 شهادات ومذكرات

عبد الجبار نوريتكمن أهمية السينما في أنهُ يشكل ضلعاً هندسياً مهماً من وسائل الأعلام حيث يكون السباق في تقديم الحدث اليومي في القضايا السوسيولوجية الأجتماعية وقضايا الساعة وبشكل موثق حيث برز في هذا المجال الحيوي صانعي الأفلام الذين توكل أليهم (أرخنتها) للأجيال المستقبلية القادمة.

وشهد الزمن الجميل في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي فترة ذهبية في رغبة الجمهور الشديدة لصداقة السينما، حيث تعتبر السينما الركيزة الأساسية في أثارة الوعي ونقل الأحداث اليومية إلى الشارع، كيف لا وهي واحدة من ثلاثة أحداث واعدة ومفرحة التي هي: مسابقات كرة القدم والأولمبيات ومهرجان كان السينمائي.

جلال كامل فنان عراقي الجنسية ولادة بغداد 1975 متزوج من الممثلة العراقية سناء عبدالرحمن، متعدد المواهب بدأ مغنياً ثم عازفاً على ألة الكيتار الموسيقية وهو يكمل مسيرته الفنية بأصرار وأجتهاد وأقتحامية بأنتقاله إلى التمّثيل ثم إلى عالم الأخراج حيث يستقرمهنيا إلى عالم لُقب مخرج وممثل.

وأظهربراعة في فن التمثيل بأخذه البطولة في أفلامه (اللوحة، والأسوار، والعربة والحصان، وصخب البحر، وكان في الغد وفيلم سحابة صيف)، وأبدعنا في ليالي الشتاء بمسلسلاتهِ الشيّقة (النسروعيون المدينة، ومسلسل أيام ضائعة، والهاجس، وعنفوان الأشياء)، وتألق في الأخراج بمنجزات أفلام واقعية مثل: الهروب إلى الوهم 1996، ورجل فوق الشبهات 2000، القضية 238، وهذا هو الحب 2005، وحضوره المبهر في فيلم بحيرة الوجع ----

عند مشاهدتي عرض الفيلم العراقي {بحيرة الوجع} على صالة المسرح الوطني في بغداد خريف 2015، وبصراحة شديدة أثارت لدي مشاعر متعددة الأتجاهات أبرزها الفخر والأعتزاز بهذه الخطوة الفنية الرائعة للمخرج العراقي الأقتحامي والمبدع " جلال كامل" الذي زج بكل أمكانياته المتاحة لأرجاع ما فقدناه في كل شيء وخاصة السينما بوابة العالم الثقافية، والشيء الثاني قد أثار لدي شجون وآلام وأحباط عن تهميش هذا الفن ووضع علامة كروس على بواباته، وأثار فينا مواجعنا نحن جيل الستينات والسبعينات للقرن الماضي لتلك الفترة الذهبية بل الماسية في تطور فن السينما وأزدياد المطرد لمرتاديه وأزدحام شباك التذاكر وأرتفاع سقف الطلب عليه مما شجع القطاع الخاص ألى بناء صالات دور سينما راقية فيها التكنيك المعماري الحديث من تبريد وشاشات عملاقة وكراسي وثيرة وكامرات حديثة وطاقم أداري وعمالي لخدمة المرتادين مثل سينما النصر وسميراميس وأطلس والخيام وروكسي وريكس، وقد لحقنا بالسينما العالمية لولا الروح الجاهلية (لبعض) أصحاب القرار السياسي بعد السقوط وأحسن نزار قباني حين قال: لبسنا ثوب الحضارة والروح جاهلية.

 وكان من ضمن مشاريع المخرج والممثل المبدع جلال كامل وذلك بتصوير فيلمه الروائي الطويل (بحيرة الوجع) ضمن فعاليات {بغداد عاصمة الثقافة العربية لعام 2013 ليحكي هموم العراقيين المختلفة بعد الأحتلال الأمريكي البغيض للبلد عام 2003 وما رافقهُ من عنف أجتماعي وسياسي وحرب طائفية وقتل وتهجير، وهو فيلم يحاكي الدراما العراقية، وأن الفيلم يتحدث عن الأحداث التي حدثت ما بين عامي 2006-و2007 والتي طفحت بمساويء الأحتلال الأمريكي.

تناول الفيلم:

-التهجير والقتل التي قامت به المجاميع الأرهابية والميليشيات لمصالح شخصية بحتة، أستعملت الدماء العراقية من أجل تحقيقها.

- وهو يناقش الأحداث والوقائع والمشاكل الأجتماعية بعين وطنية محايدة.

- وهو يجسم صراع أرهاصات القيم الظلامية التي دخلت ألى المجتمع العراقي ومعها فايروس فتاوى الظلالة.

- وهي رسالة ضد الجهل في موروثات العادات والأعراف القبلية الرجعية البالية والتي أمتزجت مؤخرا مع التطرف والغلو الطائفي والأثني وحتى الامناطقي، وخطوطها الحمر في المحرمات - وما أكثرها – مثل (الفن والمرأة والرياضة) وأحلال التعايش والمحبة والحوار، ويمكن أن أقول {أن الفيلم قد أكد على المعادلة السوسيولوجية المجتمعية بأن {العنف يفقد البلد قدرته على التطور وبالتالي أيقاف عجلة الحياة}

- وأن موضوع الفيلم أجتماعي أساسهُ الموسيقى، أنهُ فيلم ناجح حيث كان فيه الأداء جميلا ومعبرا ومتميزا، وأن عنوان الفيلم (بحيرة الوجع) وهو تحوير ونحت جديد لعنوان موسيقى المعزوفة العالمية الشهيرة (بحيرة البجع) من روائع الموسيقي الرومانتيكي الروسي " تشايكوفيسكي " التي ألفها في عام 1887م، والتي تضاف ألى تراثه الموسيقي العالمي في {الجمال النائم وكسارة البندق والأميرة النائمة} تتضمن بحيرة البجع أربعة فصول أستعراضية موسيقية راقصة في باليه درامي وعُرض كفيلم في موسكو عام 1887، تعتبر من روائع الأعمال الكلاسيكية سواءاً في عالم الموسيقى أو رقص الباليه، وهي تمثل الأنوثة في أنقى حالاتها، وفي 1968 رقصت الممثلة الأمريكية الشهيرة (باربارا سترايسفد على هذه المقطوعة في فيلمها (فتاة مضحكة)، وتبعتها السينما الأيطالية في أنتاج فيلمها الكلاسيكى الأستعراضي (الأنوثة) بالأعتماد على راقصة الباليه المشهورة الأيطالية الموهوبة (بيرينا لينفناني)ومشاركة الراقصة العالمية (بافل غيردت).

ألا أن المخرج المبدع " جلال كامل " في بحيرة الوجع وقف موقفاً حازماً من:

 التقاليد العشائرية المتخلفة وعالج المواقف السلبية من المرأة التي همشتها الموروثات القبلية وفتاوى الظلالة، ومرافقة أحداث الفيلم بالعزف الموسيقي وتوليفة مع سرديات الفيلم لهو تحدي للظلامية بأستخدامه الفن كوسيلة للتحدي والمقاومة وهو كون طغيان التزمت الديني على عموم المنطقة العربية والتي تمتعض من الفن والموسيقى والرياضة.

والجانب الأكثر متعة تلك اللقطة الرائعة من المخرج المبدع " جلال كامل " في استخدام (القربة) الموسيقية وهي بيد الأطفال وتوليفها الشجي مع " انشودة الحياة " والأمل والسلام من شعر الشاعر البصري الجميل المتألق(كاظم حجاج) ولحن جلال كامل:

في البدأ كان الرافدان

وكانت الدنيا دخان

لا بارق خلف المدى

والأفق ضاق

حتى بدى مثل الندى

وجه ا لعراق

يالها من كلمات ملائكية وبألحان سماوية مليئة ببراءة الطفولة وهم حاملين أيقونة الحياة والسلام والتآخي بين مكونات الشعب العراقي وكأن المشهد الأخير رسالة فحواها {الجيل الجديد سوف يقضي على التخلف لأنه تسلح بالعلم والمعرفة ومبدأ الحوار وقبول الآخر وطبع هوية المواطنة الحقة لخلق الأنسان الأيجابي وكلي أمل وتفاؤل وثقة بلا حدود إن وطني وحبيبي العراق المفدى لا لا لن يموت لكونه علّمّ العالم أبجدية الحرف الأول}.

المجد للمخرج والممثل المبدع والمتألق "جلال كامل" ونحن بأنتظار أبداعات قادمة في أحياء عالم السينما العراقية الرائدة.

***

عبد الجبار نوري

أديب وباحث عراقي مقيم في السويد

محمود محمد عليأعرف الأستاذ الدكتور أحمد عبد الله زايد حجاب، أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة القاهرة، فهو من كبار مفكرينا المتخصصين في علم الاجتماع الذين انطلقوا في مشروعهم العلمي – من دراسة الحركة النقدية في علم الاجتماع، والنخبة في الريف المصري، ثم متابعته للتطورات الحديثة حول هذا العلم، كما كتب عن الاستهلاك، والجسد، والمجال العام، ورأس المال الاجتماعي، ونقد الحداثة، والمجتمع المدني، وخطاب الحياة اليومية، والخطاب الديني، والعنف، ومنها موضوعات تضمنت طرحًا علميًّا مبتكرًا على المستويين النظري والمنهجي، وذلك بالإضافة إلى ذخيرة مهمة من المترجمات في علم الاجتماع المعاصر.

وقد حصل الدكتور أحمد زايد، على درجة الليسانس في الآداب قسم الاجتماع، جامعة القاهرة 1972، ثم حصل على ماجستير في علم الاجتماع بجامعة القاهرة في عام 1976، ودكتوراه في علم الاجتماع بجامعة القاهرة عام 1981، وسبق له وأن التحق بالدراسة لمدة عامين بجامعة إيست انجليا في إنجلترا، وذلك لجمع المادة العلمية للدكتوراه من نوفمبر 1977، بمنحة من المجلس البريطاني.

أعير الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية الجديد، إلى جامعة قطر خلال الفترة بين عامي 1986 و1992، ثم قائماً بأعمال رئيس قسم الاجتماع بجامعة قطر، ثم مديراً لمركز البحوث والدراسات الاجتماعية بجامعة القاهرة في ديسمبر 1994 حتى 1998، حيث يُعد مؤسس المركز، كما عمل مستشاراً ثقافياً لجمهورية مصر العربية في الرياض بين عامي 1998 و2001، وأستاذ بكلية الآداب  جامعة القاهرة 2001، وأمين اللجنة الدائمة لترقية الأساتذة المساعدين، تخصص علم الاجتماع.

شغل الدكتور أحمد زايد منصب مدير مركز البحوث والدراسات الاجتماعية، في كلية الآداب، بجامعة القاهرة عام 2003، ووكيلاً لكلية الآداب جامعة القاهرة لشئون الدراسات العليا والبحوث، ثم عميداً لكلية الآداب بجامعة القاهرة في 2004، وشغل عضوية مجلس إدارة المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، ولجنة الدراسات الاجتماعية بالمجلس الأعلى للثقافة، ونائباً لرئيس الجمعية العربية لعلم الاجتماع، والمستشار الأكاديمي لبرنامج بحوث الشرق الأوسط، بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، بجامعة القاهرة، وتولى رئاسة تحرير مجلة «إضافات»، التي تصدرها الجمعية العربية لعلم الاجتماع، ورئاسة تحرير حولية كلية الآداب بجامعة القاهرة.

شغل الدكتور زايد أيضاً عضوية الاتحاد الدولي لعلم الاجتماع، والجمعية العربية لعلم الاجتماع، ولجنة الدراسات الاجتماعية بالمجلس الأعلى للثقافة، ونائباً لرئيس الجمعية العربية لعلم الاجتماع.

وفي الأيام الماضية وقع الاختيار على الدكتور أحمد زايد، أستاذ علم الاجتماع، مديرا لمكتبة الإسكندرية خلال الفترة المقبلة، خلفا للدكتور مصطفى الفقى، الذي انتهت فترة توليه نهاية شهر مايو الماضي.

كما وافق الاجتماع على تجديد عضوية مجلس الأمناء، وذلك وفقًا للقرار الجمهوري بتجديد أعضاء مجلس الأمناء وبشكل دوري، والموافقة على عدد من الأعضاء الجدد لمدة 3 سنوات، وضمت العضويات الجديدة مرشحون من عدة بلدان مختلفة شملت؛ أوروبا وإفريقيا وآسيا، وسيتم الإعلان عنها فور صدور القرارات التنفيذية.

كانت مكتبة الإسكندرية محظوظة: مرة عندما تولى أمر قيادتها عند التأسيس الأستاذ الدكتور يوسف زيدان، ثم الأستاذ الدكتور إسماعيل سراج الدين، ومرة ثالثة عندما خلفه الأستاذ الدكتور السفير مصطفى الفقى. وهى الآن محظوظة للمرة الرابعة عندما يتولى أمرها الأستاذ الدكتور أحمد زايد، أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة، وعضو مجلس الشيوخ وذلك حسب قول الدكتور عبد المنعم سعيد (في مقاله له بعنوان زمن مكتبة الإسكندرية بالمصري اليوم).

ومنذ الإعلان عن خبر توليه أمر المكتبة، نُشر الكثير عن خصاله الحميدة وإنجازاته العلمية ودوره في الحياة الفكرية للبلاد، وكلها تضعه كما قال الدكتور عبد المنعم سعيد، في قلب حركة التنوير والتجديد في مصر المعاصرة. الآن فإنه سوف يواجه مهمة جديدة هو أهل لها تخص مشروعًا جاء من خارج الصندوق المصري المتواتر والتقليدي إلى الساعة الرحبة للتاريخ والمستقبل. ويُحسب للرئيس الراحل حسنى مبارك أنه أخذ بالفكرة إلى ساحة التنفيذ خارج الصندوق الشائع عن تاريخ مصر، الذي بات إما مجالًا للسياحة أو أمرًا يخص المتخصصين. ومع ذلك جرى التفكير في «المكتبة» التي لم تكن معبدًا، ولا مزرعة، أو مدفنًا، كانت مكانًا للتفكير والفكر والثقافة في مدينة مصرية كانت ساعة الإنشاء الأول قبل أكثر من ألف عام من أهم العواصم العالمية، وربما لا ينافسها وقتها إلا روما حاضرة الإمبراطورية. أصبح مشروع المكتبة قرينًا لفكرة البعث والإحياء لكى تكون حاضرة مع مطلع القرن الواحد والعشرين. اليوم أصبحت الفكرة ذائعة، وفى العاصمة الجديدة فإنها أولى العواصم في التاريخ المصري الطويل الذي تبدأ وبها حي كامل لفنون الأوبرا والموسيقى، والفنون التشكيلية بأشكالها والآداب بأنواعها، وتُبنى فيها منذ يومها الأول تحف معمارية، ومعها المسجد الرائع والكاتدرائية الأخّاذة. في التاريخ المصري القديم لم يكن المصري يبنى البهاء للحاضر، وإنما للمستقبل حتى يكون احتفال المصريين في القرن الواحد والعشرين بموكب المومياوات والآخر للكِباش، وبعد ذلك سوف يكون الافتتاح العظيم للمتحف المصري الكبير، وفى زمنه يحتفل بموقع "التجلي الأعظم".

مهمة الدكتور أحمد زايد هي بحق كما قال الدكتور عبد المنعم سعيد، البناء على ما أقامه القامتان السابقتان من بعث وإحياء وتنوير. الأول أنشأ وأقام الأساس، وأعاد إلى المكتبة سمعتها التاريخية ونشر وجودها الحالي في الساحة العالمية، ومن بين منجزاته الكبرى كان مشروع "الإصلاح العربي"، الذي أشهر الفكر الإصلاحي في وقت كانت فيه الدول العربية تبحث عن التغيير. والثاني شمّر عن ساعده في المحاربة الفكرية للإرهاب، وأخذ بثقافة المكتبة في الإسكندرية إلى قلب القاهرة الفاطمية والمملوكية. الثالث سوف يكون عليه ما هو أكثر من مواصلة المسيرة لأن التاريخ يتغير دائمًا والزمن لا يبقى على حاله. استقراء الزمن المصري يقول إننا على مشارف عصر جديد يساويه نهاية التوتر الفكري ما بين البحرين الأحمر والأبيض المتوسط، الأول عاش دائمًا أصولنا؛ والثاني حمل معه تقدمنا. التفكير هو في الأساس عمل المكتبة والمكتبات الكبرى في العالم، وأساسه العلم والابتكار والإبداع وحل المعضلات الأبدية بين التسليم والاختيار. وإذا كان كثيرون في المنطقة العربية يعيشون حالة التجديد فإن مكتبة الإسكندرية لا ينبغي لها البقاء في ساحتها المصرية.

معالي الأستاذ الدكتور أحمد زايد: هذا هو عصر البعث والإحياء، والتقدم والرقى والحداثة، وفى يوم من أيام الزمن كانت المكتبة كما قال الدكتور عبد المنعم سعيد كتبًا ومخطوطات أكثر من عدد سكان الإسكندرية؛ وكان مقررًا على البحّارة والقباطنة الذين يجوبون بحار العالم ومحيطاتها أن يحملوا إلى المكتبة اهتداء بفنار المدينة الأعظم قبسًا مكتوبًا من شعوب وقبائل وأمم بعيدة. أيامها لم يكن فيها انغلاق ولا احتباس ولا اختفاء تحت عباءة، ولا كان كلام الأولين منتصرًا على حديث الحاضر والمستقبل. لم تكن التكنولوجيا كما هي الآن، ومع ذلك حج الزائرون والدارسون والعلماء إلى رحاب المكتبة ينهلون من علمها، ويقدمون الأطروحات والأفكار لها ولمَن حولها. الآمال والأحلام كثيرة، ولكنها مصر يا دكتور أحمد زايد التي تستحق كل عظيم.

وحتي لا يطول بنا الحديث أقول في نهاية حديثي تحية طيبة لأستاذنا الدكتور "أحمد زايد"، الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

***

د. محمود محمد علي

 

مصدق الحبيب(1918 – 2003) Franco Modigiliani

هو الاقتصادي الايطالي – الامريكي الاستاذ في MIT لمدة 43 عاما، الذي عُرف بدراساته المستفيضة في نظرية الاستهلاك والادخار واقتصاد المالية واقتصاديات الشركات الكبرى. وهو الذي ينتمي لجيل من الاقتصاديين الذين اطلقوا على انفسهم الكينزيين الجدد لإيمانهم بفلسفة ومنهج الاقتصادي البريطاني جون مينرد كينز، لكنهم وبموجب ما تفرضه اختلافات العصر، وجدوا لزاما عليهم تنقيح وتعديل اركان معينة من الكينزية الكلاسيكية.

يعتبر مودلياني نفسه محظوظا جدا لتمكنه وزوجته التي كانت ماتزال ببدلة العرس ان يغادروا ايطاليا في بداية الشباب. كان ذلك قبل ايام قليلة من نشوب الحرب العالمية الثانية التي اكتسحت أوروپا كالفيضان الهادر. كانت مغادرتهما عام 1939 عندما كان فرانكو في الواحد والعشرين من عمره وقد تزوج تواً من صديقته سرينا كلابي الناشطة الطلابية ضد الحكم الفاشي آنذاك الذي تزعمه بنيتو موسليني. كانت سرينا قد رأت بوعيها الثاقب تلك الايام حبلى بالاحداث وتنبأت بالخطر القادم فقررت هي وعائلتها مغادرة روما الى باريس ودعت فرانكو ان يرافقها، فوجدها فرصة ثمينة ان يبقى مع سرينا وكذلك يغادر الظروف الصعبة والخطرة في روما.

عند جلسة تأبين مودلياني عام 2003 روت سرينا حدثا طريفا:

قالت: " في عام 1938 عندما ازهر الحب بينهما كانت قلقة جدا على فرانكو في تلك الايام الخطيرة، ايام الاعتقالات الواسعة النطاق والاغتيالات العشوائية، فالتمسته انه لو كان يمشي في الشارع وسمع أحد يناديه باسمه من الخلف، فعليه ان لايلتفت لأنه قد يتعرض الى اطلاق النار عند التفاتته الى المنادي! تواصل سرينا: بعد أربعين عاما بالضبط على تلك الايام وفي عام 1978 ذهب فرانكو الى روما للاشتراك في ندوة سياسية تلفزيونية. وعندما خرج من الاستوديو ذاهبا الى الفندق سمع خطوات تتبعه، ثم صوت رجل يناديه، مستر مودلياني، مستر مودلياني! فارتعشت اوصاله وتذكر وصية سرينا، فحث الخطى دون ان يلتفت! لكن الخطوات المجهولة تسارعت خلفه، ثم شعر بيد صلبة تمسك بذراعه! واذا به رجل بسيط يعمل اسكافيا في منطقة الاستوديو وكان حاضرا الندوة. أراد ذلك الرجل البرئ فقط ان يقول: من بين كل المتحدثين في المناظرة التلفزيونية، انت الوحيد ياسيدي الذي قلت كلاما وطنيا معقولا".

ولد فرانكو مودلياني عام 1918 في روما لعائلة يهودية من الطبقة الوسطى. كان ابوه طبيبا للاطفال معروفا في ركن سكنه في العاصمة الايطالية، وكانت امه معروفة ايضا لكونها متطوعة في دائرة الرعاية الاجتماعية. كان فرانكو تلميذا مجتهدا في المدرسة لكن وفاة والده المفاجئة وهو بسن 13 عاما سببت له صدمة نفسية عميقة اهمل من خلالها واجباته المدرسية فتراجعت درجاته، مما دفع بوالدته ان تنقله الى مدرسة اعدادية عالية المستوى في امل ان تحثه للعودة الى اجتهاده المعتاد. نجحت الخطة وتمكن فرانكو ان ينهي كل متطلبات الدراسة بسنة أقل ويدخل جامعة سابينزا في روما وهو بسن 17 عاما. ولكن خلافا لما أرادته والدته ان يدرس الطب، اختار فرانكو دراسة القانون مع اهتمامه المتزايد بموضوع الاقتصاد! حتى انه كتب مقالة اقتصادية وهو في السنة الجامعية الثانية واشترك بها في مسابقة طلابية ففاز بالمرتبة الاولى حتى على طلاب الاقتصاد. كان ذلك الفوز دافعا له لكتابة ونشر المزيد في الشأن الاقتصادي الايطالي، وخاصة فيما تعلق الامربفكرة التخطيط المركزي للاقتصاد الذي تبنته الحكومة الفاشية على غرار ماكان يجري في دولة الاشتراكية الاولى وحكومتها في موسكو. إلا انه بعد صدور القوانين العنصرية ضد اليهود أوقف فرانكو كتاباته والتحق بالمنظمات الطلايية المناوئة للحكم الفاشي، والتي من خلالها تعرف على زميلته سرينا كلابي وأحبها، فكانت هي التي اغرته لمغادرة روما بصحبة عائلتها المهاجرة الى فرنسا. في باريس دخل فرانكو جامعة السوربون Sorbonne Universite’لكن دروسها ومنهجها لم يرق له فقدم هو وسرينا على الهجرة الى الولايات المتحدة وتم قبولهما فسافرا الى نيويورك عام 1939.

في نيويورك تمكن من الحصول على زمالة دراسية من الكلية الجديدة للبحث الاجتماعي The New School for Social Research التي فتحت ابوابها تواً وكانت ترحب بالطلبة الاوربيين المهاجرين وخاصة اليهود منهم الذين هربوا من المجتمعات التي مارست التمييز ضدهم. كان فرانكو يدرس مساءً ويعمل بائعا للكتب خلال النهار وكان اثناء السنوات الثلاث التي امضاها في هذه الكلية قد رزق بطفلين.4067 مودلياني

في عام 1941 حصل على وظيفة تدريس في كلية البنات في نيوجرسي، ثم انتقل الى كلية بارد Bard التابعة لجامعة كولومبيا في نيويورك، فيما واصل دراسته لسنتين اخرى في الكلية الجديدة للبحث الاجتماعي فحصل على الدكتوراه في الاقتصاد عام 1944، ونشر في نفس العام ملخصا باطروحته بعنوان "تفضيل السيولة ونظرية الفائدة والنقود".

يعترف مودلياني شاكرا بفضل استاذ الاقتصاد المعروف في الكلية الجدية جيكب مرشاك برعايته والاخذ بيده وتشجيعه على التسجيل في السمنار الاقتصادي الدوري والذي التقى من خلاله بزملاء واصدقاء اصبحوا مشاهيرا فيما بعد امثال أوسكار لانگه Oscar Lange القادم من پولندا الذي اصبح داعية للتخطيط الاقتصادي المركزي الذي يستعير بعضا من آليات اقتصاد السوق المحسوبة، وجالي كوبمنز Tjalling Koopmans القادم من هولندا والذي سيفوز فيما بعد بجائزة نوبل لعام 1975.

في عام 1946 اصبح مواطنا أمريكيا، وفي عام 1948 حصل على زمالة من جامعة شيكاغو وعمل استشاري في مؤسسة كاولز. وفي عام 1950 انتدبته جامعة إلينوي في شامبين – إربانا لإدارة مشروع ابحاث اقتصادية وكعضو جديد في الهيئة التدريسية. وهناك عمل معه طالب الدراسات العليا رچرد برومبرگ الذي سيساعده فيما بعچ لانجاز دراسته حول نظرية دورة الحياة في الاستهلاك والادخار. بين 1955 و 1960 عمل في معهد كارنيگي في پتسبرگ بنسلفانيا، فتسنى له اكمال دراسته حول نموذج دورة الحياة. كما التقى في تلك الأيام بزميله مرتن ملر Merton Millerالذي سيشترك معه في تطوير نظرية المؤسسة المالية.

بحلول عام 1960 التحق بجامعة MIT كاستاذ زائر، ثم في 1961 ذهب ايضا كاستاذ زائر في جامعة نورثويسترن في إلينوي. وفي عام 1962 عاد الى MIT كعضو دائم في هيئتها التدريسية، وهو العمل الذي لم يغيره بعدذاك ولغاية وفاته عام 2003. في عام 1970 منحته الجامعة لقب 2Institute Professor وهو اعلى مرتبة اكاديمية تكريمية تمنحها جامعة MIT. بعد عام 1971 سعت الى ضمان خدماته الاستشارية جهات عالية كوزارة الخزانة الامريكية والبنك الاحتياطي الفيدرالي ومعهد بروكنگزBrookings. 2وكذلك بنوك مركزية في ايطاليا واسبانيا وشركات خاصة في أوربا. وترأس ثلاث جمعيات مهنية امريكية هي جمعية الاقتصاديين وجمعية الاقتصاد القياسي وجمعية اقتصاد المالية. كما اصبح عضوا في اكاديمية العلوم الوطنية وفي الاكاديمية الامريكية للعلوم والآداب والفنون. وفي عام 1985 تتوجت منجزاته بنيله جائزة نوبل في الاقتصاد.

كان فوز مودلياني بجائزة نوبل في الاقتصاد تثمينا لمساهمتين اساسيتين في النظرية الاقتصادية ومساهمات اخرى غير مباشرة. المساهمة الاولى كانت في حقل الاستهلاك والادخار وعرفت باسم نظرية دورة الحياة، والمساهمة الثانية كانت في حقل المالية، وخاصة مالية الشركات الكبرى وعرفت بـ نظرية مودلياني - ملر .

نظرية دورة الحياة للاستهلاك والادخارLife Cycle Consumption-Saving Theory

خلال الخمسينات من القرن الماضي قام مودلياني بتوسيع نظرية كينز القاضية بجعل الاستهلاك دالة للدخل ومايتبع ذلك من سلوك للادخار، وذلك بتفصيل مستويات مختلفة من الدخل تتفاوت بتفاوت مراحل دورة الحياة. لقد كانت فكرة واقعية وبسيطة ولكن لم ينتبه الى تأثيرها الحاسم أحد من قبل. يفترض مودلياني ان الناس عموما وبسلوك طبيعي تلقائي يميلون ان يجعلوا مستوى الاستهلاك مستقرا على طول حياتهم. فمثلا اذا انخفض الدخل في موسم معين او سنة معينة سيحاول المرء ان لايقلل من مستوى الاستهلاك جهد الامكان انما بدلا عن ذلك يحاول تعويض النقص في الدخل من مصادر اخرى قد يكون الاستقراض اهمها. واذا ارتفع الدخل في موسم او سنة ما فإن الرغبة في الحفاظ على مستوى الاستهلاك مستقرا ستؤول الى ادخار الزيادة في الدخل او تسديد القروض التي استحصلت في سنوات انخفاض الدخل. والامر يتضح اكثر اذا تأملنا مرحلة الشباب عندما يتطلب بناء الحياة الكثير من الانفاق الذي يفوق الدخل في بداية الحياة المهنية. ولذا فالمرء سيستدين لتأمين تلك النفقات الضرورية. وفي منصف العمر وذروة المهارة والخبرة الوظيفية يزداد الدخل فيسمح بتسديد القروض وربما بالادخار. أما في المرحلة الاخيرة من دورة الحياة وحين يتقاعد المرء من العمل سيقل دخله فيما تزداد نفقات معينة في ميزانيته خاصة نفقات الخدمات الصحية فيحتاج الى تلك المدخرات التي تراكمت في المرحلة الوسطى لسد النقص الحاصل في مرحلة الشيخوخة. فعموما اذاً، يميل الناس الى الادخار في اوقات الدخل العالي والى الاستقراض في اوقات الدخل الواطئ.

نظرية مودلياني – ملر Modigliani – Miller Theorem

المساهمة الأساسية الثانية في النظرية الاقتصادية تمخضت عن الدراستين المشتركتين اللتين نشرهما مودلياني مع زميله الاقتصادي مرتن ملر Merton Miller حول هيكل التمويل الرأسمالي للمؤسسات والشركات الكبرى واللتين استنتجا من خلالهما بأن القيمة المالية للشركات في السوق لا تتأثر بالمعيار التقليدي المتمثل بنسبة الديون الى القيمة الاستثمارية المستحصلة Debt/Equity Ratio. وقد اثبتت دراساتهما ودراسات تطبيقية لاحقة بأن ماتساويه اي شركة من قيمة مالية مقدرة بسعر السوق تتحدد بشكل مستقل عما يبوح به ذلك المعيار التقليدي.

لقد أثبتت دراسات مودلياني – ملر ان قيمة أي شركة تتعلق قبل كل شئ بكفاءة السوق المالية. فلو كانت السوق كفوءة Efficient market لما تسبب هيكل رأس المال التمويلي بأي فرق في قيمة الشركة في السوق. وقد آل هذا الاستنتاج الى تحليلات اعمق في طبيعة رأس المال التمويلي Capital Structure خاصة فيما اذا كان رأس المال يتكون من قروض واستثمارات او يعتمد على ما تراكم من ارباح وتخصيصات للنمو واعادة الانتاج. وفي اغلب الحالات يتكون الهيكل التمويلي من خليط من هذين الموردين الرئيسيين اضافة الى موارد ثانوية اخرى. وقد بانت اهمية هذه النظرية فيما بعد حين ترتبت على اساسها بقية عناصر النظرية الحديثة لمالية المؤسسات Modern Corporate Finance.

هناك مساهمات اخرى لمودلياني استمدت اهميتها من كونها البادرة الاولى لدراسات وحقول جاءت بعدها. أي انها كانت الشرارة الاولى لاطلاق نظريات اخرى. في عام 1954 نشر مودلياني بالاشتراك مع زميله أميل كرمبرك دراسة بعنوان "تنبؤ الاحداث الاجتماعية" في مجلة الاقتصاد السياسي، عدد ديسمبر. في هذه الدراسة لاحظ الباحثان ان المستهلك عموما يميل الى تغيير سلوكه الاقتصادي بموجب ما يتوقع من تغييرات في السياسة الاقتصادية التي تتبعها الدولة. اعتبرت هذه الدراسة باكورة العمل على تطوير حقل جديد في التطبيقات الاقتصادية سمي فيما بعد "التوقعات العقلانية" Rational Expectations وهو الحقل الذي تطور فيما بعد باستقلال عن مودلياني. في الحقيقة ان الطريف بالامر هو التقاء النظرية الاساسية في هذا الحقل الجديد مع طروحات مودلياني الكينزي، علما ان الحقل عُرف بانتقاداته العميقة للنظرية الكينزية.

في عام 1976 نشر مودلياني بحثا دعا فيه راسمي السياسة النقدية الى وضع اهداف محددة للانتاج والعمالة بحيث لايتجاوز معدل البطالة غير التضخمي حد الـ 5.5%، وبهذا سيكون البديل لمفهوم فريدمن المعروف بالمعدل الطبيعي للبطالة. ومفهوم مودلياني بالطبع ناجم عن اجراء يعتبر كينزي في جوهره ومخالف لمبادئ النظرية النقدية، لكنه قاد دون قصد الى تطوير ما سمي بمعدل البطالة غير المقترن بالتضخم المتسارع Non-accelerating inflation rate of Unemployment. الذي يعني الحد الادنى للبطالة الممكن استمراره دون التسبيب في ارتفاع الاجور والاسعار. وهو بذلك يشير الى مدى الطاقة الاستيعابية التي يتمتع بها الاقتصاد.

في عام 1949 نشر الاقتصادي جيمس دووزنبري مقالة بعنوان "الدخل، الادخار، ونظرية سلوك المستهلك" أشار فيها الى ان الاستهلاك فعالية اجتماعية اضافة الى كونها عملية اشباع فردية، ولذلك فان ما يروم استهلاكه الفرد او العائلة يتأثر بمتوسط ما تستهلكه الوحدة الاجتماعية المحيطة بذلك الفرد. اي ان المرء يتأثر الى حد كبير مايستهلكه اقرانه وزملائه واصدقائه ومن هو في الدائرة الاجتماعية التي يتواجد فيها. سميت هذه النظرية بـ نظرية الدخل-الاستهلاك النسبي. ولأن نظرية مودلياني حول دورة الحياة التي جاءت بعدها واصبحت اكثر قبولا وشعبية، ولعدم تعارضها، بل لقربها منها، أخذ بعض الاقتصاديين يصوغون خليطا من النظريتين أسموه Duesenberry – Modigliani Model

قبل وفاته بسنتين، أي في عام 2001، نشر مودلياني مذكراته، وهي آخر ما كتب وكانت بعنوان دال وطريف هو Adventures of an Economist. توفى مودلياني خلال نومه في ليلة 25 ديسمبر من عام 2003 في بيته في كمبرج – ماسچيوستس.

***

ا. د. مصدق الحبيب

 

 

4066 رجاء احمد عليما زلت أؤمن، بل ربما أكثر من أي وقت مضي، بأن تاريخ الفلسفة افتقر لأصوات نسوية استطعن أن يخترقن القلاع الفكرية المشيّدة بإحكام من قبل الوعي الذكوري المتغطرس، بل تكاد تخلو القواميس المعرّفة بالفلاسفة من أسماء فيلسوفات سجّلن حضورهن على نحو متشظّي عبر محطات تاريخ الفلسفة. وقد تهاطلت العديد من الأسئلة اللاّسعة على هذا الإقصاء المتعمّد، إن لم نقل الممنهج للمرأة في أن تكون وجه آخر للمعرفة الممكنة حول قضايا أنطولوجية وأخلاقية ومعرفية تمّس الإنسان، هذا الكائن ذو الطبيعة المزدوجة.

وقد يعود ذلك إلى "الصورة التي رسمها أرسطو" للمرأة، وأثر ذلك على التراث العربي- الإسلامي، إذ وجدنا بكيفية أو أخرى الإمام أبو حامد الغزالي يعرض ''بعض الحقائق الاجتماعية السائدة التي تحط من قيمة المرأة وقدرها، مستنداً إلى أحاديث متواترة يصعب الأخذ بصحة معظمها''، ويظهر هذا أيضا عند قراءة قواميس الفلسفة والفلاسفة وموسوعاتهم، سواء تلك التي أعلنت عن تقدميتها أو تلك التي قامت على أساس الفهم بغرض تجاوز الفكر الدوغمائي والجدلي، إذ نكتشف منذ الوهلة الأولى ذلك الوجود التراجيدي للمرأة كذات مفكرة، وكأن تاء التأنيث ثقيلة على مفهوم ''الفيلسوف''، مع أنّها لا تحمل بالمشروع الفلسفي، بل تصنعه وترسم آفاقه المستقبلية.

ولكن بفضل الجهود الإصلاحية والتي جاءت مع ثورة 23 يوليو 1952م، فُتحت أبواب العلم الموصدة في وجوه البنات فاجتزن المراحل إلي التعليم العالي في وقت وجيز، فدخلت أفواجاً من الفتيات حرم الجامعة، وميادين العمل، والصالونات الفكرية، واخترقت المرأة بجدارة عالم الصحافة وعوالم أخري بعد جهد جهيد، وبعد غياب حضاري مزري أضر بوضع الأمة بأسرها وبمنظومتها القيمية الصانعة لمجريات التاريخ.

في نهاية تلك المرحلة برز اسم "رجاء أحمد على على"، أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب – جامعة القاهرة، وهي واحدة من كبار الرواد في دراسة الفلسفة الإسلامية بمصر، والعالم العربي، وقد استطاعت من خلال بحوثها ومؤلفاتها أن تنقل البحث في الفلسفة الإسلامية من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كانت في هذا صارمة إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديها هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

علاوة علي أنها تميزت من بين أقرانها بجمعها النادر بين الدراسة العميقة للفلسفة الإسلامية وعلوم الإسلام وعلوم العربية، وكان تحليلها للنصوص الإسلامية أنموذجاً جيد في خدمة النص، وتذليل ما فيه من غموض وتصحيح ما اعتوره من تصحيح أو تحريف، وبالتالي فهي تمثل بحق رائدة نسائية في تحليل النصوص الدينية. يضاف إلي هذا أنها امرأة، فهي تستطيع أن تتفهم نفسية المرأة بحكم جنسها ؛ حيث تمثل رجاء احمد على التيار المتنور الذي يطالب بالنهوض بحال المرأة المصرية في الحياة العامة .

وشخصية الدكتورة رجاء أحمد على متميزة بطابع الجدية، وقد كان الحوار معها من أصعب الأمور، وخاصة مع أولئك الذين لا يحسنون استخدام عقولهم ؛ فهي لا تقبل هذراً ولا فوضي. والألفاظ لديها ينبغي أن تكون علي قدر معانيها، فالتزيد مرفوض، والفيهقة مستحيلة . لذلك كانت دائرة أصدقائها ضيقة جدا، ومعارفها قليلين، وصارت الفكرة التي شاعت عنها أن الصغار يخشون منها، والكبار يهابونها.

أما في حياتها العملية والعلمية، فقد حصلت على الليسانس الممتازة بقسم الفلسفة كلية الآداب جامعة القاهرة عام 1981، وكانت أولى دفعتها، ثم حصلت على ماجستير الفلسفة الإسلامية بتقدير ممتاز وكان موضوعها "الله والعالم في فلسفة ابن سينا "عام 1986، ثم حصلت على دكتوراه الفلسفة الإسلامية بمرتبة الشرف الأولى مع التوصية بالطبع وتبادلها مع الجامعات الأخرى، وكان عنوانها "نظرية الكمون بين الفلاسفة والمتكلمين" عام

1991، ثم حصلت على درجة أستاذا مساعدا للفلسفة الإسلامية عام 2001، ثم استاذا للفلسفة الاسلامية عام 2009 ؛ وقد عينت رئيس قسم الفلسفة عام 2014وحتى 2017/9/9.

حصلت رجاء أحمد على (مع حفظ الألقاب) علي عدة جوائز منها جائزة اندرية لالاند، وجائزة عصمت قنديل، جائزة زكى نجيب محمود، وكانت لها مهام إدارية وقيادية وأنشطة مؤسسية، علاوة علي حصولها على عضوية الجمعيات الفلسفية

لها العديد من المؤلفات منها: النفس عند ابن باجة، الفيض عند مفكري الإسلام، الفيض بين الفلسفة وعلم الكلام (الفارابي – الكرماني)، موقف الشيخ محمد عبده بين العقل والنقل، مفهوم الحرية وعلاقته بمقامي التوكل والرضا، رؤية الله بين النفي والاثبات دراسة في الصفات، الفكر السياسي عند الفارابي قراءة معاصرة،* الصابئة عقيدة وفلسفة، المنهج النقدي عند جلارزا،الفرق الكلامية في الشمال الافريقي (الخوارج نموذجا)، في الفلسفة الاسلامية، في علم الكلام،الكمون بين الفلاسفة و المتكلمين،الله و العالم في فلسفة ابن سينا، العلية عند المعتزلة، المصادر المتعددة في فكر العامري (السيرة الانسانية نموذجا)، قراءة في كتابات علي سامي النشار، كتاب فلسفة القانون، كتاب مشكلات الفكر العربي المعاصر – الطبعة الأولي 2016م، كتاب أخلاقيات المهنة – الطبعة الأولي 2016م.. الخ.

ولقد شهد لها زملاؤها ومعاصروها لها بالدقة، والأمانة العلمية، والثقافة الواسعة ..إلي جانب ما تتمتع به من خلق رفيع. ولا غرو في ذلك فهي تمثل منظومة حافلة بالعطاء العلمي الجاد، والشموخ الإنساني المتميز، باحثة ومنقبة، محققة ومدققة، مخلفة وراءها ثروة هائلة من الكتب العلمية، والبحوث الاكاديمية الرصينة، وطائفة كبيرة من المريدين والاتباع الذين أعطتهم خلاصة فكرها وعلمها.

كما تميزت رجاء أحمد على بأنها أكثر جرأة في الرأي ‏وشدة في اقتحام القضايا‎ ‎الأكثر حساسية مع تحليل خاص ‏للصحوة الدينية وتاريخ حركات الإصلاح الحديثة، ‏خصوصاً‎ ‎عندما يدور الحديث حول مرحلة أصالة الفكر الإسلامي ؛ إذ ما تميز به هذا الفكر في اعتقاد رجاء احمد على من نظرة إلي الواقع تجعله مخالفاً في صميمه لما كانوا يردونه إليه من فكر يوناني علي وجه الخصوص.

وثمة نقطة جديرة بالإشارة نود أن نشير إليها وهي أن رجاء أحمد على من المفكرين المصريين الذين يؤمنون بأن الفيلسوف المسلم هو ابن الطبيعة الفكرية الإسلامية، بيئة علوم القرآن الكريم والحديث – قد اعتاد موقفا من العالم الخارجي مستمدا من توجيهات " الكتاب الكريم" للعقل الإنساني، يقوم علي احترام حقيقة الموجودات الخارجية في ذاتها، لأنها من خلق الله عز وجل وايجاده، وبالتالي إذا كان المنهج الاستدلالي مستساغا في علم الكلام، فهو ليس كذلك بالنسبة للمفكر المسلم، وهو يواجه موقف تفسير الوجود حيث يجب أن يكون المنهج هو القائم علي التجربة من أجل تدبر الموجودات في ذاتها، أي: أن يكون استقرائيا، يهدف إلي كشف حقيقة الموجودات عن طريق ما تقدمه له م واقع، ترتبط جزئياته بعضها ببعض، طبق لسنة الله التي ليس لها تبديلا، وهي ما سمي فيما بعد بالقانون العلمي.

والدكتور رجاء أحمد على من المؤمنين أيضا بأنه في مجال الفكر الإنساني عبر عصوره المتلاحقة ثمة ظاهرة ضمن ظواهر عديدة تسترعى النظر وتجذب الانتباه، ألا وهى ظاهرة التأثير والتأثر بين الأجيال المتعاقبة، بحيث يؤثر الجيل السابق في الجيل اللاحق، ويتأثر هذا بذلك تأثرا تتعدد أبعاده أحيانا وتختلف مجالاته وتتفاوت درجاته بين طرفي الظاهرة، أعنى بين المؤثر والمتأثر، فتارة يكون التأثير من جانب السابق في اللاحق تأثيرا قويا عميقا، وعلى درجة من الشمول، تكاد تذهب باستقلالية المتأثر وهويته العلمية، ومن ثم تظهر العلاقة بين الطرفين في صورة علاقة تابع بمتبوع ومقلد بمبدع، وتارة يكون التأثير ضعيفًا في درجته محدودًا في مجاله؛ بحيث يظل كل من الطرفين المؤثر والمتأثر محتفظًا بفردانيته، واستقلال نظرته وفكره، ومن ثم تتوارى معدلات التأثير، فلا تكاد تظهر .

وإن كان الأمر كذلك، فإن لهذه الظاهرة في نظر رجاء أحمد على دلالات تسمح بالقول بأنها ظاهرة إيجابية مفيدة ومثمرة بدرجة تجعلنا نعدها عاملًا فاعلًا في تحقيق ما أنجزه الفكر الإنساني من تطور وازدهار على أصعدته كلها؛ وخاصة على الصعيدين: الثقافي والحضاري للشعوب، والأمم التي سجل لها التاريخ ضربًا أو أكثر من ضروب التقدم والازدهار .

ولعل من أهم الدلالات التي تحملها هذه الظاهرة في طياتها تأكيد فعاليات العقل الإنساني، وطاقاته المتجددة، ومبادراته الخلاقة، وهو ما يخول رجاء أحمد على القول في أغلب كتاباتها، بأن العقل قد أوتى من القوة ما يمكنه من أن يأتى أفعالا على درجة من التباين تكشف عن تعدد طاقاته وتنوعها . فهو في مجالنا هذا يتأثر ويؤثر، وينفعل عن عقول، ويفعل في غيرها، ويأخذ ويعطى ويستقبل ويرسل، ويستوعب الماضي ويتمثله بوعى واقتدار دون أن يفقد وعيه بالواقع إلى حيث هو جزء منه، ثم يتجاوز ذلك إلى حيث المستقبل ورؤاه المستقبلية التي تؤثر بدرجة أو بأخرى في ذلك المستقبل.

وفي نهاية حديثنا عن الأستاذة الدكتورة رجاء أحمد على لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة للأستاذة الفاضلة التي كانت وما تزال تمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

تحيةً مني للدكتورة رجاء أحمد على التي لم تستهوها السلطة، ولم يجذبها النفوذ ولكنها آثرت أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف تبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً . بارك الله لنا في رجاء أحمد على قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه "أشباه المفكرين" (كما قال أستاذي عاطف العراقي)، وأمد الله لنا في عمرها قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاها الله لنا إنسانة نلقي عليها ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منها عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

***

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

علي حسينحدثنا عنه ابن رشد بحماس بالغ:" رأيت منه غزارة حفظٍ، لم اظنها في أحدٍ من المشتغلين بهذا الشأن، يملك نظرة حادة. كان قصير القامة، تزين وجهه لحية خطها الشيب " .

وحدثنا عنه عبد الواحد المراكشي قائلاً:" ابو بكر محمد بن طفيل، احد فلاسفة المسلمين، كان متحققا بجميع اجزاء الفلسفة. وله تصانيف في انواع الفلسفة من الطبيعيات والإلهيات وغيرها. ومن رسائله في الطبيعيات، رسالة سماها رسالة حي بن يقظان غرضة فيها، بيان مبدأ النوع الانساني، وهي رسالة لطيفة الجرم، كبيرة الفائدة في ذلك الفن " – المعجب في تلخيص اخبار المغرب تحقيق محمد سعيد العريان .

لُقّب بأبي التطور، لكنه رفض بحزم ان يوضع في خانة الفلاسفة. كان همّه قبوله في طائفة الشعراء، لكن كُتاب السيرة اعترضوا على هروبه من الفلسفة، ومحاولته كتابه قصة رمزية للانسان الكائن الاجتماعي، الذي ينتج افكاره ومعارفه في خضم انتاجه لحياته المادية، ولتاريخه اليومي.. ولهذا فان صاحبنا لا يمكن ان يكون إلا صورة للعالم الفيلسوف المتصوف. سيصبح همه فيما بعد أن يمزج الفلسفة اليونانية بالحكمة الاسلامية، ليطالع الناس برأي جديد في الكون. وقد اثار اهتمامه امر العلاقة بين الفرد والمجتمع، حيث ذهب الى ابعد مما ذهب اليه " ابن باجة" الذي كان يرى ان خلاص الامة يتم على يد النخبة، بينما كان ابن طفيل يرى ان طريق الخلاص للعامة، وهي الفكرة التي طورها سبينوزا بعد اكثر من خمسمئة عام عندما قال ان هناك امل لجميع الناس.

كان يشرف على الخمسين حين دار حوار بينه وبين " ابن رشد " الذي كان يقترب من الثلاثين حول كتب ارسطو. يقول ابن رشد:" لما دخلت على امير المؤمنين (ابي يعقوب) وجدته هو وابو بكر بن طفيل، فاخذ ابو بكر يثني علي، فكان اول ما فاتحني به امير المؤمنين، بعد ان سألني عن اسمي واسم ابي ونسبي، ان قال لي: ما رأيهم في السماء – يعني رأي الفلاسفة – أقديمة هي أم حادثة ؟ فادركني الحياء والخوف، فاخذت اتعلل وأنكر اشتغالي بعلم الفلسفة، ولم أكن ادري ما قرر معه ابن طفيل ففهم امير المؤمنين مني الورع والحياء، فالتفت إلى ابن طفيل وجعل يتكلم عن المسألة التي سالني عنها، ويذكر ما قاله ارسطوطاليس وافلاطون وجميع الفلاسفة، ويورد مع ذلك احتجاج اهل الاسلام عليهم، ولم يزل يبسطني بالكلام حتى تكلمت، فعرف ما عندي من ذلك ".

حار المؤرخون وكتاب السير في معرفة تاريخ ميلاد (ابو بكر محمد بن عبد الملك ابن طفيل)، وتشير بعض المصادر انه ولد بين عامي 1100 و 1110 للميلاد، وإستندوا في ذلك الى انه يكبر ابن رشد بما يقارب العشرين عاما – ولد ابن رشد عام 1126م – كانت ولادته في قرية تسمى " برشانة " انتقات عائلته وهو صغير الى مدينة "  وادي آش" والتي  تبعد بما يزيد عن 50 كم عن مدينة غرناطة، وقد جاء وصفها في كتاب الروض المعطار بانها " مدينة بالاندلس قريبة من غرناطة، كبيرة حولها المياه والانهار. وهي كثيرة التوت والاعناب وأصناف الثمار والزيتون، والقطن بها كثير " – الروض المعطار تحقيق احسان عباس -.

في هذه البقعة، سينشأ الطفل قوي الجسم مثلما يصفه صاحب كتاب اخبار المغرب، لم يثـر قدومه أي أهتمام من عائلته التي كانت تضم اربعة اخوة، عندما توفى والده ترك له مكتبة تضم كتبا في الفقه والشعر، سيبرع في الدراسة، يحفظ القران وتدهشه قصائد الشعراء الجاهليين ويكتشف اشعار المتنبي وتحيره دعوته للنبوة، يجرب كتابة الشعر، وباصرار من والده تعلم الفقه، بعدها يتفرغ لدراسة علوم المنطق والفلسفة الطبيعية عند قدماء الفلاسفة اليونان. ويبدأ بقراءة شاملة للفلاسفة المسلمين وتدهشه فلسفة ابن باجة الذي توفي بمدينة فاس بعد ولادة ابن طفيل بسنوات. اضافة الى دراسته الرياضيات وتمرسه بدراسة وظائف الجسم البشري وكيمياء الادوية وطرق العلاج  ليصبح واحدا من اشهر الاطباء حيث وجد في الطب علما نبيلا كما يقول. لكن والده كان يتمنى ان يصبح  ابنه ذات يوم احد قضاة غرناطة.في العشرين من عمره وجد ان " وادي آش " لم تعد تلبي طموحه للمعرفة، فانتقل الى قرطبة وكان يتنقل منها الى اشبيلية، هناك حيث اتجه الى دراسة الطب والعمران وعلم الفلك وسيخبرنا ابن رشد ان ابن طفيل وجد نظاما فلكيا ومبادئ لحركة النجوم، تختلف عن التي قدمها بطليموس في كتابه الشهير " المجسطي ". يستقر بعد ذلك في مدينة مراكش عاصمة الدولة الموحدية. كان ابن طفيل معجبا بالحركة التي قام بها الموحدين وكتب في مديح " الرسالة الموحدية " التي كتبها " المهدي بن تمروت " مؤسس دولة الموحدين، وكان بعض حكامها يولون عناية للعلوم العقلية مما اتاح للفلسفة ان تزدهر زمنا قليلا في قصورهم. وفي هذه الفترة اشتغل ابن طفيل كاتبا عند حاكم غرناطة، بعدها عمل في ديوان سعيد ابن المؤمن لما كان واليا على طنجة. لكن الفترة الهامة في حياته هي تلك التي امضاها في العمل مع " ابي يعقوب يوسف " سلطان الموحدين،  وقد اشتهر بانه " ملك فيلسوف " وكان محبا للعلم والعلماء يقربهم، يصفه ابن خلكان في كتابه وفيات الاعيان بانه كان اعرف الناس بكلام العرب واحفظهم للشعر. وقد طمح الى تقريب العلماء والفلاسفة، وكان ابن طفيل اقربهم اليه. يخبرنا ابن ابي الزرع بان ابن طفيل كان وزيرا لابن يعقوب وطبيبه الخاص – الروض القرطاس في اخبار ملوك المغرب.

في كتابه تاريخ الفلسفة في الاسلام يقول دي بور:" فنرى ابو بكر بن عبد الملك بن طفيل القيسي، يتبوأ منصب وزير وطبيب عند ابي يعقوب. بعد ان كان يشغل منصب الحجابة في غرناطة. ويلوح ان حياته لم تكن حافلة بالتقلبات، فقد كان حبه للكتب اكثر من حبه للناس، وفي مكتبة ابو يعقوب، حصل كثيرا من العلم الذي كان يحتاج اليه في صنعته، او ينفع به ظمأه للمعرفة ".- ترجمة محمد عبد الهادي ابو ريدة – ولما توفى ابو يعقوب تولى الخلافة بعده ابنه ابو يوسف فابقى على ابن طفيل وزيرا.. تعمقت علاقته بابن رشد وكان  يدور بينهما حوار متواصل حول الفلسفة والدين ينبه فيه ابن طفيل تلميذه " ابن رشد "الى ضرورة التوفيق بين النظر العقلي والايمان:" ارى اننا معشر المفكرين بمثابة الجسر بين علم الكلام والمؤمنين، لكن لا يجب ان يكون الجسر اوسع من النهر "..في سنواته الاخيرة يطلب من الخليفة ان يعين ابن رشد طبيبا في القصر بدلا منه. كان قد اصيب ببعض الامراض، واخبر "ابن رشد "انه مصاب بسرطان في الامعاء. في شتاء عام  1185 توفي ابن طفيل وكان قد تجاوز الثمانين من عمره وقد حضر جنازته السلطان ومعه ابن رشد الذي اخذ يردد ابيان كتبها ابن طفيل عن الفراق:

يا باكيا فرقة الاحباب عن شحطٍ.... هلا بكيت فراق الروح للبدن

نور تردد في طينٍ إلى أجل... فانحاز علوا وخلى الطين للكفن .

من يتابع سيرة ابن طفيل على رغم قلة المصادر التي كتبت عن حياته  سيجدها عبارة عن رحلة بين المعارف، فما ان يستقر على علم، حتى يجد نفسه يخوض غمار علم آخر ، يخرج من مكتبة ليدخل مكتبة اخرى، ويبرع في مسألة فلسفية ليجد نفسه مشغولا بمسألة آخرى.. حياة طابعها الاستقرار، وهمها المزيد من العلم. كان ابن طفيل مهتما بان يمزج بين العلم اليوناني وحكمة اهل الشرق، ليقدم خلاصة جديدة عن الكون والانسان. وقد اثار اهتمامه قضية العلاقة بين الفرد والمجتمع وكان يرى ان منشأ الجماعة يتحدد باهمية الفرد داخل المجتمع. ولعل الفكرة الاساسية التي اضافها ابن طفيل الى التراث الفلسفي هي تلك التي تتعلق باتحاد العقل الفعال بالانسان، والتي بينها في كتابه " حي بن يقظان ".4069 حي بن يقظان

كتب ابن طفيل كتابه " حي بن يقظان " سنة 1180 قبل وفاته بخمسة اعوام.. وكان هدفه  طرح سؤال: هل يمكن للعقل ان يترقى ترقيا طبيعيا نحو الحقيقة. يخبرنا ابن طفيل انه اخذ عنوان كتابه واسماء شخصياته من ابن سينا.  وقد قال ابن سينا في مقدمة كتابه - حققه احمد امين -: " إن اصراركم، ياأخوتي، في ان اضع لكم شرحا لتاريخ حي بن يقظان يزيد خجلي عندما ارفض ذلك الطلب " ولهذا يحاول ابن طفيل وضع شرح لتاريخ حي بن يقظان فيكتب في مقدمة كتابه:" سألت ايها الاخ الكريم الصفي الحميم – منحك الله البقاء الابدي، واسعد السعد السرمدي - أن ابث اليك ما امكنني بثه من اسرار الحكمة المشرقية " – حي بن يقظان تحقيق احمد امين.. وهناك اكثر من تحقيق قام به كل من جميل صليبا، فاروق سعد، يوسف زيدان – وقصة حي بن يقظان ربما هي النص الفلسفي العربي الوحيد الذي تمت اعادة كتابته من عدد من الفلاسفة فنجدها عند ابن سينا، وابن النفيس والسهروردي وابن طفيل، وتناول الفلاسفة الاربعة موضوعا واحد وهو كيف الوصول الى العقل الخالص دون الاعتماد على وحي او نبي لان المعرفة مكتسبة وليست توفيقية.. والعنوان يحمل دلالته الرمزية " حي بن يقظان " فالحياة وليدة اليقظة، وعلى حد تعبير حسن حنفي فاليقظة في حكاية ابن طفيل هي الاصل والحياة فرع منها – حسن حنفي مقدمة حي بن يقظان – فالانسان يحيا اولا ثم ينبثق الوعي من خلال الحياة. ينسج لنا ابن طفيل رواية بطلها " حي بن يقظان " فيخبرنا:" ذكر سلفنا الصالح ان جزيرة من جزائر الهند، وهي الجزيرة التي يتوالد فيها الانسان من غير أم ولا اب، وبها شجر يثمر نساءً، وهي التي ذكرها المسعودي أنها جزيرة الواق واق ". كيف ولد هناك فرضيتان، الاولى انه ولد من ابوين شأن اي انسان آخر، والثانية يجعله يتولد من الطين مباشرة. ويقدم لنا ابن طفيل نظريته التي تقول ان المرء الذي يعيش وحيدا من دون صحبة او جماعة بشرية، يمكنه من خلال الاستعانة بالملكات العقلية وحدها، ان يكتشف كل ما عرفته البشرية، وكل ما وصلت اليه. فهو رغم عزلته المطلقة، وفي حدود قدراته العقلية، يمكنه ان يصل الى الله، ويكتشف انه لا يمكنه من بلوغ الحقيقة إلا اذا كان في حالة سلام مع نفسه ومع الطبيعة التي يكتشفها شيئا فشيئا. يكتب جميل صليبيا في تقديمه لحي بن يقظان:" ان المذهب الذي وصل اليه ابن طفيل، هو المذهب العقلي، لانه يعتقد ان في وسع الانسان، ان يرتقي من المحسوس الى الملموس، ويصل بقواه الطبيعية الى معرفة الله والعالم "..وهكذا نرى ان " حي " يمكن ان يكون قد نبت من الارض:" فاما الذين زعموا انه تولد من الارض فانهم قالوا إن بطنا من ارض تلك الجزيرة، تخمرت فيها طينة على مر السنين "، او ان يكون ابنا لاحدى الاميرات، وثمرة غير شرعية لعلاقة بينها وبين رجل لم تسمح مكانتها بالارتباط به، ولهذا القي بـ " حي " في النهر " ليحمله الى جزيرة يتعلم فيها كيف يكون ابنا لذاته، وللانسانية. ويخبرنا ابن طفيل ان الله اودع في روح " حي " الحرية والقدرة على ان يخرج الى الوجود، وهذه الوديعة هي العقل.

كان على "حي" كي يبقى على قيد الحياة، ان يجد لنفسه موقعا في الطبيعة، وان يتكيف معها، وان يذوب فيها، والخطوة الاولى ان يقلد ما يراه. فهو طفل تعهدته ظبية مات وليدها وارضعته حتى اصبح قادرا على تناول الطعام، ومع انه عاش عيشة الحيوانات إلا انه اكتشف ان جلده يختلف: " ينظر الى جميع الحيوانات فيراها كاسية بالاوبار وانواع الريش.. وكان يرى ما لها من سرعة في العدو وقوة البطش، وما لها من الاسلحة المعدة لمدافعة من ينازعها، مثل القرون والانياب والحوافر والمخالب ". وعندما بلغ السابعة من عمره اتخذ لنفسه رداء من اوراق الشجر. وبعدما تتوفى الظبية التي رعته، يحزن عليها حزنا شديدا، ويفكر في موضوعة الموت وكيف يحدث، فيقوم بتشريح جسدها ليكتشف ان هناك خلل في القلب ادى الى خروج الروح من الجسد. واكتشف ان الموت لم يحدث ضررا في الجسد،  فاستنتج ان الموت ينتج عن انحلال العلاقة بين الجسد والروح.. وهذا هو سر طبيعة الحياة. اما اكتشافه الثاني فكان النار التي رآها مرتبطة بالحياة. وكانت تجاربه الآخرى في اكتشاف الطبيعة هي استعمال الادوات.

تسهم دقة ابن طفيل في نقل ملاحظات " حي " وطريقة تفكيره في جعلنا نرى " حي " ونتعايش مع تجربته ونتتبع كيف ينمو ويتطور وينتقل من معرفة الى معرفة جديدة.  ولما كان التطور هو موضوع القصة، فان شخصية " حي " تصبح امامنا شخصية متطورة ونامية.

عندما يبلغ " حي " الثامنة والوالعشرين من عمره، يتمكن من معرفة عالم الافلاك، ويبدأ في النظر بخالق لهذا الكون.. ويطرح مسألة فلسفية شغلت الفلاسفة هل العالم قديم ام محدث ؟.. لم يتمكن من الوصول الى اجابة، لكنه سيقر ان مشكلة قدم العالم او حدوثه منفصلة كليا عن دلائل وجود سبب أول للعالم، أي اننا اذا سواء افترضناه قديما او حديثا فلا بد له من صانع يكون " كاملا، عليما، متصف بجميع الكمالات، وخال من جميع النقائض ".

ان قصة حي بن يقظان لا تتوقف عند لحظة اكتشاف الذات والإله والعالم والسلام الذي يعقده مع الطبيعة كي يعمر الارض، لكنها ستتناول قضية العلاقة بين الفلسفة والدين، حين يلتقي " حي " مع أبسال الذي ينتقل الى هذه الجزيرة بعد ان اختلف مع اخيه سلامان حول بعض القضايا التي تتعلق بالايمان، فأبسال شديد الغوص في المعاني الروحية، اما سلامان فكان شديد الاهتمام بالظاهر وابعد الناس عن التأويل، ولهذا افترق عنه أبسال وجاء الى الجزيرة التي يعيش فيها " حي " حيث يلتقيان ويبدأ ابسال بتعليم " حي " الكلام "، ولما تم له ذلك اكتشف ان ما توصل اليه حي بن يقظان هو نفسه الذي تقول به ديانته التي اتى بها نبي من الانبياء.. وراى أبسال في حي بن يقظان وليا من اولياء الله. ثم يحكي أبسال لحي حكاية الجزيرة التي اتى منها وكيف ان اهلها ياخذون الدين بظاهره دون تأويل لها، فضلا عن الطقوس واشكال العبادات،  ويعجب حي بن يقظان من كل هذا وينتقده ويرى ضرورة ان يذهب الى هذه الجزيرة لاقناع الناس برأيه وبث اسرار الحكمة لهم، ويتحقق له ذلك، لكن الناس سيسخرون منه، فهم فرحون بما لديهم، ويرى حي ان الجهالة قد غمرتتهم واتخذوا من الإله وسيلة لتنفيذ رغباتهم. ولهذا يقرر العودة الى جزيرته ومعه ابسال، تاركين قوم سلامان لحقائقهم الثابتة، ولاخلاصهم للجمود، ولديانة قد خلت منها الحياة.

يصف الباحث الاسباني " منتدث بيلايو " حي بن يقظان لابن طفيل بانها اعظم اثار الادب العربي اصالة وتفردا.. وقد ترجمت الى الانكليزية عام 1674 فاثارت اهتمام الكتاب والباحثين ويذهب البعض إلى ان كتاب ابن طفيل مارس تاثيرا كبيرا على رواية روبنسون كروزو للكاتب الانكليزي دانيال ديفو والتي نشرت عام 1719.

***

علي حسين – كاتب

رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

 

4064 عبد الراضي محمدما زلت أؤمن، بل ربما أكثر من أي وفت مضي، بأن عصر عمالقة الفلسفة الإسلامية لم يندثر، والدليل علي ذلك تلك الشخصية التي اكتب عنها الآن، والمتمثلة في الأستاذ الدكتور عبد الراضي محمد عبد المحسن تلك الشخصية الفلسفية التي تصدت بفكرها التنويري للفكر المتطرف وجماعاته الإرهابية، وكانت له مواقف وطنية، ودافع عن مصر عملا لا قولا فقط وحاول أيضا أن يحرر الفكر الإسلامي من قيود القراءات التقليدية والأيديولوجية وإعادة تفسيره وتأويله من منظور واقع الحداثة ونقله إلى فضاء معرفي جديد.

ولعل أول ما يجذبك – كما جذبني وغيري إلى شخصية الدكتور عبد الراضي محمد عبد المحسن، سمة الهيبة والوقار الذي يكسو ملامحه الشخصية الظاهرة، ويكشف عن باطن ثري، يعمر بإيمان قوي، وثقة بالنفس، وعاطفة جياشة، وسريرة نقية، وقلب صاف من الكدورات.

علاوة علي ذلك كانت لشخصيته تلك الجاذبية الخاصة والحضور الثري الذي يقيم بينه وبين تلاميذه وأصدقائه ومعارفه جسوراً من المحبة والاحترام والاحساس بالألفة العميقة . ومن هنا كان ذلك التأثير البالغ الذي تركه فيمن يحيطون به، والذي من الصعب أن يتحقق لو كان قد ترك من وراءه المئات من المؤلفات.

ولهذا فهو يستحق بحق أن يمثل دُرَّة  ثمينة من درر وقامات مصر العلمية والفكرية عامة وكلية دار العلوم  الكبيرة المشرفة خاصة.. يجيد اللغة الألمانية والانجليزية كتابة وتحدثا وكان فاعلا رئيسا في ترجمة القرآن الكريم الى اللغة الالمانية بمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف .. ومستشارا علميا للهيئة العالمية للتعريف بالنبي صلى الله عليه وسلم ونصرته برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة.. كانت رسالته للدكتوراه أول رسالة علمية فى مقارنة الأديان بجامعة القاهرة .. له من الأبحاث والدراسات  والمؤتمرات ما نافح وناظر به الفكر الغربي المتحامل على إسلامنا ونبينا وقرآننا في حوارات الأديان .. مدحضا حججهم .. مصدرا لهم فكره الإسلامي الرصين الصحيح .. ومازال عطاؤه الفكري والبحثي والعلمي  الإسلامي نهرا جاريا متدفقا .

كما يتميز الدكتور " الدكتور عبد الراضي محمد عبد المحسن " بأنه أكثر جرأة فى الرأي ‏وشدة فى اقتحام القضايا‎ ‎الأكثر حساسية مع تحليل خاص ‏للصحوة الدينية وتاريخ حركات الإصلاح الحديثة، ‏خصوصاً‎ ‎عندما يثور الحديث حول مرحلة التجديد التي ‏قادها الإمام "محمد عبده"، وأرسي دعائمها الشيخ مصطفي عبد الرازق، لتنقل عبر مسارين : المسار الأول وقد حمله قسم الفلسفة بجامعة فؤاد الأول من خلال طه حسين ، والمسار الثاني حملته كلية دار العلوم من خلال كوكبة عظيمة بدأت من محمود قاسم، ومحمد البهي ومحمد كمال جعفر، وعبد اللطيف العبد، ومحمد السيد الجليند،  وحامد طاهر، وعبد الراضي محمد عبد المحسن .. تلك الكوكبة التي حرصت دائما علي أن تؤكد لنا بأن الإسلام المستنير هو الذى يقدم ‏صحيح "‎الشريعة" واعتدال "الفقه" كما أنه هو الذى يحسم الصراع ‏بين الإسلام وخصومه وكل القوى‎ ‎الفكرية المعادية له ‏والمتربصة به،‎ ‎

وهنا لابد من الإشارة إلى جهده الرائع في تصحيح الصورة الذهنية الغربية حول الإسلام والتي تصدى لها بكل براعة بكتابييه: الرسول الأعظم في مرآة الغرب ، ماذا يريد الغرب من القرآن؟ وهو يكاد يستحضر بهذين الكتابين ويستكمل مسيرة الفيلسوف المصري الكبير عبد الرحمن بدوي عندما أبدع كتابيه : دفاع عن الرسول، دفاع عن القرآن.

وحول السيرة الذاتية لكاتبنا، فقد ولد عبد الراضي محمد عبد المحسن (مع حفظ الألقاب) في صعيد مصر، وتدرج في المناصب العلمية وحصل على درجة الماجستير بتقدير ممتاز من كلية دار العلوم جامعة القاهرة عام 1990 بعنوان «منهج شيخ الإسلام ابن تيمية فى دراسة النصرانية» ثم درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى من جامعة بامبرج الألمانية عام 1996 في موضوع (النبوة بين اليهودية والنصرانية والإسلام) وكانت أول دكتوراه في مجال علم مقارنة الأديان في جامعة القاهرة، يجيد اللغتين الألمانية والإنجليزية وهو أول متخصص في ترجمة القرآن الكريم للغة الألمانية بين دارسي الفلسفة والعلوم الإسلامية بجامعة القاهرة. عمل أستاذا للفلسفة الإسلامية 2012 وتولى رئاسة قسم الفلسفة ثم وكيل دار العلوم عام 2013 إلى أن تولى منصب عميد الكلية.

وقد نال المفكر الكبير عبد الراضي محمد عبد المحسن عضويات العديد من الجمعيات العلمية والهيئات الدولية، فهو عضو الجمعية الفلسفية المصرية منذ 1986 والمستشار العلمي لكرسي المهندس عبدالمحسن الدريس للسيرة النبوية ودراساتها المعاصرة بجامعة الملك سعود بالمملكة العربية السعودية منذ 2009، والمستشار العلمي للهيئة العالمية للتعريف بالنبي صلى الله عليه وسلم ونصرته، برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة 2011، ومدير مركز البحوث والدراسات الإسلامية بكلية دار العلوم 2012.

ولم يكن الدكتور عبد الراضي محمد عبد المحسن ممن يحرصون علي غزارة الإنتاج، بل كان في عمله العلمي يغلب عليه الكيف علي الكم، وكان في ذلك متسقاً مع نفسه تمام الاتساق، فقد كان يبحث دائماً عن النوعية من الحياة، ويعرف كيف يتذوقها ويُرضي بها حسه المرهف . ولكن لعل السبب الأهم في عزوفه عن الإنتاج الغزير، برغم قدرته عليه، هو أنه كان من ذلك النوع النادر من الأساتذة، الذين يلمعون ويمارسون أعظم تأثير لهم من خلال اللقاء المباشر بينهم وبين تلاميذهم، لا من خلال اللقاء غير المباشر عبر الكتب والبحوث؛ ومن الكتب المهمة له يمكن أن نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

١- نظرية الوجود لدى ابن حزم : هدفت الدراسة إلى الكشف عن منهج ابن حزم في تأسيس نظرية الوجود. وتناولت الدارسة الأسس والاطر المنهجية الحاكمة لصياغة نظرية الوجود لدي ابن حزم المتمثلة فيما يأتي: أولاً: رفض قياس الغائب علي الشاهد. ثانياً: الجدل " التفنيد والتثبيت". ثالثاً: توظيف التجارب المعملية. رابعاً: واقعية الاستدلال. خامساً: اليقينيات البرهانية مقدمة ضرورية لتأسيس نظرية الوجود. سادساً: الإفادة من الفلسفة. سابعاً: المساوقة بين العقل والنقل: فعلي الرغم من ولع ابن حزم بالفلسفة والمنطق انطلاقاً من قناعته بأهميتها في فهم وإدراك الحقائق، وعنايته بالعقل وحججه وبراهين وطرق الاستدلال العقلية؛ مما بلغ به حد القول بمعيارية علم المنطق، وعموم نفعه لكل العلوم فلا يوثق بعلم من لا يحسنه سواء أكان في الأصول أم في الفروع؛ إلا إنه لا يفضل العقل أو يقدمه علي النقل، بل يساوق بين النقل والعقل في نسق متسق ومنهاجية صارمة ودقيقة. واختتمت الدراسة بتوضيح إنه بجانب اختياره المنهج الملائم لتأسيس وتأطير نظرية في الوجود، فإن منهجه في تأسيس النظرية قد اتسم بباقة من السمات العلمية التي اهلت صاحبه ليكون واحداً من فحول الجدليين في مجال الفكر الوجودي ونظرياته، كما مكنته من أن يكون أول فقيه في تاريخ الإسلام يقوم بتشييد نظرية في الوجود؛ ليستكمل بذلك سلسلة اعماله ومناهجه الرائدة في تاريخ الفكر الإنساني، وهي: إنجاز أول كتاب موسوعي في تاريخ الأديان ونقدها، وتأسيس منهج النقد التاريخي للأديان والكتب المقدسة، وتأسيس منهج نقد النصوص المقدسة" النقد الداخلي للنص المقدس"، والوصول إلى بعض الآراء المبهرة في مجال نظرية المعرفة.

2- المعتقدات الدينية لدى الغرب، ويعد هذا الكتاب من المؤلفات الهامة للباحثين في مجال العقيدة بشكل خاص وسائر العلوم الفقهية والشرعية بوجه عام حيث يدخل كتاب المعتقدات الدينية لدى الغرب ضمن نطاق تخصص علوم العقيدة ووثيق الصلة بالتخصصات الأخرى مثل أصول الفقه والتفسير، والحديث الشريف، والسيرة النبوية، والثقافة الإسلامية.. ولهذا يحدثنا في الباب الأول عن المعتقدات الدينية اليهودية، ويبدأ الفصل الأول عن النبوة وماهيتها ومراتبها وأشكالها ومعاييرها، ثم يتناول في الفصل الثاني للحديث عن العهد القديم وقيمته التاريخية ويتطرق عن ال والنص والسند والمتن ويعرج في الفصل الثالث على المعجزة فيحدثنا عن مفهومها وأهم معجزات العهد القديم ومدى دلالة معجزات العهد القديم على النبوة.. الح.

3- ماذا يريد الغرب من القرآن؟.. وهو من الكتب القيمة لباحثي العلوم القرآنية بصورة خاصة وغيرهم من المتخصصين في العلوم الإسلامية بشكل عام وهو من منشورات مجلة البيان؛ ذلك أن كتاب ماذا يريد الغرب من القرآن؟ يقع في نطاق دراسات علوم القرآن الكريم وما يتصل بها من تخصصات تتعلق بتفسير القرآن العظيم، والكتاب يتميز بغزارة المعلومات، وشمولية العرض للموضوع الذي عالجه، باستخدام المنهج التاريخي المقارن في توثيق الأقوال والكتابات، والمنهج النقدي في تحليل هذه الأقوال والكتابات وتقويمها من مرجعية إسلامية.

من ميزات الكتاب، أن المؤلف متخصص في مجال مقارنة الأديان، ما أتاح له معرفة أكبر بدقائق المذاهب الغربية الدينية والفكرية، والتي سبق له أن أصدر فيها كتابا بعنوان “المعتقدات الدينية لدى الغرب”، نشره مركز الملك فيصل للبحوث. هذا بالإضافة إلى تخصصه الإسلامي. إذ إن التكامل في الخلفية المعرفية ساهم في قوة الطرح وسلاسته وعقلانيته وحجته الدامغة.. وفي الكتاب تعد الترجمة في نظر المؤلف وسيلة من وسائل الاتصال الحضاري والتأثير بين الأمم، وسبيل من سبل نقل المعارف والعلوم و الخبرات المختلفة من حضارة إلى أخرى، وقد كانت الترجمة في الحضارة الإسلامية أهم عوامل الحفاظ علي التراث العلمي والثقافي القديم، وتنقيحه، و تطويره، وقد كان القرآن الكريم من أوائل الترجمات التي عرفتها لغات الغرب الأوربي، وكذلك كان أكثرها من جهة حرص الغربيين على نقله إلى سائر اللغات الأوروبية، مما يثير العديد من التساؤلات حول سر اهتمام الغرب البالغ بترجمة القرآن الكريم.

4- مشكلة التأليه في فكر الهند الديني، وفي هذا الكتاب جاءت طريقة التناول تبعا لطبيعة المشكلة، فجاء البحث في مقامات ثلاثة كما يقول المؤلف تضمنتها مباحث ثلاثة مرتبة وفق القدم التاريخي لموضوعاتها، فتناول الأول مشكلة التأليه في الهندوسية في ثلاثة مطالب مبينا في المطلب الأول صعوبات البحث فيها، وفي المطلب الثاني أسباب الاختلاف حول مذاهبها، ولبن المطلب الثالث النزعات الأربع التي سلكها نسق التأليه الهندوسي : التجريد، والتجسيد، وتعدد الآلهة، ووحدة الوجود.. وتصدي الثاني لإشكالية التأليه لدي المفكرين الأحرار، فعرض لتيار الإلحاد المنكر للألوهية ن وبين موقف "بوذا" و" ماهافيرا" من الألوهية ونسقهما الخاص في التأليه.. أما الثالث فكشف النقاب عن حقيقة التأليه في البوذية والجينية بعد بوذا وماهافيرا.

4-  نبي الاسلام بين الحقيقة والادعاء، إن كتاب: (نبي الإسلام بين الحقيقة والادعاء) أحد أهم الكتب الإسلامية الرصينة التي أفرزتها حركة الدعوة، أو إنتاج دور النشر المختصة في العقود الأخيرة، وهو مجهود فكري هادئ موضوعي ينأى عن الحماسة والضجيج، ويقترب من الكتب الثقة الأم التي تناولت مثل هذا العنوان.. والكتاب يدخل في بؤرة اهتمام الباحثين والمتخصصين المهتمين بالدراسات العقائدية؛ حيث يقع كتاب نبي الإسلام بين الحقيقة والادعاء في نطاق تخصص علوم العقيدة والفروع ذات الصلة من حديث وعلوم فقهية وسيرة وغيرها من التخصصات الإسلامية..

٥- الرسول الأعظم في مرآة الغرب، إن هذا الكتاب يأتى فى إطار الاتجاه الذى عمل عليه في مجال بحوثه ودراساته ألا وهو تصحيح الصورة الذهنية للإسلام فى الغرب، تلك الصورة القاتمة التي تم تشويهها بواسطة أعمال العنف والإرهاب التى قامت بها ومارستها جماعات العنف والإرهاب بما أساء أبلغ الإساءات وأشنعها لنبىّ الإسلام، إلى جانب بعض الأغراض الدينية والسياسية لبعض الباحثين الغربيين التي دفعتهم إلى تجنيب الروح العلمية وموضوعية البحث عند تناول شخصية الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم وحياته ورسالته".. لذلك يقول الدكتور عبد الراضي: ( لقد  أخذت على عاتقي مهمة القيام بتصحيح الصورة الذهنية والمفاهيم المغلوطة والأفكار الخاطئة حول نبي الإسلام ورسالته، ثم تقديم جوهر تعاليمه ودعوته الإصلاحية والأخلاقية والمجتمعية، وكذلك أخلاقه الرفيعة فيما يخص القضايا والمسائل التي تستحوذ على عناية الغرب واهتمامه، وكذلك هي معيار التفاضل الحضاري والرقى بين الأمم، مثل الموقف من المرأة، والعنف المجتمعي، والتسامح والتعايش، وحرية الاعتقاد، ورعاية المسنين، والعناية بالطفل...إلخ.. وكل ذلك في إطار معالجة تناسب العقل الغربي وتخاطبه بلغته وثقافته التي يعرفها من اصطلاحات ونماذج وأصول علمية ومعرفية وثقافية وخلفيات دينية وفكرية ).

وثمة نقطة اخرى مهمة أود أن أوجهها لك عزيزي القارئ، وهو أنه إذا أردت أن تتعرف علي بعض جوانب وقدرة ومهارة الدكتور عبد الراضي عبد المحسن  في النقد والتحليل، وإذا أردت أن تتعرف علي براعته الفلسفية وطريقته الفريدة في البحث وراء معاني التصورات والمفاهيم في بحر الفلسفة العميق المترامي الأطراف، فعليك بقراءة فكره حول تجديد الخطاب الديني، فهو من المؤمنين بأننا في حاجة إلى الفلسفة في واقعنا المعاصر، وأن لها دور يمكن أن تؤديه الإصلاح الفكري المطلوب، حيث يقول :" في الحقيقة إن الفلسفة قد تفهم على غير معناها ودورها الحقيقي، لأن الفلسفة ليست لونا من الترف العقلي أو المماحاكات الجدلية عديمة الفائدة، لكن الفلسفة -في حقيقة الأمر- قوة فاعلة في المجتمع، تقدم له أفضل تصور ممكن لأهم قضاياه ومشكلاته، فضلا عن المنهج الذى يسير عليه في حل تلك المشكلات، لهذا كما قلنا فإن قوة بهذا التأثير قادرة على استخلاص مشكلات مجتمعنا المعاصر سواء أكانت مشكلات تتعلق بالدين وتجديد الخطاب الديني أم كانت مشكلة تتعلق بالآفات الأخلاقية والمشكلات المجتمعية، فكلا الأمرين جزء من مهمة الفلسفة، لأن الفلسفة غايتها إيجاد إنسان سعيد، لأنه إذا كان الدين يبحث ويفتش عن سعادة الإنسان لتحقيق هذه السعادة فى الدارين فمهمة الفلسفة أيضاً هي البحث عن السعادة للإنسان، وبالتالي هذه المراحل الباحثة عن السعادة تخليص الإنسان من مشكلاته ومن أزماته سواء كانت تتعلق بالفكر أم بالدين أم بالمجتمع أم بالأزمات الروحية.

وحول رؤية عبد الراضي محمد عبد المحسن في علاقة الفلسفة بالدين، فقد أكد أن هذا التوفيق كان أول مشروع قام على مسألة التوفيق بين الفلسفة والدين، هذا المشروع هو مشروع الفلسفة الإسلامية في ومضته الأولى عند "أبو يعقوب الكندي" وفى أعلى تجلياته لدى "ابن رشد" صاحب نظرية التوفيق بين «الحكمة والشريعة» التي صيغت فيما بعد فيما يسمى «الحقيقة المزدوجة» هذه المحاولة الهائلة للتوفيق التي لم تؤثر فقط في محيط الشرق الإسلامي ولكنها انتقلت إلى الغرب المسيحي واستقبلها «توما الإكوينى» ليصوغ بها نظريته فى عملية التوفيق وعملية إصلاح الفكر الغربي مما أثمر مدرستين فى الغرب «مدرسة رشدية» و«مدرسة لارشدية» إذن مسألة الصدام بين الفلسفة والدين هذه تمت معالجتها منذ القدم وبينوا أن الفلسفة غرضها سعادة الإنسان تماما، مثلما أن الدين غرضه سعادة الإنسان، ومن ثم فإن أي معالجات أو أي أفكار ومبادئ لا تصب في هذا الاتجاه، سعادة الإنسان وحل مشكلاته، فهي ليست أفكارا فلسفية وإنما تسمى سفسطة وليست فلسفة حقيقية.

وحول أهم العقبات التي تواجه الخطاب الإسلامي الوسطى وكيف يمكننا التغلب عليها ليكون هذا الخطاب الأكثر حضورًا وتأثيرا فيه؟.. قال الدكتور عبد الراضي أن أول عقبة تواجه الخطاب الإسلامي هي الصورة الذهنية الشائه التي تم رسمها لهذا الخطاب من خلال الخطابات المناوئة التي تتمثل في خطاب التنفير وخطاب التفجير، وخطاب التعصب الذى تمثله الخطابات الإيديولوجية لجماعات الإرهاب والتطرف، وبالتالي لابد من تصحيح هذه الصورة الذهنية، الأمر الثاني لابد من تصحيح المفاهيم التي تؤدى إلى تفخيخ المجتمع وبث ثقافة الكراهية فيه وعلى رأسها أدبيات الخوارج التي أخذتها التيارات الإرهابية التكفيرية المعاصرة، التى تتمثل فى تكفير الآخر وإقصائه وإلغائه واستحلال دمه وماله وعرضه، وهذا يشكل عقبة كبرى، لأن هذه الأمور قد أدت لبعض المنتمين لهذا الدين إلى مغادرة محيط الإيمان والتحصن بدعاوى الإلحاد واللجوء إليه لكى يحصنوا أنفسهم أمام هذه الازدواجية التي يرونها ما بين دعاوى تسامح حقيقية موجودة في هذا الدين ومحبة تقوم عليه، لأن هذا الدين رسوله قد جعل المحبة أساسا للإيمان لقوله صلى الله عليه وسلم: «لن تؤمنوا حتى تحابوا ألا أدلكم على شئ إن فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم».

تحية طيبة للأستاذ الدكتور عبد الراضي محمد عبد المحسن الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

***

أ.د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

صادق السامرائيالكتابة عن المعتزلة منتشرة في أرجاء الدنيا، والمقال يخص توجههم العقلي الذي سبقوا به البشرية قاطبة، فهم رواد تفعيل العقل ومنهج الشك، وسيكون مكثفا ومختصرا.

التوحيد والعدل، أو المعتزلة، حركة سياسية دينية فكرية فعّلت العقل وإتخذته منهجا للفهم، نشأت في البصرة في أواخر العصر الأموي، وإزدهرت في العصر العباسي حتى سنة (234) هجرية، ومؤسسها واصل بن عطاء (80 - 131) هجرية ، الذي جاء من المدينة المنورة، وتميز بذكائه وقدرته على الحفظ، وجرأته بطرح أفكاره وبفصاحته، ولديه صعوبة في نطق حرف الراء، فكان يتجنب الكلمات الرائية في أحاديثه.

وكان يحضر مجالس الحسن البصري في مسجد البصرة، وإختلف معه ذات يوم عندما قال: أن مرتكب الكبيرة، مؤمن وعاصي، فأجابه: ليس بمؤمن وعاصي، بل في منزلة بين منزلتين.

ومن حينها إعتزل مجلس الحسن البصري هو وعمرو بن عبيد (80- 144) هجرية، في زاوية المسجد، فقال الحسن البصري لقد إعتزلنا واصل.

وبرزوا في زمن المأمون والمعتصم والواثق، حتى أوقفهم المتوكل وأبعد (أحمد إبن أبي داؤد) الذي كان مسيطرا على الخلفاء قبله.

توفى واصل بن عطاء (39) سنة قبل ولادة المأمون (170 - 218) هجرية، الذي إتخذ مذهب المعتزلة نهجا للدولة. (أقول هذا للبرهنة على أنهم أطلقوا أفكارهم قبل إنشاء دار الحكمة ببغداد، وقبل ترجمات الفلسفة اليونانية)

والذي أزرى بهم تقربهم من السلطة، ففرضوا رأيهم بالقوة على الآخرين، وكان سيفا ذو حدين، ووبالا عليهم .

ومبادؤهم الخمسة: (الأزلية والألوهية، العدل، المنزلة بين منزلتين، الوعد والوعيد، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وهم أكثر من عشرين فرقة، ومنهم العمرية والهذلية والجاحظية والواصلية وغيرهم.

ويتميزون بالقدرة الخطابية، والتحليل العقلي، ويجادلون وينافشون، ويتحمسون لنشر الفكر، وأخلاقهم عالية، ولباسهم جيد وموحد، ويتصرفون بوقار.

يؤمنون بتقديم العقل على النقل، فالعقل هو الحاكم على الشرع، والقادر على معرفة الله، والصواب من الخطأ والحلال والحرام، والحكم للعقل، فهو أداة نقدية، أخضعوا له النصوص الدينية، فما يقبله مقبول، وما لا يتفق معه من النص للعقل الأولوية، فيجنحوا للتأويل للتعقيل.

وعندهم الله واحد ليس كمثله شيئ، فينزهونه عن الصفات، فالذات الإلهية شيئ واحد، والقول بصفة وموصوف تعني تعددها، فصفات الله هي عين ذاته.

والإنسان مسؤول عن أفعاله لكي يكون الحساب واقعا، ويملك الحرية في أفعاله ولا يجبره الله على الفعل لأنه صاحب عقل، والفاسق ليس بمؤمن وليس بكافر، ولا يكفرون مسلما ، وعندهم لا شفيع ولا توسط ولا معجزات ولا كرامات، ومن الواجب التدخل لمنع المنكر ولا يُستثنى أحد، الرئيس والمرؤوس، بالنصح والموعظة، والقوة جائزة في حالة توفر الظروف، فالتعرض للحاكم يجب أن يكون مقرونا بالقوة اللازمة لذلك لكي لا يرتد وبالا على القائمين به.

ومن مثالبهم الكبرى فرضهم على غيرهم القول بخلق القرآن، الذي تسبب بالمحنة (212 - 234) هجرية، التي راح ضحيتها أفذاذ العلماء والمفكرين، فالقرآن عندهم مخلوق، أوجده الله كغيره من المخلوقات، فلم يكن موجودا فأوجده الله الذي تكلم به وأنزله، وهو مرتبط بأحداث في زمن محدد، ومستحدث وليس أزليا، وآياته لمصلحة العباد، وهم مخلوقون ومصالحهم متغيرة، فيه آيات تنسخ آيات، وتخاطب الأنبياء بأساليب مختلفة.

ومن أدلتهم الآية "إنا جعلناه قرآنا عربيا"، وما هو مجعول مخلوق، ويُتَّهَمون بالترويج لبشرية القرآن.

كانوا رواد الفكر الحر والعقل، ولديهم القدرة على إنتاج الأفكار والرؤى الفلسفية الراقية، وسبقوا دخول الفلسفة اليونانية إلى العرب، فلهم الأسبقية الفكرية والعقلية، وليسوا صدى للقادم من اليونان.

وضعوا أدوات الجدل ومناهج العقل الذي له منزلة مقدسة عندهم، فهو الرسول الباطني داخل النفس الإنسانية لقيادتها نحو الحقائق، وحجة على الإنسان، ومظهر من عدل الله وحكمته، وله القدرة على التمييز بين الخير والشر، وقادر لوحدة على الوصول إلى الصلاح.

ويقدمون العقل على النقل، فأدلة العقل هي الأصل، وأدلة النقل مؤيِّدة للعقل، فهو القادر على معرفة حقيقة الله، والعقل أول الأدلة للفهم.

وبرعوا بالنقد والشك المنهجي القائم على الدليل العقلي، فالشك أول الواجبات ويوصل إلى اليقين عن طريق العقل، فكانوا سبّاقيين في تأسيس الشك المنهجي، على مستوى عالمي فسبقوا ديكارت والغزالي الذي ربما أخذ أفكاره ديكارت.

ومنهم الجاحظ، الزمخشري، العلاف، معمر بن عباد السلمي، بشر بن المعتمر، ثمامة بن الأشرس، أحمد بن خابط، الفضل الحدثي، عيسى بن صبيح، وغيرهم من الأعلام الذين حفزوا آليات التفكير وأيقظوا العقل من الخمود والرقود.

وما أحوج الأمة لثورة عقلية تزعزع مستنقعات السذاجة والقنوط!!

***

د. صادق السامرائي

 

ميثم الجنابيلا يزال ميثم الجنابي مفكرا مجهولا في الثقافة العربية، وهذا أمر طبيعي بمعايير "الزمن الثقافي". فالعراق موطن الجنابي يعيش حالة خراب تام على مستوى الروح والجسد منذ السبعينيات، والشام تعيش ذات الحالة لكن بنسب مختلفة. أما بقية الدول العربية فتعيش حالة استقلال زائف وتحلم بقوميات مستقلة وهمية. بالإضافة إلى العزلة الجبرية / الطوعية التي كان يعيشها الجنابي باعتباره ينتمي إلى الجيل العراقي المُهجر وزاد في عزلته وجوده في روسيا المستبعدة من الاهتمام العربي. واعتزاله الأجواء العراقية والعربية هناك قابله اندماج باطني بالعراق والعالم العربي يُظهره انشغال الجنابي بالكتابة المستمرة حولهما. لذلك، فالجنابي يتشارك المجهول مع غالبية المفكرين العرب الكبار المعاصرين والسابقين. وفي المجهول تكمن إمكانية التغيير والإبداع، وهذا يعتمد على سرعة ودقة اكتشافه. فبعد حوالي عشرة قرون لا يزال ابن عربي مجهولا، وتلاشت مع مرور الزمن الساري إمكانية الاستفادة منه على المستوى المباشر وبقي روحا يمكن التذاهن معها. فكما اعتاد الجنابي أن يردد؛ جوهر المثقف الكبير هو روح، أي ما يتبقى منه بعد تجرده التام من علائق زمنه وحياته الفانية. فالروح باقية في التاريخ، بينما الجسد ينحل في دورات الزمن اللانهائية. واللانهائي هو موت وليس حياة! وهذا لا يعني إهمال أهمية الجسد، وإنما العيش "بمعايير المطلق" أي ما سمته المتصوفة الفناء بالحق. فالفناء، بمعنى الانحلال الطبيعي للجسد هو أمر حتمي، لكن الفناء بالحق هو الوجود المُدرك، أي الفعل الواعي للأشياء. فلا أهمية هنا لغاية الوجود وإنما لكيفية الوجود. وعلى كلٍ، فإن الجنابي يمكن أن يكون فاعلا بالنسبة لنا على مستوى الروح والجسد لأنه فيلسوف ومفكر معاصر وفلسفته هي "فلسفة البدائل المستقبلية".

ولعل المهمة الأولى للتعرف على الجنابي تتحدد في التعرف على جميع أعماله ومن ثم محاولة تصنيفها. والجزء الأكبر من أعمال الجنابي منشور من قبل عدة دور نشر أغلبها عراقية لكن هناك جزء كبير من أعماله لم ينشر بعد ومن ضمنها كتابه الفلسفي التأسيسي "فلسفة البدائل المستقبلية" وهو أهم ما كتب. أما تصنيف أعمال الجنابي علميا فهو أمر ضخم ويحتاج دراسة مفصلة ولا أعتقد أن ذلك مهم الآن ونكتفي بتصنيفها على أساس مواضيعها، مع الأخذ بالاعتبار أنها كتابات فلسفية قبل كل شيء. وعلى هذا الأساس يمكن أن نوزعها على خمس مجموعات كبرى.

 المجموعة الأولى وتحتوي كتابه الضخم "فلسفة البدائل المستقبلية" وهو كتاب مؤلف من أربعة إلى خمسة أجزاء وهو الكتاب التـأسيسي والمحوري في جميع ما كتبه الجنابي. وكل الكتب والدراسات الأخرى التي كتبها الجنابي هي تطبيق منهجي للمنظومة الفلسفية في هذ الكتاب. كما أنها دراسات موسعة ومفصلة للمواضيع التي يتناولها الكتاب نفسه. وأكرر أن الكتاب ما يزال غير منشور حتى الآن. ويمكن إضافة كتاب "بوابة التاريخ الأبدي" على هذه المجموعة باعتباره كتاب فلسفي نظري وهو مقدمة في فلسفة الجنابي.

 والمجموعة الثانية هي الكتب والدراسات في الثقافة والشخصيات الإسلامية العربية وهي دراسات فلسفية أيضا لكنها تحقيق وتطبيق لمنظومته الفلسفية النظرية وهي مجموعة واسعة وتحتوي نفسها على دراسات مختلفة الحجم والغاية. وأذكر منها:

"التآلف اللاهوتي الفلسفي الصوفي عند الغزالي" أربع مجلدات

"محمد - رسول الإرادة"

"الإمام علي - القوة والمثال" والطبعة الأولى تحمل عنوان " التراجيديا السياسية للطوباوية الثورية"

"المختار - فلسفة التوبة والثأر"

"علم الملل والنحل"

"الحضارة الإسلامية - روح الاعتدال واليقين"

"حكمة الروح الصوفي"

"الأشباح والأرواح - تجارب المثقفين والسلطة". وهو مجلد مؤلف من أكثر من 700 صفحة وهو الجزء الأول من ثلاثية تتناول قضية "تجارب المثقفين والسلطة" في الثقافة الإسلامية والعربية المعاصرة عن طريق عرض وتحليل لمائة شخصية نموذجية. وفي الجزء الأول حلل الجنابي مواقف 34 شخصية إسلامية. أما الجزئين الثاني والثالث فلم يصدرا في حياة الجنابي وغالبا بقيا كمسودات غير مكتملة، بالإضافة لعدة دراسات منفردة تتناول شخصيات إسلامية لم تنشر بعد.

والمجموعة الثالثة هي دراساته وكتبه حول العراق. وهي أيضا تنتمي إلى الكتب التطبيقية لمنظومته الفلسفية رغم أنها تحتوي على فلسفة وطنية متسامية في حالات وعملية في حالات أخرى. وهي فلسفة مُعرضة للتقييم المباشر والسطحي غالبا لأنها تمس قضايا سياسية وزمنية حالية وهنا يكمن ضعفها شأن جميع التنظيرات العملية، رغم أن الجنابي حاول أن يبقي على الفكرة الفلسفية متسامية ونظرية بقدر الإمكان. وكتب الجنابي عن العراق كثيرة ولا أرى داعي لأن أذكر كل عناوينها. ويمكن أن تكون ثلاثيته "فلسفة المستقبل العراقي" هي الصيغة الأكثر تجانسا لما كتبه عن العراق.

والمجموعة الرابعة تحتوي على كتابه "وعي الذات العربي والبحث عن البدائل - دهاليز المرحلة التأسيسية". وهو كتاب مؤلف من مجلدين كبيرين. والكتاب يهدف إلى تأسيس لمرجعيات الفكرة العربية. وقد صدرت منه طبعات سابقة بعنوانين مختلفين: "الفكرة العربية المعاصرة -  فلسفة وعي الذات العربي" -  "فلسفة البدائل الثقافية".

 أما المجموعة الخامسة فتحتوي على ترجمة لكتاب المفكر الروسي دانيليفسكي بعنوان "روسيا وأوروبا" وكتاب "الاستشراق الروسي" و"الإسلام السياسي في دول أسيا الوسطى" و"الإسلام في أوراسيا" و"اليهودية والصهيونية في روسيا" و"روسيا- نهاية ثورة". وهناك كتب ودراسات وترجمات للجنابي باللغة الروسية. وهي كتابات تتناول الثقافة الإسلامية بغالبيتها وبعض الدراسات والترجمات التي قام بها الجنابي حول إيران وشخصيات إيرانية. ولا أعتقد أن الاطلاع على هذه الكتابات ضروري لفهم فلسفة الجنابي وتبقى مهمة تعريب هذه الكتب والدراسات مهمة مستقبلية.

 لقد حاولت بهذا التقسيم الأولي لكتب ودراسات الجنابي توحيد ما يبدو مشتتا في كتاباته بالإضافة إلى وضع خطة أولية تساعد على قراءته وبالتالي استيعاب ماذا يريد أن يقول. وهذا لا يعني أن الجنابي مثقف مشتت، على العكس! فالجنابي مثقف منظومي نادر قل مثيله على المستوى العربي والعالمي. لكن ضخامة المواضيع التي تناولها ألزمته بالموسوعية وأخرت منظومته المتكاملة بالظهور. لذلك لم ينته من كتابة كتابه الأساسي "فلسفة البدائل المستقبلية"، والذي عمل الجنابي حوالي ثلاثين سنة في كتابته، إلا قبل حوالي الشهر من وفاته بينما نشرت دراساته وكتاباته الأخرى بأزمنة مختلفة. وجميع ما كتب الجنابي مترابط ولا يمكن الفصل بينه إلا على مستوى المنظومة والتطبيق. لأن منظومة الجنابي كانت تتأسس جنبا إلى جنب مع تكامل دراسته وتقييماته المختلفة للماضي والحاضر. وليس علينا سوى ملاحظة عناوين دراساته المختلفة ومقارنتها بعناوين فصول كتابه "فلسفة البدائل المستقبلية" حتى ندرك أن الجنابي سعى منذ البداية لدراسة التاريخ (العربي الإسلامي خاصة) لإبداع منظومة فلسفية تاريخية. أي أن ما يميز الجنابي هو توازن النظرية والتحليل.

2

 وفلسفة الجنابي هي فلسفة تاريخية. وهي استكمال لفلسفة التاريخ بمختلف مدارسها وعند شخصياتها الرئيسية ونفي لها. وقد استعرض الجنابي في كتاب "بوابة التاريخ الأبدي" الشخصيات المرجعية في فلسفة التاريخ وهم القديس أوغسطين وابن خلدون وميكافيلي وهيغل وماركس ودانيليفسكي. ورأى في كل منهم معبر عن ذهنية المرحلة التاريخية التي عاش فيها بالإضافة لانتمائه القومي الثقافي الخاص. وقد والف الجنابي بين إنتاج هذه الشخصيات في فلسفته المستقبلية. ولعل ما قاله في نهاية مقدمة كتابه المذكور أنفا تعريف أولي ودقيق بفلسفته: "أما ما أسعى إلى تأسيسه فهو فلسفة للتاريخ تقوم في استمداد الفكرة السياسية ومقوماتها من التاريخ العام (قانون المسار التاريخي) والتاريخ القومي (منطق العقل الثقافي) بوصفها تجربة ثقافية ضمن هذا المسار، وليس العكس." إذا ففلسفة الجنابي فلسفة عملية رغم طابعها المتسامي والمثالي. فهي من جانب فلسفة تاريخية ومن جانب آخر فلسفة تاريخية سياسية. فالأولى فلسفة نظرية والثانية فلسفة عملية تنطلق من الأولى وتتمثلها قوميا. وفلسفة الجنابي تنطلق من رؤية مسار التاريخ بوصفه تآلف الطبيعي والماوراطبيعي في الثقافات العالمية ورؤية "المنطق الثقافي" بالنسبة لكل مرحلة تاريخية وثقافة خاصة. والمراحل التاريخية عند الجنابي هي "قانون المسار التاريخي" وهي سبعة، ثلاثة منها طبيعية أي أنها نتاج مباشر للتواجد الطبيعي (الصراع المادي بمختف جوانبه)، ومرحلتان عابرتان أي أن الطبيعي والماوراطبيعي يتفاعلان فيهما بوصفهما طور الانتقال الضروري من الطبيعي إلى الماوراطبيعي، واثنتان ماوراطبيعيتان أي أنهما محكومتان بالعقل بشكل تام. والمراحل هي على التوالي:

"المرحلة العرقية الثقافية

المرحلة الثقافية الدينية

المرحلة الدينية السياسية

المرحلة السياسية الاقتصادية

المرحلة الاقتصادية الحقوقية

المرحلة الحقوقية الأخلاقية

المرحلة الأخلاقية العلمية"

ومن الواضح، من أسماء المراحل التاريخية، أن الجنابي يشير إلى طبيعة ابتداء كل مرحلة تاريخية من حيث انتهت الأخرى، فكل مرحلة هي نفي لما قبلها. والنفي والإيجاب هي إحدى الثنائيات الأربعة التي من خلال تفاعلها ونتائجها يجري مسار التاريخ. وهي على التوالي:

"التشاؤم والتفاؤل

الفعل والخمول

النفي والإيجاب

الوجدان والعقل"

ومن خلال تحديد:

" اتجاه التفاؤل

وفاعلية الإرادة

وكيفية النفي

ومضمون العقل"

تتحدد معالم كل حضارة كبرى. إن هذه المراحل هي تقسيم هيكلي للتاريخ البشري ككل. وهي صيغة ومصطلحات معبرة عن المنهج الي اتبعه الجنابي في قراءة التاريخ حضاريا. وهنالك مصطلحات أخرى خاصة بتحليل الثقافة مثل: "المنطق الثقافي"-  "العقل الثقافي" (وهو مجموع "منطق الثقافة" + ثنائية "العقل النظري" و"العقل العملي") -  "الروح الثقافي"-  "الزمن الثقافي"-  "ثلاثية الملك والملكوت والجبروت" وغيرها من المصطلحات التي يستخدمها الجنابي في تحليل الثقافات الكبرى. ويمكن فهم هذه المصطلحات بدقة أثناء قراءة كتبه النظرية الكبرى. إن من وراء هذه المصطلحات والمفاهيم تكمن رؤية تاريخية تحلل الثقافة بدون إهمال تنوع الحضارات، أي المسار الكلي للتاريخ. وجوهرية الثقافة عند الجنابي لا تعني إهماله للوجود المادي في التاريخ وإنما اعتبار الثقافة الهيئة التي يتبلور فيها التاريخ البشري، وتعدد مراحلها الحضارية هو "مسار التاريخ" العالمي و"العقل الثقافي" للأمم هو كيفية حل كل أمة لإشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي ضمن المرحلة التاريخية (الحضارية) بشكلها العام. فالتاريخ عند الجنابي ليس عقل ولا روح وإنما حلقات في تطور العقل البشري، كما أنه "مادة وعي الذات وأسلوب الرؤية الواقعية وفرضيات البدائل المستقبلية". والمقصود بذلك هو مسار الانتقال من التاريخ الطبيعي إلى التاريخ الماوراطبيعي. أي التاريخ المحكوم بالفكرة المنطقية والعلمية. ويكمن الجانب العملي في فلسفته في تأسيسه لسياسة عالمية وقومية تستمد سلوكها من الفهم الصحيح لمسار التاريخ، مما يجعلها سياسة عقلانية وليست سياسة غريزية. كما أنها تسعى إلى الممكن وليس إلى المستحيل وهي غير محكومة بالمنطق المجرد وإنما بالمنطق الثقافي القومي و"قانون المسار التاريخي" العالمي. ولذلك لا يوجد فصل بين ما كتبه عن العراق والعالم العربي وبين ما كتبه عن الثقافة الإسلامية وبين دراسته للتاريخ العالمي. فكتاباته حول العراق كان تسعى إلى إبراز البديل وهو هوية "الاستعراق" في مواجهة الانحلال التام الحاصل في العراق. وفي كتاباته عن العالم العربي سعى إلى تأسيس المرجعيات الكبرى للفكرة العربية باعتبارها فكرة ثقافية خالصة، متجاوزة للفكرة القومية العرقية. وفي دراسته للثقافة الإسلامية سعى لبناء البديل العلمي للقراءة السطحية وبذات الوقت التأسيس المحكم لماهية التراث بوصفه الخلفية اللازمة والضرورية للبناء عليها. أما في دراسته للتاريخ العالمي فقد حاول فيها إبراز البديل التاريخي في مواجهة مصالح الزمن الساري، فالتاريخ يسير باتجاه تعايش المراكز العالمية الكبرى ومن ثم ذوبانها لكي تأسس لمركزية إنسانية عالمية كما يقول الجنابي. أي العمل بمعايير "الرؤية العقلانية" بدلا من "العقل الغريزي". وذلك كبديل لتغول المراكز الغربية على العالم وغياب المراكز الأخرى وخصوصا العالم الإسلامي مما يتيح "للعقل الغريزي" أن يبقى فاعلا في السياسة العالمية.

3

ويمكن رؤية الواحدية في فلسفة الجنابي في دراساته للشخصيات العالمية والإسلامية والعربية في مختلف أعماله. فمن الشخصيات العالمية نجد دراسته لكل من أوغسطين وهيغل وماركس وميكافيلي ودانيليفسكي وذلك في سياق تقديمه لفلسفة التاريخ. بينما كانت دراساته الإسلامية والعربية بمعظمها دراسات لعشرات بل مئات الشخصيات العربية والإسلامية ومن خلاها سعى الى دراسة وتحليل وتدقيق تطور المرجعيات الفكرية والروحية والفلسفية في التاريخ العربي الإسلامي القديم والمعاصر. ونجد ذلك في كتابه "الأشباح والأرواح" وفي الدراسات المستقلة لشخصيات إسلامية وعربية عدة، منها: كتاب بأربع مجلدات حول الغزالي ودراسة حول النبي محمد وعلي بن أبي طالب والجاحظ (غير منشور) وأبو حيان التوحيدي (غير منشور) والمحاسبي (غير منشور) وابن خلدون (عير منشور) والمختار الثقفي وهادي العلوي. بالإضافة لإمكانية وجود عدد آخر من الدراسات المستقلة غير المكتملة أو المصنفة في كتب. كما أننا نجد في كتابة "وعي الذات العربي والبحث عن البدائل - دهاليز المرحلة التأسيسية " دراسات لأغلب مؤسسي التيارات الثقافية في العصر الحديث، مثل تيار الإصلاح الإسلامي (وقد أفرد لذلك كتاب منفصل) ورجال النهضة الأدبية ومنظري الفكرة القومية والتيار الليبرالي والتيارات الإسلامية ومفكريها. كما أنه توقف عند بعض شخصيات التيار الماركسي وبعض مثقفي النصف الثاني من القرن العشرين. لقد كان اهتمام الجنابي بدراسة مئات الشخصيات الثقافية والسياسية الكبرى هو التمثيل المنهجي لرؤيته الفلسفية التاريخية الثقافية. لذلك فإننا نرى غياب الاهتمام المباشر بالتاريخ باعتباره سلسة أحداث سياسية واجتماعية متنوعة. فلم يكن التاريخ عند الجنابي سوى مراحل حضارية تتبلور في ثقافات كبرى وكل ثقافة كبرى مؤلفة من آلاف الشخصيات الثقافية الكبرى التي تبدع ضمن "منطق الثقافة" العام وتساهم في إبداع هذا المنطق معا. فإن كان اهتمامه بالشخصيات الفلسفية العالمية غايته تقديم مراجعة وكتابة مقدمة لفلسفته التاريخية فإن دراساته للشخصيات الإسلامية العربية ولاحقا دراساته للشخصيات العربية الحديثة كانت تهدف لتحليل الثقافة الإسلامية وتحليل "العقل الثقافي" العربي المعاصر. فهو يظهر هنا كمؤرخ للثقافة العربية الإسلامية. بل إننا في كثير من الأحيان ما نجد كتب الجنابي هي مراجعات معمقة ودقيقة لعشرات الكتب وسير ثقافية لعشرات الشخصيات، فهي أشبه ما تكون "بكتب الطبقات". إلا أن ما يميزها هو أن الجنابي لا يبحث في هذه الشخصيات لغرض التدوين والسرد (تاريخ الوقائع) بل لغرض تتبع تطور الفكرة الثقافية (تاريخ الحقائق). ويمكن مشاهدة ذلك في جميع ما كتبه الجنابي. ففي كتابه "علم الملل والنحل" نجده يدرس عشرات الشخصيات في هذا المجال لكنه ركز على ثلاث شخصيات كبرى منها، وهي كل من الأشعري وابن حزم والشهرستاني. وقد وجد في كل منهم مرحلة في تطور علم الملل والنحل. فإن كان ما يميز الأشعري هو أمانته في نقل أراء الفرق كما يستنتج الجنابي، فإن ابن حزم هو أول من بلور صيغة النقد المقارن في علم الأديان رغم أن نقده لا يخلو من تحزب مذهبي. بينما كان الشهرستاني هو أول من استخدم منهج علمي دقيق وقدم نظرية فلسفية في ذلك مما جعله يدرس تطور الفرق الإسلامية بحيادية شبه مطلقة وقد أضاف إليها أهل الأهواء، أي الفلاسفة المهتمين بالإلهيات. مما جعل الجنابي يرى في الشهرستاني أعلى درجات علم الملل والنحل ويعتبره أحد أكبر الشخصيات الثقافية والعلمية في الثقافة العربية الإسلامية. وقد استكمل الجنابي دراسته هذه بدراسة لاحقة بعنوان "الثقافة الإسلامية - روح الاعتدال واليقين". وهي دراسة تستعيد ذات التحليل الذي قدمه هناك لكن في سبيل دراسة تطور مرجعية الاعتدال الإسلامي الذي وجد أبرز صوره العلمية النظرية في علم الملل والنحل وعلم طبقات الأمم. وتتميز جميع دراسات الجنابي لهذه الشخصيات بالتكرار وعدم الثبات في تناول الشخصية، وهذا لأن الجنابي كما ذكرت، يتناول تطور الفكرة لا الشخصية بحد ذاتها مما يجعله يقارن بين الشخصيات في كل فصل في جانب مختلف. ويمكن رؤية ذات المنهج والحالة في دراسته للإصلاحية الإسلامية وحصرها في شخصيات الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي. فهو يستخدم ذات المنهج والأسلوب الذي اتبعه في دراسة علم الملل والنحل. ويستخدم الجنابي ذات الأسلوب والمنهج في دراسة الشخصية الواحدة أيضا. فبدلا من دراسة الشخصية ككل وسرد لأفكارها ومآثرها فإنه يعرض الإبداع الكامن في الشخصية المعنية من عدة أبعاد مما يوسع الإمكانيات في رؤية الجوانب المختلفة فيها، وفي ذات الوقت يدقق في مدى عمق إبداعها في كل جانب. ويمكن رؤية ذلك بوضوح في دراسته للنبي محمد وهي من أهم ما كتب. وهي المعبر عن رؤيته التاريخية وتطبيقها المنهجي في دراسته لبدايات ظهور "المرحلة الدينية السياسية". فقد رأى في محمد "رسول الإرادة" وهي رؤية تنزهه عن رؤية التقديس الديني المزيف. فينفي ظاهرة المعجزة الإلهية بالمعجزة الإنسانية المتمثلة بإرادة التوحيد الشامل الذي أبدعه وتمثله محمد. فقرآن محمد هو الرد الشامل على مرجعيات الجاهلية الروحية. فالأزل الذي أظهره الإسلام هو النفي للدهر الجاهلي الذي لا بداية له ولا نهاية. أي أنه زمن بلا تاريخ كما يقول الجنابي. زمن خالي من تراكم المجهود الإنساني مما يمنع ظهور المرجعيات/المنظومات. فالتاريخ يحتوي الزمن باعتباره جزء منه لكن ليس من الضرورة أن يحتوي الزمن على تاريخ. وقد بين الجنابي أن مرجعيات الله والأبد والأزل والوعد والوعيد والأمة والجماعة والحق هي النفي الشامل لطابع التشتت الجاهلي روحيا وطبيعيا (ماديا). ولذلك فقد جعل من الكتاب قسمين: "إرادة الروح" و"روح الإرادة". فقد أراد بالأول إبراز المعاناة الروحية في تبلور المرجعية الروحية عند محمد. بينما أراد في الثاني إبراز شكلها الذي تبلورت فيه. وهي استعادة لثنائية مكة والمدينة لكن بقراءة فلسفية تتجاوز الفصل المكاني والزمني والتاريخي المباشر إلى إظهار الوحدة الداخلية والتناغم في الشخصية المحمدية. بينما نجد في كتاب "الإمام علي - القوة والمثال"، وهو أول كتاب ألفه الجنابي، الحدس الأولي عنده لأهمية ومركزية المرجعيات الروحية الفاعلة بالثقافة الإسلامية وهي الفكرة التي ستتحول إلى فكرة مركزية في منظومة الجنابي الفلسفية. فلقد رأى بالإمام علي أكثر من شخصية تاريخية وأعمق من شخصية ميتافيزيقية أو رمز ثوري. لقد رأى بالإمام على مرجعية روحية طوباوية بقيت فاعلة في وجدان الثقافة الإسلامية حتى وفاتها. ولم يتخل عن استنتاجه هذا حتى في نهاية حياته. فقد ذكر باستمرار أن علي بن أبي طالب بالإضافة للغزالي وابن عربي هم أهم ثلاث شخصيات أفرزتها الثقافة الإسلامية. لم يرد الجنابي بذلك أن يضيف هالة جديدة من التقديس على شخصية الإمام وإنما أراد أن يضعه في موضعه الصحيح في تاريخ الثقافة الإسلامية. فالإمام علي ليس مجرد مثال فردي نموذجي كما يرى الجنابي وإنما نقطة تحول وممثل لبداية صراع "الأرواح والأشباح" في الثقافة الإسلامية. فهو أول من جعل الحق مقياسا ومرجعية له، مما يجعله أكثر من تلميذ للقرآن ومحمد.

5

بينما كان كتابه عن هادي العلوي دراسة تقييمية لمكانة العلوي بالوجدان الثقافي العربي والعراقي. وقد عنون الكتاب "هادي العلوي - المثقف المتمرد" وفي المقدمة تساءل: "إلهي! من أي طينة خلقته؟" وأجاب: "من خيالي!" وهو تساؤل وإجابة تختصران محتوى الدراسة. فقد أراد الجنابي أن يبرز جانب الروح المتسامي الذي امتلكه العلوي وهو روح في زمن أشباح، بل قد يكون أحد أنقى أرواح الثقافة العراقية والعربية الحديثة. فبالرغم من حاجة الثقافة للمثقف المنظومي فهي بحاجة لحدس المثقف الوجداني لأنه يؤسس ويوسع لمدى قابليتها على الإبداع الفكري وربطه بالقيم الأخلاقية. فالعلوي ممثل للوجدان الأخلاقي المتسامي عن شكليات الثقافة الأكاديمية والعلمية والمندفع في حل إشكاليات الثقافة عمليا. وهو مسلح بموسوعية هائلة بكل ما يخص التراث الإسلامي. وهذا ما دفع الجنابي أن يقول أن أغرب شطحات العلوي كانت يقين في يقين. لأنها شطحات محكومة بهم أخلاقي كبير. لقد رأى الجنابي في هادي العلوي أحد أندر الشخصيات التي تماهت مسيرتها الفكرية مع سلوكها العملي ومصيرها الفردي، مما جعله يتجنب دراسة مسيرة العلوي الفكرية بمعايير العلم التاريخي لأنها ستصدر عليه أحكاما ظالمة. وجعل مهمته تكمن في إظهار عملية "الاحتراق الذاتي" التي عاشها العلوي في مجرى حياته. ولعل العلوي هو أحد أكبر الشخصيات تأثيرا على الجنابي. فقد كان العلوي قابعا في وجدان الجنابي في معظم كتاباته. فلا شك أن شخصية العلوي "القطب" الثقافي والأخلاقي قد لامست قلب وعقل الجنابي المهتم بالتصوف وأقطابه. خصوصا أن العلوي كان في مرحلة ما "قطب" المثقفين العراقيين في المهجر (الشام). كما يجمع بين الإثنين أفكار وهموم مشتركة. فقد أراد الجنابي عنونة الجزء الثاني من كتابه "الأشباح والأرواح" "بالمثقف الكوني". و"المثقف الكوني" مفهوم كان قد أسس له العلوي بشكل أولي قبل وفاته وقد حاول تمثله بنفسه. ولا ندري إلى أي مدى أراد الجنابي أن يتوسع في هذه الفكرة، لكننا نجد في الجزء الأول من الكتاب تركيز الجنابي على ثقافة المعارضة في مواجهة السلطة. وهي فكرة كان قد أسس لها العلوي في شخصية "المثقف الكوني". ولعل الفكرة الجوهرية المشتركة بين العلوي والجنابي هي نظرتهما للإسلام باعتباره "ثقافة" أوسع من الفكرة الدينية، وأن الدين جزء منها. ويمكن أن نضع مقارنة بين العلوي والجنابي بمعايير تطور الثقافة، فيكون العلوي ممثلا للحدس الأولي الذي يتحسس الفكرة دون القدرة على بلورتها في صيغة علمية، بينما يكون الجنابي الممثل للرؤية الفلسفية التي تبلور الحدس الأولي في منظومة ورؤية متكاملة. ولا أقصد هنا وجود علاقة تلمذة تربط الجنابي بالعلوي بالمعني العلمي وإنما تتابع وتطوير للأفكار والهموم المشتركة. وقد يكون هادي العلوي حلقة وصل بين دراسة الجنابي لشخصيات وأحداث التاريخ الإسلامي وبين شخصيات الحاضر العربي والعراقي. ففي العلوي استمرارية "الروح" الثقافي العربي الإسلامي في الحاضر العربي. ولعلنا نرى ذلك أيضا في كتابه حول المختار الثقفي "المختار - فلسفة التوبة والثأر". فهو كتاب موجه للحاضر العراقي أكثر منه دراسة تاريخية. فقد جعل مضمونه يتداخل فيه تاريخ التشيع وتاريخ الهوية العراقية وهما مستويان متداخلان وكلاهما ما يزلان فاعلان بالحاضر. فلا شك أن الجنابي نطر بعين إلى العراق أيام المختار وبعين أخرى إلى العراق بعد سقوط البعث (2003- 2007). بمعنى أن "فلسفة التوبة والثأر" ضرورية ومفهومة في الحاضر كما في الماضي وأنها الرد الطبيعي (العراقي) على سنوات القمع الدموي الأموي/البعثي. وكأن الجنابي أراد أن يرى المنظومة التي كانت تتراكم خلف فوضى الحرب الأهلية العراقية. وأن سنوات "التوبة والثأر" الشيعية ستلحقها سنوات التشيع المنظومي القادر على إعادة بناء نفسه وبالتالي إعادة بناء العراق. ولا تنفصل رؤية الجنابي حول واقع التشيع في العراق عن واقع الظاهرة الإسلامية ككل. ابتداءا من هذا الكتاب وما سيلحقها من كتب ومقالات حول العراق يمكننا تحسس نمو "البديل" الذي كان يتراكم في ذهنية الجنابي. وليست المهمة هنا في تتبع تطور الفكرة عند الجنابي وإنما التعامل الحذر مع ما كتبه الجنابي حول العرق باعتبارها كتابات تتعامل مع الحاضر والمستقبل وإمكانية تهشمها أمام تقلبات الواقع. وهي كتابات تسعى إلى بناء هوية عراقية جامعة. ولها عدة مستويات تاريخية وسياسية واجتماعية مختلفة. ولعل هذا ما تحسسه الجنابي نفسه، فسعى إلى التحليق بفلسفته (فلسفة المستقبل العراقي) فوق الواقع المادي المذري للعراق. بمعنى أن العراق لا يحتاج إلى بديهيات تُنظر له كيفية البناء المادي وإنما يحتاج إلى بديهيات/مرجعيات "الهوية" التي يمكن الاتفاق حولها من أجل تأسيس الدولة. ولا يختلف الأمر بالنسبة للعالم العربي. ويمكن أن نرى مستوى التداخل بين موضوع العالم العربي المعاصر والمواضيع الأخرى التي تناولها الجنابي بالتحليل والدراسة. فدراسته لشخصيات الثقافة العربية المعاصرة هي جزء من موسوعته عن المثقفين "الأشباح والأرواح". وبديله الثقافي العربي هو جزء من "فلسفة البدائل المستقبلية" وكذلك علاقات العالم العربي ومكانته في العالم الإسلامي هي جزء ونتيجة لاهتمامه الكلي بالإسلام. بمعنى أن جميع ما درسه الجنابي مترابط من حيث الغاية والنظرية والمنهج. 

5

إن جميع ما كتبته هنا هو استعراض جزئي وأولي لكتابات وفلسفة الجنابي وهو لا يخلو من أخطاء وسطحية في عرض أفكار ومنظومة الجنابي. لكنها كتابة تسعى إلى التعريف بالجنابي باعتباره أحد المفكرين العرب القلائل المبدعين لمنظومة شبه متكاملة في قراء التاريخ. بل ربما يكون هو الوحيد وأول صاحب منظومة سواء في فلسفة التاريخ أو فلسفة الفكرة العربية باعتبارها فلسفة قومية ثقافية. وقد تكون قراءة والتعرف على أعمال الجنابي من المهام الرئيسية للقارئ والباحث العربي. فالمهمة التي تواجه الثقافة العربية الآن هي مهمة البحث عن أصول مؤسسة للوعي النظري العلمي والثقافي والفلسفي. أما مهمة نقد وتجاوز الجنابي فهي مهمة غير ضرورية وليست مهمة مستعجلة ولا يمكن أن تنجز قبل هضم واستيعاب ما كتبه الجنابي. مما يعني أنها مهمة المستقبل البعيد وغير المنظور حاليا. رغم أن الاحتمالات الأقرب للواقع التي تواجها أعمال الجنابي هو التجاهل شبه التام أو إمكانية ظهور النقد الرخيص المتلذذ باستخدام مناهج تفكيكية لا يدرك خطورة استخدامها في نقد الأفكار المؤسسة لمرجعيات ثقافية وفلسفية. فهي تحول أي فكرة فلسفية إلى تنظير سياسي أو نفسي، بينما يتحول التنظير السياسي إلى صيغة أيديولوجية بنظرها. وهي لا تدرك الفرق بين التنظير السياسي باعتباره رسم ملامح الطريق المستقبلية في تأسيس وتطوير الدولة وبين الصيغ الأيديولوجية باعتبارها عقائد مغلقة تهيمن على الفكر السياسي وذهنية الجماهير. فالأولى هي فكرة مستقبلية بينما الثانية تحويل للتاريخ إلى زمن. والاحتمال الثالث هو بقاء الجنابي كفكرة مستقبلية كفلسفته وهو الاحتمال الأكثر واقعية وأكثر إثارة.

***

بيان محمد اليوسف

في تاريخ الإسلام هجرتان؛ هجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة فراراً من أذى مشركي قريش، وهي أكثر وقائع السيرة النبوية في سياقها التاريخي جدلاً، وأخصبها حديثاً. والمستقرئ للسيرة النبوية يدرك أن دوافع الهجرة إلى الحبشة ليست خافية، كما أن تحديد مكانها ـ أي الحبشة ـ يدل على وعي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وسعة إدراكه بأساليب المشركين في مواجهة الدعوة الإسلامية. ولقد اختار الرسول (صلى الله عليه وسلم)  الحبشة مكاناً للهجرة بعد أن تأكد أن النجاشي حاكم الحبشة ملك عادل لا يظلم عنده أحد. ولقد أشار الرسول (صلى الله عليه وسلم)  إلى عدل النجاشي بقوله لأصحابه: " لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد ".

ـ الهجرة الأولى.. دوافع ونتائج:

و حديث هجرة المسلمين إلى الحبشة لأمر شائك وشيق أيضاً؛ فالدوافع إلى الهجرة معلومة ويمكن للناظر حصرها في بعدين لهما ثالث هما؛ الاضطهاد الديني، والتعذيب والتكيل بالمسلمين. ولكن هناك سبب ثالث مهم جدير بالذكر والاهتمام، وهو نشر الدعوة خارج مكة، وهذا ما أشار إليه المؤرخون، حيث أشاروا إلى  أن الرسول r كان يبحث عن قاعدة أخرى غير مكة، قاعدة تحمي هذه العقيدة وتكفل لها الحرية، ويتاح فيها أن تتخلص من هذا التجميد الذي انتهت إليه في مكة، حيث تظفر بحرية الدعوة وحماية المعتنقين لها من الاضطهاد والفتنة ".

إن واقعة هجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة فراراً من أذى مشركي قريش، لمن أكثر وقائع السيرة النبوية في سياقها التاريخي جدلاً، وأخصبها حديثاً. والمستقرئ للسيرة النبوية يدرك أن دوافع الهجرة إلى الحبشة ليست خافية، كما أن تحديد مكانها ـ أي الحبشة ـ يدل على وعي رسول الله r وسعة إدراكه بأساليب المشركين في مواجهة الدعوة الإسلامية. ولقد اختار الرسول r الحبشة مكاناً للهجرة بعد أن تأكد أن النجاشي حاكم الحبشة ملك عادل لا يظلم عنده أحد. ولقد أشار الرسول r إلى عدل النجاشي بقوله لأصحابه: " لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد ".

ولأن الفلسفة الكامنة وراء فكرة هذا الكتاب لا تعني مباشرة بذكر أحداث السيرة النبوية وتفاصيلها التاريخية فإننا سنلقي بعض الضوء على بعض الوقائع المرتبطة بحادثة الهجرة إلى الحبشة.

وهجرة المسلمين إلى الحبشة مثيرة وجاذبة للعقول؛ فالدوافع إلى الهجرة معلومة ويمكن للناظر حصرها في بعدين لهما ثالث هما؛ الاضطهاد الديني، والتعذيب والتكيل بالمسلمين، ولكن تفاصيل ما قبل الهجرة وأثنائها قد يحيطها قدر من الغموض، وربما نجد عتمة ونحن نتلمس أطراف هذه التفاصيل في سيرتي ابن إسحاق وابن هشام.

ولكن هناك سبب ثالث مهم جدير بالذكر والاهتمام، وهو نشر الدعوة خارج مكة، وهذا ما أشار إليه الأستاذ سيد قطب في كتابه " في ظلال القرآن "، حيث قال: " ومن ثم كان يبحث الرسول r عن قاعدة أخرى غير مكة، قاعدة تحمي هذه العقيدة وتكفل لها الحرية، ويتاح فيها أن تتخلص من هذا التجميد الذي انتهت إليه في مكة، حيث تظفر بحرية الدعوة وحماية المعتنقين لها من الاضطهاد والفتنة ".

وهذا يجعلنا نسلم بالقول بأن هجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة كانت لمهمة سامية لنصرة الدين الإسلامي وتوسيع نطاقه خارج شبه الجزيرة العربية.

ولكن يمكننا أن نقول في شأن هذه الهجرة أن معظم من هاجر إلى الحبشة لم يكونوا من أثرياء مكة، لذا قد لم تتح لهم فرصة السفر والترحال خارج مكة، ورغم أن هذه الملاحظة قد يراها البعض عيباً وقصوراً، إلا أن قلة الخبرة بالسفر جعلت هؤلاء المهاجرين الكرام يرون في هجرتهم مكرمة أولاً لأنهم يفوزون بدينهم بعيداً عن مشركي مكة، كما أن قلة الأسفار قد تكون فضلاً عند هؤلاء، لأنهم لم يخالطوا من قبل أخطار السفر والترحال والهجرة فمن ثم تكون نفوسهم وأفئدتهم مطمئنة بعض الشئ لما لم يخالطونه من مصاعب تقترن والسفر والهجرة والانتقال إلى أماكن بعيدة.

وقلة الثراء لم نكن نشير إليها لإلصاق عيب بصحابة رسول الله r، فلن يكون منا هذا أبداً، ولكن للتأكيد على أمر بالغ الأهمية، فمعظم من سافر إلى الحبشة لم يجيئها تاجراً أو كرجل موسر، إنما جاءها بدينه الذي هو عصمة أمره، وهو محض نجاته من الشرك والوثنية، وكفى بالله رفيقاً وسنداً، كما أن عظمة التمسك بدين الله تفوق عظمة امتلاك المال والنفوذ والقوة بالجاه والعتاد، وكان هذا سر نجاح هجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة.

ويمكننا أن نتلمس عبقرية أخرى لرسول الله r في اختياره للحبشة مكاناً للهجرة، وهي أن الحبشة كانت تعتبر مركزاً مهماً من مراكز التجارة، وهذا سيساعد المسلمين في العمل بعدما ضن عليهم اكتساب العيش والرزق في مكة نتيجة اضطهاد المشركين.

ـ الغرانيق العلا:

وقف المستشرقون طويلاً أمام حديث الغرانيق، ولا شك هي وقفة حقد وكراهية للإسلام ورسوله وللمسلمين كافة، حتى حينما سئل ابن إسحاق عن حديث الغرانيق قال: " إنه من وضع الزنادقة ".

ففي رمضان سنة خمس من تاريخ النبوة، أي بعد هجرة المسلمين بحوالي ستين يوماً خلت خرج رسول الله  r إلى المسجد الحرام، وكان حول الكعبة نفر كبير من قريش، وكانت قد نزلت على رسول الله r سورة النجم، ولا شك أن قصة الغرانيق قصة ملفقة، ومتهافتة، دسها من دس حقداً وغلاً على الإسلام والمسلمين، وهي تعد بحق من الأساطير الخرافية التي لا ولن تليق بصاحب العصمة رسول الله r، وتتلخص في أن رسول الله r قرأ على هؤلاء النفر سورة النجم حتى بلغ قوله تعالى:) أَفَرَأَيْتُمْ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى (20) ((سورة النجم / 19 ـ 20)، وقرأ بعدها r:" تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى "، قال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، ولقد علمنا أن الله يرزق ويحيي ويميت ولكن آلهتنا تشفع عنده، فلما بلغ السجدة سجد، وسجد معه المسلمون والمشركون كلهم على السواء، إلا شيخاً من قريش؛ رفع إلى جبهته كفاً من حصى فسجد عليه.

ومعظم من ذكر هذه الأسطورة يقول إن رسول الله r لما قالت قريش: " أما جعلت لآلهتنا نصيباً فنحن معك "، كبر عليه ذلك فجلس في بيته حتى أمسى، ثم أتاه جبريل (عليه السلام) فقرأ عليه سورة النجم، فقال جبريل (عليه السلام): أو جئتك بهاتين الكلمتين ؟، يقصد تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى، فحزن الرسول r حزناً شديداً، وخاف من ربه، فأنزل الله عليه:) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) ((سورة الحج / 52).

والمستقرئ لهذه الواقعة التي لا تخرج عن كونها أسطورة من الأساطير الخرافية يتأكد على الفور أنها قصة ملفقة ومدسوسة على أكرم الخلق أجمعين، ويجدها تخالف العقل والمنطق والتاريخ والسياق النبوي نفسه.

فالقاطع للشك أن الله تعالى أخبرنا بأنه تعهد حفظ قرآنه من أن يدخل عليه ما ليس منه، يقول تعالى:) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) ((سورة الحجر / 9).

ونعلم أنه ليس للشيطان حظ ونصيب من المؤمنين، فما بالكم برسول الله r، يقول الله تعالى في كتابه العزيز:) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ (83) ((سورة ص /82 ـ 83). وكيف هذا، ورسول الله r هو القائل  لو وضعوا الشمس في يمينه والقمر في شماله على أن يترك هذا الأمر أو يموت دونه ما فعل.

والحجة الأخيرة التي نوردها ونحن في سياق الحديث عن قصة الغرانيق، تتعلق بصاحب السيرة r، فالعارف بالرسول r وحياته وصفاته وشمائله ومكارم أخلاقه يأبى صحة هذه القصة الملفقة الباطلة. فهو منذ طفولته، ومروراً بصباه وشبابه لم يجرب عليه الكذب قط، وحادثة جبل الصفا معروفة وقد تم ذكرها في ثنايا هذا الكتاب من قبل، وكان صدق النبي r مسلماً به عند الناس كافة، فهل يُعقل أن هذا الرجل الذي عُرِف بالصادق الأمين أن يقول على ربه ما لم يقل ؟.

وهل من الطبيعي أن مثل هذا الرجل بصفاته وصنائعه وطباعه يخشى الناس والله أحق أن يخشاه ؟ إن ما جاءت به قصة الغرانيق التي دسها من دس لضرب من المستحيل، ولو فكر بعض الحاقدين على الإسلام ورسوله قليلاً كيف يقول هذا رسول الله r بعد عشر سنين من بعثته، وبعد أن احتمل هو ومن معه كل صنوف وفنون الاضطهاد والتعذيب والتنكيل والمقاطعة، وقطع سبل العيش والحصار الاقتصادي.

والمنافقون الذين يربطون بين قصة الغرانيق وبين عودة المهاجرين من الحبشة، لم يعوا ويدركوا أن السبب الحقيقي والرئيس لتلك العودة هو نصرة الإسلام وعزته بإسلام حمزة وعمر بن الخطاب (رضي الله عنهما)، حتى اضطرت قريش بقوتها وبطشها إلى مهادنة المسلمين، وحينما علمت قريش بعودة المهاجرين من الحبشة، أدركت أن شوكة الإسلام ستقوى ويعظم أمرها، ومن هنا فكرت ودبرت وضع الصحيفة التي قرروا فيها ألا يناكحوا بني هاشم، ولا يخالطونهم، كما أجمعوا أن يقتلوا رسول الله r إن استطاعوا ذلك، والله حافظٌ لنبيه. وهذا يجعلنا نسلم بالقول بأن هجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة كانت لمهمة سامية لنصرة الدين الإسلامي وتوسيع نطاقه خارج شبه الجزيرة العربية.

ـ الهجرة النبوية.. عهد جديد:

وهجرة ثانية وهي الهجرة الخاصة بالرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة المنورة، وكانت هجرته خالصة لوجه ربه سبحانه وتعالى مخلصاً فيها، فهيأ الله له إخلاصه وإخلاص صديقه أبي بكر الصديق (رضي الله عنه)، وهيأ الله لهما التوفيق في الهجرة. وحين عزم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على ترك مكة إلى المدينة، ألقى الوحي الكريم في قلبه وعلى لسانه هذا الدعاء الجميل: (وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيرا) (سورة الإسراء: 80).

ولعل خير خبر عن حادث الهجرة وأصدقه ما رواه الصديق أبو بكر بنفسه، ولما لا، فعن أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها وعن أبيها) أنها قالت: كان لا يخطئ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يأتي بيت أبي بكر، أحد طرفي النهار إما بكرة، وإما عشيا، حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه رسوله في الهجرة والخروج من مكة من بين ظهري قومه. أتانا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالهاجرة، في ساعة كان لا يأتي فيها.

قالت: فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في هذه الساعة إلا لأمر حدث. فلما دخل، تأخر أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وليس عند رسول الله أحد إلا أنا وأختي أسماء، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أخرج عني من عندك ! قال: يا رسول الله، إنما هما ابنتاي. وما ذاك ؟ فداك أبي وأمي.

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): إن الله قد أذن لي بالخروج والهجرة. فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله ؟ قال: الصحبة. قالت أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها وعن أبيها): فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أباً بكر يومئذ يبكي.  ولقد روى الصديق أبو بكر ما جرى ليلة سرى مع الرسول (صلى الله عليه وسلم) وهو ما جاء في حديث البراء بن عازب (رضي الله عنه).

فقال: " أسرينا ليلتنا، حتى قام قائم الظهيرة وخلا الطريق فلم يمر فيه أحد، حتى رفعت لنا صخرة طويلة لها ظل، لم تأت عليها الشمس بعد فنزلنا عندها، فأتيت الصخرة، فسويت بيدي مكاناً ينام فيه رسول الله  (صلى الله عليه وسلم) في ظلها، ثم بسطت عليه فروة، ثم قلت: نم  يا رسول الله وأنا أنفض ما حولك "  (أي أحرسك وأطرف هل أرى خبراً).

فنام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وخرجت أنفض ما حوله، فإذا أنا براع مقبل بغنمه على الصخرة يريد منها الذي أردنا، فقلت: " لمن أنت يا غلام ؟ "، قال: لرجل من أهل المدينة، فقلت: " أفي غنمك لبن ؟ "، قال: نعم، قلت: " أفتحلب لي " ؟. قال: نعم. فأخذ شاة، فقلت: " انفض الضرع من الشعر والتراب والقذى "، ففعل.

فأتيت النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو نائم، فكرهت أن أوقظه، فوقفت حتى استيقظ، فصببت على اللبن من الماء حتى برد أسفله، فقلت يا رسول الله اشرب، فشرب. ثم ارتحلنا بعد ما زالت الشمس، وأتبعنا سراقة بن مالك بن جعشم ونحن في جلد من الأرض (أي في أرض غليظة صلبة)، فقلت: يا رسول الله أتينا ؟، فقال: لا تحزن إن الله معنا، فدعا النبي (صلى الله عليه وسلم) فارتطمت يدا فرسه إلى بطنها، أي نشبت في الأرض ولم تكن تتخلص.

وكان المسلمون قد سمعوا بالمدينة خروج النبي (صلى الله عليه وسلم) إليها، فكانوا يخرجون كل يوم إلى الحرة أول النهار، فينتظرون قدومه الشريف، فما يردهم ويقهرهم إلا حر الشمس، وذات يوم، أوفى رجل من يهود يثرب على أطم من آطامهم لأمر ينظر فيه، فبصر به وأصحابه مبيضين، فلم يملك هذا اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا حظكم الذي تنتظرونه. فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوه (صلى الله عليه وسلم) بظهر الحرة.

وقد روى الإمام البخاري أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قدم فنزل جانب الحرة، ثم بعث إلى الأنصار، فسلموا على المهاجرين الرسول (صلى الله عليه وسلم) وصاحبه الصديق، وقالوا: اركبوا آمنين مطاعين. فركب حتى نزل جانب دار أبي أيوب. ولقد فرح أهل المدينة بمقدم الرسول (صلى الله عليه وسلم) فرحاً شديداً، وصعد الصبية وذوات الخدور على الأجاجير يقلن:

طلع البدر علينا من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا ما دعى لله داع

أيها المبعوث فينا جئت بالأمر بالمطاع

وخرجت جوار من بني النجار، يضربن بالدف، وهن يقلن:

نحن جوار من بني النجار             يا حبذا محمد من جار

ولقد قال أنس (رضي الله عنه) يوم أن خرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من مكة مرتحلاً ومهاجراً إلى المدينة: "  لما خرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من مكة، أظلم منها كل شئ، فلما دخل المدينة، أضاء منها كل شئ ".

إن أدهش ما في الهجرة العظيمة تفاصيلها، ومن تفاصيلها إحاطة الله عز وجل بنبيه وصاحبه، يقول تعالى في ذكر تفاصيل الهجرة: (إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة: 40).

وكم من سطور أكثر إمتاعاً تلك التي سطرها عالمنا وشيخنا الجليل الشيخ محمد الغزالي في كتابه الماتع (فقه السيرة) وهو يصور لنا حال السير والمسير في ظلمة الصحراء واصفاً هجرة النبي المختار (صلى الله عليه وسلم) وصاحبه: " إن أسفار الصحراء توهي العمالقة الآمنين، فكيف بركب مهدر الدم مستباح الحق؟. ما يحس هذه المتاعب إلا من صلى نارها ".

لكن النبي (صلى الله عليه وسلم) في رعاية الله وآمنه، وكفى بالله حافظاً. أتى المهاجر العظيم (صلى الله عليه وسلم) المدينة وهو على يقين بأن الله ناصر لدينه، فما كان عليه إلا أن يؤسس البناء المتين لمجتمع إسلامي جديد، فبنى المسجد، وآخى بين المسلمين، وحقن دماءهم القبلية، ووضع عهوداً مدنية مع اليهود.

إن ذكرى هجرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) تسترعي انتباهنا إلى حقيقة واحدة بجوار جملة من التفاصيل والإحداثيات والمواقف والقصص النبوية الجميلة، حقيقة أن رسولنا الكريم عظيم طيلة حياته، عظيم وهو صبي، عظيم وهو شاب يافع، عظيم وهو رجل مكتمل الرشد والرجولة، عظيم في سماحته، عظيم في يقينه بنصرة الله له، عظيم في إحسانه وبرِّه، عظيم في جهاده عظيم في كفاحه، في هجرته كان عظيماً أيضاً، لذلك استحق النبي (صلى الله عليه وسلم) أن ينال لقب المهاجر العظيم.

***

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية (م).

ـ كلية التربية ـ جامعة المنيا.

منذر الغزاليطُلب منّي أن أسجّل شهادتي عن إحدى الشخصيّات السياسية كنت، بعد خروجها من المعتقل، الصديق الأقرب، وربما الوحيد لها. لم آخذ الأمر على محمل الجد؛ لكنّي فكّرت أن شهادتي ستسمح لي أن أسترجع  مرحلةً هامّة، كانت تطغى عليها الأوهام الرومنسية،عايشتُها مع تلك الشخصية، بكلّ التفاصيل التي يعيشها صديقان قريبان ذلك القرب الذي كان يجمعنا؛ وما دمت أحتفظ بمذكراتي شبه اليومية، فأستطيع أن أكتب سيرةً كاملةً للرجل بأقرب ما يكون إلى الحقيقة، دون مبالغاتٍ، أو أهواءٍ، أو تخمينات.

غير أنّ الأمر تفاعل في داخلي، ولم يتوقّف عند هذه الشهادة، وتطوّر إلى سؤال كبيرٍ: هل من حقّنا أن نكتب سيرة إنسانٍ عاديّ لم يطلب منّا، ولم يوصِ بذلك؟ وهل من حقّنا أن نثبّت أحداثاً من حياته ونخفي أحداثاً أخرى؟ وهل يحقّ لنا، ونحن نسجّل سيرة أيّ إنسان، مهما كانت حيثيته أو وضعه في مجتمعه، ومهما كان تأثيره في المحيطين به، أن نكشف أسراراً تتعلق بأشخاصٍ آخرين، كانوا على صلةٍ وثيقةٍ به، قد يبرز ذكرها مشاكل، وربما فضائح؟

نصف الحقيقة كذبةٌ كاملة

إذا كان لا بدّ من تسجيل شهادةٍ عن شخصٍ ما، أو كتابة سيرته، فلتكن شهادةً كاملة، بكلّ ما يملكه الشاهد من معرفةٍ بأفعال الشخصية، أو أقوالها، أو أحداثٍ كان للشخصية دورٌ بها بشكلٍ أو بآخر.

المشكلة تكبر، وقد تتحوّل إلى مأساة، أو فضيحة، حين يكون الشاهد هو صديق تلك الشخصية، الملازم لها، والمطّلع على أدقّ تفاصيل حياتها، بكلّ جزئياتها. هنا سيبرز سؤالٌ آخر، وهو سؤال أخلاقيٌّ بالدرجة الأولى: إذا كنت قد عرفت ما عرفت من حياة الرجل لأني كنت خليله الصفيّ، ومكمن سرّه الذي توسّم فيه الكتمان والأمانة، هل يكون إبراز تلك الأسرار خيانةً للأمانة؟ لأنّ كشفها بعد موت الرجل تحرمه فرصة التوضيح أو التكذيب أو الاعتراف أو الدفاع...، أم أنّ الإخلاص يمكون للحقيقة، الحقيقة فقط، بغضّ النظر عن الأشخاص؟

ثمّ إن الأحداث التي عرفها كاتب الشهادة، سواءٌ شهدها بأمّ عينه، أو سمعها من الشخص ذاته، أو من أحد أفراد أسرته، لم يكن ليعرفها لو لم يكن موضع ثقةٍ عالية، وموضع احترامٍ سمح له بأن يدخل بيت الرجل وحياته، ويكون، أحياناً، طرفاً في خصوصياتٍ قد لا يعرفها حتى بعض أفراد أسرته، لسببٍ أو لآخر، وهذه ايضاً من الأمانات التي يجدر المحافظة عليها إلى أن تُدفَن مع صاحبها في قبره.

إذن، كما لا يجوز لنا أن نقدّم شهادتنا كاملةً في سيرة شخصيةٍ ما، تجنّباً للفضائح، وما قد تثيره هذه الشهادة من رؤيةٍ مخالفةٍ للصورة التي ارتسمت في ذهن مجتمعه، لا يجوز لنا أيضاً أن نقدّم شهاةً انتقائيةً تشوّه صورتها الحقيقية، صورة الإنسان الواقعي من دمٍ ولحمٍ وجوارح، من حبٍّ وكره، من خيرٍ وشرّ، من قوّةٍ وضعف، من جرأةٍ وخوف، من أنانيةٍ وغيرية...

المعيار هو: إما الحقيقة كاملةً أو لا شهادة، فلا قيمة للشهادة، أو للسيرة الذاتية، أو السيرة الغيرية، أو المذكرات إن لم تكن صادقةً وكاملة، والحقيقة الكاملة قد تنال من قيمة الشخصية، أو ممّن يحيطون بها من أهلها؛ لهذا تظلّ فكرة الشهادة، أو تجميع أوراق مذكراتي لكتابة سيرةٍ عن الرجل، حارّةٍ وحميمةٍ وحقيقية، مسؤوليةً كبيرة، تقترب من المغامرة. النتيجة التي أخشاها أن يفقد ذلك الرجل رمزيةً يمثّلها، نحن بأمسّ الحاجة إليها، في مجتمعٍ يعيش على الرموز، ولا يقبل إلا صورة الإنسان الكامل.

السيرة الذاتية بين الغرب والشرق

يحفل تاريخنا الأدبي بكتب السيرة مثل كتاب سِير الأعلام[1]، وكتاب المنقذ من الضلال[2]….، وغيرها، والسير الشعبية المختلفة، كسيرة سيف بن ذي يزن، وسيرة عنترة... وغيرها من الكتب التي تمتلئ بالخرافات والملاحم البطولية التي لا صلة لها بالواقع؛ وفي الأدب المعاصر نشر بعض الكتّاب سِيرهم الذاتية بشكل قصصٍ أشهرها (الأيام) لطه حسين، وقصة (سارة) للعقاد، وغيرهم الكثير؛ لكنّ تلك السير كانت تركّز على جوانب يختارها كاتبها، من حياته، أو حياة الشخصية التي يكتب عنها، قد نستثني منها كتاب المنقذ من الضلال، حيث عرض الغزالي، بصدق، أزمته الدينيّة التي أدّت، فيما بعد، إلى تصوّفه. حتى إن فدوى طوقان تعترف في سيرتها المعنونة (رحلةٌ جبليةٌ صعبة): "لم أفتح خزانة حياتي كلها، فليس من الضروري أن ننبش كلّ الخصوصيات. هناك أشياء عزيزةٌ ونفيسةٌ نؤثر أن نبقيها كامنةً في زاويةٍ من أرواحنا[3]."

في المقابل نجد السِّيَرَ الذاتية لدى أدباء الغرب أشبه باعتراف المؤمن أمام الكاهن، قيمتها تكمن في صدقها، والاعتراف بالأخطاء والخطايا بشفافيةٍ وتجرّد، ليتطهّر منها أمام الآخرين. بل إنّ الكثير منها أخذ عنوان (اعترافات)، أشهرها اعترافات جان جاك روسو[4]، واعترافات تولستوي[5].

هذا الفرق في كتابة السيرة بين العرب والغربيين مرجعه الحرية، ففي الغرب الحرية الفردية مُصانةٌ، ولا رقيب على الكاتب إلا ضميره، ما يجعل السِّيَر الذاتية في الغرب صورةً صادقةً لحياة الأديب وحال مجتمعه؛ فلا يخجل من عيبٍ ولا يخشى لوماً؛ ومن  رأى أنها تمسّ خصوصيّاته، أو تؤثّر عليه لجأ إلى القضاء، وهو يفصل بين الفرقاء.

يقول الدكتور إبراهيم العسكري في مقالةٍ له: "سوف تبقى السيرة الذاتية العربية مقيدةً ما دام مناخ الحرية العربي مقيداً[6]"

السِّيَر الذاتية في الشرق لها حدود (أخلاقية)، فلا يستطيع الكاتب أن يقول كلّ شيءٍ عن نفسه؛ وهنا يبرز السؤال: أين الأخلاق في إخفاء نصف الحقيقة؟

وبعيداً عن الجانب الأخلاقيّ للمسألة، فهل يتقبّل مجتمعٌ قائمٌ، منذ قرونٍ طويلة، على تناقل سِيرِ الأعلام، والتاريخ المليء بالصور الأسطورية لشخصياته المهمّة، والحراسة الدؤوبة لهالة الكمال التي تلازمها، هل سيتقبل هكذا مجتمعٍ سيرة إنسانٍ عاديٍّ بكلِّ ما فيه من سماتٍ بشريّة، بخيرها وشرّها، دون تهويلٍ أو تشويه؟

لماذا نحن، كعرب، لا نقبل من الشخص إلا صورةً ملائكيةً خاليةً من العيوب؟

بين الرمزية والتقديس

إذا كانت الحقيقة لا تتفق  وتقديس الرموز، التاريخية أو السياسية أو الأدبية...، فليس من العدل أيضاً أن نكون مازوخيين نستمتع بجلد الذات، الذات العامة، الذات التاريخية والذات الوجودية، من خلال تحطيم  تلك الرموز.

في كلّ ثقافات الأرض شخصياتٌ رمزية، ولكلّ شعبٍ رموزه التي يعتزّ بها، يبني لها المتاحف، ويكتب عنها المجلدات التي تؤرّخ لحياتها، وتدرس الظروف التي تشكّلت فيها، وتحوّلات حياتها منذ طفولتها المبكّرة حتى وفاتها؛ لكننا، كعرب، اعتدنا على المبالغة في تقديس الرموز، والإصرار على نقاء الشخصيات، لدرجة نزع الصفات البشرية عنها وإلباسها لبوسا قدسياً لا يقبل الخطأ.

حاجة المجتمعات لصورة البطل تتناسب طرداً مع درجة تخلّفها، وخلوّها من الإنجازات في كلّ عصر، فتلجأ للتمسك بتلك الرموز، وشيئاً فشيئاً، تخرجها من حالتها البشرية، وتتبرأ من أخطائها -وكل ابن آدم خطاء!- لتضعها في صورةٍ أسطوريةٍ لا يُسمح بالمساس بها، لأنها -أي الرموز-  كلّ ما تبقى لتلك المجتمعات من وجودٍ حضاريٍّ بين أممٍ تتسابق في المنجزات على مختلف أشكالها. هذه الصورة البطولية يتّكئ عليها، ويعوّض، بانتمائه إليها، عجزه، أو تقصيره عن ركب التاريخ. البطل في الوجدان العربي لا يقبل إلا صورةً واحدةً طهريةً كاملة الخصال، تحيطها رهبةٌ تمنع المساس بها، لتتوارث الأجيال هذه الصورة مع هالة الرهبة، فتتحوّل إلى شخصيةٍ مقدّسة؛ لهذا اختلطت في تاريخنا صورة القائد العسكري بالحاكم برجل الدين، وامتزجت في صورةٍ واحدةٍ يعتزّ بها؛ والعربي اعتاد على وجود البطل في خياله، يحقّق من خلاله توازناً حضاريّاً وهمياّ، هي الصورة التي يحتاجها الخيال الجمعيّ المفتقِدُ للانجازات الحضارية. هي الحقيقة، في الذهنية العربية، لا تقبل إلا وجهاً واحداً.

الشخصيات الرمزية، معالم في طريق الحضارة

عنترة بن شداد كان شاعراً جاهلياً وفارساً مقداماً، اشترى حريته بشجاعته؛ لكنّ الجمهور المتعطش لأي إنجاز لا يرضيه ولا يشبع ذاته إلا صورة عنترة الأسطورية كما وردت في السيرة الشعبية، وأيّ صورة مخالفة، مرفوضة لأنها تفقد الجمهور تلك الصورة التي يستند إليها في صراعٍ وجوديٍّ هو الخاسر فيه؛ وصلاح الدين الأيوبي، القائد العربي الإسلامي أخذ رمزيته من هزيمته الصليبيين في معركة حطين وفتح القدس، وهذا حسبه كرمز؛ لكن الجمهور الديني يأبى أن يقبل الوجه الآخر لصلاح الدين، وجه الحاكم الذي ذكرته كتب التاريخ نفسها، وفعله السياسي في الصراعات التي عصفت بالدولة العباسية في طورها المتأخر.

من منا يعرف شيئاً عن حياة جول جمال؟ وبالمقابل، من منا لم يقرأ عن جول جمّال، الضابط السوري الذي أخذ رمزيته من إغراقه الطرّاد الفرنسي أثناء العدوان الثلاثي على مصر؟

من كان سيسمع بسليمان الحلبي لو لم يقم بطعن القائد الفرنسي في حملة نابليون على مصر؟

لا أحد يهتمّ بالحياة الخاصة لطه حسين، يوسف وهبي، نجيب الريحاني، أم كلثوم، بليغ حمدي، نجيب محفوظ... والسلسلة الطويلة من الرموز في كلّ مجال؛ لكننا نعرفهم رموزاً، كلّاً في مجاله... وهذا حسبهم.

اذكروا محاسن موتاكم

لو أردنا الإشارة إلى حالة المجتمع العربي بعد الاستقلال، والبحث عن سبب تخلّفنا الحضاري، سيكون على رأس القائمة: الاستبداد، لا سيما في الدول التي حكمتها طُغَمٌ عسكريةٌ استخدمت القمع والاعتقال السياسي وسيلةً رئيسيةً  ووحيدةً في تثبيت حكمها، والقضاء على معارضيها، فقضت بذلك على النخب الفكرية والسياسية والطاقات الشابة التي كان يمكن أن يُعوّل عليها في نهضة الأمة، فتسببت بهذا الخراب الشامل الذي وصلت إليه مجتمعاتنا العربية؛ فبديهيٌّ أن يكون ضحايا الاستبداد هم الرموز الأكثر أهميةً منذ النصف الثاني من القرن المنصرم؛ ومن الإنصاف، ومن الفائدة أيضاً، أن نعطي لتلك الرموز الصدارة في كلّ ما نكتب، لأنها تذكّرنا بالرمز الأسوأ في تاريخنا المعاصر، الاستبداد السياسي، الذي أدّى إلى ضياع أجيالٍ من شباب الوطن، وضياع الأمة بالتالي.

الرمز إذاً، لا الشخص، فالأشخاص يحملون صفاتهم البشرية بسيئاتها وحسناتها، إنما الرمز يشير للحالة بذاتها: ضحايا الاستبداد، من شهداء رأي أو مغيبين في السجون أو منفيين قسراً، دون الخوض في تفاصيل حياتهم الشخصية، التي قد تُفقِد البعضَ منهم رمزيّتهم، وبغضّ النظر عن انتمائهم الفكريّ؛ يساراً أم يميناً، ليبرالياً كان أم دينياً، ما قد يثير خلافاتٍ تضيّع الإجماع المطلوب حول هذه الرموز وما يمثّلون؛ فالغاية هي الإشارة إلى الحريات المغيّبة والدبيقراطية المفقودة.

من هذا الجانب تتحوّل مقولة: اذكروا محاسن موتاكم إلى مقولةٍ صالحةٍ تاريخياً، تحفظ الحقيقة لأجيالٍ وأجيال؛ ومحاسنهم تكمن فيما يمثلون من رمزية، تشكّل إجماعاً على إدانة الاستبداد، ويكون التمسّك بهم، واستذكارهم في كلّ المناسبات، توثيقاً حيّاً لحقيقة المرحلة التاريخية التي عاشوا فيها، وتأريخياً موازياً للتاريخ الذي يسجله كتبة السلطان، تشكّل، من جانبٍ آخر، معارضةً، ولو صامتة، للنظم المستبدة... وهذا أضعف الإيمان.ّ

***

منذر فالح الغزالي

بون 13/3/2022

.............................

[1] - سير أعلام النبلاء، المؤلف: شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)

[2] - المنقذ من الضلال، المؤلف: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (ت ٥٠٥هـ)

[3] - فدوى طوقان: رحلة جبلية صعبة – دار الشروق للنشر والتوزيع – عمان ط2 1975 ص10

[4] اعترافات جان جاك روسو كتاب سيرة ذاتية من تأليف جان جاك روسو، يتحدث فيه الكاتب عن ثلاث وخمسين سنة من حياته، بدأ بتألفيه سنة 1765 وانتهى سنة 1769، لكن الكتاب لم ينشر حتى 1782  أي بعد أربع سنوات من وفاته.

[5] - الكونت ليف نيكولايافيتش تولستوي (9 سبتمبر 1828- 20 نوفمبر 1910) من عمالقة الروائيين الروس ومصلح اجتماعي وداعية سلام ومفكر أخلاقي. يعد من أعمدة الأدب الروسي في القرن التاسع عشر والبعض يعدّه من أعظم الروائيين على الإطلاق.

[6] - السيرة الذاتية: خيط رفيع بين الحقيقة والفضيحة - سليمان العسكري - مجلة العربي - مارس 2002

 

علي القاسميطرائف الذكريات عن كبار الشخصيات (1)

بعد أن حصلتُ على شهادة الماستر في التربية وطرائق تدريس اللغة الإنجليزية، تمَّ تعييني مدرساً للغة الإنكليزية في معهد السكرتارية العالي التابع لجامعة بغداد للعام الدراسي 1966 ـ 1967، وكان عميده الدكتور هاشم الحافظ. والتقيتُ بأصدقاء قدامى وأصدقاء جدد. واستأجرتُ أنا وزوجتي فيلا (داراً) صغيرة في منطقة القناة. وحصلتُ على عملٍ إضافيٍّ مدّته ساعتين يومياً في وكالة الأنباء العراقية لإعداد إحدى نشرات الأخبار. وكنتُ أمارس هذا العمل عندما كنتُ طالباً في كلية التربية (دار المعلمين العالية سابقاً).

ذات يوم حصل أحد أقرباء زوجتي على منحةٍ دراسيةٍ لمدَّة عام، فاقترح عليّ أن أنتقل إلى داره الكبيرة في منطقة القناة ذاتها، ما يخفِّف عني دفع كراء الدار التي أسكنها، وفي الوقت نفسه يطمئنُّ هو على داره. وهكذا انتقلتُ إلى دار فارهة جيدة التأثيث لها جنينةٌ جميلة.

اغتنمتُ هذا الوضع لدعوة بعض أصدقائي لتناول طعام العشاء معنا، وكان في مقدِّمتهم عبد المجيد الباجه جي وزوجته، والدكتور عناد غزوان الخزاعي وزوجته الإنكليزية. (تزوج الدكتور عناد بعد ذلك بالأستاذة الجامعية الكاتبة الدكتورة بلقيس القزويني وأنجبا أبناءَهما الثلاثة: معتز ومحمد ومستهل).

كان الدكتور عناد غزوان الخزاعي (1934 ـ 2004) قد نال شهادة الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة درم في انكلترة سنة 1963، وأطروحته " القصيدة العربية: نشأتها، مميزاتها، وتطورها إلى نهاية العصر الأموي" بإشراف المستشرق البريطاني البرفسورهيوود. ولدى عودته إلى العراق، عُيّن في الهيئة التدريسية لجامعة بغداد. وكان أستاذاً محبوباً من قِبل زملائه وطلابه لدماثة خلقه وحسن سيرته وطيب معاملته ومساعدته لهم، ولتمكُّنه من مادَّته، ولكونه شاعراً وناقداً معروفاً في الأوساط الأدبية. وخلال مسيرته الأكاديمية الطويلة ألَّفَ ونشرَ أكثر من خمسة وعشرين كتاباً، وعدداً كبيراً من الدراسات والمقالات. ولعلَّ كتابيه " الشعر والفكر المعاصر" و " خمسة مداخل إلى النقد الأدبي" من أشهر كُتبه. وقد انتُخِب سنة 2004 رئيساً للاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق.

في ذلك العام الدراسي، 1966 ـ 1967، تمكّن الدكتور عناد غزوان من توجيه دعوة رسمية إلى أحد أساتذته السابقين في جامعة درم في إنكلترا، البرفسور جون هيوود John Haywood (1923ـ 2018) للقدوم إلى بغداد وإلقاء بعض المحاضرات على طلبة جامعتها. وقد شاهدتُ مقابلةً تلفزيونيةً بثَّها التلفزيون العراقي وشارك فيها البرفسور جون هيوود والدكتور عناد غزوان، ودارت حول الأدب العربي، قديمه وحديثه. وفي آخر المقابلة، وجَّه مُسيِّر المقابلة سؤالاً للبرفسور هيوود ـ بعد أن لاحظ أنَّ لغة الدكتور عناد أفصح وأبلغ من لغة أستاذه التي تشوبها رطانةٌ أجنبيةٌ ـ وفحوى السؤال:

ـ لماذا نجد نطق تلميذك للغة العربية أفصح من نطقك؟!

أجاب البرفسور هيوود دون تردّد:

ـ طبعاً، فأنا لم أعلَّمه العربية، فهو عربيٌّ قحٌّ، ولِد وترعرع في بيئة عربية خالصة. لقد علَّمته مناهج البحث وأصول النقد.

اتَّصل بي الدكتور عناد غزوان وأخبرني أنَّ أستاذه البرفسور هيوود يرغب بشدة في اغتنام فرصة وجوده في العراق لزيارة مسجد الكوفة، والدكتور عناد لا يمتلك سيّارة آنذاك (كان راتب الأستاذ الجامعي الحاصل على الدكتوراه حوالي خمسين ديناراً عراقياً، أي حوالي 150 دولارا وثمن السيّارة لا يقل عن 500 دولار)، ورجاني أن أصطحبه وأستاذه بسيّارتي إلى مدينة الكوفة خلال يوم العطلة الأسبوعية. استجبتُ لرجاء صديقي، وذهبنا نحن الثلاثة إلى الكوفة التي تبعد حوالي 156 كم (ساعتيْن بالسيّارة) عن بغداد.

وتعدُّ مدينة الكوفة أحد رموز الثقافة العربية الإسلامية التاريخية، ويعرفها جميع طلاب اللغة العربية عن طريق مدرسة الكوفة النحوية التي تضارع مدرسة البصرة النحوية. وفي حقيقة الأمر لم تقتصر المدرستان على النحو بل تشمل منهجياتهما الفكرية جميع الآداب والعلوم والفنون. وكان مركز المعرفة الإسلامية في الكوفة مسجدها الأعظم الذي يعدّه كثير من المسلمين رابع أقدس مسجد بعد المسجد الحرام في مكة المكرمة، والمسجد النبوي في المدينة المنورة، والمسجد الأقصى في القدس، خاصَّةً بعد أن اتخذ الإمام عليٌّ (كرّمَ الله وجهه) الكوفةَ عاصمةً للدولة الإسلامية.  وكانت سوق " كناسة الكوفة " تماماً مثل سوق "مربد البصرة"، فقد حلّا بعد الإسلام محلَّ "سوق عكاظ" الذي كان في العصر الجاهلي مكاناً للمناظرات والمحاورات وإلقاء الشعر.

والكوفة إحدى ثلاث مدن أمر الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قوّادَ الفتوحات الإسلامية بإنشائها بوصفها معسكراتٍ للجيوش (المجاهدين وعوائلهم) لتكون دورَ هجرة. وهذه المدن هي: البصرة التي اختطَّها قائد الجيش الفاتح عتبة بن غزوان سنة 14 هـ، والكوفة التي اختطها قائد الجيش الفاتح سعد بن أبي وقاص سنة 17 هـ، والفسطاط بمصر التي اختطَّها قائد الجيش الفاتح عمرو بن العاص سنة 21 هـ. وكان الخليفة يشترط على القادة أن يختاروا موقعَ المدينة طبقاً لمبادئ مدنية وعسكرية، أي في مكانٍ يتوافر فيه الماء والكلأ، ويتَّصل بظهر الجزيرة العربية ليصلهم الإمداد العسكري دون عائق. ومن دراستي للتاريخ، أحسب أن الخليفة كان يؤمن بأنَّ استقرار الدين الإسلامي واللغة العربية في البلدان المفتوحة، يتطلّب اقاّمة المجاهدين القادمين من الجزيرة العربية في تلك الأصقاع.

وبعد زيارة المسجد الأعظم، ذهبنا ـ الدكتور عناد والبرفسور هيوود وأنا ـ إلى شاطئ نهر الفرات، لتناول غدائنا الذي حملناه معنا. وهناك انتبذنا مكاناً جميلاً وسط الأشجار والعشب وشجيرات الزهور، ومياه نهر الفرات تتدفق أمامنا رقراقةً، وسفنه الشراعية المحملة بالتمر والبضائع الأخرى سادرةَ، وبعض قوارب النزهة الصغيرة المنسابة بسلاسةٍ على سطح النهر. تناولنا طعام الغداء، ومنارة مسجد الكوفة الشامخة تطلُّ على المنظر كلِّه.

كنتُ أحمل في سيّارتي جهازَ حاكي بالبطارية (فونوغراف)، وبعض الاسطوانات الغنائية. قلتُ لرفيقَيَّ: سأُسمعكما شيئاً رائعاً. أنزلت الجهاز من السيّارة، ووضعت اسطوانة فيها أغنية راقصة للمطرب الأمريكي الشهير الفيس بريسلي (1935 ـ 1977) الملقّب بملك الروك أند رول. وأخذتِ الموسيقى المصحوبة بالغناء ترتفع في الجو. وإذا بالبرفسور هَيوود ينفجر ضاحكاً. كان يضحك من كلِّ قلبه. عندما نظرتُ إليه مندهشاً بعينيْن ترجوان تفسيراً، قال:

ـ نحن هنا في كوفة التراث الإسلامي العريق، وأنت تُسمِعنا الفيس بريسلي؟!

لم أكن أعرف البرفسور هيوود آنذاك إلا بالاسم. ولكنَّني عندما التحقتُ بعد ذلك بجامعة تكساس لدراسة الدكتوراه، وتخصصتُ في صناعة المعجم وعلم المصطلح، كان كتاب البرفسور هيوود، " المعجمية العربية"    Arabic Lexicography     أحد مراجعي الرئيسة في الموضوع. وأستطيع القول بلا تردُّد أنه أفضل كتاب ألّفه المستشرقون عن المعجمية العربية. إنه يحيط بصناعة المعجم العربي وتطوُّرها عبر التاريخ، لا منذ أن شرعت مدرستا البصرة والكوفة في أبحاثهما عن اللغة العربية نحواً ومعجماً، بل منذ أيام السومريين الذين اخترعوا الكتابة المسمارية، وأسَّسوا المدارس وأخذ جيرانهم الأكديّون، حوالي سنة 750 ق.م.، يتعلّمون اللغة السومرية ليلمّوا بعلوم أهلها، فظهرت أولى القوائم الثنائية اللغة التي يصنفّها المعلِّمون، ليستعين بها طلابهم على فهم معاني الكلمات السومرية بلغتهم الأكدية. وتلك القوائم هي باكورة المعاجم الثنائية اللغة في التاريخ الإنساني.

اضطلع الدكتور عناد غزوان بترجمة كتاب أستاذه هذا إلى العربية، ونشره المجمع العلمي العراقي في بغداد سنة 2005 بعنوان " المعجمية العربية: نشأتها ومكانتها في تاريخ المعجميات العام". إضافة إلى أنّ البرفسور هييود هو مؤلِّف أشهر كتابٍ باللغة الإنجليزية لتعليم اللغة العربية هو: A New Arabic Grammar   "النحو العربي الجديد"، الذي أعيدت طباعته عشرات المرّات.

ومن يقرأ كتاب البرفسور هيوود، " المعجمية العربية " يندهش وينبهر، لأنَّ هذا الرجل لم يطلع على التراث المعجمي العربي فحسب، بل كذلك تشبّع بالتراث العربي برمته، بآدابه وعلومه وشعره ونثره وحِكَمه وفلسفته. إنَّ قلبه وعقله ذائبان في تراث العرب، والتراث العربي الإسلامي ذائب في فكره وروحه ونفسه. وحقَّ له أن يضحك ويضحك عندما يُطلِق شاب عربي في أوائل العشرينيات من عمره أغنية للراقص الأمريكي الفيس بريسلي المُدمنِ على المخدرات، في أعتاب جامع الكوفة العظيم.

بخلاصة، استطاع البرفسور هيوود أن يستخلص لنفسه لُبَّ الحضارة العربية الإسلامية، على حين كنتُ أنا منبهراً بقشور المدنية الغربية، وشتّان بين الرجليْن، وينطبق عليهما قول الشاعر:

سارتْ مشرِّقةً، وسِرتُ مُغرِّباً ... شتّانَ بين مُشرِّقٍ ومُغرِّبِ

***

د. علي القاسمي

.........................

* من كتاب معد للطبع:

ـ علي القاسمي. طرائف الذكريات عن كبار الشخصيات

 

3992 جيمس توبن(1918 – 2002) James Tobin

هو الاقتصادي الامريكي الاستاذ في جامعة ييل لأكثر من أربعة عقود، والحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 1981. وقد يتبادر الى الذهن، عند سماع اسمه، ارتباطه بطريقة "توبت" Tobit، وهي الطريقة الاحصائية الشهيرة في تطبيقات الاقتصاد القياسي وبالذات في موضوع تحليل الانحدار المعياري Regression Analysis. فجيمس توبن هو الذي طور هذه الطريقة عام 1958 لمعالجة المتغيرات المعتمدة الضمنية ذات القيم المستترة والمستمرة وغير السالبة، وتلك التي تقع في مديات مقررة مسبقا، أما فوق أو تحت حد معين، فتمتاز بقيم محددة، مراقبة او مقتطعة يطلق عليها Censored or Truncated values.

يعتبر توبن أحد ابرز الكينزيين الجدد إلا انه يؤمن بالكينزية المقننة المنضبطة، فغالبا ما حذر ضد التدخلات الحكومية غير الكافية وغير العادلة وكانت امثلته واضحة في هذا الصدد مثل موقفه ضد تحديد ايجارالعقارات في المدن الكبرى مثل نيويورك أو القروض والتسهيلات التعليمية التي اغلب ما يستفاد منها طلاب العوائل الموسرة، وكذلك القروض والمساعدات الزراعية التي اكثر ما تذهب الى اثرياء المزارعين. فايمانه المركزي بالكينزية يتمحورعلى فكرة التدخل الحكومي من اجل ضمان استقرار الانتاج وعدالة التوزيع وتجنب الكساد والتضخم والبطالة ومعالجتها بالطرق المناسبة وعلى المستوى الوطني. وهو يرى الاقتصاد وثيق الصلة بالسياسة الاقتصادية، على ان يتركز الاقتصاد على تطبيق النظريات العلمية على الواقع الاقتصادي العملي، وبدون ذلك يصبح هذا العلم محض تمرين فكري عميق لا طائل منه. وعن مهمته الاكاديمية، يرى توبن انها ينبغي ان تكون من اجل فهم وتحسين الاساس النظري، خاصة لنماذج الاقتصاد الكلي في اطار التحليل النيوكلاسيكي وتطوير تطبيقاتها في حقل السياستين النقدية والمالية.

في كلمته التي القاها بمناسبة نيله لجائزة نوبل عام 1981، قال توبن: اخترت دراسة الاقتصاد لسببين رئيسيين، الاول انني ارى الاقتصاد كموضوع يسحرني ويثير فضولي ويضعني امام جملة من التحديات الفكرية، وهذا عامل حاسم، خاصة بالنسبة لشخص يجد في نفسه الرغبة والامكانية للانشغال بمواضيع تقوم على التحليل الكمي. والسبب الثاني هو انني اجد في الاقتصاد الامل الكبير لتحسين ظروف المعيشة وتحقيق التطور النوعي لحياة البشر والانسانية جمعاء. وفي مناسبة اخرى يعرج توبن على موضوع دراسته للاقتصاد فيربطه بنشأته الاولى ويعطي الفضل لوالديه وخاصة والدته التي عملت مشرفة على ادارة المساعدات الاجتماعية للعوائل المعوزة خلال ازمة الكساد العظيم في بداية الثلاثينات من القرن الماضي، والتي شاهدت بأم عينيها معاناة الناس وآلامهم من اجل كسب لقمة العيش، وجاهدت ما بوسعها لمد يد العون والتضامن مع العوائل التي عاشت الفاقة والحرمان. كما ان والده كان صحفيا واعلاميا مثقفا وعلى معرفة واطلاع دائم بحياة الناس. يقول ان نشأته في هذه العائلة فتحت عينيه على حجم البؤس الذي يتسبب فيه الفقر وتفاقم حالته البطالة والكساد الاقتصادي.

عُرف توبن بمبدأيته المهنية بين زملائه وطلابه. يقول زميله وصديقه الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل روبرت سولو " يمتلك توبن ناصية اخلاقية طبيعية ونادرة، مشفوعة بتواضعه ووضوح بصيرته واستقامته. فهو لايساوم في جدله العلمي ولا في موقفه المبدأي ولا يبالي بأي خسارة تترتب على تأكيدهما والسير بهداهما".

ولد جيمس توبن عام 1918 في شامپين-إربانا الواقعة الى الجنوب من شيكاغو في ولاية إلينوي. كان والده صحفيا ومديرا لدائرة الاعلام الخاصة بالنشاطات الرياضية في جامعة إلينوي، وكانت والدته تعمل في دائرة الرعاية الاجتماعية. وبذلك فقد نما لدى جيمس الوعي الاجتماعي المبكر، جنبا الى جنب مع ميله للدراسة والاجتهاد والتفكير بضرورة سعيه للحصول على موقع فكري مرموق تفخر به عائلته. دخل المدرسة النموذجية التي اسستها واشرفت عليها كلية التربية في جامعة الينوي وجعلتها مختبرا لتطبيق طرق التعليم الحديثة وتوفير وسائل تطبيقها. وقد كانت تلك المدرسة تحرز جوائز التفوق التربوية والتعليمية التنافسية في عموم البلاد. هذه الخلفية التعليمية الرصينة وفرت لجيمس فرصة القبول في جامعة هارفرد بسن 17 عاما. كان ذلك عام 1935، فاكمل دراسته الاولية بتفوق عام 1939 متخصصا بالاقتصاد. يقول توبن ان نيته في السنة الاولى كانت دراسة القانون والرياضيات، الا ان قراءته لكتاب كينز "النظرية العامة للعمالة والفائدة والنقود" الذي ظهر في السنة الجامعية الثا نية من دراسته، قلب رأيه على عقب وجعله يتحول لدراسة الاقتصاد. بعد تخرجه، التحق مباشرة في قسم لدراسات العليا فحصل على الماجستير عام 1941.

كانت الحرب العالمية الثانية قد استعرت في أوربا آنذاك، وكانت الولايات المتحد تتهيأ لدخول الحرب لصالح الحلفاء مما دفع توبن ان يذهب الى العاصمة واشنطن ويلتحق بدائرة حكومية مهمتها تهيئة الظروف والتجهيزات المطلوبة للانتاج الحربي واسع النطاق. وحين دخلت الولايات المتحدة الحرب بشكل فعلي عام 1942، سيق جيمس توبن كضابط احتياط في البحرية الامريكية. آلت ظروف الحرب ان تجعل خدمته العسكرية تطول الى مابعد انتهاء الحرب، ممتدة لأربع سنوات تدرج فيها بموقعه على ظهر السفينة الحربية المدمرة كيرني USS Kearney ليصبح نائبا للقائد.

من الجدير بالذكر هنا، وعطفا على ما وصف به توبن من استقامة ومبدأية فقد صممت على اساس سيرته على ظهر السفينة الحربية احدى الشخصيات في الرواية الموسومة "تمرد کین" The Caine Mutiny التي كتبها أحد زملائه الذين خدموا على ظهر نفس السفينة، وهو هرمن ووك الذي اصبح فيما بعد كاتبا مرموقا، وقد حازت روايته هذه على جائزة پلتزر رفيعة المستوى وانتجت كفلم سينمائي عام 1954 من بطولة همفري بوگارت.

في عام 1946 عاد توبن الى هارفرد ليكمل الدكتوراه بثلاث سنوات. كانت اطروحته حول دالة الاستهلاك وقد اشرف عليها جوزيف شومبيتر، ونشر أول مقالة علمية له عام 1941 مستندا على اطروحته. بعد ذلك وفر له قسم الاقتصاد في جامعة ييل وظيفة في الهيئة التدريسية وبدرجة استاذ مشارك، ترقى بعدها الى درجة الاستاذية Sterling Professor عام 1957 واستقر هناك مزاولا التدريس والبحث لحين تقاعده عام 1988. وبذلك فقد اكمل 41 عاما في عمله كعضو في الهيئة التدريسية االجامعية. كان خلال حياته الاكاديمية هذه قد نشر 16 كتابا و400 بحثا، ماعدا المقالات المتفرقة هنا وهناك في الصحافة العامة والمحاضرات في المؤتمرات العلمية والمحافل الاكاديمية.

في عام 1946 ذهب الى كيمبرج وتعرف على إليزابث رنگو التي كانت احدى طالبات صديقه پول سامولسن في MIT، فقادت علاقتهما الى زواج ناجح انجبا منه ثلاثة ابناء وبنت. وفي عام 1949 انتخب كعضو شاب في جمعية زملاء هارفرد الشهيرة، وفي عام 1955 حاز على وسام جون بيتس كلارك الذي تمنحه جمعية الاقتصاديين الامريكيين للمتفوقين من اعضائها تحت سن الاربعين. وفي نفس العام اصبح رئيسا لقسم الابحاث في مؤسسة كاولز Cowles Foundation التي انتقلت توا لتكون تحت رعاية جامعة ييل. كان قد تبوأ هذا الموقع مرتين، الاولى من 1955 الى 1961 والثانية 1964-1965.

في عام 1961 دعاه الرئيس جون كندي ليكون واحدا من ثلاثة اقتصاديين كبار يشرفون على مجلس مستشاري السياسة الاقتصادية لدى البيت الابيض، فاسفر عمله في هذا المجال عن اصدار التقرير الاقتصادي الرئاسي الشهير لعام 1962. كما انتدب للعمل في نفس الفترة كمستشار اكاديمي لمجلس امناء البنك الاحتياطي الفدرالي والخزانة الامريكية. في عام 1970 ترأس جمعية الاقتصاديين الامريكيين، وفي عام 1972 كلفه المرشح الديمقراطي لرئاسة الجمهورية جورج مكگوفرن بالاشراف على صياغة السياسة الاقتصادية في برنامجه السياسي المقترح. وفی السنة نفسها انتخب عضوا في اكاديمية العلوم الوطنية.

عُرف توبن بمساهماته النظرية عن سلوك الاستثمار والمستثمرين والتأثير المتبادل بين السلوك وحالة السوق المالية وعلاقتها بالتضخم والعمالة وعموم النشاط الاقتصادي. وكان قد افاض عن موقفه في هذا المجال من خلال مجادلاته مع اصحاب المذهب النقدي كملتن فريدمن واتباعه حول دور واثر السياسة النقدية ومدى قابليتها في التأثير على الاحوال الاقتصادية.

يؤكد توبن ان معرفة وتقرير سعر الفائدة ومعدل النمو في عرض النقود غير كاف للتنبؤ بتأثير السياسة النقدية على ما ستكون عليه حالة الاقتصاد، ذلك ان السياسة النقدية لها اثرها الواضح على الاستثمار في رأس المال، خاصة الاستثمار في المنشآت الصناعية والآليات وسلع المستهلك الانتاجية Durables لكن سعر الفائدة ليس العامل الوحيد انما هو احد العوامل المؤثرة. ويمضي توبن في وصفه لحقيقة سلوك المستثمرين فيقول انهم يحاولون ان يوازنوا بين الاستثمارات عالية العائد وعالية المخاطرة وبين استثماراتهم الامينة والموثوقة ولو انها منخفضة العائد. ولذلك فان محور دراسات توبن كان يدور حول الاسواق المالية واثرها الاقتصادي على الاستهلاك وقرارات الانفاق والعمالة والانتاج وحركة الاسعار، وهذا الحقل بالذات هو الذي نال بموجب دراساته المستفيضة فيه جائزة نوبل لعام 1981.

من مساهمات توبن المتفردة في النظرية الاقتصادية والتي حملت اسمه مايلي :

نسبة توبن Tobin Ratio (q)

تشير هذه النسبة التي استنبطها توبن الى حاصل قسمة سعر السوق الجاري للموجودات الكلية الفعلية على كلفة استبدالها. فلو كانت قيمة q أقل من واحد (q < 1) يكون الاستثمار في تلك الموجودات غير مُجز وغير مُجد، ذلك ان قيمة الاستبدال اكبر مما ستثمن في السوق. أما اذا كانت قيمة q اكبر من واحد (q > 1) فهذا يعني ان السوق سيأتي بثمن يزيد على كلفة انتاجها فسيكون الاستثمار فيها مجديا ومربحا. يقال ان أول من طرق هذه الفكرة هو الاقتصادي نيكلس كالدور عام 1966 وقد تحدث عنها كمعدل للتقييم Valuation Ratio (v)، الا ان توبن وسعها وافاض في شرحها وتطبيقها عام 1970 فاصبحت مقترنة باسمه.

ضريبة توبن Tobin Tax

بعد تجاوز مقررات اتفاقية برتن وودز Bretton Woods عام 1971، جاء تعويم سعر الصرف ليحل محل سعر الصرف الثابت المحتسب بالدولار الامريكي المسنود بالذهب. هذا التغيير السريع والمفاجئ جعل المال ينتقل من وسط الى آخر بمعدلات صرف متباينة اسهمت في احداث تقلبات سريعة وغير متوقعة اربكت توازن السوق المالية. وهنا اقترح توبن فرض ضريبة خاصة على كل صفقة تحويل مالي تجري بين عملة واخرى من اجل الحد من جموح التقلبات السريعة Volatility في سوق المال. لقد افترض توبن بأن مبلغ الضريبة الصغير نسبيا سيحد من المضاربة بالعملات في الاجل القصير ويمكن له في نفس الوقت تعويض الخسائر الاقتصادية المترتبة على المضاربات، ولو بشكل جزئي، خاصة في الاقتصادات النامية التي لا تستطيع المنافسة مع اسواق المال الكبيرة. وبذلك يتوفر لتلك الاقتصادات مورد اضافي ليصبح جزءً من استثماراتها في المشاريع الانمائية. وكمثال آخرعلى امكانية الاستفادة من هذه الضريبة، اقترح توبن منحها الى منظمة الامم المتحدة كتعويض عن بدلات الاشتراك التي تتقاضاها المنظمة من اعضائها، مما سيقوي استقلالية المنظمة ويعضد من الارادة الدولية بمعزل عن مدى مايساهم به الاعضاء من تمويل.

ومن الجدير بالذكر فان هذه الضريبة لم تأخذ حيز التنفيذ الا بعد وفاة توبن عام 2002! ومع ذلك فقد تحول القصد من استيفائها الى جمع موارد مالية لاغراض اخرى غير تلك التي كانت في نية توبن، وبعيدا عن كونها وسيلة فعالة للحد من المضاربات المالية المخلة بالتوازن الاقتصادي.

نموذج توبن – بومل Tobin-Baumol Model

يشرح هذا النموذج الرياضي العلاقة بين الصيغ المختلفة لقيمة النقود، وذلك تبعا لمديات سيولتها كما في حالة المقارنة بين الاحتفاظ بالنقود في حالة سيولتها القصوى Cash وبين قيمتها في حالة تعزيزها بالفوائد المستحصلة من خلال تشغيلها بالاستثمار. وبذلك تتضح كلفة الفرصة الضائعةOpportunity cost المتمثلة بقيمة الفوائد المستحصلة فيما لو تم فعلا ذلك الاستثمار باحتساب معدلات الفوائد الجارية. صيغ هذا النموذج بالتعاون مع الاقتصادي وليم بومل (1922 – 2017) الاستاذ في جامعة نيويورك.

مشروع توبن Tobin Project

هو مشروع فكري تأسس بعد وفاة توبن بثلاث سنوات، أي عام 2005. هدف المشروع الاساسي هو احياء لذكرى توبن وتكريمه والاحتفاء بمنجزه الفكري والابقاء على تراثه وتطويره عن طريق تبني الدراسات ونشر البحوث على هدى من فلسفة وافكار توبن في مواضيع السياسة الاقتصادية ودور الحكومة في الاقتصاد ونشاط الاسواق المالية والاقتصادية وقضايا الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والامن القومي، على ان تكون النية الاساسية من كل ذلك هي المساهمة العملية في حل المشكلات الاقتصادية التي تواجهها الانسانية جمعاء خلال القرن الواحد والعشرين وما بعده. والمشروع يحمل روح وفلسفة توبن المتجسدة في قوله:

" الاقتصاد لصيق بالسياسة، والاقتصادي الناجح هو الذي يقدم حلولا لمشكلات الواقع العملي والتي قد تأخذ موضع التنفيذ فيما اذا قُدمت على شكل نصح ومشورة لصناع القرارات السياسية والاقتصادية، شريطة ان تعكس مستوى عال من المسؤولية الاخلاقية والاخلاص في خدمة المجتمع".

***

ا. د. مصدق الحبيب

 

محمدـحسينـ الداغستانييتفق المؤرخون على ان بداية نشأة الصحافة العراقية تقترن بصدور جريدة (زوراء) في الخامس عشر من حزيران عام 1869 وكانت ثمرة من ثمار المطبعة التي جلبها الوالي العثماني مدحت باشا من باريس الى بغداد وقد جاء تاسيسها على يد صاحبها الكاتب احمد مدحت افندي، وكان من بين رؤساء تحريرها الشاعر جميل صدقي الزهاوي.

لم تبق الزوراء هي الوحيدة في الساحة الصحفية انذاك فقد صدرت جريدة (الموصل) في مدينة الموصل في 25 حزيران من العام 1885 وتوقفت أكثر من مرة إلا أنها أغلقت وبشكل نهائي في العام 1934، أما الجريدة الثالثة التي صدرت في العراق فكانت جريدة (البصرة) التي صدرت في ولاية البصرة في 31 / 12 / 1889 وهي لسـان حال الحكومة العثمانية كسـابقتها، وكان ذلك في فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني. فيما تعتبر مجلة (اكليل الورد) التي اصدرها الآباء الدومنيكان في الموصل في كانون أول 1902 أول مجلة أهلية أنشئت في العراق .

اما في كركوك فان اول مطبعة تأسست فيها كانت (مطبعة الولاية) التي اسسها الوالي فيضي باشا في العام 1878 م. وبعدها تأسست مطبعة (صنايع) وكانت مطبعة ضخمة اسسها الوالي عون الله كاظمي باشا بمساعدة ومساهمة بعض الشخصيات الاجتماعية وذلك في العام 1328 رومية. وقد طبعت فيها صحيفة (حوادث) وهي اول صحيفة تصدر في كركوك وكان صاحب امتيازها احمد مدني قدسي زاده وصدر العدد الاول منها في العام 1911 وكانت تصدر باللغة التركية واستمرت لمدة سبعة اعوام لحين احتلال الانكليز لكركوك في 25 / 10/ 1918.حيث وضع المحتل يده على المطبعة واستولى عليها ليقوم باصدار صحيفة بديلة تكون لسان حاله والمدافعة عن سياسته القمعية. لكن احمد مدني لم يستسلم وحاول إصدار صحيفة مستقلة وحرة باسم (تجدد) ونجح في اصدار العددالاول منها في العشرين من شهر تشرين الثاني في العام 1920.لكنها لم تستطع الصمود امام تعسف المحتل لاكثر من ثلاثة اعداد فقط..

لقد شهدت الساحة الصحفية العراقية إتساعا كبيرا في اعداد النشريات الصحفية في ظل سلطة الاحتلال الانجليزي فقد اصدرت السلطة مجلة (العراق في زمن الحرب) عند احتلالها بغداد في شهر نيسان 1917 ثم انشات صحيفة (العرب) التي أصبحت الجريدة الرسمية لقوات الاحتلال الى جانب عدة صحف اهلية ابقت عليها ولم تعطلها مثل (الزهور) الموالية لها فيما قامت بنفي اصحاب الصحف التي كانت تعارض الاحتلال الى مدن نائية وكان قد سبق لها وان استولت على مطبعة ولاية البصرة واصدرت صحيفة يومية هناك تحت اسم (الاوقات البصرية) قبل احتلالها العاصمة بغداد.

ولم تكتف سلطة الاحتلال الانكليزي بالصحف التي اصدرتها باللغات العربية والمحلية وإنما بادرت في العام 1918 الى إصدار صحيفة (بغداد تايمس) باللغة الانكليزية لكي تعبر عن رأيها كما وصدرت في فترة الاحتلال صحيفة في الموصل بإسم (النادي العلمي) وفي كركوك صحيفة (نجمة) وكذلك في النجف .

وبهدف استهداف الرأي العام الكردي وتجميل صورة الاحتلال شرعت القوات البريطانية الى إصدار نشرات دعائية باللغة الكردية ثم حولتها فيما بعد الى صحف سياسية مثل جريدة (فهم الحقيقة)، وهي جريدة سياسية اجتماعية أسبوعية صدر العدد الأول منها في الأول من كانون الثاني 1918، وحاولت الإيهام بان مصالح الكورد هي مع بريطانيا وعليهم ان يقفوا ضد الطموحات التركية - الألمانية في المنطقة، وقد صدر من الجريدة (67) عدداً حتى 27 كانون الثاني 1919، وبعدها بعامين بادر الحاكم البريطاني ميجر صن الى اصدار جريدة (التقدم) في السليمانية في العام 1920 وكانت سياستها متماثلة مع سابقتها.

تأسيس أول نواة للتنظيم النقابي الصحفي

لقد اتسعت الدائرة الصحفية بشكل واضح في الفترات اللاحقة في ظل الحكم الملكي ومن ثم الجمهوري وهذا ما دفع بالصحفيين الى العمل من اجل تأسيس نواة لتنظيم مهني يدافع عنهم ويضمن حقوقهم، لكن المحاولات الآولى بدأت في وقت مبكر قالحكومات الملكية واسوة بسابقاتها كانت تعمل بجدية على السيطرة على النشاط الصحفي من خلال تشكيل مهني يعتمد على قانون المطبوعات الذي كان قد وقعه الملك فيصل الأول في العام 1930 م والذي أقر وفق مادته الاربعين للحكومة ان تصدر أنظمة لتأسيس نقابة للمطبوعات، وعلى النسق ذاته إلتقى رئيس الوزراء حكمت سليمان في العام 1936 مع عدد من اصحاب الصحف ومنهم أنور شاؤل وميخائيل تيسي ونوري ثابت ويونس بحري ورزوق غنام وتباحث معهم بشأن تأسيس النقابة لكن دون الوصول الى اتفاق، واستمر الوضع لغاية انتهاء الحرب العالمية فتم تأسيس أول تنظيم نقابي بإسم (جمعية الصحافة العراقية) والتي تعرضت للتعطيل بسبب اعلان الأحكام العرفية في العراق.

إغتنم الصحفيون الفرصة بعد أن إرتقى الزعيم عبدالكريم قاسم سدة الحكم بعد إسقاط الحكم الملكي في العراق في 14 تموز 1958 وذكر فائق بطي في كتابه (الموسوعة الصحفية) أن 45 صحفياً، اجتمعوا في نادي المحامين في بغداد، وتدارسوا مشروع تأسيس نقابة للصحفيين، وأتفقوا على اختيار لجنة تأسيسية ضمت 11 صحفياً لإعداد الترتيبات الأولية للمشروع، والحصول على الموافقات الرسمية وهم : محمد مهدي الجواهري، صاحب صحيفة (الرأي العام) ويوسف إسماعيل البستاني من صحيفة (اتحاد الشعب) وعبد الله عباس، صاحب صحيفة (الأهالي) وعبد المجيد الونداوي، رئيس تحرير صحيفة (الأهالي) وصالح سليمان من صحيفة (صوت الأحرار) وفائق بطي، صاحب صحيفة (البلاد) وموسى جعفر أسد من صحيفة (الثورة) وحمزة عبد الله من صحيفة (خه بات) الكردية وصالح الحيدري، من صحيفة (خه بات) أيضاً وحميد رشيد، صحفي محترف وعبد الكريم الصفار، صحفي محترف ايضا.

وفي السادس من ايلول من العام 1959 عقد المؤتمر الأول للنقابة بعد مخاض عسير واختلافات عميقة وجوهرية بين الاحزاب السياسية انذاك، وحضرالزعيم عبدالكريم قاسم المؤتمر الذي شارك فيه 171 صحفيا من أصل 205 عضوا مسجلا لدى اللجنة للتصويت على انتخاب أول هيئة ادارية لنقابة الصحفيين العراقيين، ونشرت الصحف، في اليوم التالي 8 أيلول 1959، ومنها صحيفتا (الأهالي) و(الأخبار) النتائج، وكما يلي : محمد مهدي الجواهري، نقيباً، وحصل على 163 صوتاً ومحمد السعدون، نائباً للنقيب، وحصل على 106 أصوات، فيما فاز بعضوية الهيئة الادارية الاولى كل من، جلال الطالباني 162 صوتاً، فاضل مهدي 161 صوتاً، محمود الجندي 132 صوتاً، بكر صدقي 160 صوتاً، قاسم حمودي 103 صوتاً، عبدالرحمن شريف 154 صوتاً، وأصبح فيما بعد سكرتيراً للنقابة، محمود شوكت 96 صوتاً .

***

محمد حسين الداغستاني

 

 

قاسم حسين صالحتعود علاقتي بالدكتور علي الوردي إلى عام " 1989 ". ففي تلك السنة كان على رأس وزارة التعليم العالي وزير مثقف بثقافة فرنسية محب للأدب والثقافة والفلسفة، هو الدكتور منذر الشاوي.وكان من نشاطاته الثقافية أن اصدر جريدة رصينة باسم " الجامعة "، المؤسسون لها ستة بينهم: الدكتور ياس خضير البياتي، حسب الله يحيى، الدكتور فجر جوده، الدكتور منذر الخطيب، وأنا مسؤول " الصفحة الأخيرة ".

وكنت خططت لاجراء حوارات مع الرموز العلمية والثقافية لأعمل ارشيفا لمفكّري العراق ومبدعيه، فبدأت بأول وزيرة للتعليم العالي الدكتورة سعاد إسماعيل وزرتها في بيتها على نهر دجلة قريبا من الصليخ. وكان هدفي الثاني هو الوردي الذي زرته بداره الواقعة خلف إعدادية الحريري للبنات في الأعظمية، واجريت معه حوارا نشر المسموح به في حينه مع صورة كاريكاتيرية بريشة الفنان "علي المندلاوي".وسألني عن باقي الحوار، فأجبته: " إذا نشر يا دكتور فسيكون طريقك لسجن ابو غريب"، فرد مازحا":" والله إذا أنا وأنت سوا.. يا محلاها ". وتطورت العلاقة إلى صداقة وزيارات في بيته.

الوردي.. يجيد فن السخرية

كنت أحرص ان ادعوه لكل ندوة علمية يوم كنت خبيرا بمركزالدراسات بوزارة الداخلية .ففي الدراسة الميدانية بعنوان: (البغاء.. أسبابه ووسائله وتحليل لشخصية البغي) والتي تعدّ الأولى من نوعها في العراق والعالم العربي من حيث نوعية ادوات البحث والاختبارات النفسية، وعدد البغايا والسمسيرات ( 300 بينهن من لها علاقة بمسؤولين كبار!)، دعوت الوردي واجلسته في الصف الأول في ندوة دعت لها وزارة الداخلية ضمت اكاديميين وقضاة. وحين انتهت الندوة مذ يده نحوي وسحبني (على صفحة ) وقال:

" دراستك هاي عن الكحاب تذكرني بحادثة ظريفة. في الأربعينات ناقشت الحكومة موضوع فتح مبغى عام في بغداد، وعقدت لقاءا ضم كلاّ من الوصي ونوري سعيد ووزير الداخلية ووزير الصحة ومدير الأمن العام. فاتفقوا على الفكرة لكنهم اختلفوا على المكان، بين الباب الشرقي وساحة الميدان. وكان بين الحاضرين شخص مصّلاوي يجيد فن النكته فقال لهم: ان افضل مكان للمبغى هو الميدان والما يصدّق خل يروح يسأل أمّه ! ".

ضحكنا.. وخاطبت عيناه عينيّ بتعليق:ماذا لو قالها احدهم لـ(صدام)! لأفرغ مسدسه في قائلها والمبتسمين، فيما الوصي ونوري السعيد ووزير داخليته ومدير امنه العام.. استلقوا على ظهورهم من الضحك!.

وكنت لاحظت انه في الحلقات النقاشية التي تدور حول موضوعات اجتماعية، كان يتحدث لدقيقتين أو ثلاث ثم يقول " اعتذر لاصابتي بوعكة صحية " فهمت منها أن الرجل كان " مرعوبا " من صدام حسين . والحق معه . فصدام أطعم كلابه المفترسة لحم أقرب الناس إليه، فكيف بشخص اسمه علي، من بيت الوردي .. وعالم اجتماع له كتاب عنوانه " وعاظ السلاطين !.".

الوردي.. يضرب في المناطق الحساسة

ما يميز الوردي ان تأثيره تجاوز حدود النخبة الى الناس العاديين، وتعدت شهرته حدود الوطن والعرب الى العالمية، يكفينا ان نستشهد بمقولة البروفسور جاك بيرك الذي وصف الوردي بأنه (كاتب يحلّق الى العالمية باسلوبه الذي يضرب في المناطق الحساسة في المجتمع كفولتير).

فهو يكتشف في الناس بعين مجهرية يصوغها بما يدهشك كقوله:

" إن العراقي، سامحه الله، أكثر من غيره هياما بالمثل العليا ودعوة إليها في خطاباته وكتاباته، ولكنه في نفس الوقت من أكثر الناس انحرافا عن هذه المثل في واقع حياته ".

وقوله:

" حدث مرة أن أقيمت حفلة كبرى في بغداد للدعوة الى مقاطعة البضاعة الأجنبية، وقد خطب فيها الخطباء خطبا رنانة وأنشد الشعراء قصائد عامرة. وقد لوحظ آنذاك أن اغلب الخطباء والشعراء كانوا يلبسون أقمشة أجنبية والعياذ بالله ".

" ومن العجيب حقا أن نرى بين مثقفينا ورجال دين فينا من يكون ازدواج الشخصية فيه واضحا: فهو تارة يحدثك عن المثل العليا وينتقد من يخالفها، وتارة يعتدي أو يهدد بالاعتداء لأي سبب يحفزه الى الغضب تافه أو جليل، ضاربا عرض الحائط بتلك المثل التي تحمس لها قبل ساعة ".

نظرية الوردي .. لم تعد صالحة

كانت تحليلات الوردي ممتعة ومدهشة، وستبقى تراثا فكريا رائدا لعالم اجتماع فذ بقامة إبداعية باسقة . غير أن الفاصل الزمني بين ما عليه المجتمع العراقي الآن وما كان عليه قبل نصف قرن، وطبيعة الأحداث الكارثية التي شهدها العراقيون في العقود الأربعة الأخيرة، تجعل الأسباب التي عزاها الوردي للعنف تتراجع لصالح أسباب أخرى أقوى وأشد تأثيرا كنا اوضحناها في كتابنا (الشخصية العراقية في نصف قرن) الذي تصدره اهداء له. وكنت اخالفه الرأي في قضايا فكرية واوضحت له الخطأ العلمي في مصطلحه (ازدواج الشخصية ) الذي شاع في زمنه وما يزال شائعا، وكان يستمع لي ويحاورني رغم انه اكبر مني عمرا واغزر علما، وكان يحبني وقالها بالصريح (شوف قاسم، آني ما احب الماركسيين، بس الك احبك).

ومع ذلك يبقى الوردي عالم اجتماع فذ يدهشنا بنباهته وفطنته وعمق تحليله، وتعد اطروحته الموسومة:

A Sociological Analysis of Ibn Khaldun s Theory.

A Study in Sociology of Knowledge.

التي نال عليها درجة الدكتوراه من جامعة تكساس (1950)، وكتابه (منطق ابن خلدون) .. اعمق ما كتبه الوردي في ميداني الفلسفة والمنطق، وأغزر ما كتبه في ميدان علم الأجتماع. ومن لم يقرأ هذين الكتابين فأنه لن يقف على حقيقة ابداع ابن خلدون ولن يدرك ما يمتاز به الوردي من قدرة استثنائية على التحليل العلمي.

لحظة وداع

كانت آخر مرة زرته بها في بيته حين كان مريضا. جلست بجانب سريره المتواضع وتمنيت له الشفاء العاجل والعمر الطويل، فقال وهو يحدس أنها النهاية: (أتدرى ماذا يعوزني الآن: إيمان العجائز)، ولم افهمها إلا بعد حين.

وللأسف.. فحتى مدينته (الكاظمية) لم تفه حقه.. مع ان فيها مسؤولين من ابناء طائفته بينهم نائب رئيس وزراء كان معدما بنى على ضفاف دجلة من جهة مرقد الأمام بيتا لنفسه بملايين الدولارات!.. وتجاهل دعوة كنت وجهتها له وآخرين من قيادات أحزاب الأسلام الشيعي لاقامة تمثال له في مدخل جسر الأئمة مادّا يده نحو الأعظمية بوجه تعلوه ابتسامة.

ان استذكار الوردي في يوم رحيله (13 تموز 1995) ينبهنا الى حقيقة ازلية.. هي ان الطغاة زائلون والعلماء خالدون.

***

أ.د. قاسم حسين صالح

محمود محمد عليلا يخلو تاريخ أية حضارة من المبادلات الأدبية والتي تعد نتيجة طبيعية وحتمية لتواصل الحضارات فيما بينها خاصة وأن الحضارة لا تنشأ بمعزل عن سائر الحضارات الأخرى. وعند النظر إلى تاريخ الفكر اليهودي في ظل الخلافة العربية الإسلامية نجد أنه كان لاحتكاك اليهود بالعرب أعظم الأثر في ارتياد الثقافة اليهودية لآفاق معرفية حداثية شديدة التباين عن نتاجها الثقافي التقليدي.

وعند النظر إلى عالم بن ميمون نجد أنه بالرغم من تبوئه لمنصب رئيس الطائفة اليهودية في مصر واشتغاله بتفسير كثير من النصوص اليهودية المقدسة إلا أن عقليته كانت عربية إسلامية خالصة حيث إن نتاجه الفلسفي والديني سواء الذي كتبه باللغة العربية أو باللغة العبرية يتطرق إلى قضايا الذات والصفات الإلهية، وخلق الكون والإنسان، والنفس البشرية والجبر والاختيار، والبعث والخلود والسعادة الإنسانية، تلك القضايا التي كانت تمثل في مجملها محاور الفلسفة الإنسانية، تلك القضايا التي كانت تمثل في مجملها محاور الفلسفة العربية الإسلامية.

وقد عرف العرب موسى بن ميمون، بـ بأبى عمران عبيد الله، وهو طبيب وفيلسوف ولاهوتي يهودي، وتمر اليوم ذكرى ميلاده، إذ ولد فى يوم 30 مارس من عام 1135م، في مدينة قرطبة بالأندلس، وموسى بن ميمون من أطباء البلاط السلطاني فى عهد الناصر صلاح الدين الأيوبي، وليس هذا فقط بل كان أحد المقربين منه، حيث عاش موسى فى مصر فترة طويلة بمدينة الإسكندرية، وكان قد اشتهر بممارسته للطب، صار ابتداء منذ عام 1200م الطبيب الشخصي للقائد صلاح الدين الأيوبي.

وقد كتب عنه القفطي في كتابه «إخبار العلماء بأخبار الحكماء»، فقال إن «ابن ميمون اعتنق الإسلام علانية، وإنه عاش مثل المسلمين؛ فكان يرتل القرآن الكريم ويقيم الصلوات الإسلامية، حتى استتبت له الأمور. ثم ترك الأندلس مع عائلته، مرتحلاً إلى مصر التي كشف فيها هويته اليهودية». غير أن هذا الخبر مشكوك في صحته، لأن فترة استقراره بفاس، لا تتجاوز خمس سنوات، وكتب فيها «رسالة عمن يُكرهون على تغيير عقيدتهم»، ردا على الحاخامات بشأن أن الشهادة أفضل من تغيير العقيدة، إلى جانب رسالته الشهيرة إلى يهود اليمن المضطهدين، الذين رفضوا تغيير دينهم. ومما كان شائعا، آنذاك، نداء اليهود بمسايرة واقع الإكراه الديني، عن طريق التمسك سرًا بالعقيدة، والاستمرار في الصلوات، والتمسك بالأوامر والنواهي. ولقد عين رئيسا للطائفة اليهودية أيام صلاح الدين، منذ 1191 التي مكنته من تقلد منصب قاضي قضاة اليهود، والذي مكنه من التواصل مع اليهود في مختلف البلدان، كاليمن وفرنسا وهولندا وإسبانيا، حيث ترك أحكاما شرعية وقرارات وفتاوى غير هينة، لا يزال أثرها جليا في التقاليد اليهودية وفي تراثهم المكتوب والشفوي، لما أظهرته من قدرت على تنظيم الشأن الأخلاقي والسياسي لمعضلة الاضطهاد الديني والعرقي. فرسائله في قضايا الإكراه والإلزام على التعايش مع أديان مختلفة، تصدح بنبرة عقلية لا لبس فيها، وما تحمله من قيم إنسانية كونية، لا تنتصر للتعصب أو الإقصاء، بل تنادي بالتسامح وتعلي من شأن العيش المشترك.

ومن جهة أخرى فقد موسى بن ميمون على اهتمام الكثيرين لدرجة أن أستاذنا الشيخ مصطفى عبد الرازق ذكره فى مقدمة كتاب للدكتور إسرائيل ولفنسون أستاذ اللغات السامية بدار العلوم، تحت عنوان "موسى بن ميمون .. حياته ومصنفاته"، واعتبره من فلاسفة الإسلام؛ وقال الشيخ مصطفى عبد الرازق، إننى ممن يجعلون ابن ميمون وإخوانه من فلاسفة الإسلام، وقد قلت فى كلمة ألقيتها فى حفلة ابن ميمون بدار الأوبرا فى اول أبريل عام 1935م ما نصه: "أبو عمران موسى بن ميمون فيلسوف من فلاسفة الإسلام، فإن المشتغلين فى ظل الإسلام بذلك اللون الخاص من ألوان البحث النظرى مسلمين وغير مسلمين يسمون منذ أزمان فلاسفة الإسلام. وتسمى فلسفتهم فلسفة إسلامية بمعنى أنها نبتت فى بلاد الإسلام وفى ظل دولته، وتميظت ببعض الخصائص مع غير نظر إلى دين أصحابها ولا جنسهم ولا لغتهم.

ولقد كان لنشأة ابن ميمون في بيئة إسلامية مزدهرة فكريًّا ومتسامحة دينيًّا، أكبر الأثر على فكره وكتاباته الدينية والفلسفية مثله في ذلك مثل بقية أقرانه من العلماء والمفكرين ورجال الدين اليهود الذين نشئوا في ظل الحضارة الإسلامية، لدرجة أن البعض وصف ابن ميمون بأنه فيلسوف إسلامي وليس يهوديًّا، فالدارس للثقافة الإسلامية حين يقرأ كتابه “دلالة الحائرين” يرى أن ابن ميمون حتى في مناقشاته لنصوص التوراة، إنما يصدر عن فكرٍ وثقافةٍ إسلامية .

في هذا الصدد يقول الباحث اليهودي إسرائيل ولفنسون، ما نصه: (ولسنا نعلم رجلاً آخر من أبناء جلدتنا غير ابن ميمون قد تأثر بالحضارة الإسلامية تأثرًا بالغ الحد حتى بدت آثاره وظهرت صبغته في مدوناته من مصنفات كبيرة ورسائل صغيرة(.

فقد أخذ ابن ميمون العلم على أيدي ثلاثة من أبرز العلماء المسلمين في عصره، وهم ابن الأفلح، وابن الصائغ، وابن رشد، حين عكف – كما يذكر ابن ميمون نفسه – على دراسة مؤلفات ابن رشد طيلة 13 سنة، وهو ما تجلى في تأثره بفكر ابن رشد تحديدًا لاسيما في كتابه “دلالة الحائرين”. كما كان معجبًا ومتأثرًا جدًّا بالفارابي، ورأى أن كتبه في المنطق هي الأرقى والأفضل.

ويظهر في كتابه دلالة الحائرين اقتباسه الكثير من الكلمات العربية والإسلامية التي مصدرها القرآن الكريم، والمؤلفات الفقهية الإسلامية لا سيما ما يتعلق بقصة الخلق وما يعرف بغوامض العلم الإلهي، فقد وضعه على غرار بعض المؤلفات الفلسفية الإسلامية التي هدفت للتوفيق بين الفلسفة والشريعة؛ ليؤكد بعض الآراء الدينية ؛ إذ حاول تعريف اليهود بأصول دينهم وإعادة إحيائها مرة أخرى، لكن على نسق إسلامي، بشكل يتوافق مع الفكر الفلسفي الذي كان سائدًا خلال العصر الوسيط.

وتجلى تأثر ابن ميمون بالفكر الإسلامي أيضًا في هذا الكتاب، في رفضه التفسير الحرفي لنصوص التوراة، ودعوته إلى إعمال العقل فيها وإعادة تفسير المعاني ما وراء النص، إضافة إلى تأويله بعض النصوص ووضعه تفسيرًا عقليًّا وفسلفيًّا لها، ولهذا يعتبره اليهود واضع أساس التفسير العقلي لليهود على أسس إسلامية.

لقد أعجب موسى بن ميمون بالفلسفة والفلاسفة في الثقافة اليونانيَّة والحضارة العربيَّة والإسلامية، ونهل من علومها وتراثها المتنوع، وبسبب تأثره العميق بتراث الحضارة الإسلاميَّة عُدَّ من قبل كثيرٍ من البحثين –الغربيين والشرقيين- ضمن فلاسفة العرب والإسلام، بسبب عُمق خلفيَّته الحضاريَّة العربيَّة الإسلاميَّة، وشدة تأثره واقتباسه من علوم وثقافة علماء الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة.

فيذكر الباحث اليهودي إسرائيل ولفنسون أنّ موسى بن ميمون: “في مناقشاته لنصوص التوراة إنَّما يصدر عن فكر وثقافة إسلاميين”، ويقول أيضًا: “ولسنا نعلم رجلاً آخر من أبناء جلدتنا [=اليهود] غير ابن ميمون قد تأثر بالحضارة الإسلاميَّة تأثرًا بالغ الحدّ حتى بدت آثاره وظهرت صبغته في مدوناته من مصنفات كبيرة ورسائل صغيرة”. وتقول الباحثة المتخصصة في الفلسفة اليهودية تمار رودافسكي: “كان من بين الفلاسفة المسلمين الذين تأثر بهم موسى بن ميمون كل من الفارابي وابن سينا وابن باجة وعلماء الكلام المسلمين”. ويؤكد الدكتور محمد خليفه حسن أنَّ كتب موسى بن ميمون “أعادت صياغة الفكر الدِّيني اليهوديِّ على أُسسٍ كلاميَّة فلسفيَّة متأثرة بالاتجاهات الكلاميَّة والفلسفيَّة الإسلاميَّة، وشارحةٍ للدين اليهودي على أسسٍ عقليَّة تأثرًا بالاتجاه الإسلامي”. ويقول الدكتور حسن حسن كامل إبراهيم: “تتلمذ ابن ميمون على أيدي الأشاعرة والمعتزلة، والفارابي، وابن سينا، وابن الطفيل، وابن باجة، والغزالي، وغيرهم من علماء وفلاسفة العرب المسلمين…وتتلمذ موسى على أيدي المسلمين حاملي مشعل الحضارة والعلم في ذلك الحين”. بل بالغ بعض الباحثين المتأخرين والمعاصرين، فجعلوا موسى بن ميمون فيلسوفًا عربيًا إسلاميًا، حيث يقول الشيخ مصطفى عبد الرازق: “أبو عمران موسى بن ميمون…تخرج بدروس الحكيمين الأندلسيين الكبيرين: ابن طفيل وابن رشد…وإنني ممن يجعلون ابن ميمون وإخوته من فلاسفة الإسلام ومن فلاسفة العرب”. وكذلك الدكتور حسين آتاي الذي اعتبر موسى بن ميمون “فيلسوفًا إسلاميًّا” وإن كان غير مسلم، وكذلك الدكتور عبد الوهاب المسيري الذي عَدَّ ابن ميمون “مفكرًا عربيًّا إسلاميًّا”.

كذلك كان موسى بن ميمون كطبيب وعالم وفيلسوف أحيانًا يدعو إلى الأدب في التعامل والترفع عن السباب والشتائم في الخلاف، ويدعو أصحابه وتلامذته إلى ذلك، حيث يقول موجهًا كلامه إلى أحد تلامذته اليهود وهو يوسف بن عقنين، ويبدو أنَّ ذلك كان بسبب نزاعٍ داخلي بين اليهود؛ بين الموافقين والمخالفين له: “أنا لا أطالب أحدًا أن يحترمني، حتى إنني أتنازل عن الإهانات الكثيرة، ذلك أنَّ احترامي لذاتي، ورُقِي أخلاقي، أسمى لدي من أن أهزِمَ الحمقى، أطلب منك إن كنتَ تلميذًا لي، أن تيسر على نهجي وأخلاقي، فهذا أفضل لك، وليسبوك ولا تسبهم، ولتكن من المُهانين لا من المُهِنين”.

وكان يمكن لموسى بن ميمون -مع هذه المكانة والتأثير الكبير- أن يصنع دورًا إيجابيًا ويفتح مجالاً مهمًا في نشر وترسيخ روح التسامح وتقبل الاختلاف، وحسن التعامل مع الآخر، ولا شك أنَّه لو فعل ذلك لكانت لتعاليمه دورها العميق والمؤثر في ترسيخ تلك المبادئ، وخصوصًا بسبب ما كان يتمتع به من سلطة روحيَّة وعلميَّة ودينيَّة وفلسفيَّة.

إلا أن كتبه ورسائله –مع شديد الأسف- التي كتبها بالعربية أو العبرية -مع مناقضتها لتنظيره السابق عن رقي أخلاقه- تعج بالسباب والشتائم المُوجَّه إلى المفكرين والعلماء الذين يختلفون معه، من اليهود والنصارى والمسلمين، وكان كثيرًا ما يظهر احتقاره وسخريته من علماء المسلمين وجمهورهم، وينعتهم بأشد الألفاظ، مع عِظَم استفادته من تراثهم وتحريراتهم العلميَّة. هذه اللغة التي يستخدمها موسى بن ميمون، ذلك الفيلسوف الكبير، تجاه المسلمين مع أنَّه كان يعيش بين المسلمين في مصر وغيرها، وكانت له منـزلة كبيرة ومنصب رفيع، ويعامل باحترام وتقدير، وعُين طبيبًا لصلاح الدين الأيوبي وابنه، وعين بدعم من صلاح الدين أو من طرفه رئيسًا للطائفة اليهودية، ومع ذلك كان يكره المسلمين والعرب ويدعو عليهم بأن يهلكهم الله، مع استفادته من علمهم، ووجوده في مكان مرموقٍ بينهم. لقد كان موسى بن ميمون أحد علماء اليهود وفلاسفتهم الذين استفادوا من الحضارة الإسلامية واقتبسوا من فلاسفتها ومن علماء الكلام والجدل، وعاشوا فيها غالبًا بأمن بالمقارنة مع أمثالهم في أوروبا، وحصلوا على مكانة رفيعة بين المسلمين، والتقدير لهم والتقديم في المنصب، ومع ذلك كان يحمل في قلبه تلك المشاعر السلبية تجاههم!

ولهذا يمكن القطع، في هذا المقام، أننا أمام شخصية استثنائية لحاخام يهودي، علا شأنه ولمع نجمه في قلب الحضارة العربية، وشارك في إثرائها بنصيب وافر من الحكمة والمعرفة، كما مثل جسراً وقنطرة بين اليهودية والإسلام والمسيحية معاً، ما يؤكد رحابة واتساع صدر هذه الحضارة التي شارك في صنعها النصارى العرب، واليهود، وحتى العلماء من غير الجذور العربية، فقد كانت العواصم العربية ومنها القاهرة، رواق الأمم، يقصدونها من كل صوب وحدب، ويجدون في أفيائها الكثير من الأمن والأمان، الأمر الذي مكنهم من الإبداع العقلي والنقلي على حد سواء.

وعلى خلاف غالبية الفلاسفة اليهود الذين لا نعرف عنهم سوى النزر اليسير، فقد زود موسى بن ميمون الأجيال التي تلته بمعلومات كثيرة عن سيرته ومسيرته، سواء في رسائله أو وثائقه التي تم الاحتفاظ بالكثير منها، في وثائق الجنيزاة القاهرية، أي في موضع تخزين الوثائق، التي اكتشفت خلال القرن الماضي في معبد ابن عزرا بالفسطاط، وتمكن الباحثون عبر قصاصات هذه النصوص من إعادة بناء بعض التفاصيل المتعلقة بحياة موسى بن ميمون الذي عرف أيضاً بأسماء عدة أخرى، فاسمه العبري موشيه بن ميمون، كما عرف أيضاً في صيغته اللاتينية باسم «مايمونيدز»، وعرف اختصاراً في العبرية باسم «رامبام»، أما اسمه العربي فهو الرئيس أبو عمران موسى بن ميمون بن عبدالله القرطبي الأندلسي، وعرف كذلك باسم «المعلم»، أو «النسر العظيم".

ترك ابن ميمون خزانة أعمال دينية وفلسفية جديرة بالعناية، بالنظر إلى ما تحمله من بوادر عقلانية، على الرغم من اعتراض البعض على تصنيفها ضمن مجال الفلسفة، حيث ذهب ليو شتراوس إلى اعتبار كتاب «دلالة الحائرين» (1180) كتابا غير فلسفي، غير أنه من أهم الأعمال التي وضعت أسس فكر يهودي عقلاني متنور، وعدَّ في نظر بعض المؤرخين، أعمق كتاب حدد فيه ابن ميمون أسس فهم فلسفي للعناية الإلهية والكمال والسعادة، إلى جانب كتاب «المعرفة» الذي وضع فيه أسس الإيمان في الديانة اليهودية، كتاب «تثنية التوراة: قوانين القمر» 1166 مقال في صناعة المنطق (تتبع فيه نهج الفارابي)، «تفسير المشنا»، كتبه بالآرامية في فاس 1161 ونشره في مصر عام 1167. وهو بمثابة موسوعة في الشريعة اليهودية. تمكن صموئيل بن تيبون - قبل وفاة ابن ميمون 1204 - الذي ينحدر من مدينة ليون الفرنسية، من ترجمة الكتاب من العربية إلى العبرية، وجرى تداوله كثيرا في شمال إسبانيا وإيطاليا، ولقي معارضة شديدة وقوية، وجرت إدانة ابن تيبون، وأحرقت ترجمته في باريس وفي أماكن عدة، من قبل حاخامات اليهود الذين تخوفوا من أفكار ابن ميمون. كما ترك كثيرا من الرسائل، منها رسالة إلى يهود اليمن 1172. رسالة في التنجيم، رسالة البعث، وهي رد على انتقادات لرؤاه فيما بعد الموت والعالم الآخر 1191، إلى جانب 10 مقالات في الطب والمنهج العلمي، وعلاقة الطب بالفلسفة، ترجمت كلها إلى العربية والعبرية واللاتينية، وله تصنيف خاص للتلمود اليهودي، حيث كرس جهده لإعادة بناء العقيدة والشريعة اليهودية على أسس جديدة، ولذلك اعتبر أحد فقهاء الديانة اليهودية، نظرا لمحاولته التوفيق بين التعاليم اليهودية والمعارف الدنيوية. وعلى الرغم من اتسام بعض هذه الرسائل بطابع فوق طبيعي، بالنظر إلى هيمنة ميتافيزيقا أرسطو على زمانه، فما جاء به المعلم الثاني، كان بالغا في أثره على ابن ميمون، قبل أن يستكمل ابن رشد مشروعه النقدي تجاه ما ورثه القدماء عن الأفلاطونية الجديدة.

جرى تحريم أعماله في القرن الثالث عشر، وتمكن كثير من حاخامات اليهود من إقناع محاكم التفتيش بحرق أجزاء من كتابه «دلالة الحائرين»، الذي أثر في الفيلسوف باروخ سبينوزا، الذي اعتبره البعض الوريث الحقيقي لفلسفة ابن ميمون خاصة في التفسير الطبيعي.

وتزامن مخطط «دلالة الحائرين»، مع موت أخيه الذي آلمه كثيرا، وسبب له محنة، كبيرة إلى جانب انشغاله بتداوي النبلاء، بحيث لا يجد وقتا فارغا لاستكمال أبحاثه في الفلسفة، خاصة مع أرسطو الذي يقدره كثيرًا، وأعماله التي تمثل جذور وأسس جل الأعمال في العلوم، لكنها لا تفهم إلا بواسطة شروح «الإسكندر أفروديسيس»، و«ثيماستيوس»، و«ابن رشد".

وقد اشتهر ابن ميمون بنباهته وكفاءته العلمية والدينية. وكرس معظم وقته للعمل كطبيب، لا يجد الوقت الكافي للمطالعة والكتابة، حيث يقول في رسالته إلى أخيه: «أخبرك أني حظيت في الطب بشهرة واسعة في أوساط العظماء، مثل كبير القضاة والأمير. أما بالنسبة للعامة، فينظرون إلي بوصفي شخصا بعيد المنال. ويضطرني هذا الأمر إلى إضاعة طوال اليوم في القاهرة لزيارة المرضى من النبلاء. وعند عودتي إلى الفسطاط، أقضي ما تبقى من اليوم والليل في دراسة الكتب الطبية التي هي ضرورية لي. وأنت تعلم مدى صعوبة هذا العلم لكل إنسان دقيق ذي ضمير حي، ولكل من لا يرغب في إقرار شيء لا يستطيع البرهنة عليه ودون معرفة ما أشير إليه وكيفية شرحه. وأسفر هذا الوضع، عن أنه لم يعد لدي وقت كاف لدراستها، وهذا الأمر يزعجني. ولم أجد بعد الوقت اللازم لقراءة أعمال أرسطو.

وإلى جانب مساهماته في مجال الدين والفلسفة والتأويل العقلاني للتقاليد والطقوس اليهودية، فهو طبيب وعالم فلك، تتلمذ على يد ابن باجة وابن رشد، وكان الفارابي ملهمه الثاني بعد أرسطو، من جهة إيمانه بأن العالم تحكمه قوانين طبيعية، يمكن معرفتها من خلال البحث العلمي والتجريب. لهذا تعاطى الطب كثيرا في صفوف نبلاء مصر أيام صلاح الدين، حيث لا يجد الوقت الكافي للكتابة والقراءة، وفي الوقت نفسه، يتبنى العقلانية في بعض تجلياتها، وسارع إلى شجب الخرافة والتفكير الغيبي، معتبرا أن فهم العالم يجب أن يرتكز على العلم الطبيعي.

يبقى أن جهد ابن ميمون الفلسفي والديني والعلمي يحتاج إلى اهتمام الباحثين لاستشراف علاقته بابن رشد وسبينوزا والفارابي وأرسطو. ففي الوقت الذي نال فيه هؤلاء ما استحقوه من عناية، يبقى فيلسوفنا العقلاني مهمشا، على الرغم من المحاولات المتواضعة التي تقوم بها بعض المؤسسات الأكاديمية في هذا المضمار.

***

د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..........................

المراجع:

1- إسرائيل ولفنسون، موسى بن ميمون..حياته ومصنفاته، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، الطبعة الأولى 1936، ص 4.

2- أحمد منصور: هل كان الحاخام اليهودى موسى بن ميمون من فلاسفة الإسلام؟

الثلاثاء، اليوم السابع 30 مارس 2021 07:00 م.

3- الأعلام (7/329).

4-عيون الأنباء في طبقات الأطباء (582).

5-تاريخ مختصر الدول لابن العبري.

6-فوات الوفيات (4/175).

7- محمد عبود، موسى بن ميمون…اليهودي -المسلم، المصري اليوم، 15 مارس 2010.

8- عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، الموسوعة الموجزة، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الثالثة، 2006 م، المجلد الأول، ص 343.

9- فاطمة نادي، موسى بن ميمون أن تكون يهوديا في دولة الخلافة الإسلامية، موقع ساسة بوست، 19 سبتمبر 2018.

10- حسن ظاظا، الفكر الديني الإسرائيلي. أطواره ومذاهبه، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 1971، ص 159 – 160.

11- حسن حسن كامل ابراهيم، الآراء الكلامية لموسى بن ميمون والأثر الاسلامي فيها، مركز الدراسات الشرقية، القاهرة، 2003، ص 45-53.

علي المؤمنالحديث عن جنسية السيد موسى الصدر وأصوله الوطنية حديث شائك؛ فهو عراقي إيراني لبناني، أي إنه ينتمي الى البلدان الثلاثة معاّ، في أصوله البعيدة والقريبة، حاله حال كل آل الصدر، فهي أسرة كثيرة الهجرة، وتشبه بعض الأسر العلمية العلوية الكبيرة، كآل الغريفي مثالاً.

وتعود أصول آل الصدر البعيدة الى لبنان (بلدة شحور وبلدة معركة في جنوب لبنان)، وهم فرع من آل شرف الدين (من السادة المجابية الموسوية). أما أصولهم القريبة، فتعود الى العراق وإيران، لأن جد الأسرة ومؤسسها السيد صدر الدين شرف الدين الموسوي العاملي، استقر في إصفهان بعد هجرته من لبنان الى النجف قبل 240 سنة تقريباّ (1783 م)، وأنجب أولاده الخمسة في إصفهان، وأشهرهم السيد محمد علي (آقا مجتهد) والسيد اسماعيل، وقد أسس الأخوة أسراً معروفة، ولاتزال ذراريهم منتشرة في اصفهان وقم وطهران، وتسنم كثير منهم  مواقع حكومية رفيعة في الدولة الإيرانية. أما الوحيد الذي هاجر من بين الأخوة الخمسة، من اصفهان الى النجف، فهو المرجع الديني السيد اسماعيل الصدر (جد السيد موسى الصدر والسيد محمد باقر الصدر والسيد محمد صادق الصدر)، والذي بقي أبناؤه وأحفاده يتنقلون بين العراق وايران، ولذلك؛ حمل قسم من أبناء السيد اسماعيل الجنسية العراقية، وهم السيد حيدر (والد السيد محمد باقر الصدر) والسيد محمد مهدي (والد السيد محمد صادق الصدر) والسيد محمد جواد، بينما حمل أخوهم السيد صدر الدين الصدر (والد السيد موسى الصدر) الجنسية الإيرانية. وكان السيد موسى الصدر هو الوحيد من آل الصدر الذي حصل على الجنسية اللبنانية، وذلك بمرسوم جمهوري خاص في العام 1968، مع احتفاظه بجنسيته الإيرانية.

ولد السيد موسى الصدر في مدينة قم بإيران في العام 1928، وعاش فيها، ودرس في حوزة قم وجامعة طهران، بينما ولد أبوه المرجع الديني السيد صدر الدين في الكاظمية، أما جده المرجع الديني السيد اسماعيل فقد ولد في إصفهان. وبعد هجرة السيد صدر الدين الصدر من العراق الى ايران في مطلع شبابه، تزوج في مشهد من كريمة المرجع الديني السيد حسين القمي، ثم أصبح أحد مراجع قم الكبار، وقد ولد وعاش فيها جميع أبنائه وبناته العشرة وذراريهم، وقد هاجر من بينهم ثلاثة، وهم السيد موسى والسيدة رباب، اللذان عاشا في لبنان، والسيدة فاطمة، التي تزوجت من السيد محمد باقر الصدر وعاشت في النجف حتى استشهاده.

وكان السيد موسى الصدر أحد تلاميذ الإمام الخميني ووكلائه، وظل يدعم حراك الإمام الخميني من داخل لبنان، ولذلك؛ كان يتعرض باستمرار لمضايقات نظام الشاه وعملائه في لبنان. ومن جانب آخر كان السيد موسى أحد قادة الجهاد ضد الكيان الإسرائيلي، كما كان يدعم حراك ابن عمه السيد محمد باقر الصدر في العراق، وينسق معه في الخارج، أي أنه كان يقاتل على أربع جبهات: جبهة نهضة شيعة لبنان، جبهة ضد نظام الشاه في ايران، جبهة ضد الكيان الاسرائيلي وجبهة ضد نظام البعث العراقي.

وكما كان السيد موسى الصدر يعمل بكل إخلاص للبنان؛ فقد كان يعمل بإخلاص لإيران والعراق أيضاً، كما كان يعتبر نفسه فلسطينياً، ويعمل لقضية فلسطين، ولم يكن يرى أن في ذلك تعارضاّ مع مفهوم الوطنية، حتى بالتعريف الوضعي للوطن، ولم يكن يعمل بما يتعارض بين وطنيته وبين عقيدته الإسلامية الشيعية، لأنه كان يعد قضيته هي الوطن، رغم إيمانه بمبدأ الأولويات الجغرافية، ككل المرجعيات الدينية الشيعية ووكلائها، ولذلك؛ كان السيد موسى الصدر يقدم لبنان على غيرها في تكريس الاهتمام وحجمه ونوعه، بسبب استيطانه فيه، وهو تكريس لايتعارض مع الانتماء العقدي. كل هذا الجهود والانجازات، وضعت السيد موسى الصدر في موقع المؤسس للنهضة الشيعية المعاصرة في لبنان، وأحد المؤسسين الثلاثة للنهضة الشيعية العالمية المعاصرة.

***

علي المؤمن

 

 

محمود محمد عليالشعر الشعبي أو النبطي أو البدوي اختلفت المسميات ولم تختلف التراكيب وبحث وكتب الكثير من النقاد في هذا الشعر وتوصلوا إلى أن الشعر الشعبي هو: شعر عربي ملحون، خرج على ضوابط العرب في كلامهم المعرب حافل بالأصوات والمفردات والتراكيب الشعبية الدارجة، وهو أشهر أنواع الشعر غير الفصيح وأكثرها انتشاراً في شبه الجزيرة العربية وعلى ألسنة سكانها. وقد سمي بالنبطي تشبيهاً له بكلام النبط لخروجه عن قواعد العربية فكأنه كلام النبط الذي يلحنون به ولا يقيمون إعرابه، وقد انتشر هذا النوع من الشعر في الجزيرة العربية منذ قرون بعيدة وبدأ نظمه على ألسنة الشعراء البارعين في جميع الأحوال.

ويعد ابن خلدون المؤرخ العربي أول من ذكر الشعر الشعبي تحت اسم الشعر (البدوي) وذكر ذلك في مقدمته التي كتبها في عام 808هـ فقد أورد عدة نصوص شعرية في مقدمته نسب بعضها إلى بني هلال، الذين ينتسبون إلى هلال بن عامر، وهم قبيلة عربية هوازنية قيسية مضرية عدنانية سكنت قبل هجرتها من الجزيرة العربية إلى الشام ثم صعيد مصر ومنه إلى شمال أفريقيا بجوار أبناء عمومتها من القبائل القيسية مثل سليم " سليم" و" هوازن" و"عامر" بلاد الحجاز ونجد حيث الأرض صحراوية جافة تكتنفها حمم بركانية بازلتية سوداء، تقوم الحياة فيها على آبار قليلة مترامية وبعض الأمطار، وكانت تلك القبائل تتحكم في الطريق إلى المدينة وشعاب نجد والسبل المؤدية إلى الخليج حتى أثر يهود المدينة وتجار مكة التحالف معهم طوال العصر الجاهلي تقريبا، وأمحلت نجد وأجدبت فترات كثيرة واضطرت تلك القبائل للتنقل والترحل بحثا عن المرعي، لكن هضاب نجد البركانية السوداء، ظلت هي الوطن والمآل الذي اكتسبت منه صفاتها الأصلية، مما طبع هؤلاء النجديين من هلال وسليم وغيرهما بطابعه البدوي العنيف وتعبر مناصرتهم للقرامطة عن نزوعهم نحو العنف والتمرد.

وحول الحلف القيسي، فقد عرفت هذه القبائل بطبيعتها المحاربة وصراعاتها القبلية وهجراتها الطويلة وأحلافها، وألفت تلك القبائل النجدية جناحا مهما في الحلف الشمالي العداناني القيسي في نزاعهم مع عرب الجنوب القحطانيين واشتهرت كل قبيلة منها بأيامها وفرسانها وتراثها القبلي، وانضوي بنو هلال في هذا النزاع في الحلف القيسي المكون من سليم وعامر وهوازن في محاربة عرب الجنوب اليمانيين، ولم تكن تلك القبائل النجدية القيسية تشكل أحلافا لها مع تاريخ قبلي مشترك فحسب، بل كونت حاضنة قبلية مختلفة ومتمايزة عن غيرها، وكانت لهم لهجة دارجة يتفاهمون بها في حياتهم اليومية لم تتوفر لها مدونات، وإن كانت تظهر في قراءات القرآن الكريم إلى جانب الفصحي التي شكلت لغة أدبية.

ولاحظ باحثون أن بدو بني سليم كانوا لا يقفون على السكون، بل يبيحونه في كلامهم ولو كان في صدر أو بطن الجملة، وأن المفردات التي ينطقون بها فضيحة أو تنحدر من جذر فصيح، وأن الاختلاط بين تلك القبائل وبين السكان الأصليين أدي لديهم إلى تحول في النطق للتسهيل ولظروف اقتضها الملاءمة الحياتية بين اللهجات .

وحول هجرة قيس الكبرى، فقد اشتهر الحلف في أيام العرب زمن الجاهلية بحروبه الطويلة مع عرب الجنوب، إلى جاني نزاعاتهم وحروبهم الكثيرة فيها بينهم، وكانوا وثنيين مخلصين لآلهتهم، مثل أصنام ذي الخلصة وخثعهم وبجيلة، ولما بعث النبي صلي الله عليه وسلم بالإسلام عادته بعض القبائل الشمالية بشدة رغم قرابتهم له، ومن دخل الإسلام في حياة النبي نكث عهده بعد ذلك وانضم إلى حركة الردة التي فشت في جزيرة العرب، لكنهم هزموا لاحقا وعادوا إلى الإسلام.

وبعد فتح مصر عام 641 للهجرة، شعر الأمويون الذين ينتمون أيضا إلى القبائل القيسية بغلبة العنصر السبئي اليمني علي الجيش العربي وجنوده الذين استقروا في الفسطاط، حيث كانت معظم القبائل التي تكون منها جيش الفتح قحطانية يمينية، واقترح متولي خراج مصر على الخليفة " هشام بن عبد الملك" استقدم قبائل قيسية لإحداث توازن داخل الجيش ن وفي العام الهجري 109 بدأت هجرة قيس الكبرى إلى مصر وظلوا ينتقلون إليها مع أحلافهم وأبناء عمومتهم .

ثم جاء عهد الخليفة الفاطمي " العزيز بالله" الذي استقدم بعض القيسية باتجاه صعيد مصر والعدوة الشرقية، وكانت موجة هجرة القيسيين إلى مصر في عهده من أقوى الهجرات العربية التي سلكت ديار الشام ثم استقرت في الإقليم الشرقي عبر الطريق الذي عرف كثيرا من الهجرات، وكانت تسكنه بطون منهم منذ العصر الأموي، لكنهم ما لبثوا أن أثاروا القلاقل وأغاروا على قري الدلتا للنهب، وسرعان ما ضاق الخليفة بما سببوه من خراب فطردهم إلى صعيد مصر.

وحول الهجرة إلي شمال أفريقيا، فقد ثارت بلاد المغرب علي الحكم الفاطمي، وخلع ملك صنهاجة " المعز بن باديس " طاعة الفاطميين متحولا إلى الخليفة العباسي، وفي الوقت ذاته كانت في مصر قبائل بني هلال وبطن من سليم خؤولته من بني هلال، وأشار وزير البلاط الفاطمي " الحسن بن علي اليازوري" باصطناعهم وتوليتهم أعمال أفريقيا، ودفعهم إلى حرب صنهاجة، فهزمت هاتان القبيلتان " ابن باديس" ووصلتا تونس وحاصرتا القيروان واقتسمتا بلاد أفريقيا، فأخذت سليم صحراء طرابلس، بينما أخذ بنو هلال تونس وغربها .

وقد سجل " ابن خلدون" تلك الرحلة الكبرى، نحو شمال أفريقيا في: باب بعنوان " الخبر عن دخول العرب من بني هلال وسليم المغرب"، وقال:" لما جاز بنو هلال وبني سليم إلى أفريقية والمغرب منذ أول المئة الخامسة وتمرسوا بها لثلاثمئة وخمسين سنة، فقد لحق بها وعادت بسائطها خرابا كلها بعد ان كان ما بين السودان والبحر الرومي كله عمرانا تشهد بذلك آثار العمران فيه من المعالم وتماثيل البناء وشواهد القري والمدر" .

وحول ميلاد الشعر الملحمي البدوي، فقد برزت التغريبة الهلالية من نجد لشمال أفريقيا كعلامة فارقة في أشعار البدو القيسيين، وتروي قصة خروج شعب صحرواي بحثا عن الكلأ، لكنها استمرت قرنا أو يزيد، وخلفت تراثا أدبيا شعبيا من ملاحم وسير وأشعار وأبطال أسطوريين، وما زالت الذاكرة الشعبية تحفل بأسماء أبطال التغريبة أبو زيد الهلال ويونس ودياب بن غانم، بجانب بطولات نساء رافقن هذه التغريبة الجازية الشريفة وعزيزة الهلالية وخضرة الشريفة والدة أبي زيد الهلالي وشقيقته شيحة، واحتلت فيها المرأة مكانة اجتماعية، وعبرت من خلال الحكاية الشعبية عن حضورها البطولي، وارتبطت التغريبة بأشعار بدت إرهاصا لميلاد شعر شعبي بدوي واختلط بنو هلال وسليم مع قبائل بربرية وأمازيغية كبرى مثل صنهاجة وكتامة ولواتة وهوارة، واندمجت بعض قبائل قيس التي ارتحلت إلى المغرب وظلت هناك وعاد بعضها إلى المشرق وعرفوا بالعرب " المغاربة" الذين نزلوا ليبيا ومصر منذ أوائل القرن الثامن عشر، فسكنوا الجانب الغربي من النيل وضفاف بحر يوسف من أسيوط إلى الفيوم قبل الحملة الفرنسية بقرن تقريبا.

والسؤال الآن: ماذا تبقي من التغريبة؟

بالإضافة إلى دورهم في الدعوة للإسلام، ربط الهلاليون المغرب بالمشرق لغة وسكانا، فعرب المغرب قبل الهلاليين كانوا قلة مستقرة في الحواضر، وغلبت الأمازيغية على السكان فجاء الهلاليون بأعدادهم الهائلة وانتشروا وعربوا البلاد، وأدت كثرة الهلاليين وانتشارهم إلى غلبة لسانهم على غيرة من ألسنة العرب، فشاعت لهجتهم بالجزيرة العربية والشام ومصر والمغرب، ولعبت دورا في بزوغ لهجات دارجة كاللهجة المصرية، وتمثل لهجة بني هلال مستودع كلام العرب، وهي لهجة بدوية لها قاموس عربي ضخم يعود لما قبل الإسلام بقرون، لم تتحضر وبقيت راسخة في بداوتها.

وإذا كانت مسيرة بني هلال مع الأمة والرسالة الإسلامية بدأن بأم المؤمنين زينب بنت خزيمة (الهلالية) وأم المؤمنين " ميمونة بنت الحارث (الهلالية) رضي الله عنهما، فإنها لم تنته بأسد الصحراء عمر المختار (الهلالي) رحمه الله .

وخلاصة القول فإن مسيرة بني هلال تمثل ملحمة ويلة تصف هجرة بني هلال، وتمتد لتشمل تغريبة بني هلال وخروجهم من ديارهم الخرمه ورنية في عالية نجد إلى تونس. هي السيرة الأقرب إلى ذاكرة الناس، والأكثر رسوخًا في الذاكرة الجمعية. وتبلغ نحو مليون بيت شعر. وإن أضفى عليها الخيال الشعبي ثوبًا فضفاضًا باعد بين الأحداث وبين واقعها، وبالغ في رسم الشخصيات. ومن السيرة الهلالية تتفرع قصص كثيرة مثل قصة الأمير أبو زيد الهلالي وقصص أخته شيحة المشهورة بالدهاء والاحتيال، وسيرة الأمير ذياب بن غانم الهلالي، وقصة زهرة ومرعي. وغيرها من السير المتراصة التي تشكل في مجموعها ما يعرف بسيرة بني هلال. والسير الشعبية هي من أهم مصادر الثقافة في أرياف البلاد العربية، وخصوصًا إذا ما أخذنا في الاعتبار نسب الأمية المرتفعة. ويسمى المهتم بالسيرة الهلالية بالمضروب بالسيرة. ومنهم الشاعر الشعبي عبد الرحمن الأبنودي. هذه القصة الغنية بالشخصيات والأحداث والمواقف، تضفي على الأدب الشعبي لونًا خاصًا يمثل الحياة الاجتماعية والفكرية التي كان يعيشها الإنسان العربي في تلك الفترة من الزمن.

إن هذه السيرة من أفضل السير الشعبية ويقصد بها ملحمة طويلة تمثل الملحمة التاريخية الكبيرة والتي توجد في حياة بني هلال التي تعرف بهجرة بني هلال، والتي تشتمل على تغريبة بني هلال ومن ثم تخرج من الديار الخرمه ورنية إلى تونس، حيث هي السيرة القريبة إلى ذاكرة الناس، والمرسخة بشكل أكبر والتي توجد في الذاكرة الجمعية، والتي تبلغ حوالي مليون بيت شعر، حيث أنه أضفى عليها الخيال الشعبي والتي ألبسها ثوب فضفاض متباعد ما بين الأحداث وبين الواقع والتي تمكن من رسم الشخصيات أيضا، للسيرة الهلالية قصص كبيرة منها قصة الأمير أبو زيد الهلالي وكذلك قصص أخته شيحة التي تشتهر بالاحتيال والدهاء، وكذلك قصة زهرة ومرعي وأيضا سيرة الأمير ذياب بن غانم الهلالي وغيره من السيرة المختلفة التي تشمل بما يسمى بسيرة بني هلال، وهناك السير الشعبية التي تعد مصدر مهم للثقافة في كافة أنحاء البلاد العربية.

***

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...................

المراجع:

1- ابن خلدون: المقدمة، مطبعة الشعب، القاهرة، بدون تاريخ.

2-مجهول: تغريبة بني هلال ورحيلهم إلى المغرب وحروبهم مع الزناتي خليفة، دار عمر أبو النصر وشركاؤه، بيروت، 2011.

3-محمد حسن عبد الحافظ: سيرة بني هلال روايات من جنوب أسيوط، القاهرة، 2005.

4- ما هو تاريخ قبيلة بني هلال واين تواجدهم الان !.. يوتيوب.

محمود محمد عليهناك الكثير من الفرسان والزعماء والشخصيات العربية سواء قبل الإسلام أو بعده لديهم قصص شهيرة وصلت إلينا، لكن بعض الشخصيات التاريخية الهامة لم تصل لنا قصصها على الرغم من أهميتها، ولعل جميعنا قد سمعنا بقصة الزير سالم أبو ليلي المهلهل، وشقيقه وائل بن ربيعة أو كليب وقصتهم مع قبائل بني بكر وحرب البسوس التي استمرت 40 عاما من أجل ناقة، ولكن شخصيتنا التي نتحدث عنها هنا كانت في نفس زمانهم، ولكن قصتها مختلفة للغاية، إنه البراق بن روحان وهو خال الزير سالم وكليب، وواحد من أعظم الشخصيات العربية قبل بثة النبي صلوات الله وسلامه، أي في مرحلة الجاهلية العربية .

كان البراق بن روحان فارس بني تغلب وصاحب شأن عظيم، أعتبر في عصره من خيرة الفرسان، وكان يشار إليه بالبنان وعزة النفس، وهو يعد من شجعان الجاهلية ومن ذوي السيادة فيهم، ومن أشجع شجعان قبائل ربيعة إلى درجة أن العرب كتبت في التاريخ أن إليه ينتهي كجد بني ربيعة .

والبراق بن روحان اسمه بالكامل البراق بن روحان أسد بن بكر، من بني ربيعة، أبو نصر، كان شاعرا مشهورا من شعراء الطبقة الثانية وهو جاهلي قديم، وهو ابن عم وائل بن ربيعة (كليب) والزير سالم، وهو أكبر منهما عمرا وأقدم منهم في الفروسية وقدوتهم في الشجاعة.

كذلك كان للبراق أبنة عم ايمها ليلي، وكانت ليلي تحب البراق والبراق يهيم بها عشقا، وكان جميع أفراد القبيلة على دراية بقصة العشق بينهما، وكان المتعارف عليه حينها أن ليلي زوجة البراق المستقبلية، وكان عم البراق تاجرا واسمه " لكيز"، وكان صديق لملوك اليمن، يذهب إليهم بقوافله التجارية في كل عام، وفي أحد الأعوام كان " لكيز" قد وصل إلى قصر ملك اليمن ببضاعة، وبعد أن استقبله وتبادلا الحديث، قال له الملك: " يل لكيز ثد سمعنا أن لديك ابنة اسمها ليلي، تامة الحسن، وكاملة الجمال، فقال له لكيز: صدقت أيها الملك، فلي ابنة اسمها ليلي، وهي كما وصفت، فقا له ملك اليمن: أنا أريدها زوجة لأبني، فلنجعل من صداقتنا نسبا بيني وبينك .

ولقد فوجئ لكيز من كلام الملك، ولم يستطع رفض نسب الملك، وأمام إلحاح الملك وافق لكيز على تزويج ابنته ليلي لأبن ملك اليمن، ثم رجع لكيز إلى نجد وقابل ابن اخيه البراق وقال له ما جري بينه وبين الملك، وقد حاول البراق أن يثني عمه عن قراره، لكن عمه رفض وأصر على تزويجها، وهنا خرج البراق غاضبا من مضارب عشيرته، وفي الطريق قابل ابنة عمه ليلي فقال لها: يا أبنة العم، أأنت راضية عن قرار والدك ؟.. فقالت له: لست براضية، لكنه قرار أبي ولا أستطيع رفضه، فقال لها البراق بأن تنتظره عند بئر ماء ليأخذها بعيدا عن قومه ويتزوجها، فرفضت ليلي وأبت خوفا على سمعتها وسمعة أبيها، ومنذ ذلك اليوم سميت " ليلي العفيفة"، لأنها رفضت الهرب مع ابن عمها.

غضب البراق وكره قبيلته وأعتزل العرب كلها، فخرج إلى الجبال وهام على وجهه، وعتب على قبيلته التي لم تثن عمه على قراره، ومرت الأيام وبينما البراق في عزلته بين الجبال وحيدا هائما وقد اشتد عليه الوله وحب ليلي، إذا بالحرب تنشب بين قبيلته وبين قبائل طي وقضاعه، وكان يقود قبيلة ربيعة في المعارك وائل (كليب) وأخوه الزير سالم، فكانت الغلبة لقبائل طي وقضاعه، واستنزفوا قبيلة ربيعة، فكانوا أكثر عددا منهم، رغم سماع البراق عن طريق الرعاة أن قبيلته وأبناء عمومته يقتلون ويموتون، لم يحرك فيه ساكنا، ولم تحدثه نفسه بالتدخل، ولم تحثه رجولته للتحرك لنجدة أهله، فتعبت قبيلة بني ربيعة، وزاد فيها عدد القتلى ولم تستطع أن تتحمل أكثر من ذلك، وقالوا له أن لم نعد نستطيع الحرب أكثر فأنجدنا قبل أن نهلك، فطردهم البراق ورفض العودة معهم وهنا ارتكبت قبائل طي وقضاعه خطأ فادحا، فكتبوا إلى البراق يشكروه لعدم تدخله في الحرب، ووعدوه بأن يرسلوا له الهدايا الثمينة والعطايا لموقفه المحايد، ولكن كان لهذا المكتوب نتائج عكسية، فقد استفزت رسالته بني قضاعه البراق ن واعتبر أنه قد تخلي عن أهله وقبيلته وعشيرته وقت الشدة والحاجة، وبأن المال الموعود به ثمنا لخيانته تلك .

أمر البراق رجاله بالركوب، فركبوا وأمتطي هو مهرته " شبوب"، وكسر قناته وأعطي كل واحد من إخوته كعبا منها، وقال لهم: " حثوا أفراسكم، وقلدوا نجبائكم قلائد الجزع في الاستنصار لقومكم"، وقال أبياتا من الشعر تقول:

إذا لم أقد خيلاً إلى كل ضيغم...    فآكل من لحم العداة وأشبع

فلا قدت من أقصى البلاد طلائعاً... ولا عشت محموداً وعيشي موسع

إذا لم أطأ طياً وأحلافها معاً...    قضاعة بالأمر الذي يتوقع

فسيروا إلى طي لنخلي ديارهم...   فتصبح من سكانها وهي بلقع

فاصطف الجيشان، وصاح فرسان ربيعة وهو راقدون: براق سيدنا وثائد خيلنا، وهو المطاع في مضيق الجحفل .. بدأت المعركة وبحث البراق عن زعيم قبيلة طي وأسمه " النضير"، وهو الذي كنب له الرسالة، فأستطاع قتله، وكسرت طي بعد مقتل قائدهم، وفرت قضاعة وغنمت ربيعة منهم غنائم كثيرة، ورجع البراق مع قبيلته وعينوه زعيما لهم، لكن ليلي التي أحبها كانت قد أرسلت إلى ملك اليمن، ولكن وهي في الطريق تم خطفها من قبل فرسان لقبيلة " اياد" من عدنان، وأهدوها جارية لأحد أبناء كسري، فأحبها لشدة جمالها، وحاول معها الفارسي فرفضته، فاغراها بالزواج ورفضت أيضا، فعذبها عذابا شديدا واستمرت في رفضه .

في  ذلك الوقت لم تكن قبيلة ربيعة تدري أن ليلي قد خطفت، وكانوا يعتقدون أنها وصلت اليمن، وفي الوقت نفسه، كان ملك اليمن يعتقد أنها ما زالت في قبيلة أهلها، إلى أن صادفت ليلي راع على أطراف القصر الذي كانت أسيره فيه في بلاد فارس، وبعدما عرفته أنه من العرب قالت له: " هل تعرف البراق بن روحان ؟."، فقال لها ومن لا يعرف البراق، أشهر فرسان العرب وأشجعهم، فقالت له: سأقول لك قصيدة وانقلها للبراق، فأنشدت ليلي على مسامع الراعي قصيدة تستنجد بها نخوة البراق وكليب الزير سالم وجساس وفرسان العرب كافة، فنقل الراعي عنها القصيدة التي تقول فيها:

ليت للبراق عينا فــترى:::: ما الاقي من بلاء وعنا

عذبت اختكموا با ويلكم:::: بعذاب النكر صبحا ومسا

غللوني قيدوني ضربوا:::: جسمي النحيل بالعصا

قيدوني غللوني وافعلوا:::: كل ما شئتم جميعا من بلا

فانا كارهة بغـــــيـــكم:::: ويقين الموت شيء يرتجى

فلما وصل الراعي قبيلة ربيعة وألقي عليهم القصيدة، لم يتنظر الفرسان انتهاءه منها، حتى ركبوا خيولهم، وركضوا مسرعين إلى بلاد فارس، ولحقت بهم قبائل مضر من تميم وهوازن وغطفان، فقاد البراق فرسان القبائل العربية حتى دخل أرض فارس، فيدأت المعارك الطاحنة بينه وبين أبناء الأكاسرة بين كر وفر،حتى قتل الفرسان " غرسان" أخ البراق، وكان البراق بحبه حبا عظيما، فأصبح ثأره عند الفرس ثأريين، فجمع البراق فرسانه، وكر على جنود الفرس كرة واحدة وهو ينشد قائلا:

لَأُفرِجَنَّ اليَومَ كُلَّ الغُمَمِ::: مَن سَبيِهِم في اللَيلِ بيضَ الحُرَمِ

صَبراً إِلى ما يَنظُرونَ مُقدَمي::: إِنّي أَنا البَرّاقُ فَوقَ الأَدهَمِ

لَأُرجِعَنَّ اليَومَ ذاتَ المبسِمِ::: بِنتَ لُكَيزَ الوائِلِيِّ الأَرقَمِ

وغلب البراق ورجاله جيش الفرس وكسر جنودهم واقتحم أسوارهم، وحرر ليلي منهم، وعاد منتصرا محررا حبيبته ليلي، وعندما عادوا للقبيلة زوجوه ليلي العفيفة.

وبعدما أعاد البراق ليلى وتزوجها تولى رئاسة قومه بني تغلب زمناً طويلاً، وصارت قبائل ربيعة بحسن تدبيره أوسع العرب خيراً وتوفي نحو عام 479 م وقد قالت مرثية فيه وفي أخوه غرسان:

قَد كانَ بي ما كَفي مِن حُزنِ غَرسانِ .،.،. وَالآنَ قَد زادَ في هَمّي وَأَحزاني

ما حالُ بَرّاقَ مِن بَعدي وَمَعشَرِنا .،.،. وَوالِدَيَّ وَأَعمامي وَإِخواني

قَد حالَ دوني يا بَرّاق مُجتَهِداً .،.،. مِنَ النَوائِبِ جُهدٌ لَيسَ بِالفاني

كَيفَ الدُخولُ وَكَيفَ الوَصلُ وا أَسَفا .،.،. هَيهات ما خِلتُ هَذا وَقتَ إِمكانِ

لَمّا ذَكَرتُ غَريباً زادَ بي كَمَدي .،.،. حَتّى هَمَمتُ مِنَ البَلوى بِإِعلانِ

تَرَبَّعَ الشَوقُ في قَلبي وَذُبتُ كَما .،.،. ذابَ الرَصاصُ إِذا أُصلي بِنيرانِ

فَلَو تَراني وَأَشواقي تُقَلِّبُني .،.،. عَجِبتُ بَرّاقُ مِن صَبري وَكِتماني

لا دَرَّ دَرُّ كُلَيبٍ يَومَ راحَ وَلا .،.،. أَبي لُكَيزٍ وَلا خَيلي وَفُرساني

عَنِ اِبنِ رَوحانَ راحَت وائِلٌ كَئَباً .،.،. عَن حامِلٍ كُلَّ أَثقالٍ وَأَوزانِ

وَقَد تَزاوَرَ عَن عِلمِ كُلَيبُهُمُ وَقَد .،.،. كَبا الزَندُ مِن زَيدِ بنِ رَوحانِ

وَأَسلَموا المالَ وَالأَهلينَ وَاِغتَنَموا .،.،. أَرواحَهُم فَوقَ قُبٍّ شَخصَ أَعيانِ

حَتّى تَلاقاهُمُ البَرّاقُ سَيِّدُهُم .،.،. أَخو السَرايا وَكَشفِ القَسطَلِ الباني

يا عَينِ فَاِبكي وَجودي بِالدُموعِ وَلا .،.،. تَمَلَّ يا قَلبُ أَن تُبلى بِأَشجانِ

فَذِكرُ بَرّاقَ مَولى الحَيِّ مِن أَسَدٍ .،.،. أَنسى حَياتي بِلا شَكٍّ وَأَنساني

فَتى رَبيعَةَ طَوّافٌ أَماكِنَها.،.،. وَفارِسُ الخَيلِ في رَوعٍ وَمَيدانِ

وعاتبتها ولامتها الشاعرة أم الأغر بنت ربيعة التغلبية أخت كليب بن ربيعة و الزير سالم على جزعها لموت البرَّاق فردت عليها:

أم الأغر دعي ملامك واسمعي .،.،. قولاً يقيناً لست عنه بمعزل

براق سيدنا وفارس خيلنا وهو .،.،. المطاعن في مضيق الحجفل

وعماد هذا الحي في مكروهه .،.،. ومؤمل يرجوه كل مؤمل

ومن قصائدها:

تزود بنا زاداً فليس براجع إلينا.،.،. وصال بعد هذا التقاطع

وكفكف بأطراف الوداع تمتعاً .،.،. جفونك من فيض الدموع الهوامع

ألا فاجزني صاعاً بصاع كما ترى .،.،. تصوب عيني حسرة بالمدامع

وقد تم ذكر قصة ليلي العفيفة والبراق في المسلسل السوري الشهير " الزير سالم "، كما وردت قصة البراق في العديد من الروايات وبعضها ذهبت إلى أنه قتل ملك الفرس، كما ذكرت بعضها أن قبائل تغلب حشدت العرب وواجهت جيوش الفرس وغلبتها ثم حررت ليلي، لكن ذلك غير مذكور في قصائد تاريخية موثقة، أما قصته مع ليلي العفيفة فهي صحيحة ومذكورة في عدة مصادر، وقد روتها القصائد والأدبيات العشرية، لكن الخلاف في كيفية تحريره، وأن كانت المصادر متفقة بأنه تمكن من تحريرها.

ومن دراسة للباحث والناقد أحمد السماحي جاء فيها انه في عام 1937 أنتجت الفنانة الكبيرة بهيجة حافظ فيلم " ليلي بنت الصحراء " عن قصة ليلي العفيفة، وتم عرض هذا الفيلم في مصر وبعض المهرجانات الأجنبية لكن بعد حوالي سنة من ذلك الوقت قامت حكومة إيران بالاحتجاج عليه نظرا إلى أنه يسيئ لسمعة  تاريخ إيران، فقد كانت قصة الفيلم تصور غراميات " كسري" ملك الفرس، وكيف فرض نفسه على فتاة بدوية عرضت حياته للموت في سبيل المحافظة على شرفها، ورأت الحكومة المصرية أن تجامل حكومة إيران فأوقفت عرض الفيلم آنذك .

وحدث بعد إيقاف الفيلم أن فكرت احدي شركات الأسطوانات في تسجيل أغنية قصيدة (ليت للبراق عينا) وهي الأغنية التي نجحت نجاحا شعبيا كبيرا في ثلاثينيات القرن الماضي، فقامت الشركة بتسجيل الأغنية بصوت المطربة " إسمهان"، واعجبت بها محطة الإذاعة فاشترت حقوق إذاعتها من شركة الأسطوانات، وأذيعت الأغنية.

***

أ.د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.........................

المصادر والمراجع:

1-علي الغضبان: ليلي العفيفة : سلسلة إقر ـ دار المعارف المصرية.

2-عبد العزيز السويدان: العفيفة،

3- موريس فرحي، قصائد كلاسيكية للنساء العربيات ترجمة عبد الله الأدهري، 1999.

4- هاندال، ناتالي (2001). شعر المرأة العربية: أنثولوجيا معاصرة.

5- عبد الله؛ آل-أدهري، عبد الله (1999). قصائد كلاسيكية للنساء العربيات.

ضياء نافععندما كنّا ندرس اللغة الروسية وآدابها في كليّة الفيلولوجيا بجامعة موسكو في ستينيات القرن العشرين، لم نكن نعرف مؤرخ الادب الروسي ميرسكي، بل وحتى لم نسمع باسمه أصلا (لا نحن، الطلبة الاجانب، ولا الطلبة السوفيت ايضا، الذين كنّا ندرس معهم)، وذلك، لأن هذا ألامير (هكذا يسمّونه، اذ انه من عائلة ارستقراطية معروفة جدا في الامبراطورية الروسية) كان ضمن قائمة الاسماء الممنوع تداولها (وما أكثر تلك الاسماء آنذاك !) في الاتحاد السوفيتي، رغم ان ميرسكي كان عضوا في الحزب الشيوعي البريطاني، وانه عاد الى الاتحاد السوفيتي بعد الهجرة منه (هاجرمثل معظم المثقفين الروس آنذاك عام 1920 احتجاجا على ثورة اكتوبر 1917)، عاد لانه اصبح ماركسيا، والتقى مكسيم غوركي (عندما كان غوركي مقيما في ايطاليا)، وان غوركي نفسه هو الذي أقنعه بضرورة العودة الى الوطن والمساهمة في بناء الاشتراكية، وقد عاد ميرسكي فعلا الى الاتحاد السوفيتي عام 1932، وحتى التقى ستالين مرّة في بيت غوركي بموسكو، واصبح ميرسكي عضوا في اتحاد الادباء السوفيت (الذي تأسس عام 1934 بعد انعقاد المؤتمر الاول الشهير للادباء السوفيت برعاية ستالين نفسه، حيث أصبح غوركي رئيسا لذلك الاتحاد)، لكن كل تلك الخطوات الواضحة المعالم والصريحة جدا في مسيرته (السوفيتية!) بعد عودته الى الاتحاد السوفيتي ومساهماته الواسعة والمتنوعة في الحياة الفكرية السوفيتية، كل ذلك لم ينقذه من حملة الاعتقالات الستالينية الرهيبة، التي بدأت في نهاية الثلاثينيات، والتي أدّت (كما هو معروف للجميع الان) الى تصفية الملايين في الاتحاد السوفيتي، وهكذا كان الامر مع ميرسكي (العائد الى الوطن !)، اذ تم اعتقاله عام 1938، وصدر الحكم عليه بالسجن لمدة 8 سنوات بتهمة (الاشتباه بالتجسس!!!)، ثم مات بعد سنة في معسكر الاعتقال بسيبيريا عام 1939، وكان عمره آنذاك 49 سنة ليس الا، ولكن – وقبل الحديث عن تفاصيل اخرى حول مؤرّخ الادب الروسي ميرسكي وبصماته الابداعية في هذا المجال – لنبدأ اولا بتعريف القراء العرب به، اذ انه كان (ولايزال مع الاسف ولحد الان) مجهولا بالنسبة لهم تقريبا .

ولد دميتري بيتروفيتش ميرسكي عام 1890 في عائلة ارستقراطية، وكان والدة جنرالا في الجيش الامبراطوري الروسي، وحتى شغل منصب وزير الداخلية في الامبراطورية الروسية (للفترة من 1904 الى 1905)، واصبح ميرسكي عام 1908 طالبا في جامعة بطرسبورغ، حيث بدأ بدراسة اللغتين الصينية واليابانية في الكلية الشرقية بتلك الجامعة (كان يتقن آنذاك اللغتين الانكليزية والفرنسية كما هو حال ابناء الارستقراطية الروسية)، وأصدر عام 1911 مجموعة شعرية تضم قصائده من (عام 1906 الى عام 1910)، ولكنه ترك الجامعة عام 1911 لاستدعائه للخدمة العسكرية في الجيش الروسي، وبقي في الخدمة العسكرية لمدة سنتين وعاد الى الجامعة بعد ذلك (اي في عام 1913)، لكن لدراسة علم اللغات وآدابها الكلاسيكية، وأقام علاقات مع أخماتوفا ومندلشتام وبقية شعراء مجموعة (الذروة - الاكمايزم)، الا ان الحرب العالمية الاولى، التي بدأت عام 1914، اوقفت كل نشاطاته، اذ تم الاستدعاء مرة اخرى للخدمة العسكرية، وهكذا شارك في تلك الحرب، واصيب بجراح عام 1916، فتم ارساله الى القوقاز، وحدثت ثورة اكتوبر عام 1917، وبدأت بعدها الحرب الاهلية الروسية بين (الحمر والبيض !) كما هو معروف في مسيرة التاريخ الروسي، وكان ميرسكي مع (البيض)، بحكم كونه أحد افراد الجيش الامبراطوري، وهكذا اضطر ان يهاجر من روسيا عام 1920، وبعد بولندا واليونان، وصل الى لندن عام 1921، وبقي هناك الى عام 1932، وفي لندن اصدر عدة كتب باللغة الانكليزية (والتي كان يعرفها بشكل جيد جدا ويستخدمها في كتاباته) حول الادب الروسي وتاريخه، ومنها عدة كتب (انطولوجيا) تضم نصوصا من الشعر الروسي، وألقى سلسلة من المحاضرات عن الادب الروسي في جامعة لندن، وحصل على درجة الماجستير (عام 1926) من تلك الجامعة العريقة، وكانت اطروحته عن بوشكين، وأصبح أحد محرري مجلة انكليزية نقدية، كانت تصدر باشراف الشاعر أليوت نفسه ...

بعد اعتقاله عام 1938، ثم وفاته في معتقل سيبيريا عام 1939، تم حظر كل مؤلفاته في الاتحاد السوفيتي، وتم منع اسمه من التداول في الاوساط الادبية السوفيتية، واعيد الاعتبار اليه عام 1963، ضمن تلك الاسماء الكثيرة من المعدومين والمعتقلين والمسجونين الابرياء، بعد التغييرات الجذرية المعروفة في الحياة السوفيتية اواسط القرن العشرين، وهكذا بدأت كتب ميرسكي بالظهور مرة اخرى في نفس روسيا، ومنها كتابه المهم جدا، الموسوم – تاريخ الادب الروسي منذ الازمان القديمة الى عام 1925، الذي صدر في روسيا عام 2005، ويقع في 965 صفحة من القطع المتوسط، وقد تم ترجمته عن الانكليزية، اذ ان ميرسكي أصدره في لندن عام 1927، ولازال هذا المصدر المهم في تاريخ الادب الروسي يطبعونه ويعيدون طبعه في انكلترا، وهو الكتاب، الذي قال عنه نابوكوف، انه (...أفضل كتاب حول تاريخ الادب الروسي بأي لغة، بما فيها اللغة الروسية ...).

***

أ.د. ضياء نافع

 

محمد حسين الداغستانيفي أحد أيام أوائل شهر أيار في العام 2007 م كنت في مكتبي التجاري الذي كنت قد إفتحته قرب مبنى محكمة إستئناف كركوك بشارع المجيدية بمدينة كركوك عقب إحالتي القسرية على التقاعد (فصل مؤدب) لأسباب سياسية قبل 2003 م عندما كنت مديرا لتلفزيون كركوك، زارني كل من الزميلين عباس احمد البياتي والمرحوم الزميل حسن العبيدي وشرعا يتحدثان بحزن وألم لما آل إليه الواقع الصحفي والاعلامي في المحافظة من فوضى وتشتت ومحاولات المحتل الأمريكي لخلق أدوات ومراكز وصحف تابعة له مباشرة وصرف مبالغ طائلة لهذا الغرض وتشجيع شلة من الطارئين وأشباه الصحفيين وعدد من الادباء والمثقفين وإيفاد بعضهم الى أمريكا والدول الأوربية لغرض التدريب والاطلاع وحثهم على إصدار صحف هزيلة كانت تطبع وترسل الى مطار كركوك العسكري لتدقيق محتوياتها قبل توزيعها مجانا، وطلبا مني العمل على تفعيل ممثلية نقابة الصحفيين العراقيين وإحتضان أعضاء النقابة والعمل على إعادة الوجه الوطني والمهني للصحافة في كركوك .

حاولت في البداية الإعتذار لإدراكي صعوبة هذه المهمة وما يمكن أن نتعرض له من دسائس ومشاكل نحن في غنى عنها لكن الزميلان كانا لا يكلان وبقيا يكرران زيارتهما وإلحاهما وإحراجي وبأننا نتحمل مسؤولية تأريخية أمام محافظتنا وزملائنا وعلينا أن نكون بمستوى التحديات وأن نتحلى بالصبر واليقين بأننا سننجح .

كانت ممثلية نقابة الصحفيين العراقيين في كركوك قبل 2003 معروفة ونشطة وقوية في تنشيط العمل الصحفي والاعلامي من خلال عقد المؤتمرات والدورات الصحفية وإستضافة شخصيات صحفية واعلامية بارزة لإلقاء محاضرات في مجال الصحافة والاعلام والحرب النفسية وغيرها وكانت آنذاك تابعة لفرع الشمال للنقابة والذي كان يضم نينوى وكركوك . وقد تعاقب عليها الزميلان محمد حسين الداغستاني والزميل الرائد ابراهيم خليل العاني سواء بالتعيين أو بالانتخاب فيما بعد

بعدما إقتنعت بالفكرة بادرت الى كتابة رسالة الى الزميل الاستاذ مؤيد اللامي (وكان أمينا لسر النقابة آنذاك وكان الشهيد شهاب التميمي نقيبا للصحفيين) وشرحت له ما يحيط بالواقع الصحفي والاعلامي في المحافظة وطلبت منه موافقة المركز العام على إعادة ممثلية النقابة في كركوك فأجابني بما يلي:

الاخ العزيز محمد المحترم

بعد التحية والتقدير العاليين

ارجو ان تكون انت والاهل والزملاء بألف خير

أما بخصوص ممثلية كركوك فنحن في النقابة وانا بشكل شخصي ندعم عملكم واي شيء يطور ويقوي موقفكم المهني والوطني وسابذل قصارى جهدي لانجاح مساعيك بتطوير الممثلية وسارفض اي طلب يأتي من كركوك الا عن طريقك وبتوقيعك وارجو منك ان تحاول ان توسع عدد الاعضاء في كركوك ليتسنى لنا تشكيل فرع كما ارجو منك حضور الحفل التأبيني الخاص بالمرحوم رعد مطشر لاني تلقيت دعوة للحضور ان امكن اذا رأيت الامور طبيعية وانت تقدر ذلك تحضر نيابة عني كما ارجو ارسال رقم هاتفك لي .

مع فائق تقديري واحترامي

اخوك

مؤيد اللامي

11/ 5/ 2007

كانت للرسالة وقع إيجابي مهم فباشرت مع زملائي في جو عاصف من الخطف والاغتيالات والتفجيرات الذي كانت تسود كركوك آنذاك، الى المباشرة بتنفيذ ما ألزمنا أنفسنا به والعمل الدؤوب رغم كل الظروف من أجل تحقيق حلم الصحفيين في تأسيس أول فرع للنقابة في كركوك ومحاولة جمع ما لا يقل عن (12) عضوا عاملاً كشرط لتحقيق النصاب القانوني لتشكيل الفرع وقد أفلحنا بالفعل من جمع العدد المطلوب سواء من الاعضاء العاملين من سكنة المحافظة أو الذين عادوا واستقروا في المدينة من العاصمة بغداد بسبب الظروف الاستثنائية التي كانت سائدة هناك .

أوفى الاستاذ مؤيد اللامي بوعده (وكان قد أنتخب نقيبا للصحفيين العراقيين بعد استشهاد الزميل الراحل شهاب التميمي) وأصدر أمرا إدارياً بتشكيل لجنة تحضيرية من الزملاء المدرجة أسماؤهم أدناه تتولى الاعداد لإنتخابات أول فرع للنقابة في تأريخ المحافظة وكالآتي:

1. الزميل محمد حسين الداغستاني رئيسا للجنة التحضيرية

2. الزميل عباس احمد البياتي.   عضوا

3. الزميل حسن العبيدي    عضوا

4. الزميل رزكار الشواني          عضوا

ومثلما يبدو من تشكيلة اللجنة فقد كنت حريصاً أن تكون شاملة وتضم زملاء من كافة طوائف ومكونات كركوك المتآخية لإسباغ الطابع الوطني والمهني الصرف عليها وهكذا واصلت اللجنة عملها المضني وهيأت كافة متطلبات تنظيم المؤتمر التأسيسي الأول في المحافظة بعد أن إرتفع عدد الاعضاء العاملين المسجلين لدى اللجنة والذين لهم حق الترشيح والتصويت الى 18 عضوا عاملا وهم كل من:

1- محمد حسين علي محمد الداغستاني

2- عباس أحمد عباس حسين البياتي

3- خالد مهدي نجم عبد الخزرجي

4- حبيب مال الله إبراهيم ساقي

5- حسن خلف عبدالله خلف العبيدي

6- شمال جمال رشيد بابان

7- ابراهيم خليل ابراهيم العاني

8- مروان ابراهيم خليل العاني

9- محمد ثابت شحاذة عباس العبيدي

10- هيوا نجيب حسن عبدالقادر النقشبندي

11- محمد زكي سعيد قلعلي

12- رزكار كاكه مير محمد غلام الشواني

13- قاسم محمد توفيق صاري كهية

14- عمر محمد أمين عمر محمد أمين

15- نرمين مظهر حسن المفتي

16- حكيم صابر إسماعيل جالاك

17- إسماعيل إبراهيم حيدرالجاف

18- سامي شاكر محمود

وفي يوم 18 من شهر أيلول من العام 2008 أبدى الاستاذ مؤيد اللامي نقيب الصحفيين العراقيين والزميلان عماد عبدالأمير النائب الأول للنقيب وحسن العبودي عضو المجلس شجاعة مشهودة للحضور الشخصي الى كركوك والاشراف المباشر على وقائع انتخاب الهيئة الادارية الأولى لفرع النقابة رغم الظروف الامنية الصعبة التي كانت تسود الطريق الرئيسي بغداد – كركوك فضلا عن ظروف المحافظة الأمنية .

ووفق قانون النقابة فقد كان النصاب القانوني يلزم حضور 10 أعضاء زائد واحد من مجموع المسجلين في الفرع لإجراء عملية الاقتراع وهكذا بدأت أعمال المؤتمر في الساعة الحادية عشر صباحا في قاعة السلام بحضور عدد من السادة المسؤلين واعضاء مجلس الشعب وقاضي من محكمة استئناف كركوك وزملاء من قنوات تلفزيونية ومؤسسات اعلامية وبحضور 14عضوا من اصل 18 عضوا بعد أن غاب عنه أربعة أعضاء لأسباب خاصة بهم وهم كل من:

1. شمال جمال رشيد بابان

2. ابراهيم خليل ابراهيم العاني

3. مروان ابراهيم خليل العاني

4. سامي شاكر محمود

ترأس المؤتمر الزميل إسماعيل ابراهيم حيدر الجاف بإعتباره أكبر الاعضاء سنا وكان قد بدأ اعماله بتلاوة سور من القران الكريم ثم قرأ الحضور الفاتحة على روح الشهيد شهاب التميمي وارواح شهداء الصحافة العراقية ثم ألقى الزميل محمد حسين الداغستاني كلمة أشاد بدور النقيب والزملاء في مجلس النقابة وحرصهم على تأسيس اول فرع للنقابة في المحافظة وتأكيد عزمهم أن يكون الفرع الوليد وجها ناصعا لصحافة المحافظة والعمل على تحجيم الظواهر السلبية في العمل الصحفي وتحقيق آمال وطموحات أعضاء النقابة ثم جرى الاقتراع السري بمرحلتين الاولى لإنتخاب رئيس للفرع والثانية لإنتخاب اعضاء الهيئة الادارية .

ونتيجة فرز الأصوات فاز الزميل محمد حسين الداغستاني برئاسة الفرع بدون منافس بعد نيله كامل اصوات الاعضاء الحضور، فيما فاز بعضوية الهيئة الادارية كل من الزملاء التالية أسماؤهم ادناه

١.  عباس احمد البياتي              13 صوتاً

2. رزكار كاكه مير شواني         11صوتا

3. حسن خلف العبيدي              10 أصوات

4. محمد ثابت شحاذة               8 صوتا

فيما نال الزملاء المدرجة أسماؤهم ادناه الاصوات المشرة ازاء كل منهم ليكونوا اعضاء احتياط للهيئة الادارية:

1. هيوا نجيب النقشبندي           5 أصوات

2. حكيم صابر جالاك               4 أصوات

3. قاسم محمد صاري كهية        3 أصوات

وحالما إنتهت وقائع المؤتمر الانتخابي ألقى الزميل النقيب كلمة هنأ فيها الزملاء الصحفيين في المحافظة بتأسيس أول فرع لنقابتهم في تأريخ المحافظة واعتبر هذا اليوم تأريخا مهماً في مسيرة الصحافة الكركوكية والعراقية كما واشاد بدور وتضحيات الزملاء في الهيئة الادارية المنتخبة مؤكدا استعداد النقابة لدعم وتعزيز مكانة الفرع للنهوض بمهمامه في خدمة الزملاء والنهوض بمستوى الصحافة في المحافظة .

وهكذا بدأ المشوار الصعب والطويل للفرع في خضم محاولات مريرة لإخضاعه والهيمنة على نشاطاته سواء بالتهديدات المبطنة أو بتقديم مغريات كبيرة لكن الهيئة الادارية كانت وفية لما عاهدت نفسها عليه ونأت بنفسها عن الحركات والاحزاب السياسية ووقفت بمسافة واحدة من كل الاطراف وأصرت على تطبيق الشروط المركزية المقرة من قبل المركز العام في ترويج الانتماء النقابي لحماية المهنة من الطارئين وغير الصحفيين .

ومنذ التأسيس في العام 2008 ولغاية إستقالتي من رئاسة الفرع في 6 |4| 2021 تم تغيير العديد من الهيئات الادارية لفروع النقابة في المحافظات كما وتم إعفاء الكثير من الزملاء من العمل النقابي فضلا عن إجراء انتخابات فرعية لأغلب الفروع لكن فرع كركوك بقي بمنأى من كل تلك الاجراءات لما كان يحضى به من مصداقية مهنية ونزاهة وتجانس في العمل بعيدا عن المهاترات والمناكفات ونال رئيس واعضاء الهيئة الادارية تقدير النقيب واعضاء مجلس النقابة لما اتصفوا به من مهنية ونكران ذات وعمل دؤوب دون أي مقابل مادي طيلة السنوات الماضية .

إنني إذ أنشر هذا المقال فإنني أهدف الى الحفاظ على هذا التراث المهني الفريد واعتباره وثيقة تأريخية تثري تأريخ الصحافة في كركوك، وتكريم الشخوص الذين كان لهم دورهم الرائد في تأسيس الفرع الذي اصبح الان يضم اكثر من مئة وعشرين عضوا متمرسا (عاملا) ومتمرنا ومشاركا وان اكثر من نصفهم من المتمرسين وآملا أن يضيف الزملاء الذين سيفوزون في المؤتمر الانتخابي القادم بإذن الله الكثير لهذا المنجز وأ ن يكونوا قدوة متألقة لزملائهم ومثلاً للصحفي المهني الحر والمستقل .

***

محمد حسين الداغستاني

الصفحة 1 من 7

العدد: 5817 المصادف: الثلاثاء 09 - 08 - 2022م