الأبدي!

على قدم وساق

يجري ترميم ضريح الأم.

**

آناء المطر

عينا التمثال

مغرورقتان بالدموع.

**

المصابيح كابية

كومة أوراق

في شكل ضريح.

**

تملأ الفراغ

بصوتها الأجش

ذبابة المشرحة.

**

بعد قطع قدميه،

يصنع طائرة من ورق

الجندي المهزوم.

**

دم على اللحاف،

عن غير قصد

يدهس العجوز ذبابة.

**

إلى القمر

متجه سرب اللقالق

ليت لي جناحين.

**

يا لسخرية عالمنا الفاني!

ما أقصر الخيط الرابط

بين القماط والكفن.

**

طائر الغاق

كا لو أنه ينادي:

هناك تسونامي شمسي .

**

على علو منخفض،

الكراكي

كما لو أنها تتبع الجنازة

***

فتحي مهذب

 

 

(مهداة للحاضر الغائب، النائم على أطراف إحساسي)

مازلت أبحث عنك... في ذكرياتي

في المذكرة

في الذاكرة

في الصور والرسائل

وفي أوراق الدفاتر

**

مازلت أبحث عنك

في الفؤاد

والشريان والأوردة

في الذات

وأشلاء الروح المنثورة

خلف ظلال بقاياك

**

مازلت أبحث عنك

فلم أجد

سوى طيف... خيال

في منام

مسح ذكراك من ذاكرتي

اغتال حروف اسمك... بحروفي

وطارد

ملامح وجهك

في شوارع... حبي

ليعانق الظلال

تلك الساقطة من قصائدي

أبياتا من الماضي

تعاتبني

عن فراق ما أختره

لذاتي

غربة في الشوق إليك

حنين هروب منك... إليك

لكن؛

لست أعثر عليه

في جسدي

وما نمت به تحت

قدميك

**

مازلت أبحث عنك

يا من توهمت يوما أنك صنوي

في سراديب الحب

تحضنين حبك... بحبي

وتغفين على أطراف يومياتي

وتستغرقين...

كل الجوارح

في القصائد

ومنمنمات أصباغي

**

لكن يا حبيبتي

ما استغرق حبك... حبي

ولا عاد يضم كل المشاعر

هجر كل ألوان اللوحات... وقوافي الأبيات

رغم ذلك...

مازلت أبحث عنك

في الذكريات... المسحوقة

بمطرقة الزمن

زمن الجهل... والفقر والغبار

والقيل والقال

**

مازلت أبحث عنك

في رمال الصحاري

وفي الإحساس والأمل

أبحث عمن ترقد

في الطرقات... مشردة

وحيدة ...

يتيمة ...

أتقصى غائبة قلب

في زوابع الهجر

والندب والنوح

في السحاب ...

والمطر

**

فما عدت أبحث... عنك

أنت ماض يلاحق كل أوطاري

يغتابني بنظرات

السؤال

ما عدت أشتاق... إليك

مهما كنت كياني

فمازلت أبحث... يا قدري

في الأماكن والأفضية

وفي الأسماء

والهواء ...

فأنت... ذاتي

عنوان كياني

فانعطفي عني كما كنت ...

تفعلين في أمسيات اللقاء

***

عبد العزيز قريش

فاس في: 19/07/2022

يمضي بك الشوق كطفل حيث يشاء

كعادتك ساعة الغروب تقف قبالة البحر

وحيدا تحدث نفسك

عن لوعة الغياب

تغريك النوارس بالسفرمن جديد

يغريك رذاذ الموج بالجنون

شاردا تدندن كأنك وتر قيثارة

هدها الانتظار والترحال

الغياب مأساة   الوالهين

هكذا قالت العرافة

وهي تقرأ  كفك المشرع كشرفة

تعذبك الكلمة الأولى

التي وشوشتها لشغاف القلب

أحبك   قالت ...ومضت هائمة كطيف

شردتك حروف الكلمة

المأساة هي أن تعود لكمنجتك وحيدا

يخنقك  الغياب..وهذا المساء تقول العرافة

كمياه الأنهار المتدفقة

يخنقك عزفك لها فتغيب..

***

عبد الرزاق اسطيطو

 

قحطان محبوب مندويمرثاة لشاعرالعرب الكبير

محمد مهدي الجواهري

***

ما ضرّكَ الموتُ، موتُ الحرِّ إيـثارُ     بـه الخـلودُ وما فـي المـوتِ مختارُ

بئسَ الخطوبُ الـتي خالت تروعـنا      لو بِــنْتَ عــنّا وإن شــطّـَـتك أقدارُ

من وهنةِ النّومِ يصحوالعقلُ منشرحا     تـمتـدُّ مــن ضوعهِ للــمجدِ أعــمارُ

أذ ذاك يجـلو زمـانٌ فاســدٌ، وخــمٌ         قــد خطَّ دســتورَهُ السـفّاحَ أشرارُ

في الموت يصبو رفاقُ الشّعرقاطبةً      ويحسـدون عليك الـخُلـدَ إن غاروا

فأهنأ لموتٍ سعيـــــدٍ كنتَ تنشـــده       وتشــتريه، ومــا للمـــوت تجّــــارُ

ما ضرَّك الموتُ ذا دينٌ ومقترضٌ       والعمرُ طيفٌ مضى والمرءُ بحارُ*

***

خالوك متَّ غريباً إذْ نفوكَ ضُحًى        وأنـتَ بـــاقٍ وعمرُ الظّلمِ معشــارُ

وذي بلادُك، شاءَ القومُ أم رفضوا         والدارُ دارُك أنّــى حلّـــتِ الـــدارُ

أنت الحبيبُ وأرضُ الشّامِ عاشقةٌ          وما نأيـتَ، فــلا بِــيــدٌ وأمصــارُ

سيصرخُ العفرُ في الجُلّى بلا وجلٍ        أنا العراقُ وبــاقي الــبعــدِ أشـبارُ

وقد وَطِئْتَ ثراها صــابيا، ثــمــلاً         تحدوكَ من أنبلِ الأشـــعار ِأشعارُ

فإن تعشّــقتَها، لا مُشْــتَــهٍ وطـنـاً          بل قدرَ ما يدمنُ الأفيــــونَ خمّارُ**

وإن نحبــتَ على أرضٍ مجـاورةٍ          كـأنّـمــا دونــهـا قـــفــرٌ وإبــحارُ

هذي خصالُ نبيلٍ، صادقٍ، وَلِـــهٍ          والعشــقُ أولُهُ، والــوجدُ ســـهّارُ

نبكي المَواطن، تقصـينا، ويــتبعنا          من جورها لــبلادِ النّفيِ أوجـــارُ

***

ما ضرّكَ الموتُ،لا نبكيكَ،نحنُ بنا        الدّمـعُ طـبـــعٌ بــلا أســبابِ ينهارُ

واللهِ نــبكي إذا يومـــا يـــعاودنــا            ذكرُ العراقِ وجاءت منهُ أخبارُ

وهو العراقُ الذي ما زالَ يرصِدُنا           كمُخبرِالأمنِ في برديهِ أوضارُ

أنّى مضـينا، أتـتنا منــــهُ صافعـةٌ            وحـورت عشقنا للشــــكِّ أوزارُ

نبكي على كائنٍ مـاتَ الضّميرُ به           "بذُّ" الفؤادِ، عديمُ الخلقِ، غــدّارُ

القتلُ والبطشُ بعضٌ من سوابقـهِ            ومــا تخــيّــلَ أنَّ الــدهــرَّ دوّارُ

نبكي على أمّةٍ يفنى العـظيمُ بـها             كما تســـاوى بها شوكٌ وأزهارُ

تباركُ الجاهلَ الغــافي وتــكرمهُ             ويمتطيها صغيرُ القومِ، سمسارُ

وما لها ولــهذا الكونِ من صــلةٍ           تحدو بها من عصورِالجهلِ أوطارُ

تهابُ من شاعرٍ لو صاحَ يُخْصِفُها          خَصفَ النّعالِ، فبالأشعار ِأخطارُ

وهو البجيلُ الذي كتَّ الدّموعَ لها           ورجفةَ القــلبِ مــا غــنّاهُ قــيثارُ

وشـــعَّ والدّرُّ بعــضٌ مـن فرائدهِ            وقلَّ كالمـاس، لو للْمـاسِ مـعيارُ

النخلُ والدوحُ في الشّطّين يعشقهُ            في كــلِّ نفـــسٍ لــهُ وقعٌ وتذكارُ

ورخّصَ الروحَ من منفى لمعتركٍ           تطــويهٍ كــارثةٌ أعــتى وأكــدارُ

قرنٌ مديـدٌ مضى والغـمُّ تـابـعُـــهُ           وفــوقَ مــتـنـيــهِ أعـبـاءٌ وأوقـارُ

ما كادَ ينفضُ عفراً عن ملابســهِ            حتى قــفـتهُ لهولِ النـّفيِ أســـفارُ

يغفو العراقُ قريرَ العينِ مغتبقــاً            وذا يـنـوحُ بدمــعٍ لونـــــهُ القــارُ

من قبل ألفٍ، به الأحقابُ توعدنا           وبعد ألفٍ، سيسري أينما سـاروا

قومٌ تغنّوا وقالوا الشّعرَ إذْ عشقوا            أو حـــاربَ الظّلمَ والظّلاّمَ ثوّارُ

***

أبا الفراتين، من جوعٍ ومن سقَمٍ             بــه علــيمٌ ولا تخــفاكَ أســرارُ

ومن جراحِ جـليـلٍ حــاملٍ بـــيَدٍ             نجلاً ببلســـمهِ والخـــبز محتارُ

من ضنكةِ العيش، من بؤسٍ ومبكيةٍ        أنبــيك نحــنُ العراقــيين أحرارُ

ما كادَ يخرجُ منّا عن مشــيمتــهِ             طفلٌ، يحفّزهُ للـوتـــــرِ وتّــــارُ

دماؤنا كــبراكــيـــنٍ مـــؤقـــتــةٍ             نـارُ تصولُ بها مـــا بعدها نارُ

في لحظةٍ يستشيطُ الغيظُ منفجراً            وينجلي الجورُ والأصنامُ تنـهارُ

ويدركُ الوغدُ والأرذالُ ما وُجِدوا          أيَّ الرّجالِ تخطّوا عندما جَاروا

تباً لمنْ لا يراعي غيــــظَ جائعِنا           ويلٌ لمــــن غــرَّهُ ســيفٌ وأنفارُ

هم خيّرونا بعيشِ الذّلِّ في وطـنٍ          فكيفَ بين الرّدى والموتِ نختارُ؟

ونحنُ تجري طباعُ النّخلِ في دمِنا         يــموتُ منتصباً لوْ حــمَّ إعصارُ

يشدو بأشـجانه والتّمرُ في يـــدهِ            عدا السّـــماءُ فــلا يعــلوهُ مقدارُ

لا يرتضي الذّلَّ إلّا من به عورٌ         ولا المهانــة إلّا مــــن بــه عــــارُ

***

أهلوك نحنُ، حدودُ الشّرِّ تدرُكـنا       والصّدقُ والنّــبلُ والعــذّالُ والـجارُ

ما راعنا الضّيمُ والتّعذيبُ قرّحنا       أو شــــــلّنا بمهــبِّ الـــــويلِ تيــّارُ

تلك السّجونُ وذاك البطشُ يسبقها      نزفُ الجراح التي في روعها حاروا

واستفحلَ الشّـرُّ واستخلى بنا قدرٌ       مــرُّ المنــاهلِ، مســــمومٌ، وجزّارُ

أهلوك مـــن وهبوا أغلى فتوّتِهم        لحومةِ الحربِ لا شـــكوى وأعذارُ

وقدّموا كنذورِ العـــيد إخـــوتَهم         للموتِ، والأرضُ دارت أينما داروا

وقسّــموا وأضافوا بعدما طرحوا        وكلُّ ما ظــلَّ أوهـــــامٌ وأصـــفارُ

نعمَ الرّجالِ، ولكنْ جاعَ أشطرُهُم      واليومَ بالخبزِ، حافي الخبزِ، يحتـارُ

حدّق بما اسطَعْتَ من وسع المدى بصراً  تجِدْ جياعاً بمحضِ الصّبر تقتارُ

ووسط هذا الخنا يحـــدو بنا أملٌ          لنـا ســتهطلُ بــعد الغــيمِ أمـطارُ

***

غــداً أراهُ بلا وعــدٍ ولا خــــبرٍ             يأتي فترقصُ في لــقياهُ أطيارُ

والهورُ والجبلُ العملاقُ يحضنهُ           والنّخلُ والتّينُ والزّيتونُ والغارُ

وحينذاك ســـيعلو مــنهُ منتصبا             صرحٌ ويأتــيهِ أحبــابٌ وزوّارُ

يبقى سراجاً بحلك اليمِّ مؤتـــلقا             للفقرِ مُنتصِفٌ، في العُــتمِ نوّارُ

يمشي الرجالُ على آثار خطوته           ويورقُ الرملُ عطراً فيه انضارُ

ما ضرّهُ الموتُ موتُ الحرِّ عُبّارُ         إلى الخلودِ وما في الموتِ مختارُ

***

شعر قحطان محبوب مندوي

٢٧-١٠-١٩٩٧ بتسبرك- بنسلفانيا

........................

* قال الجواهري: قالوا الحياةَ: فقلتُ دينٌ يقتضى  والموتُ قيل، فقلتُ: كانَ وفاءَ

** قال أيضا عن دمشق:

وسرتُ قصدكِ لا كالمشتهي بلدا       لكن كمن يتشهّى وجه من عشقا

* أُنشدت القصيدة في الأمسية الشّعرية التي أقامتها الجالية العراقيّة والجمعيّة المندائيّة في ميونخ، ألمانيا، في تمّوز ١٩٩٩.

* نُشرت القصيدة في ديوان أغانِ لوردة الصّباح، دار المدى، دمشق، ٢٠٠٠ ص ٤٩-٥٦

امرأةٌ لا يلغيها الغياب

تلك التي تُحدث خدوشاً

في مرايا الروح

تنسابُ مِن ثُقبٍ في الذاكرة

تروي أنوثتَها المورقة

في قلبِ النسيان

بمياه النرجس

تهمسُ في أُذنِ الليل

يُغمضُ جفنيه على حُلم

وتبتسمُ في وجهِ الصّباح

يفتحُ راحتيه على أمل

ومابين الحُلم والأمل

تقفُ هُناك

تجردُ الكونَ مِن الزحام

بحضورِها

وتملأُ فراغَ الفضاءِ

بعطرِها

يرسمها الزنبقُ

على أكمامِ الريح

ساحرة النظرة

تُحدث قطعاً في شريان النّص

يتدفقُ نهرٌ مِن زهرِ الدحنون

يا امرأة تسكنُ صوتي

يرتعُ صمتك في حنجرتي

قولي أحبكَ

ودعيني اجتث الظُلمة

مِن أوراقي

انتزع الشكَ مِن الأسطر

قولي أحبكَ

لكي اتبعثر فيك

شعراً ونثراً

امنحيني التماعةَ عينيك

لأضيء الطريق

لقبلةٍ ضيعتها ضحالةُ التوجس

ومِن بعدها توغلي في الغياب

ازرعي الفوضى في

ذاكرةِ الحواس

لألثم عِطرك

في كفِ المساء

وأتلمس الضّوء

في وجنةِ الصّباح

لأحسب الأيام على أصابعٍ

خضبها الفراغُ

بالتشابه

قولي أحبك

بعد الغياب

سراً في أذن الريح

ستعبرني ذات رحيل

وتبتسمُ لي

وسأفهم

فالريحُ يا حبيبتي

صديقتي

لغتها تُشبه لغتي

بلا قيود أو وتيرة

تقول الكثير

ولا تقول

قولي أحبك

فالصمتُ لا ينفي

حقيقة الأشياء

كما الغيابُ لا يلغي

صراحة الحضور ...

***

أريج محمد احمد

قرب صفصافة

عمري

منحت القطا

العصافير

واليمام

لبلابا

نرجسا واقحوانا

ومضيت مضيت

صوب تلة عمري

الحزين

مغنيا للمطر

ومانحا ينابيع

وسواقي املي

وحلمي

لليمامات

وللايايل والغزلان

الحزينة والمطاردة

في ارض الله الواسعة

زمردا عقيقا

وعنبرا

شاتما العناكب

بنات اوى

الثعالب

والذئاب

وهناك هناك

قرب مدارات

قوس قزح الصباح

والشفق الازرق

عزفت على اوتار قلبي

الحزين

لحن الاقمار

والنجوم

لحن البنفسج

ولحن المطر

***

سالم الياس مدالو

هشام بن الشاويآن لغيمة هذه الدموع أن تهطل

لأن الحياة مجرد سوء تفاهم لا ينتهي،

لأن الحب مجرد زلة قلب...

على رصيف سوء تفاهم!

**

في البدء كانت الموسيقى.. 

تلك الفراشة الملونة، التي تحلق فوق الزمان والمكان، تنشر قميص كينونتك الهشة على حبل يتأرجح بين الحضور والغياب في حضن أبدية شفيفة.

في البدء، وحدها الريح كانت تسمع نشيج أوراق الشجر، قبل أن تضرج في ذبول صفرتها..

وحده الحسون يحن إلى خرير النهر، عندما يتهاوى الماء في مغسلة مطبخ، فينشج مثل تراب مزهرية، تحتضن زهرة بلاستيكية.

في البدء كان الصوت، ذلك المطر البهيج، الذي يقضم تفاحة هذا الصمت في نهم طفولي، قبل أن تغرد الشمس ذات شتاء.

**

هل يمكن أن أتهم - كل هذا الغياب- بإضرام نيران هذا الأنين في أسمال القلب؟!

***

هشام بن الشاوي

رِثاءٌ يا زَميلي مِنْ هُلوعِ

ومِنْ ألمٍ تَنامى في الضُلوعِ

*

ذَكرتُكَ يومَ كُنا في رياضٍ

تُداعِبُنا نِداءاتُ الذيوعِ

*

ومِنْ دَرْسٍ إلى دَرْسٍ ذَهَبْنا

نُنازلُ مُبْهماً بينَ الجُموعِ

*

تَدارَسْنا بمَكْتبةٍ ونُزلٍ

وأفْنينا شَباباً بالقروعِ

*

هيَ الدُنيا تُعللنا بوَهْمٍ

وتُلقينا على جُرْفٍ جَزوعِ

*

وتُطعِمُنا مِنَ الآهاتِ راحاً

وتَدفَعُنا لأوْهِدَةِ النزوعِ

*

رَفَعْنا رأسَ أحْلامٍ بعَزْمٍ

وكُدْنا بأسَ راعيَةِ الرُكوعِ

*

وإنْ خَبَأتْ بها نيرانُ وَجْدٍ

توَّقِدُها مَجاميعُ الشموعِ

*

رَجَمْنا كلّ صَدّاحٍ بفِكْرٍ

بأحْجيَةٍ مُعَطِّلةِ القنوعِ

*

وكُنّا في مَحافِلها هُيامى

بأشْعارٍ مؤجّجَةِ الوُلوعِ

*

لنسرينٍ وهيفاءٍ عَشِقْنا

ووادعَةٍ بأحْضانِ النِصوعِ

*

وحينَ توافَقتْ نَبَضاتُ حُبٍّ

تَواصى ما جَنَيْنا بالهُجوعِ

*

ومِنْ أفُقٍ إلى أفُقٍ تَداعَتْ

مَشاعِرُنا بأرْوقةِ الرجوعِ

*

فما شَفَعَتْ بها أشْلاءُ كُنّا

ولا نَسَجَتْ لنا بَعضَ الدُروعِ

*

تَرَنَّمْ شاعرُ الأيّامِ إنّا

كهادلةٍ على ساجي الفُروعِ

*

عَبَقنا من عَواصِفها أريْجاً

وذبْنا في تَراتيلِ السُجوعِ

*

أ يُحْلبُ تَيْسها والضِرعُ يُنْسى

وإنَّ حَليبَها نَضْحُ الفزوعِ

*

تَساقاهُ الثَرى ومَضى عَليلاً

يُخاطبُنا بصَمْتٍ من خُروعِ

*

خَوافِقُنا تَوَجُّدُها اضْطرامٌ

يُؤازرُهُ التَشوّقُ بالهُروعِ

*

إذا الأبدانُ تُدْحى في تُرابٍ

فما بَذرَتْ سَيَبْقى بالربوعِ

*

بها الأمواتُ تَحْيا في قبورٍ

وأحْياءٌ كباليَةِ الجِذوعِ

*

مَلأنا كأسَ دُنيانا بوَهْمٍ

يُبشِّرنا بخادعَةِ الطلوعِ

*

تشنّجَ وَجْهُنا والعَينُ تُدْمى

وتُسْقى مِنْ ينابيعِ الدُموعِ

*

توافدَتِ المَنايا والأرضُ ثكلى

مُضَرَّجةٌ بمَنزوفِ النُجوعِ

*

وكُنّا بعدَ مُحْتَرَبٍ مُريبٍ

كحائرةٍ بغيْهبها اللذوعِ

*

وسِرْنا نَحْوَ طالعةٍ بغَمٍّ

ودمْنا في مُطاردةِ الوجوعِ

*

نُخيِّبُ حَيَّنا فيَنالُ سوءاً

وفي مَوْتٍ نُداعي بالشفوعِ

*

إذا بَصَرَتْ فؤادَ الصَبِّ ظبياً

تَعنّتْ مِنْ تَباريحِ الطُموعِ

*

حَقائبُنا كتذْكرةِ اغْتنامٍ

وَهبْناها لأرْصِفَةِ الشروعِ

*

مَحَطّاتُ الوجودِ بلا دليلٍ

سَننزلُها بمَرْغومِ القلوعِ!!

***

د. صادق السامرائي

 

أدري بأنَّك لم تزل تهوانِي

وبأنَّ إسمَك شاخصٌ بلسانِي

*

أدري وما أدريك أنَّك هاجري

وبأنَّ عينَكَ لم تعدْ لترانِي

*

لكنَّها الأيامُ حالتْ بيننا

وقضتْ علينا  النأيَ بعد تدانِ

*

أشتاقُ أنْ ألقاكَ بعد غيابةٍ

هل من لقاءٍ بعد عامٍ قانِ

*

لا زلتَ في قلبي تنامُ موسدًا

لا زلتَ في مُقلي وفي وجدانِي

*

خذنِي إلى حيثُ المرابعُ والصبا

خذني إلى حيثُ الزمانُ الحانِي

*

لا أبتغي بدلًا بغيرِك صاحبًا

إنِّي وحقِكَ  ما خسرتُ رهانِي

*

أشتاقُ وجهَكَ بعد كلِّ سحابةٍ

أشتاقُ معنى أن تكونَ بيانِي

*

كلُّ القصائدِ أقفلتْ  أبوابها

إلآ بلاغة وجهِك الفتّانِ

*

أمسيتُ أستجدي الزمانَ سويعةً

تأتي بها لِتُعيدَ ليْ سلواني

*

ضاق الفضاءُ على جناحِ مسرّتي

وأتتْ على طيري سهامُ زماني

*

يأتي إليَّ الصوتُ من خللِ النوى

إياكَ تحلمُ باللقاءِ الثاني

*

تبقى بقلبي ما حييتَ قصيدةً

كُتِبتْ بنبضي لا يدي ولساني

*

ربّاهُ قد  ضاق الطريقُ ولم  تعدْ

تقوى على صحرائهِ الساقانِ

*

حزني عليكَ مدى العصور وأدمعي

تجري كما الأنهارُ في الوديانِ

*

من عالمِ الدنيا أصوغكَ نجمةً

لا تشبه النجماتِ في أكوانِي

*

أسرفتُ في جَلْدي  وقطعِ تواصلِي

وازددتني نارًا على نيرانِي

***

د . جاسم الخالدي

 

 

في ساقيةٍ تأتينَ منها بالصباح

عيناكِ تسحبانِ مرآةَ سماءٍ باهرة

من فراشاتٍ بأرجلهن آثارُ طينٍ هادئة

أوراقُكِ تأوي صدى بحرٍ غائب

من زهرةٍ تدخلين الرؤيةَ سعيدة

مطلِقةً جنحيكِ للتذكّر

وغاباتكِ للغيوم

من رحيق لمعان الحجارة

تشعُّ العلومُ باللسان

والجوهرُ بالبصر

والفلكُ الممتدُّ بالحدود

تدوّنين الحبَّ الذي لم تعطِه الساقية

واللونَ الذي لا ترسمُه الفراشات

والسعادةَ التي تبخلُ بها الزهور

مبديةً وجهاً غريباً وقوةً زاهدةً بالعلم

الذي ليس يسنح.

**

2.

الحمامةُ تصيدُ شبكاً

السربُ يقنصُ

اتجاهاتٍ

أنا مفترَضةٌ وحية

أزاوجُ الأحياءَ بالدهور

والكائناتِ العالقةَ

بالموتِ السائب

ألتمعُ بتسميةِ الحريّة

وأغرّدُ فجراً موارباً

أطلقُ إشاراتي

إلى العين السعيدةِ

بالفراسة

الليلُ خارجٌ عن مضيِّه

والأعمارُ قد ملّتِ الدوران

**

3.

يصنعُ حديقةً هذا المؤجَّل

يصنعُ سفراً خارجاً من كل عدم

يصنعُ يوماً بعيداً سوف يدخِّنهُ

قربَ بردٍ ما

محدِّثاً أولاداً من ذهنٍ ما

سيولدون.

**

4.

تماثل للبقاء غرينُك البرّي

وأغلق العينين نورسُك السومري

وأنتَ يا ربّ تنظر

وقد تهاطل

وانطفأ آخرُ طيرٍ يسنحُ لقلبي

فأتلمّس الحدود التي تحاصرُ

تقتربُ وتقترب

وغرين الموتى

يبنونه في دأب

يبنون آخر سرابٍ لبقاء

يبنون آخر ماء

***

سهام جبار

 

 

فراس ميهوبلم تكن حبيبة، بل حلما لم يرغب بهجرانه، حلَّق وعلا به، فارتطم بسقوف الوحدة.

ذاك الصمت الجليل، الكلام يدنسه، والتصريح يقتله، نوع من تعاطي العذاب، والإدمان على الفناء المقنِّع بألوان صاخبة.

عيناها لوز وسكر، رموشها حراس ليليون، مستعصية على الحب، مسلسة لفرح مزيف عادي، خالٍ من عصف الدهشة، وفارغٍ من أي شغف.

امرأة سكنت ظل البدرعلى وجه الزرقة الحائرة، رثت عيون الغسق في محاريب العزاء، وتنشقت قُبلَ الموت الساكن.

رانيا كانت شلالا من فتنة، وكان هو ناجيا من هاجرة خانقة، فلا هي توقفت عن التدفق العاصف، ولا هو قدر على مجاراتها، فاستكان مع حمرة الشفق الأخير.

عاندتِ الحياة، كمن قتلت ابنها، وبكته عمرا كاملا، عاقبت روحها باحتراق ذاتها، وتطهرت بالندم من جريمة شبه مكتملة الأركان.

قصمه بعدُها، وحيرها ضعفُه، فلا هو اقترب من العين، ولا هي غادرتِ القلب، معادلة من درجة مستحيلة.

لا هي بهزيمة كاملة، ولا هو أمل منطقي، استباحَتْ حنوَّه فدمرته، وأبت أن تهشِّم فيه الخيبة المقيمة.

لم يستطع إخراجها من روحه، ولم تسعفه بخطوة إلى حضور الجسد، تأرجحا في منطقة الوسط القاتل، واهتزّا كأغصان شجرة خضراء، في خريف نحيب مائج، لا هي انكسرت فأراحت، ولا بقيت فأسعدت.

في العيون سكنا معا، وفي المكان تقاطعا، كان الزمان مبكرا حد الإجهاض، وخديجا حتى السُكر.

أخرست شعره، ولم يسمع نثرها، تساقطا كلمات وصور، وتاها تعابير وبلاغات مفرطة، بلغة أقصر من تداني النبض الصاخب، وأشعة أكثر حدة من قدرة الحدقات المطفأة على إدراكها.

رانيا، كانت ومضة سحر عابر في ساحة اكتئابه الأبدي، محطته الأخيرة في قطار عمر لم ينطلق، عذاب عشقه كله، فرق التوقيت القاتل.

مدَّ يده بالسلام، تعثر اللفظ على أعتابها المضرجة بلهيب الرغبة الشاقة، ضاعت بين القرنفل والجوري تمتمات حروفه الطائرة، قُتلِت قوافيه المتطرفة على عتبات التأتأة المحبطة.

صادف غروبُه الوادعُ شروقَها العاصفَ المبكر، وصل بعد الأوان، رحلت قبل اشتعال الحركات الأولى.

كان ومازال، بلا اسم محدد، عنوانه الثابت الوحيد ملقى على حيطان المدن المهاجرة، كان اسمها رانيا.

تلاقت سهام العيون، واحتارت دفقات الأفئدة، الشوق أكيدٌ كلحظة ولادة، والفراق قدريٌّ كموت مشتهى.

ارتدتِ السواد بلا حداد، وتدثر بالابتسامة الكدرة، تبادلا الأدوار في لحظة الذروة، فخرجا من واقع الممكن المحدود إلى أفق الخواء المستحيل.

ظنّ انتظاره حكمة امتلاك الوقت، وما رأته إلا وهنا، انكسرتْ ساعتُه الرملية، انحصرتْ آخر حباتها في العنق المختنق.

تهاديا تهما و عتابا:

-ترددكَ فاق صبري.

-بل أنتِ من استعجل الرحيل.

رانيا لم تنتظر، وهو لم يُقدم، فانتهت حكايتهما قبل أن تبدأ.

ما عجز عن قوله همسا في أذنيها، رتلّه بطلاقة بعد غيابها، ما أخفاه سرا في احتدام الأيام الأولى، فضحه علانية في رثاء الوداعات اليائسة.

مضى وقد أضحى وراءَ المستقبل، تبعته أحزانه وذكرياته، أغانيه ونغمات نايه، أمطار أيامه، أقمار لياليه ونجومها.

ترجَّل رفاقه مع مفارق الدروب، و بقيت رانيا ساكنة تحت السنديانة الفتية.

***

فراس ميهوب

2021/06/05

العدد: 5817 المصادف: الثلاثاء 09 - 08 - 2022م