محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن جمال حمدان فيلسوف الجغرافيا ورائعته وهنا في هذا المقال نركز علي أشهر مؤلفات جمال حمدان وهو كتاب "شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان"، ففي عام 1967 وضع الصياغة الأولى لهذا الكتاب لمكون من أربع أجزاء، فكانت شراراته الأولى هي هزيمة 1967. فقد صدمته الهزيمة، ورأى أن من واجبه في هذه الفترة توعية الشعب المصري، فقال:" إننا في هذه المرحلة في حاجة ماسة إلى فهم كامل لوجهنا ولوجهتنا لكياننا ومكانتنا، لإمكاناتنا وملكتنا، لنقائضنا ونقائصنا، وكل أولئك بلا تحرج أو تحيز، ولا هروب، فليس كتابي هذا دفاعاً عن مصر، ولا هو محاولة للتمجيد، إنما هو تشريح علمي موضوعي يقرن المحاسن بالعيوب على حد سواء، ويشخِّص نقاط الضعف والقوة".

إن الدكتور جمال حمدان بذل جهداً كبيراً فى كتابه "شخصية مصر"، الذى يتناول دراسة لمصر بكل أبعادها الإقليمية والبشرية والزمانية والتكاملية، مؤكداً أنه أهم كتبه ويضعه إلى جوار الدراسات المهمة التى تناولت دراسة مصر للدكتور حسين مؤنس ورفاعة الطهطاوى.

إن كتاب "شخصية مصر" يعتبر من الكتب التى تناولت دراسة فلسفة الزمان والمكان"التاريخ والجغرافيا" بالنسبة لمصر، وقدمه بأسلوب راقٍ، وهو واحد من أمهات الكتب القابلة للقراءة على ضوء الحاضر، وقد صدرت النسخة الأولى في 318 صفحة عام 1967؛ ثم أعاد كتابته بشكل أكثر توسعاً في ثلاثة كتب متوسطة الحجم، وأخيراً أعاد كتابتها في أربعة أجزاء كبيرة، تقترب من أربعة آلاف صفحة، صدرت مجلداتها الأربعة بين عامي 1980 و1984؛ ولم يتحدث حمدان في موسوعته عن مصر على أنها مجرد موقع جغرافي متميز، فلم يدرس الجغرافيا بمعزل عن التاريخ، ومن خلال هذا التفاعل حلَّل ملامح شخصية مصر من خلال تاريخها وجغرافيتها النابضة بكل المتناقضات.

ففي الجزء الأول من الموسوعة يشير حمدان ببراعة إلى جغرافيا مصر، مؤكداً أنها شديدة البساطة، ثم قام بمزج بساطة الجغرافيا بتعقيد التاريخ. واستطاع حمدان تقديم أصعب أجزاء الجغرافيا في شكل وإطار درامي مُبهر، فيما عُرف بـ «الجدل في الطبيعة»، حيث تخيل أن كل هذه المتناقضات الطبيعية تدخل مع بعضها في حوار؛ وأمَّا في الجزء الثاني، فنلمح شخصية مصر الحضارية، وهو هنا يشير إلى صلة الفكر الأوروبي في القرن الـ 19 بتطور الحياة، ثم تناول مصر من خلال السلطة الدائمة لنهر النيل ودوره في التطور الحضاري. وكيف خلق النيل تجانساً وتناغماً حضارياً بين كل أقاليم مصر من شمالها لجنوبها؛ وفي الجزء الثالث، يركِّز حمدان على شخصية مصر الاقتصادية، وهنا طرح فكرة الانتقال من اقتصاد المعيشة إلى اقتصاد الفائض الهامشي، وهي قائمة على الابتعاد عن العقلية القانعة التي ترضى بالخضوع والقليل والواقع والمقسوم، وضرورة الطموح في الوصول إلى مجتمع الرفاه والمعيشة الأفضل.

أمَّا في الجزء الرابع، فقد قدَّم مفاتيح الشخصية المصرية، وهذه المفاتيح هي ملكة الحد الأوسط وملكة الامتصاص، حيث إن المصري يمتص كل ما يرد إليه من ثقافات ويصهر كل ما يمتصه ويُخرِج ذلك في إطار وسطي، يُمكِّنه من الاستمرار من دون أن يتأثر بأي ثقافة بعينها، أو بأي تيار عقائدي، لذلك يقول إن الشعب المصري رغم تعدد حضاراته وثقافاته من فرعوني إلى قبطي إلى إسلامي، بقي صامداً، وله ثقافته المستمرة، التي ربما تتغير في شكلها لكنها ثابتة في جوهرها.

وفي هذه الموسوعة رأي جمال حمدان أن مصر تحتل مكاناً وسطاً، سواء من حيث الموضع أو الموقع، وسطاً بين خطوط الطول والعرض وبين القارات والمحيطات، حتى بين الأجناس والسلالات والحضارات والثقافات، وليس معنى هذا أن المصريين أمة نصف، ولكن بمعنى أمة وسط، متعددة الجوانب والأبعاد والآفاق والثقافات، مما يُثري الشخصية القومية والتاريخية ويبرز عبقرية المكان، من حيث الموضع: فإن التربة المصرية كبيئتها منقولة من منابع النيل في قلب أفريقيا إلى عتبة البحر المتوسط، وتداخلت فيها خطوط العرض المتباعدة والمتفاوتة، وهي تُمثل في النهاية حالة نادرة من تراكب البيئات. كما أن الإيراد المائي لمصر يأتي معظمه من نهر النيل، وهكذا أخذت مصر مائية الموسميات دون أن تأخذ منها مناخها القاسي أو رطوبتها. وتتميز مصر بمحاصيلها الزراعية المعتدلة، حيث تجمع بين محاصيل البحر المتوسط والمدارية، ويمكن القول إن زراعتها الشتوية تجعلها في نطاق البحر المتوسط، بينما الصيفية تنقلها إلى النطاق الموسمي. أمَّا مناخها، فيلخصه المقريزي في «مصر متوسطة الدنيا، سَلِمت من حر الأقاليم الأول والثاني، ومن برد الأقاليم السادس والسابع، ووقعت في الإقليم الثالث، فطاب هواؤها وضعف حرها وخف بردها وسلم أهلها من مشاتي الأهواز ومصايف عمان وصواعق تهامة ودماميل الجزيرة العربية وجرب اليمن وطواعين الشام وحمى خبير».

وتحدث حمدان بتوسع عمَّا يُسمى بـ "جغرافية مصر الاجتماعية"، وربط بين الطبيعة النهرية لمصر وحضارتها، بفكرة المركزية السياسية بها، ومن ثَمَّ شيوع "الطغيان السياسي"، وكانت البداية بتأكيده الحقائق الطبيعية غير الخلافية، وهي أن مصر بيئة فيضية لا تعتمد على المطر الطبيعي في حياتها وإنما على ماء النهر، ومن هنا يبدأ كل الفرق في حياة المجتمع النهري وطبيعته. ففي البلاد التي تعيش على الأمطار مباشرة يختزل المجهود البشرى إلى حده الأدنى، فبعد قليل من إعداد الأرض والبذر يتوقف العمل أو يكاد حتى الحصاد. أما في بيئة الري، فليس هناك زراعة ولا تعمير إلا بعد إعداد مصارف المياه ومجاريها، أي لا بد من تأسيس شبكة غطائية كثيفة من الترع من كل مقياس ابتداءً من قنوات الحمل وقنوات التغذية إلى مساقي الحقول، فحتى تزرع إذن لا بد لك أولاً من أن تعيد خلق الطبيعة.

وفي معرض حديث حمدان عن المركزية السياسية في تاريخ مصر وجغرافيتها، كان لا بد من الحديث عن فكرة "الطغيان السياسي". حيث أشار إلى أن الدولة المركزية، والمركزية العارمة ملمح مُلح وظاهرة جوهرية في شخصية مصر، وبالتالي فرضت المركزية السياسية والإدارية ثم الحضارية نفسها فرضاً، وذلك في شكل حكومة طاغية الدور، فائقة الخطر، وبيروقراطية متضخمة متوسعة أبداً، وعاصمة كبرى صاعدة إلى أعلى صاروخياً وشامخة فوق البلد غالباً. يصدق هذا منذ الفرعونية حتى اليوم وبلا استثناء تقريباً؛ على أن السمة الأكثر سلبية والمرض المدمر حقاً إنما هو تردي المركزية إلى الاستبداد والطغيان، ومهما اختلفت التسميات بين الطغيان الفرعوني أو الإقطاعي، وسواء عُدَّ هذا قطاعاً عادياً من الاستبداد الشرقي بنمطه المعروف أو عُدَّ قمته وأعتى صوره كما يرى الكثيرون، وأياً كانت النظريات المطروحة في التفسير، فإن الطغيان والاستبداد الغاشم الباطش هو من أسف حقيقة واقعة في تاريخ مصر من بدايته إلى اليوم، مهما تبدلت أو تعصرت الواجهات والشكليات.

وكان جمال حمدان يرى أن نهر النيل الذى بدأت الحياة المصرية على ضفافه هو مفتاح الشخصية المصرية، ذلك أن ضبط النهر من طغيان فيضانه هو الذى أنجب خصلة الطغيان فى الشخصية المصرية لأنه بغير ضبط النهر يتحول هذا النيل الوادع الجميل إلى شلال جارف يدمر كل شىء أمامه، وبغير ضبط الناس يتحول توزيع الماء إلى عملية دموية تسود فيها شريعة الغاب، ومن هذه البيئة النهرية الفيضية تبلور العقد الاجتماعى بين الحاكم الذى يملك الماء والمحكوم الذى يزرع بالماء وقوام هذا العقد «أعطنى أرضك وجهدك أعطك مياهى"،  كان يرى أن مصر تحولت من مصنع للحضارة إلى مجرد متحف للحضارة حينما بدأت تستورد الحضارة من الغرب ولا تصدرها. وكان يرى أن الموقع الجغرافى لمصر رأس مال طبيعى وسياسى دفين ومورد أصيل من موارد الثروة القومية، كان مؤمناً بعبقرية وإمكانيات مصر، وكتب قبل هزيمة 1967 عدة مقالات عن كيفية هزيمة إسرائيل بشطرها نصفين عند الجزء الضيق القريب من القدس، لكن هزيمة 5 يونيو أصابته باكتئاب شديد وشك دفين فى مقولاته، حتى جاء نصر أكتوبر فأعاد له الثقة فى مصر وكفاءتها مرة أخرى

وعندما نرصد الكتب التى حاولت رصد مصر نجد أن كتاب "شخصية مصر" واحد من هذه الكتب، التى منها أيضاً كتابا حسين فوزى "مصر ورسالتها"، و"سندباد مصرى"، قبلهما زمنياً كتاب "مناهج الألباب المصرية فى مباهج الآداب العصرية" لرفاعة الطهطاوى، وهو كان أول كتاب يكتب عن الشخصية المصرية فى العصر الحديث، وكتاب صبحى وحيدة "فى أصول المسألة المصرية"، وإن كان حمدان يتميز بكتابه، الذى يركز على الجغرافيا، وجميع هذه الكتب تبقى فى الذاكرة وتدرس، حتى لو أبدينا عليها مآخذ فذلك لا ينفى أهميتها.

تبقي نقطة أخري نود الإشارة إليها وهي أن إبداعات جمال حمدان لم تقتصر على كتابه الموسوعى، ولكنه قدم عدداً آخر من الكتب المهمة التى لا تقل قيمة عن"شخصية مصر" منها "استراتيجية الاستعمار والتحرير"، وكتاب مهم جداً هو "6 أكتوبر فى الاستراتيجية العالمية"، الذى قدم من خلاله تحليلاً استراتيجياً للحرب ونتائجها، مؤكداً أنه كان مثقفاً واسع الاطلاع على مصادر المعرفة فى العالم لأنه كان يجيد الإنجليزية والفرنسية بطلاقة، ومشتركاً فى كل الوكالات الأجنبية وأوقف حياته للعلم، ومن ثم فإن المنتج الثقافى الذى قدمه جمال حمدان" سيبقى تراثاً للأجيال القادمة تنهل منه لأن الكتابة العلمية الرصينة لا يدركها القِدم.

واكتفي بهذا القدر وفي نهاية حديثي عن حمدان حمدان أقول تحية لهذا المفكر المصري الكبير، الذي أوقف حياته للعلم، وقدم إسهامه الكبير فى كتابه المشهور شخصية مصر .. وتحية لجمال حمدان الذي قدم إضافات كثيرة للثقافة المصرية أولها أنه خرج من نطاق عمله الأكاديمى الضيق داخل أسوار الجامعة وبدأ ينفتح على الثقافة العامة فجعل من تخصصه الضيق ثقافة كبيرة للناس، وجعل الجغرافيا -رغم أنها مادة صعبة- مادة جميلة يقرأها غير المتخصصين.. وتحية لجمال حمدان الذي تناول شخصية مصر فأعطى لها أبعاداً لم تكن مألوفة لها ولم يكن يهتم بها أحد، في وقت كنا مجرد باحثين نهتم بالبعد التاريخى فقط، بينما قدم جمال حمدان البعد الجغرافى المهم لشخصية مصر.. وتحية لجمال حمدان الذي كان من أوائل المفكرين الذين نبهوا للبعد الأفريقى لمصر".. وتحية لجمال حمدان الذي أبدع بتعريفه للجغرافيا حين قال إنها علم بمادته فن بمعالجته، فلسفة بنظرتها.. وتحية لجمال حمدان الذي قدم العلم الذى يراه البعض جافاً، فى خلطة فريدة تربط الجغرافيا بالتاريخ بالسياسة بالاقتصاد ويجعل منها المحور الذى تدور حوله هذه الميادين بأسلوب بديع وتحليل رائع ونظرة فلسفية وصياغة أدبية من طراز فريد، وسيقف الباحثون والمحللون في المستقبل طويلاً أمام تراثه الكبير.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.........................

هوامش المقال

- محمد محمود السيد: عبقرية جمال حمدان: كيف نسجت الجغرافيا «شخصية مصر»؟، الوطن المصرية، نشرت بتاريخ 25/01/2020.

- خالد بيومي: جمال حمدان عاشق مصر، الوطن المصرية، نشرت بتاريخ  الإثنين 23 أبريل 2018.

- هانم الشربينى: أسرار المملكة الخاصة لـ«جمال حمدان»، مقال منشور بمجلة الإذاعة والتفزيون، ٢٠٢١/٠٢/٠٨

- جمال حمدان وآخرون: جمال حمدان في "عبقرية المكان" عن القناة: "نبض مصر"، البوابة نيوز، نشر بتاريخ الجمعة 07/أغسطس/2015 - 04:58 ص.

- محمد محمود السيد: عبقرية جمال حمدان: كيف نسجت الجغرافيا «شخصية مصر»؟، اضاءات، 25/01/2020.

- ناجح إبراهيم: جمال حمدان.. وسيمفونية الجغرافيا، الوطن المصرية، نشرت بتاريخ 10:05 م | الإثنين 20 أبريل 2020.

 

محمود محمد عليفي هذه الأيام تحل علينا  ذكرى ميلاد جمال حمدان عام 1928م، بمحافظة القليوبية، وكانت الجغرافيا بالنسبة له رؤية استراتيجية متكاملة للمقومات الكلية لكل تكوين جغرافي وبشري وحضاري ورؤية لتكوينات وعوامل قومتها وضعفها، كما أنه لم يتوقف عند تحليل الأحداث الآتية في الظواهر الجزئية، ولكن سعى إلى وضعها في سياق أعم وأشمل وذو بعد مستقبلي أيضًا، وكان جمال حمدان أحد أكبر المفكرين المصريين والملقب بـ"فيلسوف الجغرافيا"، شخصية أثرت في الأوساط السياسية والثقافية والفنية.

جمال حمدان، اسم يحتمل الكثير من الألقاب، فحياة صاحبه سيرة يجب أن تتغنى بها مختلف الأجيال، فصاحبها هو جواهرجى الشخصية المصرية، الرجل الذى اعتزل الحياة، وضحى بقصة حبه الوحيدة، لينجز مشروعه العلمى؛ والعلم بالنسبة له ليس مجرد مؤلفات أكاديمية تتراص على أرفف المكتبات أو تدرس للطلاب، فصنع من علم الجغرافيا  فلسفة للحياة، ومنهجا يصلح لكل زمان ومكان، انشغل بالشخصية المصرية.. ليثبت أن هذا الوطن يمتلك مقومات الريادة والزعامة.

كان جمال حمدان أحد أفذاذ عصره، فهو لم يكن مجرد جغرافي بارع، ولكنه كان مُفكراً مُبهراً، تميَّز من خلال قراءته المتعمقة للتاريخ، وقدرته على ربط الجغرافيا بالتاريخ، وإضفاء الطابع الاستراتيجي على أفكاره وتحليلاته، الأمر الذي منحها العمر المديد، والقدرة على التعايش مع تقلبات السياسة بعد مرور كل هذه الأعوام، فهو من أصدر عام 1964 كتاباً بعنوان "بترول العرب" ليلقي الضوء – لأول مرة – على أهمية البترول من الناحية السياسية والاستراتيجية، وهو ما استفاد منه زعماء الدول العربية بعد ذلك بـ 9 أعوام في حرب أكتوبر 1973.

كما كان جمال حمدان يمتلك قدرة ثاقبة على استشراف المستقبل متسلحًا في ذلك بفهم عميق لحقائق التاريخ ووعي متميز بوقائع الحاضر. وقد اشتهر بتوقعه الأشياء قبل حدوثها، حيث تنبأ بتفكك الكتلة الشرقية وابتعادها عن الاتحاد السوفيتي قبل 21 عاما من حدوثها بالفعل، ثم توقع أيضا تفكيك الاتحاد السوفيتي نفسه في كتابه "استراتيجية الاستعمار والتحرير"، كما كشف في كتابه عن اليهود وأبعاد الصراع العربي الإسرائيلي قبل النكسة بـ4 أشهر؛ حيث أدرك ببصيرته أن تفكك الكتلة الشرقية وافع لا محالة عام 1968م، وبعد 21 سنة وتحديدا في عام 1989 وقع الزلزال الذي هز أركان أوروبا الشرقية، وانتهى الأمر بانهيار أحجار الكتلة الشرقية وتباعد دولها الأوروبية عن الاتحاد السوفيتي، ثم تفكك وانهار الاتحاد السوفيتي نفسه عام 1991.

وكان جمال حمدان يتمتع بقدرة هائلة على قراءة المستقبل، حيث فضح أكذوبة أن اليهود الحاليين هم أحفاد بنى إسرائيل الذين خرجوا من فلسطين خلال حقب ما قبل الميلاد، وأثبت فى كتابه «اليهود أنثروبولوجيا» الصادر فى عام 1967، بالأدلة العملية أن اليهود المعاصرين الذين يدعون أنهم ينتمون إلى أرض فلسطين ليسوا هم أحفاد اليهود الذين خرجوا من فلسطين قبل الميلاد، وإنما ينتمى هؤلاء إلى إمبراطورية "الخزر التترية" التى قامت بين «بحر قزوين» و»البحر الأسود»، واعتنقت اليهودية فى القرن الثامن الميلادى، وهو ما أكده بعد ذلك بعشر سنوات «آرثر كوستلر» مؤلف كتاب القبيلة الثالثة عشرة الذى صدر عام 1976.

ولد جمال حمدان في الرابع من فبراير عام 1928 بقرية ناي بمحافظة القليوبية، وكان والده أزهريًا له من الأبناء سبعة، ويعمل مدرسا للغة العربية في مدرسة شبرا التي التحق بها ولده، وحصل منها على الشهادة الابتدائية عام 1939، واهتم الوالد بتحفيظ أبنائه القرآن الكريم، وتجويده وتلاوته على يديه ؛ مما كان له أثر بالغ على شخصية جمال الذي حصل على شهادة الثقافة عام 1943، ثم التوجيهية الثانوية عام 1944، وكان ترتيبه السادس على القطر المصري، ثم التحق بكلية الآداب قسم الجغرافيا.

وكان طالبًا ومتميزًا ليتخرج عام 1948، ويتم تعيينه معيدًا، ثم أوفدته الجامعة في بعثة إلى بريطانيا عام 1949 حصل خلالها على الدكتوراه في فلسفة الجغرافيا من جامعة "ريدنج" عام 1953، وكان موضوع رسالته "سكان وسط الدلتا قديمًا وحديثًا"."كفانا إذن حديثًا عن مزاينا ومناقبنا، فهى مؤكدة ومقررة، وهى كفيلة بنفسها، ولنركز من الآن على عيوبنا، لننظر إلى عيوبنا في عيونها في مواجهة شجاعة، لا لننسحق بها، ولكن لنسحقها، لا لنسىء إلى أنفسنا ولكن لنطهر أنفسنا".

عاد "حمدان" إلى القاهرة لينضم إلى هيئة تدريس قسم الجغرافيا في كلية الآداب جامعة القاهرة، ثم رُقيَّ أستاذًا مساعدًا، وأصدر في هذه الفترة "جغرافية المدن، المظاهر الجغرافية لمجموعة مدينة الخرطوم -المدينة المثلثة، ودراسات عن العالم العربى"، وحصل بها على جائزة الدولة التشجيعية عام 1959، ليلفت إليه أنظار الحركة الثقافية، وفى الوقت نفسه يكسب غيرة بعض زملائه وأساتذته داخل الجامعة؛ فحين تقدم لنيل درجة أستاذ مساعد، وأقرت اللجنة العلمية هذا الترشيح مع أستاذ جامعى آخر، كانت هناك درجتان تقدم لهما أربعة من العاملين بالتدريس بالجامعة، ولم يفز جمال حمدان الأمر الذي جعله يرى في ذلك إهانة له، فتقدم باستقالته التي لم تقبلها الجامعة إلا بعد عامين كان خلالهما مسئولو قسم الجغرافيا يحاولون إثناؤه دون جدوى، ومنذ ذلك الحين فرض جمال حمدان على نفسه عزلة اختيارية عن الناس؛ فلم يكن يستقبل أحدًا في منزله.

في 17 أبريل عام 1993، أحضر بواب العمارة التي يسكنها جمال حمدان في الدقي عدة كرأسات بيضاء، وعلبة سجائر محلية، وبضع زجاجات مياه غازية. وبعد ساعات قليلة دوي صوت انفجار في شقته، واقتحمها البواب ليجده مُلقى فوق أرض المطبخ وقد تفحم نصفه الأسفل تمامًا إثر انفجار أنبوبة البوتاجاز؛ وكان المنزل يحتوي على المطبخ الذي يضم مائدة خشبية متهالكة مغطاه بصحيفة وفوقها طبقان من البلاستيك، وغرفة النوم من دولاب متهالك وسرير وطاولة مختفية تحت ركام الكتب، وعدة حقائب جلدية كبيرة قديمة؛ وعُثر على صورة فتاة شقراء كان على علاقة بها أثناء بعثته في انجلترا وراديو ترانزستور، ولم يكن هناك تليفون أو تليفزيون؛ كما اختفت مسودات بعض الكتب التي كان بصدد الانتهاء من تأليفها، منها كتاب عن اليهودية والصهيونية كان يقع في ألف صفحة وكان من المفروض أن يأخذه ناشره يوم الأحد التالي للوفاة، وكتاب عن علم الجغرافيا، ولم تكن النار التي اندلعت في الشقة لتصل إلى الكتب والأوراق؛ وقد ذكر رئيس المخابرات الأسبق أمين هويدي أن لديه ما يثبت أن الموساد الإسرائيلي هو الذي قتل حمدان.

وفى 2011 أهدى اللواء عبدالعظيم، شقيق الدكتور جمال حمدان، أوراق المفكر الكبير لمكتبة الإسكندرية، وما زالت الأوراق قيد الفحص، وكانت الاستفادة الأولى من هذه الأوراق بإصدار كتاب «جمال حمدان وعبقرية المكان" من تأليف الباحثين محمد غنيمة، وأيمن منصور، والكتاب من إصدار مكتبة الإسكندرية، وهو دراسة وثائقية قائمة على المنهج العلمى الذى يعتمد على التدقيق والمعلومة الموثقة، وبشكل أساسى على أوراق جمال حمدان الموجودة فى حوزة المكتبة.

بدأ جمال حمدان رحلته عازفا سيمفونية رائعة فى حب الوطن عام 1948 عندما قرر وقتها رسم خرائط مختلفة لجغرافيا مصر تقدس كل حبة رمل على أراضيه، وطوع الجغرافيا والحدود لخدمة تاريخ وطن حضارته تمتد لأكثر من سبعة آلاف سنة، ولم يعد علم الجغرافيا عند جمال حمدان هو ذلك العلم الذى يتعامل مع الإحصائيات والأرقام والمعلومات بشكل جامد ؛ بل أصبح روحا تتنفس وأوضاعا سياسية واجتماعية واقتصادية تتحرك على الأرض أمامنا بفعل هذه التضاريس أو ذلك الموقع أو مرور ذلك النهر.

الكثيرون يعرفون جمال حمدان، عبقرى الجغرافيا، لكن هذا المؤرخ الكبير كانت له مملكة خاصة لم يقتحمها سوى القليلين، فى هذه المملكة كان يمارس هوايته فى الغناء والرسم وممارسة الرياضة، هذه المملكة تحولت إلى مقر شركة، ولم يعد فيها ما يخلد ذكرى صاحبها سوى لافتة صغيرة موجودة على ناصية الشارع الذى كان يسكن فى أحد عقاراته "الدكتور جمال حمدان مر من هنا".

من الجغرافيا انطلق جمال حمدان إلى التاريخ ومنهما حدد مواقفه الثابتة، بأن بيت الداء هو الكيان الذى زُرع بين العرب لتقسيمهم وتشتيتهم، وأثبت أنهم ليسوا كما يدعون أصحاب الأرض بل إن امتدادهم إلى أصول غير فلسطين. ليرحل بعدها فى ظروف غامضة عقب انفجار أنبوبة البوتاجاز فى شقته بحى الدقى يوم 17 إبريل 1993 بعد حياة حافلة ونقطة مضيئة فى الحياة العلمية المصرية والعربية.. غاب جمال حمدان عن عالمنا فى 4 فبراير سنة 1993 فى ظل ظروف وملابسات تزيد من الدراما التى صبغت حياته، لكن اسمه عاد للحياة بقوة ما تنفذه الدولة المصرية من مشروعات تستهدف استعادة الريادة المصرية التى أفنى حياته لأجلها.

ولعل باكورة إنتاج جمال حمدان هي كتابه الشهير "Studies in Egyptian Urbanism"، عام 1955 باللغة الإنجليزية، أثناء عمله عام 1958، كأستاذ مساعد بجامعة القاهرة، ألَّف ثلاثة كتب؛ وهي "جغرافية المدن"، و"دراسات في العالم العربي"، و"أنماط من البيئات"، وحصل على جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية عام 1959، وفي عام 1963، أصدر كتابه "المدينة العربية"، وأصدر كتاب "بترول العرب" في عام 1964،

كذلك ترك جمال حمدان حوالي 29 كتاباً و79 بحثاً ومقالة، منها "جغرافيا المدن" و"أنماط من البيئات" (1958)، و"الاستعمار والتحرير في العالم العربي" و"بترول العرب" و"أفريقيا الجديدة" و"المدينة العربية" (1964)، و"اليهود أنثروبولوجيا" (1967)، و"استراتيجية الاستعمار والتحرير"(1968)...وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

............................

هوامش المقال

-  محمد محمود السيد: عبقرية جمال حمدان: كيف نسجت الجغرافيا «شخصية مصر»؟، الوطن المصرية ، نشرت بتاريخ 25/01/2020.

- خالد بيومي: جمال حمدان عاشق مصر، الوطن المصرية ، نشرت بتاريخ  الإثنين 23 أبريل 2018.

- هانم الشربينى: أسرار المملكة الخاصة لـ«جمال حمدان»، مقال منشور بمجلة الإذاعة والتفزيون، ٢٠٢١/٠٢/٠٨

- جمال حمدان وآخرون : جمال حمدان في "عبقرية المكان" عن القناة: "نبض مصر"، البوابة نيوز ، نشر بتاريخ الجمعة 07/أغسطس/2015 - 04:58 ص.

 

محمود محمد علييعد الأستاذ الدكتور سليمان حزين واحداً من أهم العلماء الذين أنجبتهم مصر، ، كان رمزا من رموز المعرفة الموسوعية الفريدة وواحدا من أصحاب الرؤية الفكرية والثقافية الشاملة، جنبا إلى جنب مع القدرة على الإدارة الحازمة واتخاذ القرار الحاسم بعيدا عن الروتين (1)، كما كان عاشقًا للغته العربية ومداومًا على إثبات ذلك العشق يومًا بعد يوم طوال حياته المديدة حتى على مستوى الحديث الأسري اليومي مع الأبناء، وعلى الرغم من سيطرته التامة على لغات أجنبية متعددة.

تعلم تلامذته منه الاعتزاز بالكرامة دون مبالغة والتواضع دون مذلة .. حتى يكون الإنسان مقبولاً عند الله وعند الناس.. كما تعلموا على يديه الجدية في العمل والإخلاص فيه والتفاني في طلب العلم والتركيز على تسخيره لخدمة الإنسان و البشرية.. وتعلموا أن حل المشكلات يأتي بالتعاطف والحب والتفاهم والموعظة الحسنة .. وليس بالغلظة والاحتداد.

ولعل استعراض تاريخه الدراسى يقدم لنا صورة عن ملامح شخصيته الشغوفة بالمعرفة، وقدراته النادرة على امتلاكها، فقد التحق سليمان حزين بقسمين فى نفس الوقت من أقسام كلية الآداب جامعة فؤاد الأول هما:  قسم الجغرافيا والعلوم السياسية، وقسم الاجتماع والدراسات الفلسفية، وحصل عام 1929 على الليسانس في القسمين معاً، ولكنه قبل تخرجه كان شديد الحرص على حضور معظم المحاضرات بقسم اللغة العربية في الكلية ذاتها، حتى أصبح صديقاً مقرباً من عميد الكلية آنذاك الدكتور طه حسين، الذى أوفده في بعثة علمية إلى جامعة ليفربول بإنجلترا، ثم إلى جامعة مانشستر، فحصل على الماجستير من الأولى عام 1933 وعلى الدكتوراه من الثانية عام 1935 (2).

المهم في هذا العالم المصري المرموق، أنه كان مهموماً برسالة بدت للكثيرين آنذاك غير منطقية تماماً، فقد كان يحلم بأن ينقل مشاعل التنوير من جامعة القاهرة في العاصمة إلى كل ربوع مصر، خصوصاً إلى قلب الصعيد والدلتا، في وقت كانت فيه هذه "الربوع" مجرد إقطاعيات شاسعة تملكها فئة قليلة تعيش في القاهرة ولا تغادرها إلا إلى باريس ولندن وتركيا لـ"الاصطياف" والعلاج، وكانت قرى مصر ونجوعها وكفورها ترسف فى أغلال الفقر والمرض والجهل والاستعباد المهين للكرامة الإنسانية، وفى نهاية الأربعينات كان الدكتور "حزين" مشغولاً في إنشاء العديد من مراكز الدراسات والهيئات الثقافية العربية والدولية "مثل اليونيسكو"، ورغم ذلك لم يفارقه حلمه بأن ينقل مشاعل التنوير إلى الأقاليم، حتى واتته فرصة إنشاء قسم الجغرافيا بآداب الإسكندرية، وحاول فيه أن يضع علم الجغرافيا البشرية باعتبارها أهم ثروات الدنيا فوق كل فروع الجغرافيا الأخرى (3).

وكان حُزين ينظر الى الجغرافيا بمفهوم شامل، فهي عنده لا تقتصر على دراسة الطبيعة والبيئة، بقدر ما أصبحت علم التأمل في صلة الانسان بالطبيعة، وصلة التاريخ بالجغرافيا، وصلة الجغرافيا بالسياسة، وهو المفهوم الذي سار عليه حزين في دراسات لأكثر من نصف قرن، وجعله يلتمس طريقه العلمي الي اختيار مواضيع تتصل بماضي الأمة العربية من جهة، ثم بمستقبلها المأمول من جهة أخرى (4).

وقد اختار حُزين منهج "الجغرافية الحضارية" وهو منهج يختلف عن المنهج الجغرافي المعتاد الذي يهتم بتناول البيئة والطبيعة من أرض ومناخ ونباتات وموارد طبيعية، ثم ينتقل الى تناول الإنسان وحياته واستخدامه للأرض والموقع؛   أما منهج الجغرافيا الحضارية فهو امتداد لمنهج ما يسمى بـ"الجغرافية التاريخية" الذي يدرس العلاقة المتطورة بين الإنسان والبيئة على امتداد الحقب والعصور. فالجغرافيا الحضارية تختص بتصوير حضارة الإنسان في تتابعها الزمني، وتشمل الحضارة بشقيها المادي والمعنوي. فالجانب المادي يتمثل في مظاهر النشاط البشري وإبداع الإنسان في استغلال موارد الطبيعة، والجانب المعنوي يمثل الابداع الفكري والثقافي والأدبي والفني الخالص للقريحة البشرية ومن مجموع العملين "المدني" و"الثقافي" يأتلف العمل الحضاري العام (5).

وقد أثرى الدكتور حزين المكتبةَ العلمية بالعديد من المؤلفات التي زادت على مئة مؤلفٍ علمي باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية منشورةً في العديد من المجلات والدوريات والمؤتمرات العلمية الدولية في مصر والخارج والتي بلغت نحو مئة مؤتمر – ودلت هذه البحوث والمؤلفات على المدى الذي ذهب إليه رحمه الله في خدمة العلم وطلابه وقدم من خلالها ربطًا فريدًا بين الدراسات الجغرافية الطبيعية والدراساتِ الجغرافية البشرية وحقق بأسلوبه هذا تكاملا علميًّا وبروزًا حضاريًّا وخدماتٍ مثلى للدارسين – وهو صاحبُ مدرسةٍ في البحوث والدراسات الجغرافية بدأ نشرها منذ عام 1936 وعلى مدى ستين عامًا. هذا عدا المئات من الأحاديث والمقالات والمحاضرات التي نشرها أو ألقاها وأثرى بها حياتَنا الفكرية وعالج فيها الكثيَر من مشكلاتنا القومية وقضايانا العلمية والاجتماعية والثقافية. عالجها بحكمته البالغة وفكره المستنير.

ومن أبرز مؤلفاته: نشأةُ الحضارة في مصر (1939(وكتاب مكانة مصر في حضارات عصر ما قبل التاريخ (1941) وهو مؤلف ضخم يقع في 500 صفحة ويعد من كتب العيون بالنسبة للباحثين والدارسين، وكان لهذا الكتاب أثرهُ الواضحُ في أن يحتل صاحبُه مكانتَه البارزةَ بين علماء ما قبل التاريخ وكان الفقيد قد ضمّن هذا المؤلفَ ما توصل إليه من نتائج عندما قام بحفائرِ للكشف عن آثار ما قبل التاريخ في الفيوم (1937 : 1939، وكتاب بحثٌ عن تطورات المناخ في شبه جزيرة سيناء، وبحثٌ عن نهر النيل وتطوره الفيزيوغرافي – ذلك النهر الخالد الذي عشقه وكتب عنه الكثير وعن أثرِه في الحضارة المصرية ، حضارة مصر – أرض الكنانة ويقع في 327 صفحة (1991)،  وأرض العروبة : رؤيةٌ تاريخيةٌ في الزمان والمكان ويقع في402 صفحة (1993)، ومؤلفٌ آخر ضخم عن مستقبل الثقافةِ في مصر العربية ويقع في 532 صفحة (1994).

هذا عدا العديد من مؤلفات وبحوث أخرى جغرافيةٍ وتاريخيةٍ لها قيمتُها العلميةُ البالغة أورد منها سبعة وعشرين مؤلفًا في سيرتِه الذاتية العطرة .

ولبحوثه وإنجازاته الرائدة ولمكانته العلمية البارزة نال العديدَ من الجوائز أبرزُها جائزةُ الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 1971وعلى أوسمةٍ من مصر والأردن وسوريا والعراق وفرنسا إذ تجاوز في آثاره ونظرياته الجديدة نطاقَ وطنهِ فنال تقديرَ الهيئات العلمية العالمية وارتفع بعلمه إلى مصاف العلماء الأفذاذ.

وكان حُزين من أشد المتحمسين لقضية مصر وانتمائها الى محيطها العربي، ودلل على ذلك بحقائق جغرافية وبراهين تاريخية لا تقبل الجدل وتقطع الشك باليقين، أوردها في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر العربية" الذي حاز به على جائزة أحسن كتاب ثقافي للعام 1994  (6)، وخالف حُزين بذلك رؤية استاذه طه حسين التي قدمها في كتابه الشهير "مستقبل الثقافة في مصر" الذي اثار زوبعة واسعة حين صدوره في ثلاثينات القرن العشرين، وحاول من خلاله أن يحول دفة الفكر واتجاه الثقافة من الاتجاه التقليدي لتلمس منابع تراثنا الفكري والثقافي، الى اتجاه الغرب ونهضته الحديثة وكان يريد من ذلك القطع مع الثقافة العربية لحساب ثقافة الغرب، وعلى النقيض من ذلك، كان حُزين يرى أن ارتباط مصر بالثقافة العربية هو ارتباط عضوي لا سبيل الى الفكاك منه، لجهة أنه رباط قديم يستند الى العرق والنسب، كما يستند الى الفكر والثقافة واللسان (7).

وبعد قيام ثورة 23 يوليو 1952 سارع الدكتور حزين بوضع رؤيته وحلمه تحت تصرف الثورة رغم أنه ظل على مسافة محسوبة من رموزها، ولم يطرق باب مسئول أو ضابط كبير بحثاً عن دور أو منصب، وعندما فكرت ثورة يوليو فى إنشاء أول جامعة بصعيد مصر لم تجد غير سليمان حزين، فذهب إلى أسيوط وأنشأ جامعتها عام 1955 وبدأ الدراسة بها عام  1956 (8) ، وعندما تولى سليمان حزين موقع مدير (أي رئيس) جامعة أسيوط تبنى رؤية فريدة شعارها: جامعة بلا أسوار!، حيث أصر على عدم إقامة أسوار تفصل الجامعة عن المحيط الاجتماعي لمدينة أسيوط، بحيث تكون شوارع الجامعة مجرد امتداد جغرافي لشوارع المدينة! وقد ظلت هذه الرؤية هى السمة الفريدة المميزة لجامعة أسيوط حتى عام 1981 وهو العام الذى كانت الجماعة الإسلامية فيه قد بلغت قدرا كبيرا من النمو فى الجامعة بتمويل ودعم من محافظ أسيوط الأسبق محمد عثمان إسماعيل الذى كان يرى فيها وسيلة فعالة للتصدي للطلاب اليساريين والناصريين المناوئين لحكم الرئيس أنور السادات، فقد كان أعضاء تلك الجماعة مسلحين بالجنازير التي يستخدمونها في "تأديب" أي معارض يساري أو حتى ليبرالي دون خوف من أي مساءلة من الجهات الأمنية!. وقد انتهت هذه السياسة الحمقاء بكارثة هي اغتيال الرئيس السادات نفسه على أيدى تلك الجماعات التي أراد لها عثمان إسماعيل أن توطد أركان حكمه!.. ما يعنينا هنا هو أن نشير إلى أن عام 1981 كان هو عام النهاية لسياسة: «جامعة بلا أسوار»، حيث قامت الجامعة في أعقاب الاغتيال ببناء الأسوار التى تعزلها عن الكتلة السكنية، والتي مازالت قائمة إلى الآن (9).

ومن المتواتر عن الدكتور سليمان حزين أنه أطلق آنذاك مقولته الشهيرة: «لو كان الأمر بيدي لما وليت أحداً أية مسئولية سياسية أو علمية أو إدارية في مصر إلا إذا كان من أصول ريفية، أو على الأقل عاش بين الناس في الريف واطلع على أدق تفاصيل حياتهم وظروفهم وعملهم". صحيح أن الرئيس الراحل أنور السادات أوعز -بعد ذلك بسنوات- لمحافظ أسيوط الشهير محمد عثمان، بأن يستخدم الجماعات التكفيرية ويمولها للتصدي للمد اليساري والناصري لطلبة جامعة أسيوط، حتى تحولت هذه المنارة العلمية المفتوحة على بيوت وشوارع وحقول أسيوط إلى معقل للإرهاب خرجت منه بعد ذلك جحافل جاهلة قتلت السادات نفسه وهو يحتفل بنصر أكتوبر عام 1981، واضطر الأمن إلى إحاطة كليات جامعة أسيوط بأسوار وبوابات رهيبة دفنت العلم خلفها  (10).

ولكن -رغم ذلك- تظل رؤية سليمان حزين للخروج بالعلم والمعرفة والإدارة من العاصمة إلى ربوع مصر كلها هي الفريضة الغائبة فى كل ما نفعل الآن، ودون هذا الخروج ستظل العاصمة المتخمة بالبشر والمراكز البحثية وضجيج النخبة، مجرد رأس ضخم لجسد هزيل، كما وصفها الرائع جمال حمدان، أحد تلاميذ الدكتور سليمان حزين، رحمهما الله، ورحمنا جميعاً من بؤس وغباء التركيز فى كل مشروعاتنا على العاصمة (11).

فتحية طيبة للدكتور سليمان حزين الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للعالم الجغرافي والإداري البارع الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله الدكتور سليمان حزين الإنسان والأستاذ وإن كان جسده قد فارقنا، فإن فكره سيظل باقيا  ما بقيت الحياة علي وجه الأرض .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..................................

المراجع:

1- نصار عبد الله : سليمان حزين: «جامعة بلا أسوار»، جريدة المصري اليوم بتاريخ السبت 07-10-2017 21:19.

2-محمد البرغوثى: «سليمان حزين».. والفريضة الغائبة، جريدة الوطن المصرين ، منشور بتاريخ 10:20 م | الجمعة 02 مايو 2014.

3-نفس المرجع .

4- عاطف مظهر: رحيل سليمان حزين عميد الجغرافيين العرب ومؤسس جامعة أسيوط ، منشور 3 فبراير 2000 .

5- نفس المرجع .

6- نفس المرجع .

7- نفس المرجع .

8-نصار عبد الله:  نفس المرجع .

9- محمد البرغوثى :  نفس المرجع .

10-  نفس المرجع .

11- نفس المرجع .

 

محمود محمد عليمن كان يتخيل أن دولة فقيرة غير قاردة على صناعة إبر الخياطة، ستتمكن من صنع قنبلة نووية.. هذه قصة تُظهر ما يمكن لرجل واحد فعله من أجل بلده، في ظل سلطة واثقة تمنحه كل الصلاحيات.. عام 1974 تعرضت باكستان لصدمة شديدة، الهند.. العدو العدو أجربت بنجاح أول اختبار نووي.. حدث هز باكستان لدرجة أن تطوير السلاح النووي أصبح هدم البلاد الأكثر إلحاحا، وأعلنها رئيس الوزراء حينها " ذو الفقار علي بوتو" بوضوح حين قال:" سنجوع ونأكل العشب أو أوراق الشجر لكننا سنحصل على قنبلتنا النووية ".. لكن كيف ؟.. وهذه التقنية محصورة في عدد قليل جدا من الدول ومحاطة بسرية هائلة.

كان عالم باكستاني مغمور جاهز حينها لتغيير المعادل " عبد القادر خان" (1 أبريل 1936 - 10 أكتوبر 2021) الذي يعتبره البعض لأب الروحي للبرنامج النووي الباكستاني، حيث أنه المؤسس له والعنصر الأبرز في وجود أول قنبلة نووية باكستانية.. وفي وقت ينظر الباكستانيون لـ"عبد القدير" على أنه جعل بلادهم أول قوة نووية إسلامية في العالم، يعتبره الغرب مسؤولا عن تهريب تكنولوجيا إلى إيران وكوريا الشمالية وليبيا.

ولد في بوبال في الهند عام 1936 أثناء فترة الاحتلال البريطاني وقبل انفصال باكستان بعد تقسيم الهند، ثم تحداها بقنبلة نووية.. أدخل بلاده في نادي الكبار، وصنع قنبلته الخاصة من اللاشئ.. اتهمه الغرب بسرقة معلومات سرية، واعتبره الشعب بطلا قوميا، ثم وضعته الحكومة قيد الإقامة الجبرية بتهمة تسريب معلومات نووية حتى اعترف بها بنفسه.

كان والده عبد الغفور خان مدرسًا تقاعد عام 1935، لذا نشأ الابن عبد القدير تحت جناح أبيه المتفرغ لتربيته ورعايته. كانت زليخة بيجوم والدة خان سيدة تقية تلتزم بالصلوات الخمس ومتقنة للغة الأردية والفارسية، لذلك نشأ الدكتور عبد القدير خان متدينًا ملتزمًا بصلواته.. تخرج من مدرسة الحامدية الثانوية ببوبال ثم هاجر إلى باكستان في عام 1952 بحثا عن حياة أفضل. توفي والده في بوبال عام 1957، حيث أنه لم يهاجر مع أبنائه إلى باكستان..تخرج من كلية دیارام جيته للعلوم بجامعة كراتشي عام 1960، وعمل في وظيفة مفتش للأوزان والقياسات، وهي وظيفة حكومية من الدرجة الثانية، إلا أنه استقال منها بعد ذلك.

سافر عبد القدير خان من جديد لاستكمال دراسته فالتحق بجامعة برلين التقنية، حيث أتم دورة تدريبية لمدة عامين في علوم المعادن؛ كما نال الماجستير عام 1967 من جامعة دلفت التكنولوجية في هولندا ودرجة الدكتوراه عام 1972 من جامعة لوفين البلجيكية.

لم يكن ترك الدكتور عبد القدير خان لألمانيا وسفره إلى هولندا سعيًا وراء العلم. بل كان بسبب رغبته الزواج بالآنسة هني الهولندية -ذات الأصل الأفريقي- التي قابلها بمحض الصدفة في ألمانيا. وبالفعل تمت مراسم الزواج في أوائل الستينيات بالسفارة الباكستانية بهولندا.

حاول الدكتور عبد القدير مرارًا الرجوع إلى باكستان ولكن دون جدوى. حيث تقدم لوظيفة بمصانع الحديد في كراتشي بعد نيله درجة الماجستير، ولكن رفض طلبه بسبب قلة خبرته العملية، وبسبب ذلك الرفض أكمل دراسة الدكتوراه في بلجيكا؛ ليتقدم مرة أخرى لعدة وظائف بباكستان، ولكن دون تسلم أية ردود لطلباته. في حين تقدمت إليه شركة FDO الهندسية الهولندية ليشغل لديهم وظيفة كبير خبراء المعادن فوافق على عرضهم

في ذلك الحين كانت شركة FDO الهندسية على صلة وثيقة بمنظمة اليورنكو- أكبر منظمة بحثية أوروبية والمدعمة من أمريكا وألمانيا وهولندا. كانت المنظمة متهمة أيامها بتخصيب اليورانيوم من خلال نظام آلات النابذة Centrifuge system. التفاصيل التقنية المستخدمة لنظام الآت النابذة تعد سرية لأنها قد تستخدم في تطوير القنبلة النووية. تعرض البرنامج لعدة مشاكل تتصل بسلوك المعدن استطاع الدكتور عبد القدير خان بجهده وعلمه التغلب عليها. ومنحته هذه التجربة مع نظام الآلات النابذة خبرة قيمة كانت هي الأساس الذي بنى عليه برنامج باكستان النووي فيما بعد.

في عام 1974 فجرت الهند قنبلتها النووية الأولى في حينها كان الدكتور عبد القدير خان قد وصل إلى مستقبل مهني ممتاز بكونه واحد من أكبر العلماء الذين عملو في هذا المجال وأيضا كان له حق الامتياز في الدخول إلى أكثر المنشآت سرية في منظمة اليورنكو وكذلك إلى الوثائق الخاصة بتكنولوجيا الآلات النابذة، وعلى إثر تجارب الهند النووية أرسل الدكتور خان رسالة إلى رئيس وزراء باكستان "ذو الفقار علي بوتو" قائلا فيها: أنه حتى يتسنى لباكستان البقاء كدولة مستقلة فإن عليها إنشاء برنامج نوويّ".دعاه الرئيس لزيارة باكستان بعد تلك الرسالة بعشرة أيام ثم دعاه مره أخرى في عام 1975 وطلب منه عدم الرجوع لهولندا ليرأس برنامج باكستان النووي.

أبلغ الدكتور زوجته الهولندية بالخبر والذي كان سيعني تركها لهولندا إلى الأبد وافقت هي على قراره عندما علمت برغبته في تقديم شيء لبلده. تقول التحقيقات التابعة للسلطات الهولندية في ذالك الحين أنهم توصلوا إلى أن الدكتور عبد القدير خان قد نقل معلومات عالية السرية لوكالة الاستخبارات الباكستانية إلا أنهم لم يتوصلو إلى أي دليل يثبت ان كان الدكتور قد أرسل منذ البداية إلى هولندا كجاسوس أو أنه هو الذي عرض ذلك على السلطات الباكستانية فيما بعد.

في عام 1975 ترك الدكتور خان هولندا بشكل مفاجئ وفي عام 1976 عاد إلى باكستان ومنذ ذلك الحين استقرت عائلة خان في باكستان، وعند عودته، أنشأ مختبرًا في كاهوتا لتطوير اليورانيوم عالي التخصيب وأنتج أول يورانيوم عالي التخصيب في عام 1982.

ولشعبيته الجارفة أطلق الباكستانيون على عبد القدير خان لقب "أبو الترسانة النووية" أو "أبو القنبلة النووية" في البلاد؛ حيث كان أحد العلماء الأساسيين الذين عملوا على تطوير الأسلحة النووية في البلاد، ونجحت باكستان في إجراء أول تجربة لقنبلة نووية في عام 1998 ومنذ هذا الوقت صعد اسمه بقوة وأصبح حديث عدد كبير من وسائل الإعلام المحلية والعالمية، لكن هذه الشعبية لم تحل دون توجيه اتهامات غربية قالت إنه "ساعد في تطوير البرامج لتخصيب اليورانيوم في كل من إيران وكوريا الشمالية وليبيا".

ورغم اعتبار عبد القدير خان بطلاً، إلا أن الولايات المتحدة تتهمه منذ فترة طويلة "بنشر مواد نووية، وفي عام 2003، اعترضت الولايات المتحدة سفينة شحن ألمانية كانت في طريقها إلى ليبيا محتوية على أجزاء لأجهزة الطرد المركزي الغازية، ثم عينه الزعيم الليبي معمر القذافي كمورد له، وبعد عام اعترف العالم الباكستاني ببيع هذه المواد وقدم اعتذاره.

وفي فبراير (شباط) 2004، فرضت على خان إقامة مراقبة بعدما ثبت أنه كان مشاركاً في عمليات نقل تكنولوجيا نووية إلى إيران وليبيا وكوريا الشمالية في تسعينات القرن العشرين، واعترف الرجل الذي يعتبره البعض «بطلاً قومياً» ويرى فيه آخرون «عالم معادن ينشر السلاح النووي»، في فبراير 2004 على شاشة التلفزيون بأنه شارك في نشاطات انتشار. لكنه تراجع عن أقواله في وقت لاحق. ونتيجة لذلك، حصل على عفو من الرئيس مشرف.. بقي الدكتور خان يتمتع بشعبية في باكستان رغم الجدل. وكان يكتب بانتظام منشورات للمجموعة الإعلامية «جانغ» يشيد فيها بتعليم العلوم. ويحمل العديد من المدارس والجامعات والمؤسسات الخيرية اليوم تحمل اسمه.

وقد أغفل الموساد مهندس البرنامج النووي الباكستاني عبد القدير خان، الذي توفي هذا الأسبوع في إسلام آباد، على الرغم من أنه من العلماء النوويين الذين ساعدوا خصوم إسرائيل على حيازة قدرات عسكرية استراتيجية غيرت قواعد اللعبة.

وبحسب صحيفة "هآرتس" العبرية، أشار يوسي ميلمان، كاتب التقرير إلى أن عبد القدير خان، الذي توفي عن عمر ناهز 85 عاماً، جراء إصابته بفيروس كورونا، يعتبر بطلاً قومياً في موطنه باكستان، حيث أُطلق عليه لقب "أبو الأسلحة النووية الباكستانية"، لكن على نحو مماثل يمكن أن يطلق عليه أيضاً لقب "الأب الروحي" للبرنامج النووي الإيراني.. وأضافت أن خان الذي صنع قنبلة نووية في باكستان "سرّب أسراراً نووية، واستفاد من شبكة انتشار عالمية، وساعد إيران في أن تتجه نحو التسلح النووي، وكان يساعد الزعيم الليبي الراحل معمر في تحقيق طموحاته لإنشاء مفاعل نووي، وفقاً للصحيفة، لم يفلت خان من أصابع الموساد فحسب، إذ أتيحت لوكالة الاستخبارات المركزية أيضاً فرصة لإيقاف دور خان النووي في باكستان، وأعماله المستقلة اللاحقة في مجال الانتشار النووي.

وفي العاشر من أكتوبر  من عام 2021م، توفي العالم النووي الباكستاني، عبد القدير خان، اليوم الأحد، عن عمر ناهز 85 عاما،  وكان خان قد تم نقله إلى مستشفى في إسلام آباد، في وقت مبكر صباح اليوم، حيث توفي، بسبب مضاعفات مرتبطة بمرض كوفيد-19.

وهكذا ودعت باكستان عبدالقدير خان -أحد أبرز علمائها، والرجل الذي يعود له الفضل في دخول باكستان للنادي النووي العالمي لتنافس جارتها العملاقة الهند التي لو امتلكت الطاقة النووية لوحدها لأكلت باكستان سريعا دون تردد.

وقد أثار خبر وفاة عبدالقدير خان، موجة من الحزن والثناء أيضا على إرث العالم الباكستاني الراحل، إذ كتب رئيس الوزراء عمران خان، على تويتر: "حزين للغاية لوفاة الدكتور عبدالقدير خان"، مشددًا على مدى حب العالم النووي في باكستان بسبب "إسهاماته الحاسمة في جعلنا دولة نووية". وأضاف: "بالنسبة لشعب باكستان كان رمزًا وطنيًا".

كما كتب الرئيس الباكستاني عارف علوي على "تويتر": "ساعدنا (خان) في تطوير درع نووية أنقذت الأمّة، كما أن دولة ممتنّة لن تنسى خدماته في هذا الصدد". علماً أن خان أشرف على أول تفجير نووي نفذته إسلام آباد، في عام 1998، بعد فترة وجيزة على تفجير نووي مشابه نفذته نيودلهي.

فتحية طيبة للدكتور عبد القدير خان الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للعالم النووي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله الدكتور عبد القدير خان الإنسان والأستاذ وإن كان جسده قد فارقنا، فإن فكره سيظل باقيا  ما بقيت الحياة علي وجه الأرض. ولا يسعني إلا أن أقول مع أستاذنا الدكتور عاطف العراقي أن أخاطب روحه في السماء قائلا: اذكريني، وذلك بعد أن انتشر الفساد الفكري والظلام الثقافي، ازدادت فيه طرق وأساليب جيوش البلاء والظلام، بحيث أصبح الإنسان ذئباً لأخيه الإنسان، وإن كان أكثرهم لا يعلمون.

 

نعم أقول لروحه اذكريني حين يتم لقاء الأرواح بالأرواح في عالم الخلود، وبعيداً عن العالم الزائل الذي نعيش فيه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

............

المراجع:

- مقال بيل باول وتيم مكغيرك بعنوان "الرجل الذي باع القنبلة" في مجلة تايم بتاريخ 14 شباط/ فبراير 2005 صفحة 22 - 30.

- مقال بارتون غيلمان ودافنا ليزنر بعنوان "خطر غير مسبوق يرغم على اتخاذ قرارات صعبة: الرئيس يواجه معركة متعددة الجبهات ضد تهديدات معروفة ومجهولة" في صحيفة واشنطن بوست بتاريخ 26 تشرين الأول/ أكتوبر 2004، صفحة أ1).

- كتاب "الجهاديون النوويون"لدوجلاس فرانتس وكاثرين كولنز

- جريدة الوفاق العدد3112 "صانع القنبلة النووية يفجر قنبلة سياسية"

- مقابلة مع صحيفة نواي الباكستانية بتاريخ 2-4-2008

- برنامج وثائقي بعنوان"تجارة عبد القدير خان النووية"

- الكولونيل تشارلز د. لوتس 'لاعبون جدد في الساحة عبد القدير خان والسوق السوداء النووية'

 

محمود محمد عليفي اليومين الماضيين فُجعنا بوفاة المستشارة الجليلة والقاضية الجليلة والوطنية المحترمة تهاني الجبالي (1950-2022م)، والتي تمثل أبرز تجليات الرسوخ التاريخي للمرأة المصرية.. مواقف وإصرارًا وتحديًا.. وأظن أن الراحلة العظيمة تجسد بجلاء مقولة سقراط العبقرية: "المرأة أحلى هدية قدمها الله إلى الإنسان"، كما أثبتت خلال حياتها العملية قوة وصلابة شخصية المرأة المصرية، وبما أهلها لأن تكون أول قاضية مصرية في عصرنا الحديث، وتدرجت لأعلى منصب قضائي تحتله المرأة في مصر، كما كان لها دور عظيم فى ثورة 30 يونيو، وكانت لا تخشى فى الحق لومة لائم.

وتهاني الجبالي أول قاضية مصرية وأول مَن يعتلي منصة المحكمة الدستورية المصرية من النساء في مصر، وواحدة من 17 قاضياً هم قضاة المحكمة المسؤولة عن الرقابة على دستورية القوانين واللوائح، إلى جانب رئيسها، وعُيِّنت الجبالي عام 2003 بهيئة مستشاري المحكمة، التي أُنشئت في عام 1969 تحت اسم «المحكمة العليا» والتي تولت مهمة الرقابة على القوانين حتى تاريخ تشكيل المحكمة الدستورية العليا عام 1979.

وقد أطلق عليها بالبعض اسم ماعت لكى نتذكر "ربّة الحق والعدالة" فى الأدبيات المصرية القديمة، التى كانت تضعُ على رأسها ريشة الضمير، الذى به تزن قلب المتوفى لتعرف حجم ما يحمل من حسنات وآثام. تُنبئُنا الجدارياتُ والبرديات الفرعونية أن أولَ قاضية ووزيرة عدل فى تاريخ البشرية، هى المصرية: "نبت"، التى اعتلت كرسى القضاء المصرى قبل ٧٠٠٠ عام. كانت "نبت" رأسَ المحكمة المصرية. قراراتُها نافذة وفقَ بنود "قانون العدالة" الذى وضعه كبارُ حكماء ومستشارى ملوك مصر القديمة. هكذا كرّست مصرُ أسطورةَ "ماعت" ربة العدل، حاملة الميزان، معصوبة العينين، التى تُزيّن تماثيلُها الآن جدر محاكمنا المصرية ومحاكم العالم. وهكذا كانت الراحلة الجميلة «تهانى الجبالي» امتدادًا مشرقًا لحضارتنا الراقية، لتطوى كلَّ الحقب الظلامية التى أخمدت صوتَ المرأة المثقفة.

ولدت "تهاني الجبالي"، عام 1950، بمدينة طنطا، وتخرجت في كلية الحقوق جامعة المنصورة عام 1973، وحصلت على الدراسات العليا فى الشريعة الإسلامية والقانون الدستوري، كما أنها عملت بالمحاماة لمدة 30 سنة، وهي أول امرأة مصرية تتولى المنصب القضائي الأعلى في تاريخ مصر، كما أنها أول سيدة عربية تم انتخابها في المكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب، لتتولى بعد ذلك لجنة المرأة في اتحاد المحامين العرب. وانتخبت لدورتين بمجلس نقابة المحامين كأول محامية منذ إنشاء النقابة عام 1912 ، ثم انتخابها كأول عضوة في المكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب لتصبح بذلك أول سيدة مصرية وعربية تنتخب في هذا المستوى بالاتحاد منذ تأسيسه عام 1944م. وبعدها، تولت لجنة المرأة في الاتحاد نفسه لتمثل المرأة العربية، وأيضًا رئاسة لجنة (مناهضة العنصرية والصهيونية) بالاتحاد، وفي عام 2009، عينت "الجبالي"، بقرار جمهوري نائبًا لرئيس المحكمة الدستورية عام 2009، كما حصلت على أكثر من 30 وسام ودرع تكريمي.

والتاريخ تعيينها كأول قاضية مصرية، كما سجل أيضا عزلها من منصبها على يد جماعة ‏الإخوان الإرهابية، التي حاولت بشتى الطرق أن تبعدها عن المشهد لتنفرد بالرأى، ولكن كانت ‏الجبالي على قدر المسئولية، ولم تترك ساحة المعركة.‏ خاضت الجبالي معارك شرسة ضد جماعة الإخوان الإرهابية، خلال فترة حكمها، وبعد استبعادها ‏من منصبها بالمحكمة الدستورية، أسست التحالف الجمهوري للقوى الاجتماعية عام ٢٠١٤، ‏وخاض التحالف الانتخابات البرلمانية عام ٢٠١٥، وقادت العديد من المعارك السياسية التي دعمت ‏فيها الوطن.‏

لم تكن المستشارة "تهانى الجبالي" قاضيةً وحسب، بل قاضيةٌ فى المحكمة الدستورية العليا. فى بادرة رفيعة تُحسب لمصر. ولم تكتف بما حققت، بل كافحت لتفتح الباب لقاضيات ونيابيات أخريات، بعدما أعلنت حزنها من التوجّه ضد استكمال التجربة النسائية فى القضاء. وتساءلت متى تتواجد المرأةُ فى كل ساحات القضاء بمصر، لكى تغدو تجربة جماعية، لا فردية؟ طالبت بوجود المرأة فى النيابة العامة والقضاء الإدارى وغيرهما من مجالات السلك القضائى، إذ من العبث أن يكون أوائل الخريجين فى كليات الحقوق فتيات، ثم يُستبعدن بسبب جنسهن! فى حين يجب أن تكون الكفاءةُ، لا النوع، المعيارَ الحقيقىّ والعلمىّ للاختيار! وقد تحقق لها ما أرادت فى حياتها. كان وجود نموذج المستشارة "تهانى الجبالي" معادلا موضوعيًّا يُعزّينى عن حال المرأة العربية الذى كان يجنح نحو التبعية والخنوع. فكنتُ أفتخرُ، مثل كل مصرىّ مثقف، بتلك القامة النسائية الرفيعة التى تؤكد لى أن مصرَ لن تسقط بإذن الله، مهما تكاثر الظلاميون.

وكل هذه المواقف القوية وضعتها هي ومنصبها في حالة حرجة، فبسبب الكراهية الشديدة التي كانت تكنها الجماعة الإرهابية، للقاضية تهاني الجبالي، دفعتها لتترك منصبها، حيث تم استبعادها من منصب نائب رئيس المحكمة الدستورية في حكم الرئيس المعزول محمد مرسي من خلال نص دستوري قلص عدد قضاة المحكمة الدستورية من ١٩ إلى ١١ عضوًا، ونص انتقالي يقضي بعودة كل المستبعدين فور إقرار الدستور إلى مناصبهم السابقة على العمل بالدستورية.

ومن أبرز تصريحاتها «القاضي الدستوري لا يجوز أن يصمت حين تهدد أركان الدولة أو تهدد حقوق وحريات المواطنين، وبالتالي عليه أن يتحدث»، وهو ما دعاها إلى الوقوف في وجه الجماعة التي حاولت النيل منها وإبعادها عن المشهد بعد التصدي لهم.

ساهمت بالرأي عبر وسائل الإعلام والصحافة في كل ما يتصل بمسار المرحلة الانتقالية وطالبت مبكرا بأن يوضع الدستور قبل بناء المؤسسات سواء التشريعية أو التنفيذية، كما طالبت بفترة انتقالية توضع فيها بنية أساسية تمكن الثوار من الحريات العامة وتهيئة البيئة الحاضنة للديمقراطية وانتقدت إجراء انتخابات مبكرة في ظل اختلال الموازين بين القوى الاجتماعية وعدم فتح مسام الوطن بالحريات العامة.

تحية لتهاني الجبالي الذي كانت تمثل لنا نموذجا فذا للقاضي العدل الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً لامرأة عظيمة لم تستهوها سلطة القضاء، ولم يجذبها النفوذ الدستوري ولكنها آثرت أن تكون صدى أميناً لضمير وطنى يقظ وشعور إنسانى رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.........................

المراجع:

1- طارق عبد الحميد : تهاني الجبالي.. وداعًا، مقال منشور بجريدة الوفد المصرية، الأحد, 16 يناير, 2022 - 8:42 م.

2-أحمد السعيد وآخرون: تهاني الجبالي.. وداعًا المرأة الحديدية، البوابة نيوز، الأحد 09/يناير/2022 - 09:40 م

3-فاطمة ناعوت: تهانى الجبالى.. الماعت.. وداعًا!، المصري اليوم ، الإثنين 10-01-2022 02:30.

4- أحمد الساعاتي: وداعًا تهاني الجبالي.. صاحبة المنصب القضائي الأعلى في تاريخ مصر، البوابة نيوز، الأحد 09/يناير/2022 - 04:26 م.

 

3229 عبد الرضا علي وجابر عصفورفي الحادي والثلاثين من ديسمبر 2021م، فقدت الثقافة العربيّة ناقداً كبيراً، وأديباً مؤثّراً، ومفكّراً ذكيّاً، وأكاديميّاً شاخصاً، ومترجماً حاذقاً هو الأستاذ الدكتور جابر عصفور وزير الثقافة المصريّة الأسبق عن عمر ناهز السابعة والسبعين عاماً قضى ما يقربُ الخمسين منه في الكتابة الفكريّة المستنيرة، والبحث العلمي الجاد، والتأليف النقدي الرصين.

تعرَّفتُ إلى الدكتور عُصفور، أو تعرَّفتُ عليهِ سنة 1975م، حين سجَّلتُ رسالتي للماجستير الموسومة بـ (الأسطورة في شعر السيَّاب) بإشرافِ أستاذتي الدكتورة سهير القلماوي (1911-1997م) رحمها الله التي كانت أُستاذةً في قسم اللغة العربيّة بجامعة القاهرة حيثُ كان الدكتور عصفور مدرّساً فيه، وقد قال لي بعد الموافقة على تسجيل الرسالة : أنتَ محظوظ يا رضا لأنَّ أُستاذتي القلماوي لا تشرفُ على أحد إلاّ إذا تأكّدتْ من اقتدارهِ، وجديَّتِهِ، ونباهته، ولم أشأ أن أُعلمهُ أنَّها كانت المشرفة على رسالتي للدبلوم العالي في معهد البحوث والدراسات العربيّة العالية التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة الموسومة بـ(عبد الرحمن الربيعي بين الرواية والقصّة القصيرة) التي نلتُ عليها درجة الأمتياز، لأنَّ إدارة معهد البحوث التابع لجامعة الدول العربيّة، وسفارة جمهوريّة العراق في القاهرة لا تسمحان للطالب أن يجمع بين دراستين اثنتين في وقتٍ واحد، علماً أنَّ الدكتورة القلماوي كانت تغض الطرف عنّي، وتعينني في كتمان الأمر⁽¹⁾ .

توطّدت علاقتي بالدكتور جابر عُصفور، وتوثَّقت، وأمسينا نتبادل الزيارات، وفي إحدى زياراتي له بمسكنه بحيّ المهندسين بالقاهرة تعرَّفتُ على رمزِ اليمن الثقافي والوطني الشاعر عبد العزيز المقالح حفظه الله، وأحاطه بالأمان.

3228 عبد الرضا علي وجابر عصفور

حين تعرَّفتُ عُصفور سنة 1975م، كان يبدو أكثر التصاقاً بالتراث العربي النقدي، والبلاغي، لكنَّه لم يكن منغلقاً أبداً، وسرعان ما جمع إلى التراث ما كان لصيقاً بالحداثة، والتحديث، فواجه العتمة والظلام باستنارةِ العقل، واستضاءته، فكان خير مدافع عن حركة التنوير وإعمال العقل في فهم الواقع الجديد، والتخلّي عن حالات العقم التي توجد بالماضي، والتركيز على حالات الإشراق التي فيه، ولعلَّ كتابه (هوامش على دفاتر التنوير) ما يؤكِّدُ ذلك.

لكنَّ بعض كتاباته الفكريّة، والأدبيّة قد تعرَّضتْ إلى مناقشات لا تخلو من حدّة، كما في بعض الردودِ التي تلقّاها كتابه (ضد التعصُّب)، فقد أنشأه ضدَّ تلك التيارات التي أشاعتها بعض المجموعات الدينيَّة المتطرِّفة، فرأى بعضهم فيه تجميعاً لا يخلو هو الآخر من تعصّب كذلكَ، كما أنَّ كتابه الفكريّ الأدبيّ (زمن الرواية) قد تعرَّض هو الآخر إلى ردود لا تخلو من بعض التبرُّم،  فقد رأى فيه بعضهم تحاملاً على الشعر، وتمجيداً للسرد مع سبق الإصرار والترصّد، مع أنَّ السردَ المحكم (كما يرون) لا يمكن أنْ يتخلّى عن الشعريّةِ التي تجعل النصَّ يُحلِّقُ عالياً وكأنَّه الشعرُ صياغةً، وبذا لا يمكن التخلّي عن الشعريّة أبداً حتى في الفنِّ القصصي، أو الروائي، وإن كان الشعرُ مشروعاً فرديَّاً .

3227 عبد الرضا علي وجابر عصفور

لقطــــــــات:

1- جمعتني وإيّاه (في صنعاء) في شهر آب من سنة 1999م مناقشة أُطروحة دكتوراه عنوانها (شعريَّة القصّة القصيرة في اليمن) أعدَّتها الطالبة اليمنيّة آمنة يوسف، وكانت بإشراف رمز اليمن الوطني والثقافي الدكتور عبد العزيز المقالح ، وكانت مناقشته حصيفة، ولم تقدح بالأطروحة، ومنهجها، ولعلَّ مناقشتي العلميّة للطالبة في المنهج، والتحليل، والتفسير، وما تعلّق بالأفكار، وغير ذلك هي التي جعلته يصطفيني في تلك السنة، فيدعوني بوصفهِ رئيساً للمجلس الأعلى للثقافة بمصر للمشاركة في(مؤتمر الأدب العربي والعالميَّة) الذي عُقد بمصر من 4 -7 كانون الأول (ديسمبر) 1999م، فألقيتُ فيه ورقةً كانت بعنوان [جدليّة العالميّة، والمحليّة في استخدام الرموز/ شعر الروّاد أنموذجاً] ⁽²⁾، كما كان له الفضل أيضاً في دعوة المجلس الأعلى الثقافة بمصر لي ثانيةً للمشاركة فــي (الملتقى الدولي الثالث للترجمة/ الترجمة ومجتمع المعرفة) الذي عُقد من (11 إلى 14) شباط(فبراير) سنة 2006م، فألقيتُ فيه ورقةً كانت بعنوان [الترجمة والمتلقّي]⁽³⁾.

2- كان الدكتور جابر حريصاً على إقامة بعض الصباحيّات الشعريّة، والثقافيّة في قسم اللغة العربيّة بجامعة القاهرة في سنة 1975م، (وما تلاها) للمبدعين الذين تنبأ بإبداعهم المستقبلي بعد أن أحسَّ أنهم يتعاطون مع الأسئلة الملحّة للإبداعِ الجديد المختلف، فيصنعون نصوصاً تثير الإدهاش، وتستحقُّ الإشادة، وكان حريصاً أيضاً على أن يتولَّى هو بنفسهِ التعريفَ بالمبدع، وما يميّزه، وكنتُ من أشدِّ الراغبين في حضور تلك الندوات، ولعلَّ اهتمامه المبكّر بالشاعرين المصريينِ الستينيينِ: محمّد عفيفي مطر(1935-2010)، وأمل دُنقل (1940-1983) خير دليل على منحاه ذاك، فقد كان الأول شاعراً يميلُ إلى كتابة النصوص العصيّة المتفلسفة، بينما كانت نصوص الثاني تميل إلى الثوريّة التحريضيّة المتبرّمة بوصفها نصوصاً تنتهج منحى الواقعيَّة النقديَّة في الطرح والتناول..

ولعلَّ قصيدتُهُ التحريضيّة [الكعكة الحجريّة] كانت أجرأ   قصيدةٍ استخدمت أُسلوبَ وخزِ الإبرِ ضد الرئيس السادات أمَّا قصيدة دُنقَل المحذِّرة الناهية [لا تُصالحْ] التي ساعد عصفور على نشرها في إحدى الدوريّات في العراق، فقد كانت دليلاً على ذلك الاهتمام.

كما كان الدكتور عصفور وراء اختيار كلمة الأستاذ الدكتورعبد العزيز المقالح الموسومة بـ [أحاديث وذكريات] لتكون مقدمة لأعمال دُنقل الشعرية الكاملة التي صدرت بعد رحيله سنة (1983م)، وقد أخبرني جابر بذلك شخصيّا.3226 عبد الرضا علي وجابر عصفور

3- وفي زيارة الدكتور جابر لبغداد مدعوّاً لحضور مهرجان الأمة الشعري سنة 1985م، طلب منّي أنْ أحقّقَ لهُ رغبتينِ، كانت الأولى أنْ أريه أحياء بغداد الخلفيّة الحقيقيّة بعيداً عن البروتوكول (والهلُمّة على حدِّ تعبيره) الذي تقوم به لجان المهرجان من زيارات لأماكن معدّة سلفاً، فأخذته لبيتِ شقيقتي (أم فاضل) الكائن في حيّ العامل في كرخ بغداد، وتناولنا عندها الغداء، ففرحَ كثيراً جدّاً لكونه رأي الأحياء الفقيرة، وشاهد ناسَها البسطاء، وتعرّف على الوجه الحقيقي لبغداد، وحين خرجنا من بيت أُختي حقّقتُ له رغبته الثانية، فقد طلب منّي أن يتعرَّفَ على أستاذي، وشيخي العلاّمة عليّ جواد الطاهر، وحين التقيا (بمنزل الطاهر الكائن بالجادريّة) تحدَّثا على نحوٍ يظنُّ من يسمعهما أنهما يعرفان بعضهما بعضاً منذ زمن بعيد، وقد أشرتُ إلى لقائهما ذاك في صفحة:60 من كتابي (الذي أكلت القوافي لسانه وآخرون) الصادر عن المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر ببيروت سنة 2009م.

4- أمَّا آخر لقاء جمعني بالكبير جابر، فقد كان في شباط سنة 2018م، حين فاجأته بزيارتي له في شقّته بالقاهرة الكائنة في 3 شارع مصدّق، فأبدى لي رغبة في زيارة لندن في صيف سنة 2018م، لكنَّ الزيارة لم تتحقّق للأسف، وفي اليوم نفسه، وبعد مغادرتي لشقّته نشرتُ في نافذة تواصلي الاجتماعي وأنا بالقاهرة خبراً عن ذلك اللقاء بعنوان (زرتُ الكبير جابر) مع بعض الصور التي جمعتنا.

رحم اللهُ صديقي الناقد الكبير الأستاذ الدكتور جابر عُصفور، وطيَّب ثراه، وأسكنه الفردوس الأعلى، فقد كان واحداً من صانعي وجدان أُمَّتهِ ثقافيَّاً.

 

أ. د. عبد الرضا عليّ

.............................

إحـــــالات:

(1) جاء في مقدمة الطبعة الثانية من كتابنا (الأسطورة في شعر السيّاب) ما يشي بهذا الأمر، وإليكم بعضه: (غمرهُ فرحٌ كبير حين علم بمنحة زمالة معهد البحوث والدراسات العربية العالية ، للحصول على دبلوم عال في آداب اللغة العربية . وقبل أن يشدَّ الرحال إلى القاهرة فكّر أنه يستطيع أن يستغلَّ فرصة وجوده في القاهرة لإكمال دراسته العُليا في كليّةِ الآداب – جامعة القاهرة للحصول على الماجستير (...) غير أنه خشي أن يعلمَ به أحدٌ فيحرم من الزّمالة ، لأن شرط الزمالةِ ألاّ يجمع الطالبُ بين أيةِ دراسةٍ ، ودراسة المعهد... فكتم الفكرة في نفسه، وبدأ يخطط لتنفيذها دون علمِ أحدٍ، فقدَّم أوراقه إلى جامعة القاهرة عن طريق سفارة جمهورية مصر العربية في بغداد، ليضمنَ لنفسه كرسيّاً في الدراسات العليا هناك قبل مضيّ الوقت ... (...)وقبل حصولِه على دبلوم المعهد بأسبوعٍ اكتُشِفَ أمرُهُ (وتلك قصة أخرى) فماذا يفعل ؟.. لقد وجدَ أنَّ من الصواب له أن يعترفَ بمخالفتهِ لشروطِ الزّمالة اعتراف المصمِّمِ سلفاً، غامزاً إلى أنه لن يأسفَ إذا ما كان قرارُ المعهد سلبياً، فمتى كان طلبُ العلم مرفوضاً إذا كان الطالبُ قادراً على الجمع بين أكثر من دراسة؟... وتريث مديرُ المعهد مشكوراً في اتخاذ القرار، إذ لم يبقَ على امتحان الدبلوم ، ومناقشة البحث غير أسبوعٍ واحدٍ فقط ... وحين دخل الامتحان كان مصمماً على أن يُشعِرَ مدير المعهد، وأساتذته أنه أهلٌ لحسن الظن. فحصل على دبلوم المعهد بتقدير ممتاز، فشفعت له النتيجة ... وكان لمدير المعهد الأستاذ صفيّ الدين أبو العز الفضل الكبير في حسم هذه القضيّة لصالحه، فشكرَهُ معترفاً بالجميل.

ثم بدأ يسابق الزمن في إنجاز «الأسطورة في شعر السيَّاب» لأنه كان على عُجالةٍ من أمره، فكان يكتب فصولها تباعاً، ويقدِّمُ كل فصل ينجزه إلى أُستاذته الفاضلة فتقرأ له، وتناقشه في كلِّ ما يكتب بمواعيد ثابتةٍ لم يرَ مثيلاً لها ، فتعلَّمَ منها احترامَ الزمن. وضبط المواعيد، فسار في فصوله إلى أن انتهى من الرسالة، وهاهو اليوم يعيد طباعتها ثانية...(...) ....وإنْ نسي فلن ينسى مساعدة الأستاذ الصديق الناقد الدكتور جابر عصفور، فقد فتح له مكتبته، ولم يبخل عليه بمشورة أو فضل ، فله يوجه خالص العرفان بالجميل... نينوى في 24. 2. 1983.

(2) و(3) تمَّ نشرهما في كتابنا الموسوم بـ (أوراق في تلقي النص الإبداعي ونقده) دار الشروق، عمان/ الأردن، 2006م.

 

 

محمود محمد عليافتقرت الفيزياء النووية عبر تاريخها لأصوات نسوية استطعن أن يخترقن القلاع العلمية المشيّدة بإحكام من قبل الوعي الذكوري المتغطرس، بل تكاد تخلو القواميس المعرّفة بالعلماء من أسماء عالمات سجّلن حضورهن على نحو متشظّي عبر محطات تاريخ الفيزياء النووية. وقد تهاطلت العديد من الأسئلة اللاّسعة على هذا الإقصاء المتعمّد، إن لم نقل الممنهج للمرأة في أن تكون وجه آخر للمعرفة الممكنة حول قضايا أنطولوجية وأخلاقية ومعرفية تمّس الإنسان، هذا الكائن ذو الطبيعة المزدوجة.

ولكن بفضل الجهود الإصلاحية والتي جاءت مع دعوة قاسم أمين لتحرير المرأة، حيث فتحت هذه الدعوة أبواب العلم الموصدة في وجوه البنات فاجتزن المراحل إلي التعليم العالي في وقت وجيز، فدخلت أفواجاً من الفتيات حرم الجامعة، وميادين العمل، والصالونات الفكرية، واخترقت المرأة بجدارة عالم الصحافة وعوالم أخري داخل الجامعات المصرية بعد جهد جهيد، وبعد غياب حضاري مزري أضر بوضع الأمة بأسرها وبمنظومتها القيمية الصانعة لمجريات التاريخ.

في تلك المرحلة برز اسم سميرة موسى حيث تعد واحدة من أفضل العالمات المصريات التي أتت في زمن كان التعليم فيه حكراً علي الرجال، فتمكنت من الدراسة ونهلت من العلم بل تفوقت وتميزت في واحدة من العلوم الدقيقة وهو علم الذرة، فهي أول عالمة ذرة مصرية، وأول معيدة في كلية العلوم بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا)، وذلك بفضل جهود الدكتور مصطفى مشرفة الذي دافع عن تعيينها بشدة، وتجاهل احتجاجات الأساتذة الأجانب (الإنجليز).

إنها سميرة موسي المراة التي تحدت الجميع وتحدت نفسها وأثبتت بمهارتها وعِلمها أنها عبقرية فذة يندر أن ياتي الزمان بمثلها، وكانت لها آمال عظيمة حلمت أن تحققها وأن تستغل علمها لخدمة البشرية وإحلال السلام، ولكن لم يسمح لها بتحقيق ما كانت تهدف إليه فإمتدت لها يد الحقد وتم اغتيالها في حادث سيارة غامض في 15 / 8 /1952م، ومن ثم لم يُكتب لنا أن نهنأ به لأن هناك مَنْ يريد لنا دوما ظلاما دامسا لا نرى من خلاله مسافة قدم. كانت سميرة موسى الحلم الذي كان يمكنه أن ينقل مصر ودول العرب إلى مكانة أخرى، كانت الأمل الذي تشبث به كثيرون كي يمنحنا القوة لاسترداد حقوقنا، وتحقيق السلام بطريقتنا، ولكن يبدو أن المتربصين أرادوا أن نعيش مستقبلا بائسا يخلو من الأحلام.

ولدت سميرة موسي في الثالث من مارس لعام 1917م حيث ولدت في قرية سنبو الكبرى مركز زفتى بمحافظة الغربية، وفي السنة الثانية من عمرها جاءت ثورة عام 1919 لتنادي بحرية الوطن.. وفتحت سميرة عينيها على أناس قريتها الذين يجتمعون باستمرار في دار الحاج موسى يناقشون الأمور السياسية المستجدة ويرددون شعارات الاستقلال الغالية، هيأ هذا المناخ لسميرة أن تصاغ امرأة وطنية تعتز بمصريتها وعروبتها دائماً.. وعندما شبت فتاة يافعة.. وجدت تياراً آخر ينادي بحرية تعليم المرأة.. في جميع مراحل التعليم.. كان من قياداته صفية زغلول، وهدى شعراوي، ونبوية موسى، وغيرهن، إلا أن هذا التيار أثر تأثيراً غير مباشر على تقدم سميرة في علمها.. وضحى والدها الحاج موسى بكثير من التقاليد السائدة ليقف إلى جانب ابنته حتى تكمل مسيرتها.. وسط تشجيع من حوله بالاهتمام بهذه النابغة.

وتعلمت سميرة منذ الصغر القراءة والكتابة، وحفظت أجزاء من القرآن الكريم.. وكانت مولعة بقراءة الصحف التي لم يخل بيت أبيها منها.. وأنعم الله عليها بذاكرة قوية تؤهلها لحفظ الشيء بمجرد قراءته. في 23 نوفمبر من عام 1927، توفي سعد زغلول، وتولت الطفلة سميرة التي لم يتجاوز سنها عشر سنوات قراءة الخبر كاملاً لضيوف والدها قراءة عربية راقية.. وحينما توافد آخرون لسماع الخبر من جديد ألقته سميرة عليهم من الذاكرة دون الحاجة إلى الجريدة.

وفي زمن، يبدو فيه غريبا أن يهتم الآباء بتعليم بناتهن، كان والد سميرة موسى حريصا على أن يحظى أطفاله بتعليم جيد وثقافة واسعة، فهي وأخواتها الثلاثة التحقن بمراحل التعليم الأولى، فدرست في مدرسة سنبو بقريتها، ومع انتقال العائلة إلى القاهرة، وتحديدا بمنطقة الحسين، التي اشترى والدها فندقا بها وعمل على استثمار أمواله، استكملت سميرة تعليمها، فكانت دوما الأولى، ليس فقط في ترتيب التفوق ولكن في الخطوات التي اتخذتها، أنهت مرحلة التعليم الأساسي في مدرسة قصر الشوق، ثم التحقت بمدرسة بنات الأشراف الثانوية، وهي المدرسة التي كانت تديرها نبوية موسى (واحدة من قامات النهضة النسائية في مصر، فكانت أول فتاة تحصل على شهادة البكالوريا، وأول ناظرة لمدرسة مصرية وكاتبة وأديبة أيضا)، وكان ذلك واحد من المحطات التي أثرت على مشوار سميرة موسى.

كانت سميرة موسي دوما الأولى، ليس فقط في ترتيب التفوق ولكن في الخطوات التي اتخذتها، أنهت مرحلة التعليم الأساسي في مدرسة قصر الشوق، ثم التحقت بمدرسة بنات الأشراف الثانوية، وهي المدرسة التي كانت تديرها نبوية موسى (واحدة من قامات النهضة النسائية في مصر، فكانت أول فتاة تحصل على شهادة البكالوريا.

وعقب حصولها على شهادة البكالوريا اختارت سميرة موسى كلية العلوم جامعة القاهرة، على الرغم من أن مجموعها كان يؤهلها لدخول كلية الهندسة حينما كانت أمنية أي فتاة في ذلك الوقت هي الالتحاق بـكلية الآداب، وهناك لفتت نظر أستاذها الدكتور علي مصطفى مشرفة، وهو أول مصري يتولي عمادة كلية العلوم. تأثرت به تأثرا مباشرا؛ ليس فقط من الناحية العلمية بل أيضا بالجوانب الاجتماعية في شخصيته.

كانت سميرة موسى مولعة بالقراءة. وحرصت على تكوين مكتبة كبيرة متنوعة تم التبرع بها إلى المركز القومي للبحوث.. حيث الأدب والتاريخ وخاصة كتب السير الذاتية للشخصيات القيادية المتميزة. أجادت استخدام النوتة والموسيقى وفن العزف على العود، كما نمت موهبتها الأخرى في فن التصوير بتخصيص جزء من بيتها للتحميض والطبع.. وكانت تحب التريكو والحياكة وتقوم بتصميم وحياكة ملابسها بنفسها.

كما كانت سميرة موسى أول امرأة تشغل منصب المعيد بكليتها، كما كانت الأولى في تخصصات الذرة والإشعاع الذري والنووي، الذي أثار فضولها حينها، خاصة، مع الأحداث التي وقعت خلال تلك الفترة، من أحداث الحرب العالمية الثانية، وما ارتبط باستخدام السلاح النووي بها، واستخدام القنبلة النووية للفتك بسكان مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين.

وقد نالت درجة الماجستير عن "التأثير الحراري للغازات"، وأتبعتها بدرجة الدكتوراة حول "تأثيرات الأشعة السينية على المواد المختلفة" من بريطانيا، التي استكملت دراستها وأبحاثها بها حول الإشعاع النووي، ووكانت قريبة من الوصول إلى معادلة يمكنها أن تعمل على تفتيت المعادن الرخيصة مثل النحاس، وإمكانية صنع قنبلة ذرية رخيصة غير مكلفة. لم يتم تسجيل أبحاثها لهذه المعادلة، كونها لم تلق تأييدا واسعا من علماء الغرب، ففكرتها ستجعل الجميع متساوين، والحل النووي بيد الجميع، وهو ما كانت تسعى له بالفعل، أن يمتلك العرب الأدوات التي تمكنهم من فرض سلام حقيقي، واعتبرت أن ملكية السلاح النووي تساعد على تحقيق سلام بين الجميع، فيصبح للعرب كلمتهم دون إملاءات خارجية أو سيطرة من طرف على آخر بسبب التفوق في السلاح.

ولها عدة مقالات من بينها مقالة مبسطة عن الطاقة الذرية أثرها وطرق الوقاية منها شرحت فيها ماهية الذرة من حيث تاريخها وبنائها، وتحدثت عن الانشطار النووي وآثاره المدمرة.. وخواص الأشعة وتأثيرها البيولوجي؛ وقد أوضحت جانباً من فكرها العلمي في مقالة: “ما ينبغي علينا نحو العلم” حيث حثت الدكتورة سميرة الحكومات على أن تفرد للعلم المكان الأول في المجتمع، وأن تهتم بترقية الصناعات وزيادة الإنتاج والحرص على تيسير المواصلات.. كما كانت دعوتها إلى التعاون العلمي العالي على أوسع نطاق.

وقد تزامنت رغبات سميرة موسى، مع إنشاء جامعة الدول العربية، وإنشاء دولة تسمى "إسرائيل"، فأرادت لفكرتها أن تأخذ حيز التنفيذ، وعملت على عقد مؤتمر دولي "الذرة من أجل السلام"، وتمت دعوة أبرز العلماء من جميع أنحاء العالم له، وخرج المؤتمر بتوصيات تشير إلى ضرورة العمل على تشكيل لجنة للحماية من المخاطر النووية.

تقول سميرة موسي :" "أتمنى ان يكون العلاج النووي للسرطان متاحا ورخيصا مثل الإسبرين" بسبب معاناة والدتها مع هذا المرض، كما تمنت سميرة أن يكون للذرة دورها في التخلص منه، وساهمت في المساعدة في علاج مرضى السرطان في مستشفيات مختلفة، كما قامت بالمساهمة في تدشين هيئة الطاقة الذرية المصرية، واهتمت أن يكون هناك علماء مصريين متخصصون في هذا المجال، فعملت على إيفاد البعثات للخارج.

كما كانت تأمل سميرة موسي أن يكون لمصر وللوطن العربي مكان وسط هذا التقدم العلمي الكبير، حيث كانت تؤمن بأن زيادة ملكية السلاح النووي يسهم في تحقيق السلام، لأن أي دولة تتبني فكرة السلام لا بد وأن تتحدث من موقف قوة. فقد عاصرت ويلات الحرب وتجارب القنبلة الذرية التي دمّرت هيروشيما وناجازاكي في عام 1945، ولفت انتباهها الاهتمام المبكر من إسرائيل بامتلاك أسلحة الدمار الشامل وسعيها للانفراد بالتسلّح النووي في المنطقة.

كذلك قامت بتأسيس هيئة الطاقة الذرية بعد ثلاثة أشهر فقط من إعلان الدولة الإسرائيلية عام 1948. كما حرصت على إيفاد البعثات للتخصص في علوم الذرة، فكانت دعواتها المتكررة إلى أهمية التسلح النووي، ومجاراة هذا المد العلمي المتنامي. كما نظمت مؤتمر الذرة من أجل السلام الذي استضافته كلية العلوم، وشارك فيه عدد كبير من علماء العالم.

وفي أوائل خمسينسات القرن الماضي حصلت سميرة موسي على منحة للدراسة في جامعة أوكردج بولاية تنيسي الأمريكية، ثم لبت دعوة عام 1952 للسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، من جامعة سانت لويس بولاية ميسوري، والاطلاع على المعامل المتوفرة بها، وإمكانية إجراء أبحاث داخلها، راسلت والدها حينها تخبره بما رأت: "لو كان في مصر، مثل هذه المعامل الموجودة هنا، لكنت استطعت أن أفعل أشياء كثيرة"..

واحتوت آخر رسائلها على رغبتها في أن تدشن معمل خاص بها في منطقة الهرم بالجيزة، تبدأ من خلاله تنفيذ رؤيتها للسلام، ورفضت بشكل قاطع أن تبقى في الولايات المتحدة رغم توفر الإمكانيات، وقبل عودتها إلى القاهرة، تعرضت سميرة موسى لما يمكن أن نسميه "خداعا"، والذي يبدو أن الممثلة راقية إبراهيم، الممثلة التي كانت تعمل لصالح المخابرات الإسرائيلية، دور فيه، بعد أن أطلعت هذه الجهات على ما تريده سميرة.

وسرعان ما تم إرسال دعوة لسميرة موسى من أجل زيارة أحد المعامل النووية في كاليفورنيا، وذهب لاصطحابها يوم 5 أغسطس عام 1952 سائق هندي، وعلى إحدى الطرق الوعرة، التي كانت تسير بها سيارة سميرة متجهة إلى حيث تمت دعوتها، ظهرت سيارة نقل كبيرة صدمت سيارتها، وفجأة ينتهي الأمر بسميرة موسى ملقاة في واد عميق، بعد أن هرب السائق واختفى للأبد. تبين بعدها من التحقيقات، التي قُيدت ضد مجهول، أنه لم تكن هناك دعوة من الأساس، وأن السائق قام بانتحال شخصية أخرى باسم مستعار، لتزداد الشكوك حول وجود نية مسبقة للتخلص من سميرة موسى، وأن هذا تم على يد المخابرات الإسرائيلية "الموساد" حتى لا يكون هناك فرصة لمصر أن ترى النور، وتناطح بعلم واحدة من أبنائها كبار العالم. رحلت سميرة موسى وهي بعمر الـ 35 عاما، تاركة أثر لا يمكن أن يُمحى، وحصل اسمها بعد رحيلها على عدد من التكريمات، فمنحها الرئيس الراحل أنور السادات وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1981، وتم إطلاق اسمها على واحدة من مدارس وزارة التربية والتعليم بقريتها في الغربية.

وأوضحت التحريات أن السائق كان يحمل اسمًا مستعارا وأن إدارة المفاعل لم تبعث بأحد لاصطحابها، في آخر رسالة لها كانت تقول: "لقد استطعت أن أزور المعامل الذرية في أمريكا وعندما أعود إلى مصر سأقدم لبلادي خدمات جليلة في هذا الميدان وسأستطيع أن أخدم قضية السلام"، حيث كانت تنوي إنشاء معمل خاص لها في منطقة الهرم بمحافظة الجيزة.

وخلال تلك الفترة تتناولت الصحف قصتها وملفها الذي لم يغلق، وإن كانت الدلائل تشير ان المخابرات الإسرائيلية هي التي اغتالتها، جزاء لمحاولتها نقل العلم النووي إلى مصر والوطن العربي في تلك الفترة المبكرة، وقال المتحدث باسم السفارة المصرية في واشنطن اليوم: إن الآنسة سميرة موسى علي الطالبة المصرية التي تتلقى العلم في الولايات المتحدة قتلت في حادث سيارة بعد أن أتمت دراستها في جامعة “أوكردج” بولاية تنيسي الأمريكية”. هكذا.. نشر الخبر في آخر صفحة من جريدة المصري في 19 أغسطس عام 1952.. أعلن هذا الخبر وفاة الدكتورة سميرة موسى.. عالمة الذرة من قرية سنبو الكبرى.. ميس كوري الشرق.. أول معيدة في كلية العلوم بجامعة فؤاد الأول.. وهكذا غربت شمس هذه العالمة الجليلة في 15 أغسطس عام 1952... سلمت إلى والدها نوتة سوداء صغيرة كانت تسجل فيها خواطرها وكانت آخر ما خطته فيها: ".. ثم غربت الشمس".

تحية طيبة لسميرة موسى التي كانت وما تزال تمثل لنا نموذجاً فذاً لعالمة الذرة الذي ماتت قبل أن يتحقق الحلم، وبرغم موتها غبنا إلا أنها نجحت في أن تعرف كيف تتعامل مع العالم المحيط بها وتسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام ؛ حيث يحاول الكثيرون فيه أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

فتحيةً أخري لسميرة موسى تلك المرأة العظيمة التي آثرت أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف تبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..........................

1-أنظر مقال سميرة موسى عالمة الذرة التي رحلت قبل أن يتحقق الحلم، مقال منشور بجريدة احكي الالكترونية.

2- سميرة موسى من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.

3- "سميرة موسى أول عالمة ذرة مصرية.. حلم أغتاله الموساد (بروفايل)". مصريات (باللغة الإنجليزية). 2017-11-01.

4-محمد عمران : سميرة موسي.. حلم لم يكتمل، مجلة حياتك، منشور بتاريخ 12/03/2014

5- أميرة عبد الهادي: من هي سميرة موسي أول عالمة ذرة ؟، آخر الأخبار.. نشر يوم الثلاثاء 07/فبراير/2017 - 08:00 م.

 

 

 

عبد الامير كاظم زاهد ترددت كثيراً قبل ان اكتب شيئا عن الصديق الفقيد العلاّمة السيد هاني فحص رغم اني كتبت اربع اطروحات جامعية وعشرين كتاباً وخمسين بحثاً علمياً، لاني حينما كنت إجالسه يمتلأ وجداني دهشة به، لانه لا يشبه رجال الدين تماماً ولا يشبه المسكون بقضايا الادب والجمال والفلسفة والتاريخ والحفريات المبتكرة في قضايا الوطن ومحن الفقراء فلقد كان يمتلك منطقا يتفرد به، و اظن ان المنطلق الذي كان يستمد منه السيد هاني ثراءه المعرفي متعدد ومتجانس وولاد وكان ابرزه تراثه الشيعي الذي لطالما كان ينطوي على تحمله للقهر والظلم على طول التاريخ ولا يزال

وقداعتمده وسيلة لاعادة بناء الانسان بدءاً من بناء ضميره وتحرير وجدانه، فلطالما جعلت المظلومية ذلك الانسان اداة لتحرير ذاته ومجتمعه وإحداث التغيير والسياسي والثقافي فيه، ولطالما ظهرت الاديان تحت لواء المظلومية في أبرز تجلياتها كحركة اجتماعية تعبر عن قوى مضطهدة او مهشمة وكان الدين وسيلتها للتحرير، فقد حررت اليهودية بني اسرائيل من قبضة وقسوة فرعون وكانت دعوة الاسلام وسيلة لتجميع القبائل العربية على حلف ديني مقدس للدفاع عن الانسان والحق، والمتتبع لتاريخ الاديان يجد هذه النزعة فاعلة في ذات السيد فحص متطلعا نحو صيرورة انسان كريم له حق الوجود وله بقية الحقوق الحضارية المكتسبة .

واذا كان الفكر الديني يحمل بين طياته ماهو رفيع وما هو محل جدل الا ان

السيد هاني فحص كان عقلا تربى على الفهم التنويري للدين فلقد إكتشف مبكراً انحيازه لخيار الايمان بالله ذلك الايمان الذي يستلزم الايمان بالقيم الانسانية وخيار التانيس والانسنة والانس بالانسان،

لقد كان ايمانه بالله عميقاً بالقدر الذي كان تضامنه مع الانسان عميقا وكلما كان الايمان بالانسان وحقوقه عميقاً كان اكثر قوة وفعلا .ويتواردفي خاطري ان خصوصيته اللاهوت الشيعي جعل المرموزفي وجدانه الأمام علي (ع) الذي لم يعرف تاريخ الانسانية نظيراً اخر له في تجسيده للقيم الانسانية وفي رؤيته المعيارية التي لاتفرق بين مظلوم ومظلوم كما لاتفرق بين ظالم وظالم ومن تلك مشاركة السيد هاني في انتفاضة مزارعي التبغ 1972 فقدكان ذلك منه فعلامبكراً، وعلى مستوى جماليات المفردة فمن يقرا ادبيات السيد هاني فحص يكاد لا ينفك من دهشته لما يشتمل عليه نصه من معانٍ ومضامين لا توجد الا بعد معاناة شديدة االوجدانية. وما تتميز به عبارته من سحر بالغ مرجعها تاملات عميقة في القران ونهج البلاغة وسحر البيان. 

ولو لم يكن السيد هاني فحص لبناني الجنسية، لكانت لي امنية ان يكون كذلك لانه عاشق للجمال ومجسد لذلك العشق.. كما هو لبنان الذي اختار ان يستريح على سفوح طبيعة ساحرة وعلى سواحل بحر مترامي الاطراف حتى انعكس جماله على اخلاق اهله وعلى قيمهم وظهر على لغة السيد هاني وتعبيراته الذي يغوص فيها في البديع ويتمرس في التوظيف الرائع لفضاءات المعنى في المفردة والتركيب والسياق

ولو لم يكن السيد هاني من جنوب لبنان المقاوم، لتمنيت ان يكون كذلك، لانه مشهد لا ينفك منذ عقود يبدو عقلاً مقاوماً ومدافعاً عما آمن به واعتقده وجدانه من حقائق اجتماعية وسياسية ودينية، ومن يمارس صلة قربى ثقافية مع السيد هاني فحص يجده سفراً يكتنز الكثير من الخلاصات المعرفية التي لايزال الناس في جدل على مقدماتها مثل العلاقة بين التشيع والعروبة فهو يؤمن ان الشيعة اكثر من غيرهم حماساً لعروبتهم.. ومنها ايمانه المطلق بضرورة التعدديات سواء كانت دينية او ثقافية، او منهجية، اوحتى وجودية .

وصراحة لاتزال دهشتي بهذا الرجل رغم لقاءاتي الكثيرة معه لاتنقص و لاتتناقص فانا لااخفيالقارئ انني اقف تائهاً امام قـلمة مندهشاً به لتنوعه او اولعمق ما يصدر عنه فلا يجتمع التنوع في المضمون والانسيابية في الاسلوب والعمق في التحليل الا في قلم انصهرت في مكوناته كل مقدمات العبقرية والابداع.3222 هاني فحص

ان نظرة سريعة على اصدارات السيد هاني تكشف لك عن هذه المزية.فتجدمثلا في عناوين كتابه ماض لايمضي نبرة حب مصاغة بطريقة قصدية مستفزة للفضول مثل (ذاكرة لغدنا) (ماضٍ لايمضي) (خطاب القلب) (تفاصيل القلب) وبنفس الوقت تجد مضامينها مملوءه بقلق المعرفة اضافة للسؤالات المفتوحة التي في ثناياها تجد لاهوت التنوير محركاً وجدانياً يكتنز قضاياه المقدسة (الحرية، الانسانية، التعدد، التشيع الانساني، الدعوة الى الانسجام الواعي التنويري مع التراث، التضامن مع فقراء العالم اجمع، الحقانية، العدالة، الحب، الايمان، التطلع الى الانسان المكرّم). وهكذا حباني الله تعالى ان اصطحب رجلا اسمه هاني فحص: الذي كان رجل الدين والاديب، والشاعر و القلم الساحر والصائغ الماهر للعبارة الجميلة المعّمدة ببلاغة السكاكي كلها،

وكان يفترض ان يكون الرجل رومانسياً بعيداً كل البعد عن السياسة واشكالياتها وجهلها وجاهليتها لكن من يقف على سيرة السيد فحص يجده ينصح كبار رجال السياسة في المشرق ان لم يكن في عموم العالم العربي نصائح التبر السبوك في نصائح الملوك، وحين تجده مع جموع الفلسطينيين تشعر انه يحترق من الداخل لان امة احرقها شرور البشر وكان معها طالما هي صاحبة القضية لانه انتقد دورهم بالحرب الاهلية اللبنانية فهو جزء من موضوعية منطقية صارمة . .

لقد كان السيد هاني على صلة مع ياسر عرفات وهوصاحبه او ثاني اثنين حينما رتب مقابلة له مع الامام الخميني، محاولاً ان يظهر ان حقيقة التشيع وثورة ايران الاسلامية اطراف مساندةً لقضية الشعب الفلسطيني كنموذج لقضايا الفقراء والمظلومين بالعالم اجمع

فوق ذلك فهو صديق شخصي للكثير من قادة الفكروالعلم واصحاب البصمات الكبيرة على عصورهم مثل اية الله الشيخ منتظري بما يحمل هذا الرجل من رؤية مستخلصة عن مراجعة جادة لقضايا العلاقة بين الانسان والسلطة.

لقد اختار فحص اولاً دوره كرجل دين ثم عرج الى دور الاديب المفكر وترقى الى رجل النصح والمشورة للقادة والسياسيين ثم استقر على ان يكون رجل االمؤسسات الاكاديمية لنوادي اللقاء والحوار وعضوية اكاديمية اهل البيت وفي كل ذلك لم يتخل السيد هاني عن دوره كداعية لدولة مدينة تحتكم الى القانون والمساواة والعدل وتعشق القيم الروحية في الاديان الحية وسيبقى العلامة هاني فحص داعية كبيرة لدولة المواطنة.

 

عبد الامير كاظم زاهد

 

 

محمود محمد عليعقب مقتل الخليفة "عمر بن الخطاب" رضي الله عنه سنة ثلاث وعشرين للهجرة، ثم قتل عثمان بن عفان (رضي الله عنه) علي يد ثوار منظمين تنظيما دقيقا، وبعد مقتل عثمان أصبح السيف هو الوسيلة المشروعة للفصل في الخصومات السياسية التي اتخذت طابعا عصبيا، وانفتح باب الحروب علي مصراعيه (1).

وقد بويع لعلي بن أبي طالب  كرم الله وجهه في اليوم الذي قتل فيه عثمان، واستمرت خلافته إلي أن أستشهد سنة أربعين للهجرة، وأفتتحت خلافته بالثورة عليه، وخروج السيدة عائشة رضي الله عنها إلى البصرة بانضمام طلحة والزبير إليها في "موقعة الجمل" سنة ست وثلاثين للهجرة، وكانت موقعة أليمة انتهت بعقد صلح مع أهل البصرة، واعتراف العراق كله بولايته، فنقل مقر الخلافة من الميدنة إلي الكوفة (2).

ثم ما كان بين علي ومعاوية من مواجهة، وخروج المسلمين من صفين أحزاباً، ثلاثة ودولتين، جماعة لعلي في العراق والحجاز، وأنصار لمعاوية في الشام، وخوارج يرفضون علياً ومعاوية ويرون في سلطان قريش خطراً علي الدين، وخطراً علي المسلمين، وأما الدولتان فدولة أمرها إلى معاوية وقوامها الشام ومصر، ودولة أمرها إلى علي وقوامها العراق (3).

ثم انتهت الخلافة الراشدة باغتيال "علي بن أبي طالب" سنة أربعين للهجرة، وبدأ العهد الأموي، وتغير خط التاريخ الإسلامي، فانتقل الحكم من الخلافة الراشدة إلي الملك العضوض، ومن سيادة الأمة إلى حكم الفرد، وبتغير الخلافة إلى الملك الوراثي ساعد علي بعث العصبية القبلية من جديد، ثم أوجد طائفة من الأحزاب السياسية التي كانت تتنازع علي الملك، والتي كانت لا تهدأ قلاقلها ومنازعاتها في مصر، والشام، وفارس، والعراق (4).

وفي العقود الأخيرة للهجرة الأول تصاعدت النغمة الجماهيرية ضد الحكم الأموي، بعد أن أحالت ثورة الإمام الحسين عليه السلام مشاعر الناس إلى أدوات ضاغطة باتجاه إضعاف الحكم الأموي الذي تزعمه البيت المرواني بعد نهاية آل أبي سفيان بموت يزيد وظهور الصراع بين آل مروان ومناصري الحكم الأموي من جهة وبين آل الزبير ومعارضي الأمويين من جهة أخري، وتنامت حالة المعارضة الفكرية إلى معارضة مسلمة أقضت مضاجع الأمويين، وفجأة تبرز حركة ثورية معارضة أخرى بزعامة عبد الرحمن بن الأشعث الذي خلع الحجاج في الكوفة وآزرته جميع التوجهات  المعارضة للحجاج الذي أوغل في دماء المسلمين، وأنهم كالمجمتع الكوفي بتعسفه وجبروته حتي وجد الناس أنفسهم في بلاء لم ترفعه المعارضة المسلحة وهي بانتظار من يقودها باتجاه التغيير والإصلاح، وفعلاً كانت حركة "عبد الرحمن بن الأشعث" قد حققت طموحات الثائرين عندما خلعت "الحجاج"، واستولت علي الكوفة، ولما ردت الحجاج وجنوده المرتزقة، وانهزم الحجاج حتى ساوم عبد الملك بن مروان على أن يعزل الحجاج ويعطي لعبد الرحمن الأشعث ما يريد إلا أن قراء الكوفة أصروا علي مواصلة القتال، وكان علي رأسهم سيد القراء وأشهرهم الذي عرفته الكوفة وأجيالها القادمة بطلاً كما هو عابداً، وقارئاً، كما شجاعاً، ومقاتلاً، وبات هذا الرمز تنصع حقائقه كلما حاول الأمويون الطعن فيه، والنيل من شأنه، وكأنما ملحمة سعيد بن جبير أيقظت الضمائر الراقدة في سبات الإستكانة والتسليم لتنتفض لسعيد ولتاريخه المشرق، ولم تزل مواقفه أنموذج العالم الذي دعاه علمه لقول كلمة الحق وإعلائها بوجه الحاكم الجائر الذي استعبد البلاد، وأذل العباد، وجعل ناسها شيعا يقتل بعضهم بعضا، ويكفر بعضهم بعضا، وقد أطاح سعيد بأسطورة الخلافة التي ادعاها الأمويون وورثها المروانيون، واستطاع أن يهزم جبروت الحجاج، وأن يكسر هيبته، وعرف المسلمون شخصية سعيد، واختص بها العراقيون، وذاب فيها الواسطيون، فالمسلمون عرفوه ثائراً خرج علي ظلم الحجاج وتعسفه (5).

وكان سعيد بن جبير فتي وثيق الجسم، مكتمل الخلق متدفقا حيوية ونشاطا ـ وكان إلى ذلك ذكي الفؤاد حاد الفطنة نزاعا المكارم متأثما من المحارم، ولم يكن سواد لونه وفلفلة شعره وحبشية أصله لتنال من شخصه لتنال من شخصيته المتميزة الفذة، ذلك على الرغم من حداثة سنه.

ولقد أدرك الفتي الحبشي أصلا - العربي ولائا، أن العلم، إنما هو طريقه القويم الذي يوصله إلى الله، وأن التُقي إنما هي سبيله الممهدة التي تبلغ به الجنة، وجعل التُقي في يمينه، والعلم في شماله، وشد علي يديه كلتيهما، وانطلق يقطع بهما رحلة الجياة غير واناً ولا متمهل منذ نعومة أظفاره، وكان الناس يرونه عاكفا على كتابه يتعلم أو صافاً في محرابه يتعبد . ذلك هو رائعة المسلمين في عصره "  سعيد بن جبير" رضي الله عنه وأرضاه.

ولد في الكوفة من أبوين مملوكين، أبوه جبير مولى بني والبة وأمه أمة تكنى بـ (أم الدهماء)، قال ابن العماد الحنبلي: وكان ــ أي سعيد ــ مملوكاً أسوداً (6)، فكان من الطبيعي أن تسود بواكير حياته ونشأته الغموض والعتمة فلا نجد في مصادر التاريخ ما يبين ولو بإشارة إلى ولادته وموارد تعليمه وثقافته غير إننا نستطيع أن نحدد سنة ولادته من النصوص الواردة في سنة مقتله وعمره حين قُتل على يد الحجاج، فقد اتفق جميع المؤرخين على أن سعيد قُتل سنة (94) هـ، وله من العمر تسع وأربعون سنة ولم يخالف هذا القول سوى السيوطي فقد ذكر في مقتل سعيد بن جبير انه: (قتله الحجاج في شعبان سنة اثنتين وتسعين وهو ابن سبع وأربعين سنة) (7).

وبناءً على ما سبق فإن ولادة سعيد كانت عام (45) هـ في الكوفة، ولم يذكر التاريخ شيئاً عن والده الذي توفي مبكراً، وقد ذكر ابن حبّان: (إن عكرمة مولى ابن عباس كان متزوجاً من أم سعيد بن جبير) (9).

أخذ الفتي " سعيد بن جبير" العلم عن طائفة من جلة الصحابة من أمثال " أبي سعيد الخدري" و " عدي بن حاتم الطائي"، وأبي موسي الأشعري"، وأبي هريرة الدوسي" و" عبد الله بن عمر" و" عائشة " أم المؤمنين رضي الله عنها وعنهم أجمعين .

بيد أن أستاذه الكبر ومعلمه الأعظم كان " عبد الله بن عباس" حبر أمة محمد صلي الله عليه وسلم وبحر علمها الزاخر، ولزم " سعيد بن جبير" عبد الله بن عباس " كما الظل لصاحبه، فأخذ عنه القرآن وتفسيره، والحديث وغريبه، وتفقه على يديه في الدين، وتعلم منه التأويل، ودرس عليه اللغة، فتمكن منها أعظم التمكن حتى غدا وما على ظهر الأرض أحد من أهل زمانه، إلا وهو محتاج إلى علمه، ثم طوف في ديار المسلمين بحثا عن المعرفة ما شاء الله أن يطول، فلما اكتمل له ما أراد من العلم، اتخذ " الكوفة" دارا له ومقاما، وغدا لأهلها معلما وإماما.

كان سعيد بن جبير يؤم الناس في رمضان، فيقرأ ليلة بقراءة " عبد الله بن مسعود"، وأخرى بقراءة ط زيد بن ثابت"، وثالثة بقراءة غيرهما، وكان إذا صلي منفردا، فربما قرأ القرآن كله في صلاة واحدة، وكان إذا مر بقول الله عز وجل " فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ"، أو مر بنحوها من آيات الوعد والوعيد، اقشعر جلده، وتصدع فؤاده، وهمت عيناه، ثم لا يزال يبدأ فيها ويعيده، حتى يوشك أن يقضي نحبه .

وقد سعيد بن جبير على شد رحاله إلى البيت الحرام كل عام مرتين، مرة في رجب مُحرما بعمرة، واخري في ذي القعدة محرما الحج، وقد كان طلاب العلم، وشداة الخير في البر والنُصح يتوافدون على الكوفة لينهلوا من مناهل " سعيد بن جبير" السرة العذبة، ويغترف من هديه القويم، فهذا يسأله عن الخشية ما هي ؟ .. ويجيبه بقوله " أن تخشي الله عز وجل حتى تحول خشيته بينك وبين معاصيك! .. وذاك يسأله عن الذكر ما هو؟ .. فيقول " الذكر هو طاعة الله جل وعلا، فمن أقبل على الله وأطاعه فقد ذكره، ومن أعرض عنه ولم يطعه فليس بذاكر له ولو بات ليله يسبح ويتلو " ..

وممَّا عُرِف عن سعيد بن جبير رحمه الله أنَّه كان عابدًا قوَّامًا؛ فعن أصبغ بن زيد قال: كان لسعيد بن جبير ديكٌ كان يقوم من الليل بصياحه، فلم يصح ليلةً من الليالي حتى أصبح، فلم يُصَلِّ سعيدٌ تلك الليلة، فشقَّ عليه فقال: ما له قطع الله صوته؟ فما سُمِع له صوتٌ بعدها. فقالت أمُّه: يا بُني لا تدعُ على شيءٍ بعدها.. وقال القاسم بن أبي أيوب: سمعتُ سعيد بن جبير، يُردِّد هذه الآية في الصلاة بضعًا وعشرين مرَّةً "وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ".

وقد كانت الكوفة حين اتخذها " سعيد بن جبير" دار إقامة له خاضعة للجحاج بن يوسف الثقفي ؛ إذ كان الحجاج يومئذ واليا على العراق والمشرق وبلاد ما وراء النهر، وكان يتربع حينئذ على ذروة سطوته وسلطانه، وذلك بعد أن قتل " عبد الله بن الزبير" وقضي على حركته، وأخضع العراق لسلطان بني أمية، وأخمد نيران الثورات القائمة هنا وهناك، وأعمل السيف في رقاب العباد، وأشاع الرعب في أرجاء البلاد، حتى امتلئت القلوب رهبة منه وخشية من بطشه .

ثم شاء الله أن يقع صدام بين الحجاج بينه وبين عبد الرحمن بن الأشعث وذلك عندما أرسل الحجاج  ابن الأشعث لفتح بلاد الترك، فتقدم يفتح الإقليم تل والآخر، ثم قرر إيقاف تقدمه لترسيخ سيطرته على البلاد التي افتتحها وإعادة تجميع قواته، فنهره الحجاج ونعته بالجبن وطالبه باستمرار القتال، فعصي ابن الأشعث، وأعلن عزل الحجاج، ثم أعلن نفسه خليفة، بدلا من الخليفة عبد الملك بن مروان وعاد بالجيش للسيطرة على العراق .

وهنا أرسل الخليفة عبد الملك أخاه ليفوض ابن الأشعث ويبلغه موافقته على عزل الحجاج، لكن ابن الأشعث رفض العرض، فكلف الخليفة الحجاج بمقاتلته، ونشبت معارك ضارية بين الطرفين كان آخرها معركة " دير الجماجم"، والتي انتهت بانتصار الحجاج وفرار ابن الأشعث، ولجوئه إلى الملك " رتبيل" التركي، فأرسل الحجاج إلى " رتبيل" يتوعده بالغزو إن لم يرسل له ابن الأشعث، فاشترك " رتبيل" شروطا ووافقه عليه الحجاج، فقام بقطع رأس بن الأشعث وأرسله إلى الحجاج .

ولمـَّا انهزم أصحاب ابن الأشعث في معركة دير الجماجم، لم يتراجع سعيد أمام قوة عسكر ودبابات الحجاج، ولم يسارع بتقديم الولاء للحجاج تحقيقا للمصلحة ودرءا للمفسدة، ولم يظهر فى مؤتمر يُطالب الناس بتأييد الحجاج ويصرخ فى الناس أن لا يتحرّجوا من تأييد السفاح، ولم يقل للناس أن الحجاج له نهضة وفتوحات، ثم اختبأ سعيد بن جبير عشر سنوات فى مكة يتعبد إلى الله ويُعلّم أصحابه سرا حتى قبض عليه خالد بن عبد الله القسري، وكان والي الوليد بن عبد الملك على مكة وقيّدوه وذهب به للحجاج بن يوسف الثقفي (9).

ويروي أبو الصهباء ما وقع بين سعيد والحجاج، حيث قال: قال الحجاج لسعيد بن جبير: «اختر أيَّ قِتْلَةٍ شئت، فقال له: بل اخترْ أنت لنفسك. فإنَّ القصاص أمامك. قال له: يا شَقِيُّ بن كَسِير، ألم أقدم الكوفة وليس يؤمُّ بها إلَّا عربي، فجعلتك إمامًا؟ قال: بلى. قال: ألم أولِّك القضاء، فضجَّ أهل الكوفة، وقالوا: لا يصلح القضاء إلَّا لعربي، فاستقضيت أبا بردة، وأمرته ألَّا يقطع أمرًا دونك؟ قال: بلى. قال: أوما جعلتك في سُمَّاري؟. قال: بلى. قال: أوما أعطيتك كذا وكذا من المال، تُفرِّقه في ذوي الحاجة، ثم لم أسألك عن شيءٍ منه؟ قال: بلى. قال: فما أخرجك عليَّ؟ قال: كانت بيعةٌ لابن الأشعث في عنقي. فغضب الحجَّاج، ثم قال: كانت بيعة أمير المؤمنين عبد الملك في عُنُقِك قبل، والله لأقتلنَّك» (10).

وقد ذكر المؤرخون أنَّ الحجاج كان إذا نام يراه في منامه يأخذ بمجامع ثوبه، فيقول: يا عدوَّ الله فيم قتلتني؟ فيقول: ما لي ولسعيد بن جبير! ما لي ولسعيد بن جبير![31]، وذُكِر أنه مكث ثلاث ليالٍ لا ينام يقول ما لي ولسعيد بن جبير (11). وقد زاد ابن الجوزي: أنَّه كان يقول: ما لي ولسعيد بن جبير كلَّما أردت النوم أخذ برجلي (12)؛ وأضاف ابن خلكان: أنَّه رُئِي الحجَّاج في النوم بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك. فقال: قتلني بكلِّ قتيلٍ قتلته قتلة، وقتلني بسعيد ابن جبير سبعين قتلة (13).

وقد قُتِل سعيد بن جبير رحمه الله يومئذٍ على يد الحجاج سنة خمس وتسعين وكان حينها ابن تسعٍ وأربعين سنة[36]. وقيل: إنَّه عاش تسعًا وأربعين سنة لم يصنع شيئًا، لقوله لابنه: ما بقاء أبيك بعد سبعٍ وخمسين. فعلى هذا يكون مولده في خلافة أبي الحسن علي بن أبي طالب (14).

وعلى هذا القول بوفاته سنة 95ه يكون قد عاش 57 سنة، وبذلك يكون ميلاده سنة 38هـ تقريبًا، ومن قال: مات وله تسع وأربعون سنة، فيكون ميلاده عندهم سنة 46هـ.

لقد أثار استشهاد سعيد ردود أفعال شهدها المجتمع وهو يتلقى نبأ استشهاد أحد أعلامه الأجلّاء وكان ذلك في الخامس والعشرين من ربيع الأول سنة أربعة وتسعين للهجرة الشريفة وأول من أبّن الشهيد سعيد بن جبير الحسن البصري بقوله: (اللهم أعن على فاسق ثقيف والله لو أن أهل الارض اشتركوا في قتله لأكبهم الله في النار)، كما قال نحو ذلك ميمون بن مهران وهو أحد العلماء الأربعة وهكذا انطوت هذه الصفحة المشرقة في تاريخ الإسلام وفاضت هذه الروح الطاهرة إلى بارئها راضية مرضية مكللة بدم الشهادة.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

........................

الهومش

1- خميس جمعة حسين أبو عصبة : منهج سعيد بن جبير سنة 95 هـ - 713 م في التفسير، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة آل البيت، كلية الدراسات الفقهية والقانونية، الأدرن، 1990، ص 1.

2- المرجع نفسه، والصفحة ونفسها .

3- المرجع نفسه، ص 2.

4- المرجع نفسه، والصفحة ونفسها .

5- سلام محمد علي البياتي : سعيد بن جبير شيخ التابعين وإمام القراء (47 هـ-95م)، كلابلاء، العتبة الحسينية المقدسة، العراق، 2016، ص 5.

6- ابن العماد الحنبلي : شذرات الذهب في أخبار من ذهب، المكتبة الوقفية، ج 1/ ص 109.

7- جلال الدين السيوطي:  طبقات الحفاظ، دار الكتب العلمية، ج 1/ ص 38 .

8-  ابن حبان البستي : مشاهير علماء الأمصار وأعلام  فقهاء الأقطار، دار الكتب العملية،  ص/ 82.

9- الدينوري: المعارف، تحقيق: ثروت عكاشة، الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة، الطبعة الثانية، 1992م، 1/445.

10-الذهبي: تاريخ الإسلام، تحقيق: الدكتور بشار عوَّاد معروف، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، 2003م، 2/1101.

11- ابن الأثير: الكامل في التاريخ، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1417هـ / 1997م، 4/ 55.

12- ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1412هـ= 1992م، 7/ 4.

13- ابن خلكان: وفيات الأعيان، 2/374، واليافعي: مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1417هـ= 1997م، 1/ 157.

14- المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

 

عبد الله الفيفي(الأصول والهجرات والتلقِّي: مقاربات مقارنة)

أشرنا في المقال السابق إلى أنَّه من المقطوع به- مَنْطِقًا وواقعًا- أنْ لا احتمال يُذكَر في أنْ تكون الحكاية الأُسطوريَّة التي تُعْرَف في جبال (فَيْفاء) بحكاية «مَيَّة ومَجَادَة» قد جاءت محاكاة لأقاصيص (سندريلا)؛ وذلك لأسباب موضوعيَّة: نصوصيَّة، وثقافيَّة، وتاريخيَّة.  فإذا صيغ السؤال على النحو الآتي: تُرى أيّ نصَّين من النصوص يبدو أقرب إلى الأصل، أ حكاية بدائيَّة طويلة- مركَّبَة، ذات أسبابٍ اجتماعيَّة، في نسيج أقرب إلى المعقول والواقع، ذات نهايةٍ طبيعيَّةٍ متساوقةٍ مع بدايتها- أم قِصَّة مقتطفة، مجهولة البدء والمنتهى، محلَّاه بعناصر حضاريَّة: كفكرة تلك النَّعْل الخرافيَّة، والمجتمع المَلكي، وما إلى ذلك؟ ستبدو الإجابة: إنَّ الأقرب إلى التصوُّر أنْ يكون النصُّ الأوَّل هو الأصل، لا المحاكاة.  ولو كان هو المحاكاة، لما غاب من عناصره أبرزُ المكوِّنات الرمزيَّة، في معظم «سندرلَّات العالم»، ونعني: فكرة «الحذاء»، و«القصر المَلكي»، و«زواج البطلة بأميرٍ أو مَلِك».  فكيف يصحُّ افتراض أن أُسطورة «مَيَّة ومَجَادَة» متأثرةٌ بتلك القِصص النمطيَّة، ولم تسمع بأبرز ما فيها من عناصر، ظلَّت تتردَّد أصداؤها في «سندرلَّات العالَم»؟!

لكن ماذا عن النموذج الذي يُعْزَى إلى زمنٍ سحيقٍ، كالنموذج المِصْري؟

إن ما ساقه المؤرِّخ والجغرافي، الفيلسوف الإغريقي الروماني، (سترابو)، في كتابه المعروف بـ«جغرافيا سترابو»، حول الحكاية الخُرافيَّة، لاقتران (رودوبيس) بمَلِك مِصْر، وهو ما سُمِّي حديثًا بـ«سندريلا المِصْريَّة»، إنَّما تتمثَّل الفكرتان المحوريَّتان، اللتان يشترك فيهما مع أقاصيص سندريلا، في: فِكرة التحوُّل من حالٍ وضيعةٍ- نسبيًّا- إلى ذُروة المجد والجاه والسعادة.  ثمَّ فكرة أن تكون النَّعْل هي الوسيط لحدوث ذلك التحوُّل. وقد أجرت الكاتبة الأميركية (شيرلي كليمو) تكييفًا لحكاية (رودوبيس)، لتبدو نموذجًا من نماذج (سندريلا)، بإضافة تفاصيل من خيالها، مع الإغراق في تصوير مأساة البطلة- التي كانت امرأةً لا فتاة صغيرة- قبل أن يحالفها القدر، على نحوٍ خرافيٍّ، فتصبح مَلِكة (مِصْر).

يبقَى السؤال: ما شأن (سندريلا الألمانيَّة)، أو الأوربيَّة، التي حُوِّلت في القرن العشرين إلى فيلم؟ كيف تألَّفت ممَّا تألَّفت منه من عناصر؟

من الواضح أن تلك الأُقصوصة المُفَلْمَنَة جاءت نتاج تأليفٍ بين حكايتين: (أُسطورة مَيَّة ومَجَادَة)، و(حكاية رودوبيس) المنسوبة إلى مِصْر.  أخذتْ من الأُولى فكرة اليُتْم، واضطهاد امرأة الأب للبنت اليتيمة، وما ترتَّب على ذلك من معاناة هذه البطلة، ثمَّ أضافت من الأخرى فكرة (motif) الحذاء، (مفتاح التحوُّل الفجائي في حياة البطلة)، من فتاةٍ متواضعة الحال إلى مَلِكة متوَّجة.

-2-

فكيف ترحَّلت حكاية (مَيَّـة ومَجَادَة)؟

إنَّ هناك أسبابًا تاريخيَّة محتملة كثيرة لانتقال حكايةٍ شعبيَّة ما، أو نصٍّ أدبيٍّ، بين الشرق والغرب، نذكر منها ما يأتي:

1) ما يشير إليه بعض الدارسين من أن الحروب الصليبيَّة كانت جسرًا لنقل كثيرٍ من القصص التي كانت منتشرة بين الشعوب المشرقيَّة، عربيَّة وغير عربيَّة، في القرون الوسطى.  وبوسعنا أن نُضيف هنا أنَّ ذلك النقل لم يكن مقصورًا على المكتوب، إنْ وُجِد، بل إنَّ المحكيَّ، بطبيعته، أكثر قابليَّة للتَّفَشِّي والانتشار والهجرة.

2) عامل السَّفَر والمحادثات، الذي عن طريقه كانت تنتقل بعض الحكايات الشرقيَّة إلى الغرب.

3) ثَمَّةَ مَعْبَرٌ أهمُّ ممَّا سبق، هو مَعْبَر (الأندلس).  بل حضورها الوهَّاج في خاصرة القارَّة الأوربيَّة. وقد ظلَّت تَضُخُّ الثقافة العربيَّة في عُروق (أوربا) طوال ثمانية قرون.  وفي ما يتعلَّق بموضوعنا، لا ننسى هاهنا أن معظم قبائل الأندلس العربيَّة، الفاتحة أو المستقرَّة، كانت من (اليَمَن).

4) إنَّ العَرَب والمسلمين، ومهما تعدَّدت مواطنهم وتباعدت ديارهم، كانت تجمعهم مواسمُ سنويَّةٌ للحَجِّ، وملتقياتٌ كثيرةٌ خلال أداء العُمَر أو الزيارات.  وهي مواسمُ وملتقياتٌ ثقافيَّةٌ، بمقدار ما هي دِينيَّة، تَلُمُّ شتات الشعوب الإسلاميَّة من أطراف الأرض.  حتى إذا عاد هؤلاء من رحلاتهم الدِّينيَّـة، عادوا محمَّلين بالأحاديث والحكايات والأخبار، ممَّا كانوا قد أخذوا بأطرافه بينهم وسالت بأعناق مطيِّهم الأباطح، كما عبَّر (كعب بن زهير). مُزَجِّين أيـَّام سَفَرهم وليالي سَمَرهم بتلك الحكايات والأخبار والأحاديث.

5) عُنِي الغربيُّون في القرون الأخيرة برواية الأخبار والحكايات عن شعوب العالم، ومنها شعب الجزيرة العربيَّة، الذي نقل عنه المستشرقون- من رحَّالةٍ وباحثين أنثروبولوجيِّين وسواهم- تراثًا واسعًا وبالغ الثراء، اندثر بعضه بين ظهرانيِّ أهله.

لذلك فإنَّ الطُّرق المحتملة لانتقال الحكايات الشَّعبيَّة بين المشرق والغرب جِدُّ متعدِّدة، وعَبر العُصور.

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

............................

(*) هذا المقال هو الجزء الأخير من ورقة بحثٍ حِواريَّةٍ قُدِّم موجزها في (نادي جازان الأدبي)، مساء الأربعاء 3 مارس 2021.  للمشاهدة على موقع "يوتيوب": https://bit.ly/3j1diLd

 

 

اسعد عبداللهاكبر انتكاسة حصلت للبيئة الادبية والاعلامية العراقية هو اعادة تدوير نفايات البعث، حيث عادوا الى المنظومات الاعلامية ككتاب وشعراء وروائيين مع تاريخهم الاسود من سنوات طويلة بتلميع حكم صدام وتأليه القائد والدفاع عن جنونه ورفض اي نقد له، اغلبهم هرب خارج العراق بعد 2003  لكن بعد 2005 عادوا وتمتعوا بحماية الاحزاب واصبح التكريم والمناصب لهم وحدهم، وهذا من اكبر خيبات الوطن التي عشناها، واليوم (كهنة معبد صدام بالأمس) وهم الذين تطبع كتبهم ويحصلون على اعلى الرواتب والمناصب!

بالمقابل ابناء الوطن من شعراء والكتاب وروائيين ممن لم يخضعوا للنظام السابق ولا للحالي، وضعوا على الهامش يستجدون الفتات.

ستكون سطوري عن كاتب استشهد وهو يدافع عن مظلومية وطن، وقد تم نسيانه مع انه يستحق الذكر والمجد، لكن زماننا مريض فلا يمجد الا منافقي البعث، سأكتب عن الكاتب الراحل الشاعر والكاتب حسن مطلك.

تعريف بالكاتب حسن مطلك

الاسم هو: حسن مطلك روضان عبد الكافي الجبوري، كاتب ورسام وشاعر عراقي، ويعد واحداً من أهم الأصوات الأدبية الحداثية التي برزت في العراق، في ثمانينيات القرن العشرين. ولد سنة 1961 في قرية سديرة التابعة لمدينة الشرقاط في شمال العراق، عاش في كنف عائلة ذات ماضي عريق في الزعامة العشائرية وثرية بعطائها للأدب الشعبي.

أنهى دراسته الجامعية سنة 1983 حاصلاً على شهادة البكالوريوس في التربية و علم النفس، من كلية التربية في جامعة الموصل، أقام عدة معارض للفن التشكيلي وأصدر مع مجموعة من أصدقائه في الجامعة مجلة ("المُربي") نشر فيها مقالتين إحداهما عن الفن التشكيلي والأخرى قراءة لرواية الطيب صالح (موسم الهجرة إلى الشمال)، وبعد أدائه للخدمة العسكرية الإلزامية عمل أستاذاً في معهد المعلمين في كركوك، ومديراً لعدة مدارس إعدادية، وحسن مطلك هو شقيق الكاتب العراقي محسن الرملي.

موته

قام نظام صدام بإعدام الكاتب حسن مطلك  شنقاً في 18 يوليو 1990، في الساعة السابعة مساءً، بتهمة اشتراكه في محاولة لقلب نظام الحكم، حيث راح يصفه بعض المثقفين إثر ذلك بأنه (لوركا العراقي).

الأدب والسلطة

في احد حوارات الراحل حسن مطلك يقول: "حرب الأديب ضد السلطة بكل أشكالها هي حرب دائمة، وفعلاً هذه الرواية (دابادا) مكتوبة ضد السلطات، أشكال السلطات الموجودة في المجتمع؛ السلطة التاريخية والسلطة الاجتماعية والسلطة السياسية، وطبعاً هي لا تخص سلطة معينة بالتحديد، ولهذا أقول الكلام بدون رقابة".

الكتابة بقيود هي كتابة مفتعلة

لقد أحب حسن التحرر دائما من القيود وهو يكتب، أراد أن يكتب كيفما كان، جالسا ونائما أو حتى واقفا، حيث كان يقول الكاتب الراحل: "لنقل ان لا يجعل الكتابة فعلا اضطراريا"، فجاءت كلماته بعفوية وحس عنيفين، تخرج الكلمة كيفما جاءت، أي أن الكاتب طفل نقي تجرد من كل خوف، أو حسبان لشيء إلا فنه وحسه تجاه هذا الفن، إذن من الخطأ كل الخطأ أن نعتقد بأن أسلوب حسن هو أسلوب اضطراري.

الإزدحام بالكتابة

في حوار مع الراحل حسن مطلك أجراه عيدان محمود الصحن، ونشر في بغداد 1988، يقول عن الكتابة: "الحضور بالنسبة لي هو أن أكتب وأستغرق في الكتابة، وتجربتي ذات أمواج تضعني دائماً في فورة المحاسبة، أنا مزدحم وأخاف وأحذر النشر مخافة أن أندم فالكثرة لا تعني شيئاً في الإبداع، أكتب الرواية ليس لأنها سرقت من الفلسفة والشعر قوتيهما، ولا لأنها فن العصر كما يقال، بل لأنها صعبة، وعرة، ولأنني أستمتع كثيراً بهذا الخطر، ليس ثمة فارزة بين الواقعي والخيالي في الأدب، أحدهما يكون ذراعاً والآخر رأساً واللغة روح لهذا الجسد الهجين.

وعن اللغة في كتاباته، يقول حسن مطلك: "أذكر قولاً لأحد كتاب الرواية الحديثة، يقول: ( لم أحاول في يوم ما أن أجبر اللغة على قول ما لا تريد أن تقوله)، واللغة هي أنا، فأحاول أن لا أكذب قدر الإمكان، إنها ليست مجرد أداة للتوصيل، فهي تشمل الصوت أحياناً، المهم أن نجرب كيف تخطيء في اللغة بعد أن نتقن الإعراب، ليس للكتابة وقت محدد، ولكن لحظة الدهشة هي ذروة الإبداع، دهشة الاكتشاف التي تضيع الكثير من التفاصيل، غير أنها تعطي بالمقابل لغـة مـضيئة".3217 حسن مطلك 

رواية دابادا

رواية (دابادا)، تقع في (220صفحة)، صدرت لها طبعات عديدة في بيروت والقاهرة وبغداد، يعتبرها البعض أهم الروايات العراقية التي ظهرت في نهاية القرن العشرين، حيث قال عنها، “جبرا إبراهيم جبرا”: "إنها رواية غير عادية، فهي جديدة وكاتبها شاب جريء"، وقال الروائي، “عبدالرحمن الربيعي: "لقد أحببت هذه الرواية العصية، إنها رواية مختلفة، لا يمكن أن تذكرنا بأي عمل روائي آخر ولم تتعكز على إنجاز روائي سابق، إنها رواية وحيدة ومكتفية بما حملت". وقال القاص، “محمود جنداري: "إن (دابادا) هي الكتابة بشروط الحياة". وقال الناقد، د. عبدالله إبراهيم: “إنها رواية تستفز القارئ، وهي تتصدى لقضايا كبرى، إن هذه الرواية ستثير إشكالات في مستوى القراءة ومستوى التأويل وستختلف الآراء حولها".

وقال الشاعر صلاح حسن: "إنها الرواية العراقية الوحيدة التي ظهرت بهذه السمات المميزة.. إن (دابادا) هي حقاً رواية عراقية متميزة، وفيها من التجديد ما لا يمكن إنكاره على الصعيدين البنائي والمضموني، حيث يمكّناها من الوقوف إلى جانب الروايات العظيمة".

وقال الناقد، د. باسل الشيخلي: "إن هذه الرواية تتجاوز حدود الواقعية لتدخل في إشكالية أكبر وأوسع من نمطية الكتابة المقنّعة، وإن لغة (دابادا) هي سر قوتها". 

مؤلفات الكاتب

ا- 1988 – دابادا (رواية) –220 صفحة، صدرت طبعتها الأولى عن الدار العربية للموسوعات في بيروت سنة 1988.

2- قوة الضحك في أُورا (رواية) – 145 صفحة، صدرت طبعتها الأولى عن دار دون كيخوته في دمشق عام 2003.

3-  الأعمال القصصية – 262 صفحة، صدرت طبعتها الأولى عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت سنة 2006م.

4-  كتاب الحب.. ظَلالهن على الأرض (كتابة حرة/مُذكرات) – 125 صفحة، صدرت الطبعة الأولى عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت 2006.

5- مجموعة شعرية (أقنعة.. أنا وأنتِ والبلاد) – 70 صفحة، صدرت الطبعة الأولى عن دار ألواح في مدريد عام 2004 وتضم 21 قصيدة وعشر تخطيطات له.

6- العين إلى الداخل (كتابة حُرة، يوميات وقصائد) – 141 صفحة، صدرت عن مؤسسة الدوسري للثقافة والإبداع في البحرين سنة 2011.

 

الكاتب: اسعد عبدالله عبدعلي

 

نور الدين صمودرحم الله القريب البعيد نور الدين صمود الشاعر الفذ، احمد شوقي تونس. الذي وافته المنية اليوم عن سن تناهز 90 سنة.. حيث ولد بمدينة قليبية سنة 1932، وهو أستاذ جامعي وشاعر تونسي وناقد وباحث.. بعد الدراسة في الكتاب سافر الى العاصمة ودرس بالزيتونة ونهل من علمائها الكثير وبعد تحصله على شهادة البكالوريا 1955 ثم واصل تعليمه العالي بجامعة القاهرة ومن جملة اساتذته الاديب طه حسين ومصطفى الرافعي ثم تحصل على الإجازة في الآداب العربية و التاريخ من الجامعة اللبنانية سنة 1959 ثم على دكتوراة الدولة سنة 1991. درس بالمعاهد الثانوية، ثم التحق بالكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين، كما درّس ب المعهد العالي للموسيقى بتونس بموته فقدت الساحة الثقافية التونسية والعربية أحد أهم قاماتها الأدبية والشعرية الجامعية المعاصرة. لقد كان الفقيد رحمه الله من أبرز الشعراء التونسيين طوال فترة حياته،لم يستطع منافسته اي شاعر ولا شاعرة، ترك ثروة ثقافية تتمثل في مجموعة هامة لا يستهان بها من الدواوين الشعرية بين الشعر العمودي و الحر والغنائي على غرار "رحلة العبير" سنة 1969، و"نور على نور" سنة 1986، و"طيور وزهور" سنة 1979، و"حديقة الحيوان" سنة 1991، وتمت ترجمة العديد من أعماله إلى عدة لغات، فضلا عن آثاره الفكرية والعلمية. وللشاعر الفقيد مؤلفات عديدة في مختلف المجالات الأدبية والفنية، نذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر العروض المختصر"و دراسات في نقد الشعر، وزخارف عربية، والطبري ومباحثه اللغوية، وهزل وجد، وتاثير القرآن في شعر المخضرمين وغيرها كثير حيث له انتاج زاخر لا يزال حاسوبه محشو بها حشوا حتى انه ذات مرة في ندوة ثقافية باتحاد الكتاب وضع يده على حاسوبه قائلا: "لواحترق هذا الحاسوب او حدث به عطب خطير او تحطم اكون قد خسرت فعلا خزانة مدججة بالبحوث والشعر و الاعمال الادبية".. حيث ان اضعاف أعمال نور الدين صمود الادبية والشعرية الغير صادرة و غير منشورة مخزنة في حاسوبه الى جانب المطبوع منها على الورق والمنشور.. فهو يحتاج الى من يخرجها الى النور .. اتمنى من ابنائه واحفاده ان يتولى احدهم بنشر كتاباته المخزنة والمطبوعة فان لم يفعلوها لا أحد سيخرج أعماله الى النور.. وان لم يسع احدهم الى اصدارها الى القراء.. قد يفعلها اتحاد الكتاب او احد اصدقائه..

لقد نال الشاعر الراحل نور الدين صمود عديد الجوائز الهامة، والتكريمات حيث انه كرم في عديد الملتقيات الادبية داخل الوطن وخارجه، وفي المحافل الأدبية الوطنية والدولية على سبيل المثال لا الحصر

- جائزة الجامعة اللبنانية سنة 1959

- وجائزة الدولة التقديرية سنة 1970،

- وجائزة أحسن نشيد وطني تلفزيوني سنة 1976،

- وجائزة وزارة سنة 1982 وغيرها.3208 نور الدين صمود

لقد كان رحمه الله من غزير الشعر ومن أبرز الشعراء التونسيين بل هو امير شعراء تونس، حيث ترك عديد المجموعات الشعرية مع مجموعة هامة من الدواوين الشعرية على غرار

- رحلة في العبير سنة 1969،

- أغنيات عربية، 1980

- نور على نور سنة 1986،

وله أشعار للأطفال: في شعر الاطفال اعمال من:

- طيور وزهور 1979 –

- حديقة الحيوان 1991،

وله مؤلفات اخرى ، وتمت ترجمة العديد من أعماله إلى عدة لغات، فضلا عن آثاره الفكرية والعلمية.

وللشاعر مقالات وبحوث ومؤلفات في مجالات أدبية وفنية مختلفة منها:

- العروض المختصر 1972،

- تبسيط العروض،

- دراسات في نقد الشعر،

- وزخارف عربية،

- والطبري

- ومباحثه اللغوية،

- وهزل وجد،

- وتاثير القرآن في شعر المخضرمين،

- أغاني الغواني.

- جدائل الحرير جدائل العبير.

- رسم من الذاكرة ..

- ستة مجموعات شعرية سنة 2003 وذلك بمناسبة السنة الوطنية للكتاب.

- ديوان الشعر شمس القرون.

- رحلة في العبير.

وغيرها. لقد نال الراحل العديد من الجوائز الهامة، منها:

- جائزة الجامعة اللبنانية، 1959

- وجائزة لجنة التنسيق بالقيروان، 1967،

- وجائزة الدولة التقديرية، 1970،

- وجائزة أحسن نشيد وطني تلفزيوني، 1976،

- وجائزة بلدية تونس، 1977،

- وجائزة وزارة الشؤون الثقافية، 1982،

- وجائزة أحسن نشيد لعيد الشباب، 1990..

كما كرم في العديد من المحافل الأدبية الوطنية والدولية.. على سبيل المثال وقع سنة 2018 تكريمه بمهرجان الشارقة للشعر العربي، وذلك بطبع مجموعة شعرية له كهدية بالمناسبة وهي بعنوان:

- من المغرب الى المشرق،

- في بيت الشعر بالقيروان اقيم حفل تكريم خصيصا لأجله.

كتب عن أعماله الشعرية عديد الادباء والنقاد من

بينهم:

- محمد صالح الجابري،

- ابو زيان السعدي،

- عبد الوهاب الدخلي،

- ابراهيم بن مراد.

لقد بدات مشاركته في عدة مؤتمرات ومهرجانات أدبية وشعرية في العديد من البلدان العربية والبلدان الأجنبية بداية من سنة 1965.

- قدم وأعد برامج أدبية وثقافية هامة للإذاعة التونسية على امتداد 50 سنة.

- وشارك الراحل في عضوية عدة لجان متخصصة..

اما عن دوره الثقافي في مسقط راسه قليبية لقد كان من مؤسسي:

- منارة الأدب بقليبية

- ومهرجان الأدباء الشبان الهواة بقليبية منذ سنة 1986 .

- للاطلاع على ارشيفه في صحيفة المثقف

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_users&view=articles&id=5581

***

الاديبة فوزية بن حورية

 

 

محمود محمد علييعد "فتحي التريكي" واحداً من أبرز الوجوه الثقافية من أساتذتنا المعاصرين، وهو يمثل قيمة كبيرة وشعلة من التنوير الفكري التي بدأها منذ ربع قرن باحثاً ومنقباً عن الحقيقة والحكمة. إنه الباحث عن سبيل يحفظ للإنسان حريته وكرامته فهو ينقب في ثنايا الفكر العربي الحديث والمعاصر، لكنه لا يسلم به من ما يكتب عنه من قبل زملائه الباحثين، بل لديه قدرة عظيمة علي أن يلقي بنفسه في خضم المشكلات المطروحة، ويشق لنفسه طريقه الخاص غير عابئ بما يقوله هذا الفيلسوف أو ذاك من أعلام الفلسفة الشوامخ.

وفتحي التريكي مفكر تونسي معروف في العالم العربي، حصل على دكتوراه في الفلسفة السياسية من جامعة السوربون بباريس وعلى دكتوراه الدولة في الفلسفة من كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس. ويعمل استاذ كرسي اليونيسكو للفلسفة بجامعة تونس. ساهم صحبة جاك دريدا في اقتراح فلسفة التعايش والتعقلية واقترح أيضا فكرة تقاسم الكونية.

شغل منصب عميد كلية الآداب والعلوم الانسانية بصفاقس من 1990 إلى 1996 وعُين في كرسي اليونسكو للفلسفة بالوطن العربي في 1997. ثم عمل أستاذا زائرا بجامعة ديوك بالولايات المتحدة في 1999 وبجامعة باريس 8 في فترات متباعدة زمنيا سنتي 2000 و2007.

ولقد ترجمت أعماله إلى اللغات الأجنبية. درّس الفلسفة في جامعات كثيرة ببلده تونس وفي باريس كما شغل منصب كرسي اليونسكو في العالم العربي وساهم في الفعل الفلسفي بالندوات والمحاضرات تونسيا ومغاربيا وعربيا ودوليا فضلا عن مؤلفاته العديدة باللغة العربية والفرنسية منها على سبيل المثال: الفلاسفة والحرب (1985)، وأفلاطون والديالكتيك (1986)، وفلسفة التنوع (1987)، الفلسفة الشريدة (1987)، والعقل والحرية، وفلسفة الحداثة (1992)، (بالاشتراك مع د. رشيدة التريكي)، والحداثة وما بعد الحداثة (2003)، (بالاشتراك مع د. عبدالوهاب المسيري)، والهوية ورهاناتها (2010) وغيرها كثير.

تشغل الدكتور فتحي التريكي قضايا متعددة متضافرة مثل “فلسفة اليومي” التي تحتل مكانة خاصة في نشاطه الفلسفي وإلى جانب ذلك فهو يعالج عنقودا من القضايا الفكرية الساخنة الراهنة التي شغلت ولا تزال تشغل المفكرين المعاصرين في بلداننا وفي مختلف بلدان العالم وفي مقدمتها “أخلاقيات الفلسفة المعاصرة”، و”مجال التفلسف”، و”التعددية الثقافية” و”تضافر الثقافات”، و”المعقولية وثقافة التقدم”، و”الفلسفة والقول في الفن”، و”الهوية” و”دور المثقفين” في حركات التغيير السياسي والاجتماعي.

ويعد كتاب "الفلاسفة والحرب"، الصادر عام 1984،اللبنة الأولى في مسيرة المفكر التونسي. ذلك أن إشكالية الحرب، موضوع هذا الكتاب، ليس موضوعا عارضا بالقياس إلى الاهتمامات الفكرية التي سترافق  فتحي التريكي خلال مساره الفكري. ففلسفة التريكي هي، في بعد جوهري منها، سعي إلى إيجاد حل لإشكاليات العنف والهيمنة والتبعية والحرب. وهي إشكاليات متقاربة في جوهرها، إذ تشترك فيما بينها من حيث تأسسها على مبدأ القوة والقهر.

لهذا كان الكلام عن الحرب يستتبع بالضرورة الحديث عن شروط تجاوزها، يعني الحديث عن السلم. من هنا جاء طرح التريكي، في مختلف أعماله، للقضايا ذات الصلة بهذا الموضوع )الهوية والغيرية والتثاقف والعيش سويا والعولمة والحداثة...). فالانتقال من الحديث عن "الحرب" إلى الحديث عن السلم، أي إلى نقيضها، أمر تقتضيه، حسب التريكي، طبيعة الفلسفة باعتبار أنها سلمية في جوهرها، ولهذا فإن الحرب "لا تستطيع أن تكون مفهوما فلسفيا إلا بمحوها، واحلال فكرة السلام المستمر محلها... (وبذلك) تكون إذن حقيقة الحرب – من الناحية الفلسفية – هي موتها. لهذا قلما قام فيلسوف بالنظر والتمحيص في معنى الحرب إلا وأخذ يتكلم – عن غير وعي- عن السلم" . وذلك ما فعله التريكي أيضا. ولعل مشروعه يذكرنا من هذا الجانب، في بعض نواحيه، بمشروع كانط في نصه "نحو سلم دائم"، ذلك أن هذه الفكرة الأخيرة تنخرط بدورها في الجدل الفلسفي حول العلاقات بين الشعوب والدول، كما هو الحال كلما تعلق الأمر بالحرب والسلم .

بذلك يكون كتاب "الفلاسفة والحرب"، كما سبق القول، لبنة أولي وأساسية في تحديد معالم وتوجهات فكر التريكي الفلسفي، وبرغم هذا يجب الإقرار أن ما يميز فتحي التريكي عن باقي المفكرين والباحثين والدراسين العرب الذين لهم علاقة بميشيل فوكو أنه يحاول تأسيس فلسفة، وان ما يشغله أساسا هو جملة من الأسئلة الفلسفية التي يفكرها من منطلقات فلسفية متعددة، لذلك جاءت لغته وطريقته وتصوراته كلها في قالب فلسفي، ومن هنا نري لزاما علينا، إن نحن أردنا دراسة نصوص هذا الفيلسوف كما يقول الزواوي بغورة وعلاقته بنصوص ميشيل فوكو، وجب طرح الأسئلة الأولي – أعني سؤال الهوية التي يدعوا إليها، أو بالتدقيق الفلسفة التي يحاول تأسيسها .

وقد أطلق التريكي على فلسفته أسماء مختلفة، فلقد سمي هذه الفلسفة مرة التنوع والاختلاف، ومرة بالفلسفة الشريدة، ومرة ثالثة بفلسفة الحداثة، ومرة رابعة بالفلسفة المفتوحة، وعلى الرغم من ظهور هذه المصطلحات في دراسات مستقلة، إلا أننا قد نجدها قائمة في المعل الواحد، وذلك منذ كتابه " قراءات في فلسفة التنوع".

ويعرف التريكي فلسفته، بقوله :" لم نعد نعتبر الفلسفة ذلك التفكير الكلي الموحد الذي يعطيك فكرة، إن لم نقل حلا لكل سؤل يطرح عليها، حسب هذه الوحدة الشاملة . لم تعد نسقا وحيدا متماسكا، بل أصبحت حرية وتنقلا، شتاتا وتعددا تنتجها ميادين متعددة فتأتي الأوجه متباينة المضارب والمآرب . إنها الفلسفة المناهضة للفلسفة والمذهب .

ومن هنا قام المكفر بالتأسيس لفكرة التنوع أو ما سماه بمعقولية التنوع وأسسه العلمية والاجتماعية والسياسية، أو ما يشكل معقولية التنوع بحسب عبارته، هذه المعقولية تقوم على نقد العقل الموحد لن العلم ذاته لم يعد يعتمد النظرة الواحدية التي كانت سائدة، ولن العلوم في الوقت الحاضر تقوم على الكثرة والتغير .

وعلى هذا الأساس، ستحل منطقية العقل المتنوع شيئا فشيئا في محل منطقية العقل الموحد، وستكون فلسفة المستقبل العلمي، إذ أن العلوم الآن قد اكتشفت أن للتنوع الطبيعي والاجتماعي أهمية قصوي في فهمنا لطبيعتنا وأن العقل الموحد قاصر على دراسة الواقع بتعقيداته وكثرته وتغيره المستمر، لأنه يصبو إلى المعرفة الكلية والشاملة، والفلسفة ذاتها التي يسميها بفلسفة التنوع والتي تتأسس على الإيمان بالعقل والحرية كطابع تتأسس عليه الفلسفة اللانسقية أو الفلسفة الشريدة النص الذي من خلاله يؤسس لشرعية السؤال الفلسفي والذي بدوره لم يعد حكرا على جغرافية معينة أو جنس بشري لا لشئ سوي لأن كل سؤال للفلسفة يجب أن ينبني على العقل الذي لا يقبل حصرا جغرافيا أو عرقيا، فالفلسفة الشريدة هي بيان لشرعنة التجربة الفلسفية من جهة، ومن جهة ثانية تحرير عملي من الأزمة السيكولوجية التي وضع الفكر العربي نفسه حبيسا لها .

وتبعا لذلك فإن البحث عن الفلسفة في رأي "فتحي التريكي" يتجلي في البحث عن فلسفة التنوع، والتي يعرفها في مدخل كتابه الفلسفة الشريدة كالتالي : لم نعد  نعتبر الفلسفة ذلك التفكير الكلي الموحد الذي يعطيك فكرة إن لم نقل حلا لكل سؤال يطرح عليها حسب هذه الوحدة الشاملة، لم تعد نسقا وحيدا، متماسكا بل أصبحت حرية وتنقلا شتاتا وتعددا تنتجها ميادين فتاتي مختلفة الأوجه متباينة المضارب والمآرب .

إنها فلسفة مناهضة للنسقية والمذهب كما أنها تقوم على نقد العقل الموحد ورفضه ليحل محله منطق العقل المتنوع، وبناء على هذا تصبح الفلسفة المفتوحة تجمع الأفكار لتكوين  خطابات مختلفة من أجل التدخل في العلوم المختلفة، في الفن، والدين لتطور العلوم المختلفة، يغية توضيح المفاهيم وتحديد المناهج والدفاع عن حرية التفكير والإبداع .

فالفلسفة المفتوحة بهذا المعني تعني اللانسقية واللامركزية واللاسيد في الخطاب الفلسفي، لأن الفلسفة قبل أن تصل إلى مرحلة الشرود والتنوع كثيرا ما كانت تتحدد مع تاريخها، أي تجعل من تاريخها وتاريخ أفكارها موضوعا للدراسة والبحث . ومن ثم أصبحت تعود غلى أصلها وتاريخها، وتلم بالأنساق الفلسفية السابقة وتفسرها وتصنفها إلى مذاهب وتيارات فلسفية عديدة وأصبحنا نحن بدورنا تايعين لهذا التصنيف والتقليد.

ونظرا للتهديد الذي أصبح يمثله مفهوم التنوع الثقافي لتحقيق التعايش يقترح التريكي مفهوما آخر بديل هو مفهوم التثاقف، حيث يكون التثاقف ممكنا بواسطة العقل والإبداع، ومن ثم يكون قريب جدا من السياق الفلسفي إذ يفتح الآفاق نحو سعادة الكل وسكون السلم الدائم نتيجة التثاقفية .

ولقد حدد التريكي لفظ التثاقف بأنه :" الفلسفة التي تمكن في نفس الوقت، من احترام الاختلافات البنيوية للثقافات تساويها كما هو الشأن قيمتها الداخلية، ومن اعتبار أي ثقافة كما لو أنها مالكة لبعد كوني في الذي يشكلها أيضا كخير مشترك هو في تناول الإنسانية برمتها، ففي التثاقف تأكيدا على الغيرية فهو بتأسسه على قيم الإنفتاح والخلق فالإبداع والإختلاف يخلق نوع من التلاحم والإنسجام بالآخر، وبهذا المعني يضع التثاقف حدا لطموح العقلانية الغربية ويقدم للكونية طابعا من التفاهم، لأنه يقتضي وجود قيم مشتركة بين الإنسانية . فالتثاقفية إذن حوارية إذ أنها تحاول أن تجد ضمن الكثرة الاجتماعية والثقافية وسيلة لمحاورة الآخر .

ولا نظن أن كتاب التريكي " الفلسفة الشريدة"، الصادر عام 1987،بلبنان، يبعدنا كثيرا عن التثاقف. ففي هذا المؤلف الذي يبلور فيه فكرة الفلسفة المنفتحة، قاطعا الصلة بالمذاهب المغلقة والدوغمائية، أي بفلسفة النسق، و"الذي يربط الفكر ربطا وثيقا داخل أسوار يصعب تهديمها وتجاوزها.

يفتح التريكي المجال أمام "الفلسفة الشريدة" التي يجعلها طابعها القائم على التنوع والاختلاف والحرية، فلسفة مناهضة للقهر والعبودية والعنف، على عكس فلسفة النسق. يقول التريكي: "أمام تأرجح السلطة بين الكليانية والهوية، لا تستطيع الفلسفة الشريدة إلا أن تكون مناضلة من أجل الحرية والاختلاف والتنوع، أما الفلسفة النظامية التي تحتمي بالنسق، سواء كان ذلك النسق علميا أو اقتصاديا، أو سياسيا، فهي في كنهها، وفي عملها تبريرية، تكرس الاستبداد والعبودية، فالفلسفة اللا نظامية هي الدرع الذي يحمي  الفرد الإنسان من غطرسة النسق.. وللحديث بقية.

 

أ.د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.........................

1- فتحي التريكي، الفلسفة الشريدة، دار "التنوير"، 2009 .

2- -فتحي التريكي، فلسفة التنوع، دار التنوير، تونس، 2009 .

6- ابراهيم سعدي: قراءة أولية في فلسفة المفكر التونسي فتحي التريكي، جامعة مولود معمري- تيزي وزو،

 

محمد توفيق علاوييرجع الفضل الكبير لكثير من جوانب التطور في النظام المصرفي العراقي والسياسة النقدية في يومنا الحالي إلى الدكتور سنان الشبيبي.

إن اكبر إنجاز حققه الدكتور سنان الشبيبي هو إنشاء نظام مصرفي متطور أستطيع أن أقول من نقطة الصفر لنظام إقتصادي حر مع فتح المجال لقيام مجموعة من المصارف ألأهلية وتصريف العملة بشكل حر وحرية التحويل وفتح الإعتمادات والمقاصة الألكترونية ضمن سوق مفتوح مقارنة بألنظام المصرفي المركزي الإشتراكي السابق، لقد تمثلت السياسة النقدية التي وضعها الدكتور الشبيبي بستة محاور مهمة سنتناولها أدناه، وهي:

1- الحفاظ على سعر ثابت للعملة مقارنة بالمرحلة السابقة التي كانت العملة فيها تتدهور قيمتها يوماً بعد يوم من دون وجود محددات، لقد ثبت سعر العملة بمقدار مقارب ل(1500) دينار للدولار الواحد عام (2003) بعد أن كان ما يقارب (3000) دينار للدولار الواحد وبقي هذا السعر ثابتاً حتى عام (2006)، حيث تم رفع سعر الدينار بالتدريج حتى بلغ الدولار أقل من (1200) .

2- إتخاذ سياسة لإيجاد وتأمين إحتياطي البنك المركزي كغطاء للعملة العراقية من العملات الأجنبية والذهب والمحافظة عليه، لقد إستطاع الدكتور سنان الشبيبي توفير مبالغ تجاوزت الثمانين مليار دولار كإحتياطي وغطاء للدينار العراقي خلال تسع سنوات من توليه إدارة البنك المركزي، وهذا يعتبر من أهم إنجازات الدكتور سنان الشبيبي على الإطلاق.

3- إتخاذ الإجراءات الضرورية من أجل إنشاء منظومة مصارف أهلية عراقية، حيث كان القطاع المصرفي العراقي يغلب عليه المصارف الحكومية ولا وجود للمصارف الأهلية إلا على مستوى ضيق ومحدود، المشكلة في العراق ليس أفتقادهم للخبرات في هذا المجال فحسب، بل عدم وجود رؤوس أموال عراقية كافية لإنشاء مصارف أهلية، فكانت سياسية الدكتور سنان عدم الطلب إبتداءً برأس مال كبير لإنشاء المصرف، وقام المصرف المركزي بمساعدة المصارف الأهلية للنهوض ولتحقيق أرباح وذلك برفع نسبة الفائدة المصرفية، ونشأت عشرات المصارف الأهلية الجديدة، ولولا إتخاذ هذه الخطوات لما كان في الإمكان نشوء مصارف عراقية بملكية عراقية، بل كان من الطبيعي أن تنشأ فروع في العراق لمصارف غير عراقية، ويعود الفضل في ذلك للدكتور سنان الشبيبي، فضلاً عن ذلك فقد أدت سياسته إلى توليد ثقة بالمصارف ألأهلية العراقية فبدأ الناس يودعون أموالهم فيها وبفوائد عالية وهم واثقون منها خلال عهده، ولكن للأسف بسبب التخبط والسياسات غير المدروسة لمن جاء بعده فقدت الثقة بشكل شبه كامل بالمصارف العراقية بشكل كبير.

4- ألحفاظ على سعر تصريف موحد بين سعر التصريف الرسمي للبنك المركزي وسعر التصريف الموازي لسوق العملة خارج المصرف المركزي مع فرق عمولة بسيطة تحسب بشكل طبيعي للمصرف كما هو في دول العالم المختلفة، لقد إستطاع الدكتور سنان الحفاظ على هذا الواقع منذ توليه للمسؤولية عام 2003 حتى أواسط عام 2011 حيث زاد الطلب بشكل غير طبيعي على الدولار بسبب الحصار الذي فرض على أيران وبسبب الأحداث الدموية في سوريا،.

5- السيطرة على التضخم (Inflation) حيث وصل التضخم إلى أكثر من (53٪) عام 2006، وإستطاع الدكتور سنان بسياسته الحكيمة الهبوط بالتضخم إلى أقل من من (3٪) عام 2010.

6- دور المتابعة والتنفيذ لمقررات نادي باريس، إن نادي باريس حقق أعظم إنجاز إقتصادي ومالي للعراق خلال تاريخه المعاصر، حيث كان العراق يرزح تحت كاهل كبير من الديون بلغ حوالي (140) مليار دولار، لقد إستطاع الدكتور سنان الشبيبي مع آخرين التحاور مع كثير من الدول التي كانت لديها ديون باهضة بحق العراق إلى التنازل بمقدار حوالي 80٪  من تلك الديون، أي إنهم إستطاعوا توفير مبلغ أكثر من (100) مليار دولار، للأسف تذكر الآن السرقات الكبرى، ولكن لا يتم التطرق للإنجازات الكبرى التي تعادل السرقات في أهميتها ولكن بشكل معاكس، يجب أن لا ينسى الشعب العراقي ما حققه الدكتور سنان الشبيبي من خدمة كبيرة جداً للوطن وللمواطن، وهو نقيض ما سرقه السياسيون الفاسدون اللاحقون من أموال هذا الشعب المستضعف.

 

محمد توفيق علاوي

 .........................

جزء من دراسة بشأن القطاع المصرفي والنقدي  من اربع حلقات نشرت في ابريل عام 2016

 

 

محمود محمد عليبإعدام ريا وسكينة وعصابتها أسدل الستار على قضية العصر وعصابة خطف النساء في الإسكندرية، وعلى مدى العقود الأخيرة الماضية، اكتست القصة باهتمام وسائل الإعلام والكتاب، كما تم تنفيذ العديد من الأعمال الفنية عن القصة التي صبغت تارة بالإثارة والأكشن وتارة أخرى بالكوميديا، والتي لم تخل ككل من تجريم ريا وسكينة، باعتبارهم سفاحي القرن الماضي.

وانتقلت هذه القصة من واقع التاريخ الاجتماعي للجريمة وتحقيقات البوليس والنيابة إلى المتخيّل الفني والأدبي، فتناولت صحف هذه الأيام هذا الموضوع بالتحليل والتمحيص لفترة طويلة، ثم بدأت السينما والباحثون يتناولون موضوع "ريا وسكينة" لأهميته على واقع المجتمع والناس، فكتب صلاح عيسى عن قصة ريا وسكينة موضوعا مسلسلا نشر في مجلة كل الناس، وفي عام 1953 تم إنتاج فيلم "ريا وسكينة" بطولة أنور وجدي وشكري سرحان وقامت ببطولة ريا الفنانة نجمة إبراهيم ودور سكينة الفنانة زوزو حمدي الحكيم، كما قام النجم الكوميدى إسماعيل يس ببطولة فيلم "إسماعيل يس يقابل ريا وسكينة" شاركه فيها أيضا نفس نجوم الفيلم السابق، ثم قامت شريهان ويونس شلبي وحسن عابدين بالاشتراك في فيلم آخر عن ريا وسكينة عام 1983، وانتقلت ريا وسكينة إلى المسرح حينما قاسمت شادية وسهير البابلي عبدالمنعم مدبولى وأحمد بدير مسرحية "ريا وسكينة"، وانتقلت القصة إلى التليفزيون في مسلسل "ريا وسكينة" إنتاج 2005.

ولا تزال هذه القصة تلقى رواجا من الباحثين والكتاب والفنانين باعتبارها حادثة غير عادية حدثت في أماكن بعينها في مدينة الإسكندرية، وكلما نظرت من شرفة منزلي إلى الجانب الآخر من المشهد أرى أمامي برج سجن الحدراء الذي أعدمت فيه ريا وسكينة، فاستشعر بأن الله حق وأن الجريمة لا تفيد وأن العدل لا بد وأن يتحقق.

دخلت ريا وسكينة التاريخ من خلال الأعمال الفنية العديدة التى صدرت عنهما، سواء فى السينما والمسرح، استوحت من قصة ريا وسكينة الكثير من الكتب والأعمال الفنية وصلت إلى 12 عمل فني وهي (بالترتيب الزمني):

1- مسرحية ريا وسكينة: انتاج عام 1922 وهي أول عمل فني عن القصة وانتجت بعد شهور من تنفيذ حكم الإعدام، ومن بطولة وإخراج نجيب الريحاني وشاركته بديعة مصابني في المسرحية، ومن تأليف بديع خيري.

2- فيلم ريا وسكينة، إنتاج سنة 1953، بطولة نجمة إبراهيم وزوزو حمدي الحكيم وفريد شوقي وأنور وجدي وشكري سرحان.

3- فيلم إسماعيل يس يقابل ريا وسكينة، بطولة إسماعيل يس ومعه أيضا نجمة إبراهيم وزوزو حمدي وعبد الفتاح القصري ورياض القصبجى.

4- مسلسل إذاعي عودة ريا وسكينة 1972 من تأليف عبد الرحمن فهمي عن قصة مقتبسة عن شخص محتال يقوم بأعمال السرقة على طريقة ريا وسكينة ثم تنتشر شائعة عن وجود عفريت ريا وسكينة وأنه ليس شخصاً عادياً، شارك بالتمثيل يوسف شعبان ومديحة حمدي وآخرون.

5- فيلم ريا وسكينة، إنتاج سنة 1983، بطولة شريهان ويونس شلبي وحسن عابدين.

6- مسرحية ريا وسكينة، بطولة سهير البابلي وشادية وعبد المنعم مدبولي وأحمد بدير.

7- مسرحية ريا وسكينة في مارينا: أنتجت عام 2004 من تأليف سمير الطائر وبطولة عبد المنعم مدبولي وماجد المهندس ورامي عصام و نهلة سلامة، وإخراج أحمد البدري.

8- مسلسل ريا وسكينة، إنتاج سنة 2005، بطولة عبلة كامل وسمية الخشاب وسامي العدل وأحمد ماهر وصلاح عبد الله ورياض الخولي، وهو العمل الوحيد الذي تناول القصة الأصلية الحقيقية للشخصيات والأحداث والوقائع استناداً لكتاب (رجال ريا وسكينة) للكاتب صلاح عيسى الذي صدر عام 2002.

9- فيلم الحرب العالمية الثالثة انتج عام 2014، ظهرت في الفيلم شخصيتي ريا وسكينة في الفيلم كشخصيات ثانوية.

10- برنامج تلفزيوني بعنوان: ريا وسكينة تقديم هالة فاخر وغادة عبد الرازق.

11- وأخيرا مسلسل وردة شامية عام 2017 مستوحى من قصتهما لكن بتغيير أسماء الشخصيات والمكان مستوحى من البيئة الشامية، وهو من بطولة شكران مرتجى وسلافة معمار.

إلا أنه فى مفاجأة أخيرة أعلنت قناة بى بى سى البريطانية أن ريا وسكينة لم تكونا قاتلتين للنساء كما ذكر التاريخ، وإنما كانتا مناضلتين وطنيتين قامت عصابتهما بخطف الجنود الإنجليز الذين يحتلون مصر وقتلهم ودفنهم بعيدا عن الأنظار. وقد روجت البى بى سى لهذه الحكاية معتمدة على السيناريست المصرى أحمد عاشور الذى ذكر أنه أعد فيلما يؤكد هذه الحقيقة وأن الإنجليز تولوا تشويه ريا وسكينة وعدم جعلهما أبطالا وطنيين فى نظر المصريين يؤلفون عنهم الأغانى والحكايات ويجرى التشبه بهما فى قتل جنود الاحتلال.

وذكر عاشور لـ"بي بي سي"، أن ما رواه أحفاد العرابي وعبدالرازق المتهمين في القضية، وحفيد البوزباشي المسؤول عن القضية، دليل على ذلك. حيث قال إن اليوزباشي حين قرر أن يعلن أن القضية ملفقة تم قتله، ليمسك اليوزباشي إبراهيم حمدي القضية لأنه كان متعاونا مع الإنجليز.وأضاف عاشور أنه لم ينكر وجود الجثث في حجرة ريا وسكينة، لكن لم يعرف مَن قتلهم ودفنهم، لأن البلاغ جاء بعد تركهم المنزل، مؤكدًا أن هذه القضية الملفقة هدفها هو صنع قضية رأي عام تلهي الناس عن الثورة والاحتلال الإنجليزي، وبسبب خطورة وجود سكينة مع الجهاز السري للثورة بقيادة عبدالرحمن باشا.

ولكن يبدو أننا على أعتاب عاصفة من الجدل واللغط والتي أثارها السيناريست أحمد عاشور مؤلف فيلم "براءة ريا وسكينة" والذي يصرح بأن عنوان الفيلم جواب للحقيقة الخاصة بهما، التي لم تظهر إلا عن طريقه على حد وصفه، حيث قال إن "ريا وسكينة" بطلتان ناضلتا ضد الاحتلال البريطاني، الذي كان يحكم مصر خلال فترة العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، وتم اتهامهما بقتل النساء ظلمًا، وأن القضية لو تم إعادتها سيتم اتخاذ حكم بالبراءة بسبب كمية التناقضات المكتوبة في الورق، وذلك حسبما ورد في وسائل الإعلام المختلفة.

العجيب في الأمر، أننا نجد أنه تم الموافقة على العمل السينمائي من قبل الرقابة، بحسب ما أكده عاشور، مشيرًا إلى أنه لم يتم حذف أية مشاهد من الفيلم، وفي ذلك السياق "البوابة نيوز" قامت بإلقاء الضوء على القضية ومدى صحة تصريحات السيناريست أحمد عاشور.

وأوضح الدسوقي، أن الملفات الخاصة بالقضية بما فيها من المستندات والدلائل بدار القضاء العالى ودار الوثائق القومية بمتحف القلعة، وهي تشير إلى حقيقة جرائم ريا وسكينة، لافتا إلى أن المشتغلين في مجال التاريخ حتى يتسنى لهم نفي حدث تاريخي أو تأكيده والبت فيه يعودون إلى الدلائل والمستندات وليس الكلام المسترسل، لافتا إلى أن ما يقال فضيحة لاسيما مع وجود المستندات الدالة على الإدانة.

وأكد الدسوقي، أن أي عمل فني من الممكن أن توافق الرقابة عليه إذا كانت هناك أدلة، وإذا لم يكن فمن الممكن اعتباره قصة غير حقيقية عمل فني "فنتازيا"، مشيرًا إلى أن من ضمن الإثباتات التي يتكلم عنها مؤيدو براءة ريا وسكينة، أن وكيل النيابة لقن "بديعة" أقوالها التي أدانت أمها وخالتها، وهو ما يعد أمرًا غير مهضوم منطقيًّا، متسائلًا: "هل ده تم ذكره في مستند وأثبته إزاى".

من جانبه يؤكد البعض أن ما يثار حول أن "ريا وسكينة" تم تشويه صورتهما، بينما هما من بريئتان من كل التهم التي وجهت ضدهما ووصلت لإعدامهما، بينما هما في الحقيقة بطلتان ناضلتا ضد الإنجليز أمر عاري عن الصحة والحقيقة، مشيرًا إلى أن تلك القضية تم غلق ملفها بالفعل من المحكمة منذ فترة طويلة من الزمن، ومن المعروف أن ريا وسكينة كانتا تتزعمان عصابة لقتل وسحل المواطنين والمواطنات داخل البدروم بعد أن يتم استدراجهم لهناك بواسطة باقي أفراد التنظيم العصابي.

ولفت البعض، إلى أن تلك القصة أثارت الجدل الواسع خلال الأربعينات، ولا يمكن تشويه القصة بهذه الصورة، ومن يقول غير ذلك عليه الذهاب أولا إلى مقر المحكمة بالإسكندرية ويسحب ورق القضية ويعيد التحقيق بها من جديد، مؤكدًا أنه ليس بالضرورة أن كل ما يعرض على شاشات السينمات أمر حقيقي، فالكثير من الأعمال السينمائية لا تمت بصلة للواقع بالفعل.

بيد أن التاريخ يومئذ لا يجد مبرر للتحريف فيه، والأحداث التاريخية، يكون لها مدلولات أخرى اقتصادية واجتماعية، فلا يجوز إزاحة السيئ لنضيف عمل يراه البعض جيد من وجهة نظرهم، لافتًا إلى أن التأويل بأن ريا وسكينة لم يكونا مجرمات بل كانتا مجاهدات ليس له أي شئ من الصحة، فهن أول سيدتين ينفذ فيهن حكم الإعدام، لما اقترفتاه من جرائم.

أشار إلى أن وراء تلك الأقاويل عمل فني أراد أحد كتاب السيناريو أن يعرضه بتلك الطريقة، والتي يمكن أن تكون رؤية فنية أو إبداعية مثل كثير من الأعمال التي تناولت قصة ريا وسكينة، لكن ذلك ليس له علاقة بالتاريخ، مؤكدًا أن وزارة الثقافة والكثير من الباحثين لديهم ملف التحقيقات في قضية «ريا وسكينة» والتي صفحاته تزيد عن 700 ورقة، ومعظم ما فيه تناوله، أيضًا، الكاتب الراحل صلاح عيسي في كتاب "رجال ريا وسكينة.. سيرة سياسية واجتماعية".

وأوضح أنه من آن لآخر يتم نشر أخبار تروج لهذه القصة، وكان لا بد أن نستشعر الخطر بعد أن تبنت الـBBC قصة ريا وسكية والتأكيد على أنهن بعيدتان عن الإجرام، بل كانتا تقتلان جنود الإنجليز، وهو ما يمكن أن يُسعد المصريين، لكن على الجانب الآخر لم يستشعر الكثير الخطر الذي وراء تلك القصة بعد أن قيل إن أكثر سيدتين إجرامًا في مصر قتلا وهم كانوا يقتلان الجنود الإنجليز المحتلين ليصبح المحتل في تلك الفترة ضحية من وجهة النظر البريطانية، رغم أن جنود الإنجليز كانوا يستغلون تلك الفترة في الاعتداء على النساء، وكانت تلك الأماكن مرتعًا لهم، وتداول تلك القصة هو إجراء لنفي هذه الصورة وتغيرها، وهو ما لم ينتبه إليه الكثير من المواطنين ممن فرحوا بتداول القصة المزيفة.

ولفت إلى أن ما يؤكد أن ريا وسكينة ورجالهم هم تشكيل عصابي لقتل السيدات وسرقة مصوغاتهن، وليس قتل الجنود الإنجليز، هو أنه لم يتم العثور على جثة رجل واحد وجميعهن سيدات، دفنوا جميعهن بطرق بدائية بداخل الأماكن التي كانوا يعيشون فيها، حيث احترفوا القتل ولجئوا إلى الاجرام بهدف السرقة.

وقد كشفت شركتا "روكيت ساينس" و"يلا يلا"، التابعة لشركة "فرونت رو" في منطقة الشرق الأوسط، عن جمع الكاتب والمخرج البريطاني تيري جورج، الحائز على جائزة الأوسكار، بالكاتبة والسيناريست مريم نعوم ليتشاركا معاً في كتابة سيناريو مسلسل " The Alexandria Killings "(جرائم الإسكندرية).

وهو العمل الذي تدور أحداثه في الإسكندرية عام 1920، عندما كانت مصر تحت الحكم البريطاني، وهو يروي القصة الحقيقية للأختين المصريتين ريا وسكينة همام، بدايةً من انحدار الشقيقتين من حي فقير بالإسكندرية، وخروجهما من براثن الفقر لتديرا بيتا للدعارة، مستهدفتين مجموعة قوية ونافذة من الضباط والمخبرين ورجال الدولة المصريين والبريطانيين، في ذروة نشاطه، حتى أصبح بيت الشقيقتين ريا وسكينة خلية من الأسرار والمعلومات الاستخباراتية المتبادلة، والمؤامرات الإجرامية المحاكة على أعلى المستويات في عالم الجريمة بالإسكندرية، والتي أسفرت عن مقتل 17 امرأة في سلسلة من جرائم اغتنام الفرص.

كما يكشف المسلسل كواليس سقوط الشقيقتين وتقديمهما للمحاكمة حتى أصبحتا أول امرأتين يُحكم عليهما بالإعدام، الأمر الذي تسبب في احتجاج اجتماعي واسع النطاق، وتفاوتت النظرة العامة للمرأتين من اعتبارهما عقلين مدبرين لجرائم نُفذت بدم بارد إلى وصفهما بالضحيتين، وسيشكل المسلسل الجزء الأول من سلسلة مختارات ترتكز على الجريمة الحقيقية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا،  كما سيجري تصوير المسلسل أساسا باللغة العربية، مع بعض الإنجليزية لتعكس الحكم البريطاني. تتناول أعمال تيري جورج السابقة الحكم الاستعماري بأشكاله المختلفة، فيما تملك المصرية مريم نعوم تميز الكثير من أعمالها بالطابع النسائي ونصيرة المرأة في الدراما المصرية.

وتشمل أعمال تيري جورج السابقة "هوتيل رواندا"، الذي ترشح لنيل جائزة الأوسكار، و"إن ذا نيم أوف ذا فاذر". أما فيلمَي "بين بحرين" و"واحد صفر" الذي حصد منذ عدة سنوات خمسين جائزة دولية وإقليمية لمريم نعوم، وحاز على استحسان النقاد في السينما والتلفزيون، وشكلت مساعي المؤلفة المصرية لتغيير الطريقة التي يُنظر بها إلى المرأة في وطنها مصر محفزا رئيسيا لها على مدار مسيرتها المهنية، إلى جانب العديد من حملات النشاط الاجتماعي التي أطلقتها، مما أكسبها تقدير هيئة الأمم المتحدة للمرأة في مصر في اليوم الدولي للمرأة عام 2016.

وقال تيري جورج: "أتطلع إلى التعاون مع فريق دولي بحق من المنتجين ورواة القصص الموهوبين للتحقيق في القصة الحقيقية المبهرة للشقيقتين ريا وسكينة."،وأضاف: "يسعدني بشكل خاص العمل مع الكاتبة المصرية المعروفة مريم نعوم لمعالجة موضوع ينطوي على جميع العناصر الآسرة لإحدى الجرائم الأسطورية، فيما يشمل أيضا قضايا عالمية منها التمييز على أساس الجنس والغيرة والجشع والحب المفقود. ستكون هذه رحلة شيّقة ومسلية ".

ومن جانبها، قالت السيناريست مريم نعوم: "أنا متحمسة للغاية لكوني جزءا من هذا المشروع، وأشعر بأنني محظوظة للعمل مع تيري جورج وفرونت رو، في هذه المرحلة من مسيرتي المهنية، أعتقد حقا أن دمج تجارب المخرجين القادمين من الشرق الأوسط والغرب أمر بالغ الأهمية لصناعة الأفلام، وسيسهم في تكييف القصة بالشكل الأمثل. وأنا متأكدة من أنني سأتعلم الكثير خلال هذه الرحلة."

ونختم حديثنا عن ريا وسيكنية فنقول بأنهما من أشهر الشخصيات في التاريخ المصري المعاصر الذي اختلفت الآراء حولهما، فمنهم من اعتبرهم سفاحين لم نسمع بأبشع من جرائمهم وآثامهم في بلدنا هذا، وأنهما روعا الإسكندرية ومصر كلها بجرائمهما التى استمرت على مدار عام كامل.ومنهم من اعتبرهما مناضلين لكونمها قتلوا عددا كبيرا من جنود الإنجليز.

ولكن ما أؤمن به هو أن "ريا وسكينة" كانت جرائمهما هي الأشهر فى العصر الاستعمارى البريطانى لمصر، وكانت بمثابة واحدة من أفظع الجرائم فى التاريخ، والتى سببت صدمة لمصر، وأنها ألهمت مجموعة من المنتجين والمخرجين والفنانين لتحويل قصتهما لأفلام سينمائية ومسرحيات ومسلسلات وكتب روائية، مشيرة إلى أن الشقيقتين بعصابتهما والتى قتلت ما يقرب من 20 امرأة، لا تزال تحتل شهرة عالية من بين القضايا المصرية المثيرة، لافتة إلى أن الإسكندرية التى وقعت بها جرائم العصابة الأشهر فى التاريخ كانت ذات بريق عالمى فى النصف الأول من القرن الـ20، حيث كانت مدينة النخب بالشرق الأوسط، ورمز الليبرالية والتعددية فى التاريخ الحديث لمصر، وتعتبر المدينة التى ولد فيها وعاش العديد من الكتاب والشعراء والأدباء العالميين فى ذلك الوقت.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

الهوامش

1-صلاح عيسي: حكايات من دفتر الوطن، رجال ريا وسكينة سيرة اجتماعية وسياسية، القاعرة، 2019.

2- زكريا إبراهيم: مشكلة الإنسان، مكتبة مصر بالفجالة، القاهرة، د. ت ص 94.

3-عمر طاهر: برما يقابل ريا وسكينة، القاهرة، 2012.

4-محمد عبد الوهاب: سرداب المومسات، القاهرة، 2019.

 

محمود محمد عليالشر ينشب أظافره الحادة في كل موجود، لمجرد أنه كائن متناه محدود، والإنسان وحده الذي يستشعر الشر بوصفه حدا من الحدود، تكون طبيعته مجبولة على هذا الشر، وهو ينتهز الفرص المواتية لبثه في محيط من حوله ويحاول قدر الإمكان إحاطة نفسه بسياج من السرية والحيطة والحذر لئلا يعرف أحد عنه أي شيء، إن الشجرة الوحيدة المنعزلة لا تشعر بالشقاء، والمنزل المتهدم المتداعي لا يعرف معنى التعاسة، أما الإنسان فهو – كما قال بسكال- موجود شقي يعرف أنه شقي! ولا ينحصر شقاؤنا في شعورنا بالنقص والحرمان والألم والملل والمرض والشيخوخة، وشتى مظاهر الفناء، بل إن هذا الشقاء ليرتبط ارتباطا وثيقا بشعورنا الأخلاقي نفسه، والواقع أنه مهما كان نقاء إرادتنا، فإنه لا بد من أن تجول بخاطرنا في بعض الأحيان نزعات شريرة نجزع لما فيها من خبث أسود مخيف؛ وذلك حسب ما قاله أستاذنا الدكتور زكريا إبراهيم.

هكذا كان الشر متأصلا في نفوس (عصابة ريا وسكينة) التي تسببت بحالة من الرعب والجدل على مدى العقود الماضية، فهم أبشع تنظيم عصابي على مدى القرن الماضي متخصص في قتل السيدات وإخفائهن.. هؤلاء الطغمة الشريرة التي جاءت من صعيد مصر الجواني، إلى هذا المكان وهم يحملون شحنة كبيرة من الشر بدأوا في نشر آثاره على سكان المدينة من النساء طمعا في الذهب والمال والثروة غير عابئين بأي قيم أو دين أو رحمة أو أي شيء من هذا القبيل. وجراء انتشار هذه الحوادث المتكررة في المدينة انتشر الخوف والرعب والهلع في عائلات وأسر الإسكندرية من العصابة التي تختطف النساء والفتيات. وقد بدأت البلاغات تنهال على مسئولي الشرطة وحكمداريتها في الإسكندرية، حتى سقطت هذه العصابة النسائية التي روعّت النساء والأسر في الإسكندرية في ذلك الوقت.

وفى علم 1921 وصف الكاتب الكبير " عباس محمود العقاد " الشقيقتين " ريا " و " سكينة " بأنهما من أصحاب النفوس الميتة .. ومنذ ذلك الحين دخلت الاثنتان التاريخ باعتبارهما رمزا للشر المجرد ولم يعنِ أحد من المؤرخين بتقصى حقيقة ما نسب إليهما من جرائم أو بالبحث عن الدوافع التى قادتهما لارتكابها . وهذا الكتاب هو محاولة لرواية السيرة الحقيقية لـ " ريا " و " سكينة" ولكل من أحاط بهما من رجال ونساء وظروف سياسية واقتصادية عامة وهو يستند الى وثائق التاريخ وليس إلى مرويات الخيال الشعبى الذى أسقط عليهما كل كراهيتة وازدرائه لمن يخون علاقة العيش والملح التى يقدسها المصريون.

ولدت ريّا في قرية الكلح التابعة لمركز إدفو بمحافظة أسوان في أقصى صعيد مصر في عام 1875 على وجه التقريب، بينما ولدت سكينة في كفر الزيات في عام 1885 تقريبًا. توفي والدهما في سن صغيرة، ثم انتقلت الأسرة إلى بني سويف ثم إلى كفر الزيات حيث كانت تعملان الشقيقتان في جمع القطن، تزوجت “ريا” من حسب الله سعيد مرعي وأنجبت منه طفلة تُدعى “بديعة” وطفل آخر توفي بعد ولادته بفترة وجيزة، ثم انتقلت سكينة مع زوجها الجديد إلى الإسكندرية لتقيم في حي اللبان نحو عام 1913 ؛ حيث دارت أحداث قصتهم، فهناك من اعتبرهما سفاحتين كانتا تستدرجان النساء لقتلهن وسرقة ذهبهن، وهناك من عدّهما بطلتين قتلتا عدداً كبيراً من الجنود الإنكليز، غير أن هذه الرواية حديثة بعض الشيء، ولم ترد أدلّة كثيرة بشأنها. لكن أفضل الأدلّة يمكن أخذها من سكان المنطقة التي عاشتا فيها ريا وسكينة ومن الأقاويل التي نقلها الناس لفترة طويلة.

بدأت القصة عام 1920 في حيّ اللبان وهو أحد أفقر الأحياء في الإسكندرية، وبينما كانت الإسكندرية مشغولة بالانتفاضات الشعبية الكبيرة التي قامت ضد القوات البريطانية المحتلة، ما أتاح لعصابة ريا وسكينة العمل من دون عقاب حيث قامتا بمساعدة زوجيهما ومساعدين آخرين، باختطاف وقتل 17 إمرأة ودفنهن في منزلهما.

تزوّجت ريا من شخص يُدعى حسب الله سعيد مرعي، بينما عملت شقيقتها سكينة في بيت دعارة حتى وقعت في حب أحدهم. عندها بدأ الأربعة بمساعدة إثنين آخرين يدعيان عرابي حسان وعبد الرازق يوسف باستدراج النساء من الأماكن التي تشهد إقبالاً كثيراً مثل سوق" زنقة الستات" الواقع بالقرب من ميدان المنشية، والذي يعدّ مسرحاً شهد عدداً من جرائم هذه العصابة.

كانت الصدفة وحدها هي التي أوقعت الشقيقتين في يد العدالة، فسكينة كانت تستأجر غرفة من الباطن، أي أنها كانت مستأجرة لدى أحد الأشخاص الذي كان هو أيضًا بدوره مستأجرًا من صاحب العقار الأصلي، ويبدو أن العلاقة بين المستأجر والمؤجر لم تكن على ما يرام، فوصلت خلافاتهما إلى أقسام الشرطة والمحاكم، وحين أمرت المحكمة بإخلاء المنزل لصالح مالك العقار الأصلي، اضطرت سكينة أيضًا إلى إخلاء غرفتها، وقد حاولت بكل وسيلة وحيلة إقناع صاحب الدار بأن يؤجر لها الغرفة مرة أخرى، لكنه رفض ذلك بشكل قاطع، بسبب سيرتها المشينة وتصرفاتها التي طالما أزعجت الجيران، حيث كانت سكينة تستأجر عددا من البيوت والغرف لإقامة حفلات السكر والعربدة، مستعينة بعدد من بائعات الهوى والنساء سيئات الصيت، وهو ما ورد في حيثيات الحكم الصادر بحق الشقيقتين من محكمة جنايات الإسكندرية ما يؤكد طبيعة عملهن.

"هذه المحال جميعها أعدت للدعارة سرًا، وكانت البغايا من النساء تترددن إليها تارة من تلقاء أنفسهن، أو بطلب من ريا وسكينة، لتعاطى المسكرات وارتكاب الفحشاء فيها، وكانت إدارة المحال المذكورة مشتركة بين ريا وسكينة وأرباحها تقسم بينهما".

ومع الظروف الاقتصادية الطاحنة التي واجهت المنطقة أثناء الحرب العالمية الأولى وانتشار البطالة والفقر اتجهت الأسرة للأعمال غير المشروعة والدعارة السرية،ثم بدأوا التفكير في سرقة المصوغات الذهبية السيدات ثم دفنهن بشكل خفي ولا يترك أي أثر.

وكان نشاط العصابة قد بدأ عندما كانت الشقيقتان تقومان في البداية بإغراء وخدع الضحية بالكلام المعسول حتى تنالا ثقتها ثم تسقيانها خمر قوية المفعول تؤدي بها إلى السُكر والثمالة فتفقد القدرة على التركيز والقوة على المقاومة، ومن ثم يتخذ كل فرد من أفراد العصابة دورًا في عملية قتل الضحية عن طريق كتم أنفاسها، وكان المتهم محمد عبد العال أول من أضاف إلى التحقيق أول تفاصيل عن كيفية قتل ودفن الضحايا، لينفي بذلك كل ما أشيع عن أن العصابة كانت تخنق النساء، حيث تطابقت أقواله مع تقارير الأطباء الشرعيين الذين جزموا بأن القتل كان يتم بواسطة كتم النفس وليس بأي طريقة أخرى، وعن توزيع الأدوار فيما بينهم أثناء عملية القتل، قال محمد عبد العال أن دوره في معظم العمليات كان شل قدمي الضحية، بينما يتولى آخر شل ذراعيها، ويقوم الثالث بتثبيت رأسها ليتمكن الأخير من كتم أنفاسها بمنديل مبلل بالماء حتى تلفظ أخر أنفاسها، وما أن تفارق الضحية الحياة حتى يجردونها من حليها ومصوغاتها الذهبية وملابسها ثم يقومون بدفنها في نفس المكان الذي قتلت فيه، وكانت الشقيقتان تبيعان الذهب المسروق إلى أحد الصاغة في السوق ثم تقتسمان ثمنه مع بقية أفراد العصابة.

بدأت الشرطة في القيام بالتحريات نظراً لوجود بلاغات عن اختفاء سيدات في الإسكندرية، البداية كانت في منتصف يناير 1920 حين تقدمت السيدة “زينب حسن” البالغة من العمر 40 عاما ببلاغ إلى حكمدار بوليس الإسكندرية عن اختفاء ابنتها “نظلة أبو الليل” البالغة من العمر 25 عاماً منذ عشرة أيام. وقد قالت أنها تتزين بحلى ذهبية في يدها؛ وانتهى بلاغ الأم بأنها تخشى أن تكون ابنتها قد قتلت بفعل فاعل لسرقة الذهب الذي تتحلى به.

لم يتم التوصل لهن بسبب الكثير من الصعوبات والمعوقات، كانت أبرز الأسباب التي طرحها بعض المؤرخين والكتاب إلى: انتشار ظاهرة هروب السيدات من عائلاتهن في ذلك الوقت بسبب الفقر أو العشق وهو ما يبرر أن احتمال اختفاء الشخص لتلك الأسباب واستبعاد فكرة القتل أو الخطف، وأن أن زي السيدات المنتشر وقتها هو الجلباب الأسود وغطاء الوجه وبالتالي لا يستطيع أحد التعرف على هوية أي سيدة أو التمييز بينهن، وعدم وجود أي أوراق هوية وقتها، وهو ما يصعب من مسألة العثور على الأشخاص المختفين، وأن الشقيقتين كن يستدرجن السيدات التي لها صلة مسبقة بهن أو يستطعن كسب ثقتهن، ولذلك كانت الضحية تدخل المنزل بإرادتها بدون إبداء أي ضجيج أو شكوك، وأن الشرطة لم تشك مطلقاً في كون المجرمين من السيدات، ولذلك تركزت التحريات عن المشتبه فيهم من الرجال ولم يفكر أحد أو يشك مطلقاً في كونها عصابة نسائية، كذلك كان أعضاء العصابة من الرجال لم يشاركوا في عمليات الاستدراج والتي كانت بالأحرى من تخصص ريا وسكينة فقط.      كانت هناك مشكلة تمثلت في : هل سيرضى القضاء بإعدام سيدتين لأول مرة نظراً لكونه غريباً عن المجتمع المصري وقتها، إلا أن النيابة استطاعت في مرافعتها إقناع المحكمة، حيث كانت القضايا السابقة الخاصة بجرائم ترتكبها نساء دائماً ما يكون فيها مبرر أو دافعًا لإرتكاب الجريمة مثل الأخذ بالثأر أو الغيرة أو غسل العار أو الانتقام أو حتى السرقة ولذلك كان يتم الرأفة بهن، إلا أن قضية ريا وسكينة تكاد تخلو من أي مبرر للرأفة، فهذه المرة كانت الجريمة أشد قسوة واتسمت بغلظة القلب حيث يرتكبون جرائمهم في نفس مكان مبيتهم ويأكلون ويشربون وينامون فوق مكان دفن الضحايا دون إهتمام، كذلك اعتمدوا على قتل النساء وسرقتهن كمصدر للمال بلا رحمة ولا شفقة، وأيد طلب النيابة أحد المحامين عن المدعين بالحق المدني بشأن إعدام ريا وسكينة، وقال بإن عدم صدور أحكام بالإعدام ضد النساء فيما عدا حكما واحدا صدر في بداية إنشاء المحاكم الأهلية عام 1883 أدى إلى تشجيع النساء على ارتكاب جرائم القتل.

لم تكد شمس يوم الأربعاء الموافق 21 ديسمبر 1921 تشرق حتى بدأ أعضاء هيئة تنفيذ حكم الإعدام يتوافدون على سجن الحضرة بمدينة الإسكندرية، وكان تشكيل الهيئة استثنائيًا، فلم يقتصر على سلطات السجن المحلية، بل ضم محمد حداية باشا محافظ الإسكندرية في ذلك الوقت، ومدير أمن الإسكندرية. وفي الساعة السابعة والنصف صباحًا اصطفت هيئة التنفيذ أمام غرفة الإعدام، وجاء حراس السجن بـ ريّا، وكتب مندوب صحيفة الأهرام فيما بعد إنها كانت ترتدي ملابس الإعدام الحمراء وعلى رأسها طاقية بيضاء، تسير بأقدام ثابتة، إلا أنها كانت ممتقعة اللون، خائرة القوى، وقد استمعت بصمت إلى حكم الإعدام الذي تلاه عليها مأمور السجن، ثم أُدخلت إلى غرفة الإعدام. وطبقًا للبيانات التي وردت في أورنيك السجون رقم 169، الذي يتضمن تقرير الطبيب عن المسجونين المنفذ عليهم حكم الإعدام شنقًا، كان وزنها عند دخول السجن 42 كيلو جرامًا، ارتفع عند تنفيذ الحكم إلى إلى خمسين كيلو جرامًا ونصف. استمر نبضها لمدة دقيقتين بعد الإعدام وظلت مُعلقة لمدة نصف ساعة.

وبعد الساعة الثامنة بقليل، اقتيدت سكينة إلى غرفة تنفيذ الإعدام وكتب مندوب صحيفة الأهرام أنها أكثرت من الحركة والكلام بينما كان مأمور السجن يقرأ عليها نص الحكم، وكانت تتمتم بعبارات تعلق بها على ما تسمعه، وأضاف أنها كانت عند التنفيذ جريئة ورابطة الجأش. وأفاد تقرير الدكتور عبد الله عزت طبيب السجن في الأورنيك رقم 169 أن سكينة علي همام دخلت السجن ووزنها 47 كيلو جرامًا وارتفع إلى 53 كيلو جرامًا قبل تنفيذ حكم الإعدام. استمر نبضها 4 دقائق وظلت مُعلقة لمدة نصف ساعة.

وفي حوالي الساعة التاسعة، جاءوا بـ حسب الله سعيد، وكان رابط الجأش هو الآخر وعلق على منطوق حكم الإعدام بألفاظ بذيئة. وذكر في الأورنيك رقم 169 أنه كان وزنه 70 كيلو جرامًا عندما دخل السجن، ارتفع إلى 72 كيلو جرامًا قبل تنفيذ حكم الإعدام عليه. استمر نبضه لمدة ثلاثة دقائق وظل مُعلقًا لمدة نصف ساعة.

وفي اليوم التالي، الخميس الموافق 22 ديسمبر 1921، نُفذ حكم الإعدام فيمن تبقى من “رجال ريا وسكينة”. وكان أول الذين أعدموا في ذلك اليوم هو عبد الرازق يوسف، الذي قاوم الحراس أثناء اقتيادهم له إلى ساحة التنفيذ ثم إلى غرفة الإعدام، مما اضطرهم إلى سحبه بالقوة على الأرض، ثم تكبيل يديه بالحديد خلف ظهره، وظل أثناء تلاوة الحكم يتأوه ويصرخ مُدعيًا أنه بريء. وقال التقرير الطبي أنه كان يزن 78 كيلو جرامًا عند دخوله السجن، وارتفع وزنه إلى 81 كيلو جرامًا قبل تنفيذ حكم الإعدام عليه، وكان باهت اللون وخائر القوى عند التنفيذ. استمر نبضه لمدة ثلاثة دقائق وظل مُعلقًا لمدة نصف ساعة.

وفي الساعة الثامنة صباحًا، جاءوا بـ محمد عبد العال وكان، طبقًا لما ذكره مندوب صحيفة الأهرام، جريئًا جدًا، رابط الجأش وبحالته الطبيعية. وقال التقرير الطبي أنه كان يزن 67 كيلو جرامًا عند دخوله السجن، وارتفع وزنه إلى 74 كيلو جرامًا قبل تنفيذ حكم الإعدام. استمر نبضه لمدة خمس دقائق وظل مُعلقًا لمدة نصف ساعة، وفي الساعة التاسعة جاءوا بالأخير، عرابي حسان، الذي ظل يصرخ هو الآخر ويقول بأنه مظلوم، وكان خائر القوى وباهت اللون وقت تنفيذ حكم الإعدام. استمر نبضه لمدة دقيقتين وظل مُعلقًا لمدة نصف ساعة.. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...............................

الهوامش

1-صلاح عيسي: حكايات من دفتر الوطن ، رجال ريا وسكينة سيرة اجتماعية وسياسية ، القاعرة ، 2019.

2- زكريا إبراهيم : مشكلة الإنسان ، مكتبة مصر بالفجالة، القاهرة، د . ت ص 94.

3-عمر طاهر : برما يقابل ريا وسكينة ، القاهرة ، 2012.

4-محمد عبد الوهاب : سرداب المومسات ، القاهرة ، 2019.

 

علي المؤمنظلت الخطابة الدينية الإسلامية الشيعية، طيلة منات السنين، أحد الخنادق الأمامية للدعوة الإسلامية، حيث تدافع عن معتقدات الدين والمذهب وأفكارههما ووجودهما، وتحافظ على ترابط نسيج الاجتماع الديني الشيعي وتضامن أبنائه وتكافلهم ووحدتهم، كما توصل صوتها إلى الآخر، الديني والمذهي والفكري والاجتماعي.

وأهمية هذه الخطابة، وخاصة المتعلقة بالمنبر الحسيني؛ تنبع من تعدد أدواره وتكاملها؛ فإذا كان في ظاهره مساحة للتعبير عن العواطف والمشاعر تجاه مأساة كربلاء التي أعقبت إعلان الإمام الحسين (ع) حركته التغييرية الإصلاحية الكبري؛ إلّا أن أهداف هذا المنبر اتسعت وتطورت بمرور الزمن، لتلتحم بأهداف الدعوة والعمل الإسلامي، وليتحول المنبر إلى أحد أهم وسائل الدعوة وأكثرها انتشاراً وتأثيراً.

وككل خنادق الإسلام ظل العنصر الإنساني هو العامل الأساسي في عملية التطوير والتجديد، فكان عمل الدعاة من خطباء المنبر الحسيني ينتقل بين التقليد والإبداع تبعاً للمستوي العلمي والوعي الاجتماعي والمعرفة بمتطلبات الزمان والمكان. وبرزت في هذا المجال أسماء لامعة جمعت في شخصيتها العلم والتفقه (مستوى الاجتهاد) إلى جانب الدراسة الاكاديمية والوعي بحاجات الأمة السياسية والاجتماعية والمعيشية، وإتقان أساليب الخطابة والدعوة وتقنياتها. وقد تميزت حاضرة النجف الأشرف بوجود هذه النوعية من الخطباء كما بقيت متميزة بحوزاتها العلمية ومنتدياتها الأدبية.

والعلّامة الداعية الأبرز الذي شغل منبره الساحة الاسلامية والفكرية والأدبية في البلدان العربية والإسلامية خلال نصف قرن من الزمن، هو الشيخ الدكتور احمد الوائلي (1927-2003)، والذي مثلت خطابته منعطفاً تاريخياً في مسيرة المنبر الحسيني، بل وفي مسيرة الدعوة الإسلامية بالكلمة؛ إذ نقل المنبر الحسيني شكلاً ومضموناً من واقع إلى واقع، وبالتالي؛ فمن غير الصحيح القول إنه جدد المنبر والخطابة، أو إنه طورها؛ بل أن الشيخ الوائلي أسس لمنهج مختلف في الخطابة الدينية والمنبر الإسلامي. ومن غير الصحيح أيضاً القول إن الوائلي هو مدرسة في الخطابة الحسينية؛ لأنه ربما الوحيد الذي يمكن وصفه بالمدرسة، برغم بروز عدد من الخطباء الدينيين المجددين والمبدعين في القرن الميلادي الماضي.

ويعود سبب الفرادة والتميز في خطابة الدكتور الشيخ احمد الوائلي إلى جملة من العناصر المكمل بعضها بعضاً، والتي أعطت للشيخ الراحل صفة المؤسس والعميد:

1 - دراسته المعمقة للعلوم الاسلامية الشرعية، إذ درس في الحوزة العلمية في النجف الأشرف على كبار علماء الدين وبلغ مستويات متقدمة. وهذا العمق العلمي هو عنصر مهم؛ بل شرط في خطيب المنبر والداعية. وهذه العلوم تشتمل على علوم القرآن والحديث والكلام والفقه وأصول الفقه، فضلاً عن العلوم الأساسية كالعربية، والعلوم التكميلية كالفلسفة الاسلامية والتاريخ وغير ذلك، وبالتالي كان الشيخ الوائلي صاحب رأي فقهي وعلمي.

2- دراسته الأكاديمية، إذ درس في كلية الفقه في النجف الأشرف، ثم حصل على الماجستير من بغداد، والدكتوراه في الشريعة من القاهرة. وهذا العنصر له علاقة بنوعية المنهجية والموضوعية وحجم الآفاق التي تميزت بها خطابة الشيخ الوائلي.

3- اطلاعه الواسع على العلوم العصرية والفكر المعاصر؛ فقد كانت قراءات الشيخ الراحل تتسع لمختلف العلوم والمعارف كالفيزياء والطب والفلك والرياضيات وغيرها، فضلاً عن متابعته لأخر مستجدات الفكر الغربي والفلسفة الغربية والأديان والمذاهب. هذ الأمر جعل الخطابة الدينية الدعوية للشيخ الوائلي شاملة في رؤيتها وموضوعاتها وعميقة في طرحها وعملية في شواهدها، إذ كان يضمن آراءه الفقهية والكلامية والتاريخية شواهد حسية من العلوم العصرية، ويستثمر بعض المناهج والآليات الجديدة في الاستدلال.

4- المناهج والأساليب الجديدة في طرح موضوع الخطبة وتقسيمها ومعالجة الموضوع والشواهد والاستدلالات التي تدخل في إطار المعالجة، فضلاً عن أسلوب المخاطبة وتوجيه المخاطب ولفت نظره واستدراجه، وهي بمجملها تقنيات حديثة جداً شدّت الجمهور إلى خطب الشيخ الوائلي، ولم يسبق لخطيب وداعية أن استخدم هذه الأساليب.

5- الشاعرية التي كان يتمتع بها؛ فقد كان شاعراً وأديباً بارعاً، لكلماته سحر خاصّ، تؤثر في العالم والجاهل. شاعريته وأدبه جعلاه ينتقي الكلمات والجمل البليغة في معناها والبسيطة في تركيبها، كما كان يضمّن خطبه شعراً ونثراً. ويضاف إلى ذلك مخزونة اللغوي الهائل وبيانه الفريد وقدرته النادرة على الإقناع.

6- صوته المتميز في ايقاعه ونغمه وتلون طبقاته، وهو أمر يضيف إلى سحر بلاغته وبيانه سحراً آخر. ولا يتوقف الشيخ الوائلي في توظيف صوته للمقاطع الشعرية التي تلقي بطريقة الترجيع (النعي)، وإنما يوظفها في كل اقسام الخطبة.

7- شخصيته الاجتماعية الإسلامية الحركية المتميزة؛ فقد كان الشيخ الوائلي يعيش في وسط المجتمع يتحسس آلامه وآماله، ولا يتردد في دعم الأفراد والجماعات، ومساعدتهم وحل مشكلاتهم. وهذه الشخصية الاجتماعية العامة كان لها حضورها النوعي أيضاً في الأوساط الإسلامية الخاصة والعامة، كمراجع الدين والحركات الإسلامية والمؤسسات العلمية والثافية والاجتماعية، وحظيت بفائق احترامهم. وما يميزه في هذا المجال أيضاً أنه كان بعيداً في الظاهر عن كل ألوان الخلاف بين المرجعيات والحركات والمؤسسات، ليس بعداً بالمعني السلبي، بل بمعنى أن لا يكون في الظاهر طرفاً فيها؛ الأمر الذي أضاف لشخصيته بعدا آخر يسمح له بالتدخل الإيجابي.

هذه العناصر التي جعلت من الدكتور الشيخ احمد الوائلي عالماً ومفكراً وخطيباً وداعية، حوّلت منبره الديني إلى منبر وعي وإرشاد ودعوة وتعليم وتثقيف على مختلف المستويات؛ فالخطابة الدينية لديه عملت على نشر الوعي الفقهي والعقائدي والتاريخي والاجتماعي والسياسي في اوساط الأمة. ولعل الخطباء الواعين الذين عاصروه وجاؤوا من بعده؛ قد تتلمذوا على منبره، وإن لم يكن تتلمذاً مباشراً. إذ حاول هؤلاء الخطباء تبني العناصر التي ميزت المدرسة الوائلية في الدعوة الإسلامية بالكلمة، وبالتالي المحافظة على المستوي الذي أوصل إليه الوائلي الخطابة الدينية.

 

د. علي المؤمن

 

منى زيتونفي رمضان سنة 358 هـ، دخل جوهر الصقلي ‏قائد المعز لدين الله العبيدي الفاطمي مصر وملكها، وخُطب للمعز الفاطمي على المنابر، كما استقرت يد الفاطميين على دمشق في سنة 360هـ، وتمكنوا من أغلب مدن الشام، وانتقل الخليفة المعز الفاطمي للقاهرة سنة 362هـ، وكذا خُطب للفاطميين بمكة والمدينة بدءًا من موسم حج سنة 363هـ، ‏واستمرت الخطبة لهم في الحرمين قرنين من الزمان بدلًا من خلفاء بني العباس.‏

وقبل انتهاء دولة الفاطميين الإسماعيلية بعقدين من الزمان يحكي لنا المؤرخون الثقات أن رأس الإمام الحسين بن علي شهيد كربلاء قد نُقلت من عسقلان إلى القاهرة، لما استولى الفرنج على عسقلان سنة 548هـ

ولما كنا نعرف أن رأس الحسين كانت أولًا بكربلاء حيث قُتل، ثم جزها اللعين ابن زياد وحملها معه إلى اللعين يزيد في دمشق، وبعد أن اكتشف سنة 1260هـ في عهد السلطان العثماني عبد المجيد خان موضع الطاق الذي دفنه فيه الأميون في باب الفراديس بدمشق وعليه نقش على الحجر يوضح أنه مشهد رأس الإمام الحسين، فتأكد أنهم دفنوه بدمشق، فلم يعيدوه إلى كربلاء أو يرسلوه ليُدفن في المدينة كما ادعى بعضهم، ثم إن هذا المشهد بباب الفراديس بدمشق كان فارغًا! فيبقى السؤال الحائر: كيف جاءتنا الرأس من عسقلان وليس من دمشق؟ وكيف ولماذا انتقلت أولًا من دمشق إلى عسقلان؟

وهذا هو السؤال الذي أحاول الإجابة عنه في هذا المقال، وأزعم أنه لم يلق عناية من أحد، فالجهود التي انتصفت لوجود رأس الحسين بالقاهرة تركزت في تعداد شهادات الأئمة والرحالة في كتبهم والأئمة والأثريين المحدثين بأن رأس الحسين في مشهده بالقاهرة، وفندت الدعاوى بوجود الرأس في مدافن أو مشاهد أخرى، من خلال ما وُثق في الكتب ومن خلال مناقشات منطقية، ولا أحسب أن لدي ما أضيفه على قولهم، ومن ثم فهدف المقال هو توضيح الظروف التي نُقلت فيها الرأس الشريف من دمشق إلى عسقلان، ومن الذي تشير إليه الأدلة أنه تولى نقلها؟

الشدة العظمى

يذكر المقريزي في "الخطط" (ج1، ص335) حدوث ارتفاع السعر في مصر سنة 446هـ، ‏‏وذكر تحديدًا أن هذه السنة هي بداية سنوات الشدة العظمى، ولم تكن هذه الشدة مخصوصة بديار مصر، بل كانت بلاءً ووباءً عظيمًا بدأ سنة ‏‏446هـ، واستمرت زهاء ثمانية أعوام حتى سنة 454هـ، ونكبت بلاد الإسلام من ‏سمرقند إلى ‏مصر. والحوادث المختارة التي دونها المؤرخون عن تلك السنوات تؤكد عمومها، فغلت الأسعار، وأكل الناس الميتة، وعجزوا عن دفن الموتى فكانوا يجعلون الجماعة في الحفرة الواحدة، وربما عجزوا عن تغسيلهم في بعض الأوقات! واستمر تواتر الأخبار عن الغلاء في تلك السنوات الثمانية إلى أن حلت سنة 454هـ والتي ذكر فيها ابن الأثير في "الكامل في التاريخ" (ج8، ص 359) أن الرخص قد عم فيها كل الأصقاع، فبيع بالبصرة ألف رطل من التمر بثمانية قراريط.

ولنعد إلى بداية سنين الشدة، فنجد ابن الأثير يذكر في حوادث سنة 447هـ (ج8، ص 325) أن الغلاء زاد بمكة حتى بلغ الخبز عشرة أرطال بدينار مغربي ثم تعذر وجوده، فأشرف الناس والحجاج على الهلاك، وأن سبب هذا الغلاء عدم زيادة النيل بمصر، فلم يُحمل منها الطعام إلى مكة، كما كانت عادة الفاطميين.

وبسبب ذلك القحط –ووفقًا لما أورد المقريزي في "خططه"- ‏طلب المستنصر بالله الفاطمي إلى إمبراطور الروم –قسطنطين- ‏إمداده بالغلال، فوافق، وجهّز 400 ألف أردب لحملها إلى مصر، لكنه مات، فكتبت الإمبراطورة ثيودورا إلى المستنصر تسأله أن يكون عونًا لها، ويمدها بعساكر ‏مصر إذا ثار عليها أحد، فرفض، فمنعت حمل الغلال إلى مصر، ودخلوا حربًا، ثم إنه بعد ‏هزيمة الفاطميين من الروم سنة 447هـ، ذكر المقريزي ‏(ج1، ص335) ‏"بعث المستنصر بالله الفاطمي أبا عبد الله القضاعي ‏‏–القاضي الشافعي- برسالة إلى القسطنطينية، فوافى إليها رسول طغرلبك السلجوقي من العراق، بكتابة ‏يأمر متملك الروم بأن يُمكِّن الرسول من الصلاة في جامع القسطنطينية، فأذن له في ذلك، ‏فدخل إليه وصلّى فيه صلاة الجمعة، وخطب للخليفة القائم بأمر الله العباسي، فبعث القاضي ‏القضاعي إلى المستنصر يخبره بذلك، فأرسل إلى كنيسة قيامة بيت المقدس، وقبض على ‏جميع ما فيها، وكان شيئًا كثيرًا من أموال النصارى"أهـ. ومعلوم معنى إقامة الخطبة في تلك ‏العصور، وكانت الخطبة قد أُقيمت للظاهر بالله والمستنصر بالله الفاطميين في جامع ‏القسطنطينية قبل القائم العباسي بعقود.‏

ولا يعنينا هنا موقف الإمبراطورة فقد اختارت الجانب الذي رأت معه مصلحتها، ولكن هذه الشدة ثم هذا الحدث كانا بداية النزاعات المعلنة بين العباسيين وأعوانهم السلاجقة وبين الفاطميين، والتي مهدت لنقل رأس الحسين من دمشق إلى عسقلان.

وكان نفوذ الفاطميين يتزايد بالعراق قبلها بعقود لكن دون نزاعات حقيقية، وكل ما فعله الخليفة العباسي القائم بالله وقبله أبوه الخليفة القادر بالله هو الطعن في نسب الفاطميين، وإشهاد العلماء والأشراف على ذلك.

فتنة البساسيري في بغداد

كان القرن الرابع الهجري قرن الشيعة. بالرغم من ذلك فقد تصارع أمراء الدول الشيعية (البويهيين- الحمدانيين- القرامطة- ‏الفاطميين) فيما بينهم، ولم يرحب الملوك البويهيون بفكرة تسليم الخلافة للفاطميين عندما ‏ملكوا أمر بغداد، وتحكموا في الخلفاء العباسيين، حتى خلعوهم، لكن عوام الشيعة بالعراق لم يكن ‏حالهم حال كبار أمرائهم، فكانوا دائمًا على استعداد للترحيب بالحكم الفاطمي.

ثم تغيرت قواعد اللعبة عندما دخل السلاجقة السُنة بغداد سنة 447هـ فغير بعض الأمراء الشيعة بالعراق ولاءهم وخلعوا طاعة الخليفة العباسي. وكانت أهم فتنة ساهم فيها ‏الشيعة بالعراق هي فتنة البساسيري، سنة 450هـ، بعد ثلاث سنوات من دخول السلاجقة ‏بغداد، وانتهاء عهد البويهيين، وتوفي الملك الرحيم آخر ملوك بني بويه بقلعة الري التي كان قد سجنه فيها السلطان السلجوقي في تلك السنة التي نشبت فيها الفتنة.

والبساسيري هو قائد تركي، كان من مماليك بهاء الدولة ‏البويهي، ثم كان مقدمًا عند الخليفة العباسي القائم بأمر الله لا يقطع أمرًا دونه، ثم خرج على ‏الخليفة ودعا إلى خلافة الفاطميين.‏

وكان ابتداء الوحشة بين البساسيري والخليفة العباسي مع بدء سنوات الشدة العظمى سنة 446هـ، ثم تأكدت الوحشة بين البساسيري وبين الوزير رئيس الرؤساء ببغداد سنة 447هـ، وفقًا لما ذكر ابن الأثير في "الكامل في التاريخ" (ج8، ص 317، ص 321). وفي سنة 447هـ، ومع وصول السلطان السلجوقي طغرلبك إلى بغداد والخطبة له بها مع الخليفة العباسي، تأكد خلع البساسيري لطاعة الخليفة العباسي ومكاتبته للخليفة الفاطمي (ج8، ص 322).

ثم ذكر ابن الأثير في حوادث سنة 448هـ أن علاء الدين أبو الغنائم بن المحلبات خطب للخليفة المستنصر الفاطمي في واسط (ص 331)، وذكر (ص 332) أن جماعة كبيرة من أرباب الدولة العباسية خطبوا للخليفة الفاطمي المستنصر بالله في الموصل، وكانوا قد كاتبوه بطاعتهم فأرسل إليهم الخُلع من مصر للبساسيري ولنور الدولة دبيس بن مزيد ولجابر بن ناشب ولمقبل بن بدران أخي قريش بن بدران ولأبي الفتح بن ورام ونصير بن عمر وأبي الحسن بن عبد الرحيم ومحمد بن حماد، وانضاف إليهم قريش بن بدران. ولكن في وقت لاحق من العام نفسه –كما ورد في (ص 334)- عاد نور الدولة دبيس بن مزيد وقريش بن بدران إلى طاعة السلطان طغرلبك السلجوقي حليف الخليفة العباسي، وأعلنا تخليهما عن البساسيري.

وكانت الخيانات متبادلة، فعلى الجانب الآخر روى ابن الأثير (ص 338) أنه في ذي الحجة من السنة التالية -449هـ- قبض بمصر على الوزير اليازوري وزير المستنصر بالله الفاطمي، وصودرت منه أموال عظيمة؛ بسبب ما وجدت له من مكاتبات إلى بغداد.

ولكن الفتنة احتدمت بالعراق وبلغت أوجها في ذي القعدة من سنة 450هـ عندما عاد البساسيري إلى بغداد وخطب بجامع المنصور للمستنصر بالله الفاطمي، وأنقل الرواية عن ابن كثير. حكى ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج15، ص ص756-757) أنه "في ذي القعدة من ‏هذه السنة، دخل البساسيري إلى بغداد، ومعه الرايات البيض المصرية، وعلى رأسه أعلام ‏مكتوب عليها: الإمام المستنصر بالله أبو تميم معد أمير المؤمنين، فتلقّاه أهل الكرخ –الشيعة- فتضرعوا ‏إليه، وسألوه أن يجتاز عندهم، فدخل الكرخ، وخرج إلى مَشْرَعة الرَّوايا، فخيّم بها، والناس إذ ‏ذاك في ضُرٍ ومجاعة شديدة، ونزل قريش بن بدران –ولقبه أمير العرب، وهو قائد موالي ‏للفاطميين- في نحو من مائتي فارس على مَشْرَعة باب البصرة –محل للحنابلة-، وكان ‏البساسيري قد جمع العيارين –طائفة من السُراق الحراميّة- وأطمعهم في نهب دار الخلافة، ‏ونهب أهل الكرخ دُور أهل السنة بباب البصرة، ونُهبت دار قاضي القضاة الدامغاني، وهلك ‏أكثر السجلات والكتب الحكمية وأُبيعت للعطارين، ونُهبت دُور المتعلقين بالخليفة، وأعادت ‏الروافض الأذان بحي على خير العمل، وأُذن به في سائر جوامع بغداد في الجُمُعات ‏والجماعات، وخُطِب ببغداد للمستنصر العُبيدي الذي يُقال له الفاطمي على منابر بغداد، ‏وضُربت له السكة على الذهب والفضة، وحُوصرت دار الخلافة"أهـ.

وحدثت حوادث كثيرة ‏وجلبة أهمها نهب العامة دار الخلافة، ثم نفي الخليفة القائم بأمر الله خارج بغداد، وبقي ‏خارجها حولًا كاملًا حتى انحسرت الفتنة، كما قتل البساسيري الوزير ابن المُسلِمة. وفي سنة ‏‏451هـ ذكر ابن كثير (ص765) أنه "أحضر البساسيري قاضي القضاة وجماعة من الوجوه ‏والأعيان من العلويين والعباسيين، وأخذ عليهم البيعة للمستنصر الفاطمي، ثم دخل دار ‏الخلافة، وهؤلاء المذكورون معه"أهـ.‏

ويذكر ابن الجوزي في "المنتظم" (ج16، ص32) " أنه عند دخول البساسيري ‏‏"نُهب ‏أكثر باب البصرة –منطقة الحنابلة- بأيدي أهل الكرخ –الشيعة- تشفيًا لأجل ‏المذهب، ‏وانصرف الباقون عراة، فجاؤوا إلى سوق المارستان، وقعدوا على الطريق ومعهم النساء ‏والأطفال، وكان البرد حينئذ شديدًا، وعاود أهل الكرخ الأذان (بحي على خير العمل) ‏وظهر ‏فيهم السرور الكثير، وعملوا راية بيضاء ونصبوها وسط الكرخ، وكتبوا عليها اسم ‏المستنصر بالله"أهـ.‏

ولكن الفتنة وئدت في النهاية فلم تنجح ثورته، ولعل السبب الرئيسي لإخفاق البساسيري وانتهاء فتنته بانفضاض كل من كانوا معه عنه ومصالحتهم العباسيين والسلاجقة، ثم قتله، أن المستنصر بالله الفاطمي لم يمده بالجيوش، ‏وإلا فربما كانت الخلافة العباسية قد انتهت، وتغير وجه التاريخ؛ وكان ذلك بسبب وقوع وزير المستنصر في البساسيري وتخويفه منه، ثم لأن تلك الفتنة حدثت وقت ‏الشدة العظمى، التي سبقت الشدة المستنصرية، حيث حلّت المجاعة وفني البشر في بلاد الإسلام من سمرقند إلى ‏مصر. ولم تكن أحوال المستنصر بالله ‏الفاطمي بأقل سوءًا من أحوال القائم بأمر الله العباسي، وانقشعت تلك السنين في النهاية، وبقيت الخلافتان.‏ ولكن سنين الشدة لم تنقضِ وملك الفاطميين على حاله كما سنرى.

ولتلك الفتنة خلفيات كما أوضحنا، حيث كان نفوذ الفاطميين يتزايد بالعراق طوال السنوات السابقة ‏للفتنة، حتى بعث رئيس الرؤساء في بغداد ابن المسلمة لطغرلبك السلطان السلجوقي يطلب منه دخول ‏بغداد نصرة للخليفة العباسي، فدخلها، واتخذ طغرلبك إجراءات تخويفية ضد الشيعة كي لا يفكروا في ‏نصرة الفاطميين والدعاء لهم، ولكن خروج ‏طغرلبك من بغداد لاسترجاع الموصل جعلها فريسة للبساسيري وابن بدران دعاة الفاطميين، ‏والإجراءات التي اُتخذت لإخافة الشيعة اعتبرها الشيعة إذلالًا وانتقموا عند دخول البساسيري، بل إنه وفقًا لابن الأثير (ج8، ص 342) فإن عامة بغداد من السُنة أيضًا مالوا إلى البساسيري وكرهوا الأتراك لما كانوا لاقوه منهم.

الشدة المستنصرية في مصر واستوزار بدر الجمالي

ذكر المقريزي في "الخطط" (ج1، ص ص335: ‏‏337) الكثير من التفاصيل، التي توضح سوء الحال الذي بلغ بمصر عندما امتدت سنوات المجاعة والخراب والموت من بدء الشدة العظمى العامة (446- 454هـ) ثم الشدة المستنصرية التي تلتها بأرض مصر خاصة ‏(457هـ - 464هـ)، وإن كان ابن الأثير يذكر في "الكامل" (ج8، ص 381) أن غلاءً شديدًا كان بأرض مصر سنة 460هـ، وأنه انقضى سنة 461هـ، ولكنه عاد فذكر (ص 385) أنه وقع غلاء شديد ومجاعة بديار مصر سنة 462هـ، حتى فارقها أهلها، وحمل التجار الفارون منهم ثياب المستنصر وبعض المنتهبات. ثم ذكر (ص 401) "وانقضت سنة أربع وستين وما قبلها بالفتن، وانحط السعر سنة خمس وستين ورخصت الأسعار"أهـ.

فبعد ارتفاع الشدة العظمى والمجاعة التي عمت بلاد المسلمين وعصفت بالخلافة العباسية، وتحديدًا سنة 457هـ بدأ تناقص النيل وحدثت الشدة المستنصرية التي استمرت سبع سنوات عجاف أخرى من المجاعة والخراب الذى حل بمصر، وحكى عنها المؤرخون العجائب مما لا يكاد يُصدق؛ فكثر الموت في مصر، وجاع الناس حتى أكلوا القطط والكلاب، ثم أكلوا بعضهم ‏بعضًا.

ووفقًا لما ذكره ابن الجوزي في "المنتظم" (ج16، ص ص 116-117) في حوادث سنة 462هـ، والتي يبدو أنها كانت أسوأ وأصعب سنين الشدة، قال: "فسدت أحوال ملك مصر وقوتل، فاحتاج، فبعث فأخذ ما في مشهد إبراهيم الخليل عليه السلام، وضاقت يد ابن أبي هاشم أمير مكة لانقطاع ما كان يصله من مصر وغيرها، فعمد إلى ثياب الكعبة فقطع الذهب الذي فيها وسبكه، وإلى قبلتها وميزابها وحلق بابها، فكسره وضربه دنانير ودراهم، ثم عدل إلى مصادرات أهل مكة حتى رحلوا عنها، وكذلك صنع أمير المدينة، فأخذ قناديل وآلات فضة كانت هناك فسبكها"أهـ. وأخبر ابن الجوزي وغيره من المؤرخين عن ورود بغداد في هذه السنة أناس فارين من مصر بسبب الخوف والغلاء.

ولم يكن نقص النيل السبب الوحيد في الشدة، بل لعبت أم الخليفة الفاطمي المستنصر بالله دورًا رئيسيًا في الخراب الذي لحق بالبلد لتدخلها في شئون الحكم بما يثير الفتن بين الأتراك والعبيد، فعدم الأمن وخاف الناس التجارة، ونهب الجنود الريف وقلت الزراعة، وساءت الأمور في مصر وضعف المستنصر إلى حد أن تجرأ عليه ناصر الدين (الدولة) الحسين بن حمدان، وهو أحد الأمراء بمصر من أحفاد الحمدانيين أصحاب الدولة الشهيرة التي قامت في حلب والموصل في القرن الرابع الهجري، والذي عاث فسادًا في ديار مصر، إلى حد أن بعث في سنة 464هـ رسولًا إلى الخليفة العباسي القائم بأمر الله ليُقيم له ‏الخطبة بمصر عوضًا عن الخليفة المستنصر الفاطمي، وأقامها له بالفعل في بعض المناطق كالإسكندرية ودمياط، وذلك بعد أن كانت الخطبة للعباسيين قد عادت في مكة والمدينة وأغلب مدن الشام. وقُتل ابن حمدان سنة 465هـ، وقُتل بعده أخواه، فانقطع ذكر الحمدانيين بمصر، وانقضت فتنهم.

ثم بدأ انصلاح الأحوال في عام 466هـ عندما تولى الوزارة أمير الجيوش بدر الجمالي. ذكر ابن الأثير في ترجمته في "الكامل" (ج8، ص 496) أن المستنصر "كان قد استعمله على الشام سنة خمس وخمسين وأربعمائة، وجرى بينه وبين الرعية والجند بدمشق ما خاف على نفسه فخرج عنها هاربًا، وجمع وحشد وقدم إلى الشام، فاستولى عليه بأسره سنة ست وخمسين، ثم خالفه أهل دمشق مرة أخرى، فهرب منه سنة ستين، وخرب العامة والجند قصر الإمارة، ثم مضى أمير الجيوش إلى مصر"أهـ.

وذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج19، ص ص 81-82) في ترجمته أنه "ولي نيابة دمشق للمستنصر في سنة خمس وخمسين وأربع مئة، فبقي ثلاث سنين، ثم هاج أحداث دمشق وشُطارها، وكانت لهم صورة كبيرة، وإليهم أسوار البلد، فتسحَّب منها في سنة ستين، وأُخرِب قصره الذي كان يسكنه خارج باب الجابية، ثم مضى إلى مصر، وقيل: بل ركب البحر من صور إلى دمياط لمّا علم باضطراب أمور مصر، وشدة قحطها، فهجمها بغتة، وسُر بمقدمه المستنصر الإسماعيلي، وزال القُطوع عنه، والذل الذي قاساه من ابن حمدان وغيره. فلوقته قتل عدة أمراء كبار في الليل، وجلس على تخت الولاية، وقرأ القارئ: ‏﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: 123]"أهـ.

ولكن المستوثق منه أن الذي قتل ناصر الدولة ابن حمدان هو قائد كبير من الأتراك اسمه الدكز، وقتل أمير تركي آخر أخويه فخر العرب وتاج المعالي ابني حمدان، كما أن أغلب المؤرخين على أن المستنصر بالله الفاطمي هو من استدعى بدر الجمالي من الشام، وكان المستنصر قد ولاه عكا بعدما ترك دمشق سنة 460هـ، وأن بدر الجمالي تولى الوزارة بدءًا من عام 466هـ بعد مقتل ابن حمدان رأس الثورة وانخفاض الأسعار.

ولكن لا ينكر أحد من المؤرخين دور الجمالي في استعادة زمام الأمور وبسط نفوذ الخليفة الفاطمي بقتل بقية أهل الثورة من الأمراء، فاستتب الأمن وانتعشت التجارة إلى مصر، وأصلح أحوال الزراعة، فزادت الأرزاق وتحسنت الأحوال، فأنعم عليه المستنصر بلقب السيد الأجل أمير الجيوش.

وإن كان جهد الجمالي في ضبط الحال كان مركزًا على مصر، وكان الفاطميون قد فقدوا نفوذهم على باقي البلاد التي كانت تدين لهم زمن الشدة، وكانت قد انقضت فتنة البساسيري بقتله سنة 451هـ، وعاد الخليفة العباسي القائم بالله إلى بغداد، ثم خُطب له في مكة والمدينة بدلًا من المستنصر سنة 462هـ، واستمرت مدة الخطبة لبني العباس بمكة أربع سنين وخمسة أشهر، حتى أعيدت للمستنصر في ذي الحجة سنة 467هـ؛ كما فقد الفاطميون نفوذهم في البحر المتوسط بخروج صقلية عن حكمهم سنة 463هـ.

واستغل السلاجقة أحلاف العباسيين هذا الضعف الذي كانت عليه الخلافة الفاطمية وحاولوا إنهاء نفوذهم في الشام، كما استقل بعض الأمراء والقضاة عن الفاطميين بما تحت أيديهم من مدن، وكاتبوا العباسيين وأعادوا الخطبة للخليفة العباسي القائم بأمر الله، ومن نتيجة ذلك أن خرجت أغلب مدن الشام كصور وطرابلس وحلب وبيت المقدس والرملة ودمشق عن الحكم الفاطمي زمن الشدة، وإن كان بدر الجمالي قد استطاع إخضاع أغلبها بعد ذلك، وكان أكبر نجاح له في سنة 482هـ.

واستمر بدر الجمالي في الوزارة حتى مات بمصر سنة ثمان وثمانين وأربع مئة، وولي بعده ابنه الأفضل شاهنشاه الملقب أيضًا بأمير الجيوش.

ثم زادت وطأة الأمر على الفاطميين ببدء الحملة الصليبية الأولى بهجمات كثيرة من الفرنج في أواخر القرن الخامس الهجري. وروى ابن الأثير في "الكامل" (ج8، ص247) أنه عندما سقطت بيت المقدس في أيدي ‏الصليبيين أواخر القرن الخامس، سيَّر الأفضل ابن بدر الجمالي ثلاث حملات ‏عسكرية في الفترة من 495-499هـ في محاولة لاستعادة المدينة المقدسة.

وفي سنة 515هـ، وفي الثالث والعشرين من رمضان منها، قُتل أمير الجيوش ‏الوزير الأفضل ابن بدر الجمالي، صاحب الأمر والحكم بمصر.‏

مشهد الرأس بعسقلان

ذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج16، ص 252) في ترجمة الأفضل شاهنشاه أمير الجيوش أن أباه بدر الجمالي هو باني مشهد الرأس بعسقلان. وإن كان المقريزي يرجح أن ابنه الأفضل هو من أكمله.

وذكر عثمان مدوخ في كتاب "العدل الشاهد في تحقيق المشاهد" (ص ‏37) أن مشهد الرأس بعسقلان "عمره أمير الجيوش بدر الجمالي بعد سنة ثمانين وأربعمائةـ، وعمّره ابنه الأفضل شاهنشاه أمير الجيوش بعد أن كشف البناء وأخرج الرأس الكريم ووضعها في أجل دار، وبعد بناء المشهد أعاده إليه، وذلك في سنة نيف وتسعين وأربعمائة".

ويلاحظ أن الروايات التي تتحدث عن مشهد الرأس بعسقلان ووجود رأس الحسين بها، وإهداء الخليفة الفاطمي ورجال الدولة لهذا المشهد لم تظهر إلا في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس، وليس لها أثر في كتب التاريخ قبلها، رغم ما سبق وذكرناه من أن الشام دخلت في حكم الفاطميين منذ سنة 360هـ.

وبدر الجمالي هو مجدد القاهرة الفاطمية، وبانيها الثاني بعد جوهر الصقلي وزير المعز لدين الله، واللافت أنه لم يبن مشهد الرأس بعسقلان فقط، وإنما بنى أيضًا مشهدًا في أعلى نقطة من جبل المقطم بالقاهرة، وقد جاء في النص التأسيسي لهذا المبنى: "مما أمر بعمارة هذا المشهد المبارك فتى مولانا وسيدنا الإمام المستنصر بالله السيد الأجل أمير الجيوش". ويُعرف هذا المشهد بين العامة بمسجد الجيوشي نسبة إليه، ولأنه يشبه الجامع وله مئذنة، وبهذا المشهد قبة للدفن، ولكن لم يذكر المؤرخون أن أحدًا دُفن فيها، ولا حتى بدر الجمالي نفسه! ولا زال هذا المشهد قائمًا إلى يومنا هذا، مع بقاء الهدف من بنائه غامضًا.

والأرجح أن بدر الجمالي قد استشعر الخطر من فقد الفاطميين دمشق منذ تلك الفترة التي ولي فيها أمرها للمستنصر الفاطمي، وأجبره انشقاق الجند وعامة أهلها عليه أن يرحل عنها مرتين، وربما لم يرحل منها خالي الوفاض، بل حمل معه رأس الحسين، ولكن نتيجة للاضطرابات التي كانت تعم مصر وقتها بسبب قتال الأتراك والعبيد، وبداية تجرؤ ابن حمدان على الخليفة المستنصر بالله، وعدم أمان الطرق بها، فإنه قد حمل الرأس الشريف إلى عسقلان أقوى معاقل الفاطميين بالشام، واستودعها مكانًا آمنًا إلى بنى المشهد بعسقلان، حيث يجمع المؤرخون على أن الفاطميين كانت لهم حامية كبيرة بعسقلان، تنفيذًا لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: "إنَّ أفضلَ جهادِكم الرِّباطُ، وإنَّ أفضلَ رباطِكم عَسْقلانُ".

وربما كان أمير الجيوش ينوي بعد ذلك أن ينقل الرأس الشريف من مشهد عسقلان إلى المشهد الذي بناه أعلى المقطم بالقاهرة، ولكن وفاته أو الخطر من جهة السلاجقة الذين كان قد زاد نفوذهم بالشام، حالا دون استكمال مخططه.

كما أن بدء الحروب الصليبية يعتبر سببًا قويًا يمكن إضافته لتعليل عدم استكمال مراحل نقل الرأس من عسقلان إلى القاهرة؛ لافتقاد الطريق من عسقلان للأمان بسبب حصار الفرنج المتكرر للمدينة؛ فلأن عسقلان مدينة حصينة وأحصن مدن الشام، كانت محاولات الفرنج الاستيلاء على المدينة كثيرة، ويذكر ابن الأثير في "الكامل" (ج9، ص 392) أنهم كانوا يحاصرونها كل سنة، ولكن لم يتمكنوا من ملكها لما كان بها من كثرة الذخائر والأسلحة والأموال والرجال القائمين بحفظها، ولكن في سنة 548هـ تمكنوا من المدينة وملكوها بسبب اشتغال وزراء وأمراء الفاطميين عنها بنزاعاتهم في مصر، وإن كان أهل المدينة قد حفظوها أولًا ولم يمكنوا الفرنج منها حتى دب الشقاق بينهم، فاستغل الفرنج تلك الفُرقة وقاتلوهم فهزموهم. وكان ذلك في خلافة الظافر بالله الفاطمي.

ويحكي ابن إياس في "بدائع الزهور" (ج1، ص 227) أنه "في سنة تسع وأربعين وخمسمائة، نُقلت رأس الحسين ابن الإمام علي، رضي الله عنهما، إلى مصر، وبنى لها الظافر المشهد الموجود الآن؛ وكانت رأس الحسين أولًا بكربلاء، مكان قتله فيه، ثم نُقلت من كربلاء إلى دمشق، ثم نُقلت من دمشق إلى عسقلان، فلما استولوا الفرنج على عسقلان، خاف المسلمون على رأس الحسين من الفرنج، فرسم الظافر بنقلها إلى مصر، فنُقلت في تلك السنة. قيل إن رأس السيد الحسين لما نُقلت من عسقلان إلى القاهرة، أحضرت في علبة مغلفة بجلد، فأنزلوها أولًا في مسجد موسى، الذي يُعرف بالركن المخلق، فأقامت به مدة حتى بنى لها المشهد الموجود الآن، ثم نُقلت إليه بعد ذلك"أهـ.

وذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج16، ص 385) أنه في سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة "كسر جيش مصر الفرنج بأرض عسقلان كسرة فظيعة صحبة الملك الصالح أبي الغارات، فارس الدين طلائع بن رُزيك، وامتدحه الشعراء". وكان ذلك في خلافة الفائز بنصر الله الفاطمي، ولكن كان الرأس قد استقر بمصر.

كما أن محاولات الفرنج الاستيلاء على عسقلان وتخريبها بقيت مستمرة، وهو ما يبرر بقاء الرأس الشريف بمصر. ويحكي ابن بطوطة في كتابه الماتع "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" الذي روى فيه عن أسفاره الكثيرة في مطلع القرن السابع الهجري، في زيارته دمشق (ص 42) أن بها مشهدًا عظيمًا كان فيه رأس الحسين رضي الله عنه.‏ وعن عسقلان (ص 25) قال: "سافرت من القدس الشريف برسم زيارة ثغر عسقلان، وهو خراب. قد عاد رسومًا طامسة، وأطلالًا ‏دارسة. وقل بلد جمع من المحاسن ما جمعته عسقلان إتقانًا وحسن وضع، وأصالة مكان، وجمعًا بين ‏مرافق البر والبحر، وبها المشهد الشهير حيث كان رأس الحسين بن علي عليه السلام، قبل أن ينتقل إلى ‏القاهرة، وهو مسجد عظيم سامي العلو"أهـ. وذكر في زيارته لقرافة مصر (ص 16) "ومن المزارات الشريفة المشهد المقدس العظيم الشأن حيث رأس الحسين بن علي عليهما السلام‏"أهـ.

ثم هل يُعقل أن الفاطميين قد ملكوا الشام بلا منازع لقرن من الزمان، إضافة إلى نصف قرن آخر نوزعوا فيه على مدنه، وأنهم قد خرجوا من الشام -من دمشق ومن عسقلان- وتركوا بها رأس الحسين؟!

لقد كان نفي السلفية لوجود الرأس الشريف في مصر وحتى قريب قائم على إدعاء عدم وجود أدلة تثبت نقل الرأس إلى عسقلان ثم إلى القاهرة، ثم تبين لهم أن شهادات العلماء والرحالة تطفح بها الكتب، ومنهم ابن الأروق الذي ذكر في كتابه "تاريخ ‏آمد" أنه شارك ضمن من شارك من الناس في استقبال الرأس عند قدومه مصر عام 549هـ، وقرأت لأحدهم قريبًا تشكيكًا في أن ما رآه وشهد عليه هؤلاء الشهود بانتقال الرأس إلى القاهرة إنما وقع نتيجة إيهام الفاطميين لهم بأن الرأس الشريف قد دخل مصر لكنه –وحسب ظنه- لم ينتقل حقيقة!

 

د. منى زيتون

مُستل من كتابي "تأملات في كتاب الله"

 

3186 حامد زيانرحل عن دنيانا مؤخراً الأستاذ الدكتور حامد زيان غانم زيان، أحد رواد تاريخ العصور الوسطى في مصر والعالم العربي، وهو امتداد لمدرسة جامعة القاهرة التاريخية العريقة التي تفرعت عنها كل المدارس التاريخية في مصر والدول العربية، فهو أحد تلاميذ الأستاذ الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور الذي تولاه بالرعاية منذ التحق بكلية الآداب جامعة القاهرة سنة 1963، وقد تعددت اهتمامات  الدكتور زيان بين التأليف والتدريس والعمل الإداري وقد نحج في كل هذه المجالات إلى أبعد حد..

ولد في مدينة الفيوم عام 1946، وتعلم في مدارسها، وعندما حصل على شهادة الثانوية التحق بكلية الآداب جامعة القاهرة، واختار قسم التاريخ عن محبة واقتناع، وكان القسم يعج بالأساتذة الكبار من أمثال: حسن محمود، وسيد الناصري، سعيد عبد الفتاح عاشور، وحسنين محمد ربيع وغيرهم... وكان متفوقاً خلال سنوات الدراسة وشهد له أساتذته بالتفوق والنبوغ، ثم تخرج عام 1967بتفوق بتقدير عام جيد جداً مع مرتبة الشرف، ثم معيد بكلية الآداب بجامعة القاهرة اعتباراً من 1/10/1967، ثم أكمل دراساته العليا تحت إشراف أستاذه الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور فحصل على الماجستير في رسالة بعنوان "حلب في العصر الزنكي" بتقدير ممتاز عام 1971، ثم على الدكتوراه في فترة وجيزة في رسالة بعنوان "العلاقات بين جزيرة صقلية ومصر والشام إبان الحروب الصليبية" بمرتبة الشرف الأولى عام 1973.

وقد تدرج الدكتور حامد زيان في الوظائف الأكاديمية، فعين مدرساً مساعداً بكلية الآداب بجامعة القاهرة اعتباراً من 29/11/1972، ثم مدرساً اعتباراً من 12/12/1973، ثم رقي إلى درجة أستاذ مساعد بكلية الآداب بجامعة القاهرة اعتباراً من 31/12/1978، ثم أعير إلى كلية الآداب بجامعة الامارات العربية استاذاً للتاريخ الوسيط بها، وتولى منصب رئيس قسم التاريخ حتى عام1986، ثم رقي إلى درجة الأستاذية اعتباراً من 25/2/1986.

وخلال رحلته تولى الدكتور حامد زيان العديد من المناصب، حيث أشرف على إنشاء كلية التربية بالفيوم بفرع جامعة القاهرة من 1975 وحتى 1979، كما تولى رئاسة قسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة القاهرة اعتباراً من 25/4/1988 حتى تاريخ 23/4/1991، ثم مدير مركز البحوث والدراسات التاريخية في الفترة من 1995 إلى 1997، ثم تولى رئاسة قسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة القاهرة مرة أخرى اعتباراً من 25/4/1997 حتى 24/4/2000، كما أشرف على قسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة القاهرة - فرع بنى سويف من أكتوبر 1998 وحتى سبتمبر 2002.

والمطلع على سيرة الأستاذ الدكتور حامد زيان يدرك أن حياته كانت زاخرة بالإسهامات العلمية والمجتمعية، حيث قام بالإشراف على الندوات والمجلات والموسوعات والرسائل العلمية وتحكيم الجوائز وتحكيم الاعمال العلمية داخل وخارج مصر، وكان مقرراً للعديد من الندوات التي عقدت في رحاب كلية الآداب بجامعة القاهرة، منها: ندوة العرب وآسيا عام 1989، وندوة المسلمون فى أوربا عام 1991، وندوة فلسطين عبر العصور والإشراف على إصدار أعمالها 1996، وندوة مصادر تاريخ القدس والاشراف على اصدار أعمالها 1998.

كما رأس تحرير مجلة "المؤرخ المصري" التي يصدرها قسم التاريخ كلية الآداب بجامعة القاهرة فى الفترة من 52/4/1988 وحتى 23/4/1991، وفى الفترة 25/ 4/1997 وحتى أبريل 2000، كما كان عضواً بهيئة تحرير مجلة "المؤرخ العربي" التي تصدر من اتحاد المؤرخين العرب منذ عام 2009 وحتي رحيله، كما قام بالاشتراك فى تحرير بعض مواد الموسوعة المصرية (العصر الإسلامي) بالقاهرة عام 1980، كما أشرف وناقش العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه في جمهورية مصر العربية وبعض البلدان العربية، واشترك في تحرير "معجم المصطلحات التاريخية" بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، وكذلك تحكيم جوائز جامعة الإسكندرية التقديرية 2007 ، وجامعة عين شمس التقديرية 2007 وتحكيم المقالات والأعمال العلمية المقدمة للترقية بكل من المملكة العربية السعودية والكويت والأردن.

مؤلفاته:

وقد أمد الدكتور حامد زيان المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات التي دلت تمكنه من مجاله وعمق رؤيته التاريخية واستخدام أدواته البحثية وتوظيفها بدقة، ومن مؤلفاته نذكر: "الأزمات الاقتصادية والاوبئة فى مصر عصر سلاطين المماليك"، القاهرة 1976، و"الحضارة الاسلامية فى صقلية وأثرها على أوربا"، القاهرة 1977، و"الامبراطور فريدريك بربروسا والحملة الصليبية الثالثة"، القاهرة 1977، و"العلماء بين الحرب والسياسة فى العصر الأيوبي"، القاهرة 1978، و"صفحة من تاريخ الخلافة العباسية في مصر في ظل دولة المماليك"، القاهرة 1978، و"الصراع السياسي والعسكري بين القوى الاسلامية زمن الحروب الصليبية"، القاهرة 1983، و"الحياة فى الخليج في العصور الوسطى"، القاهرة 1985، و"تاريخ الحروب الصليبية"، القاهرة 1986، و"دراسات تاريخية فى المصادر العربية"، القاهرة 1987، و"حضارة أوربا في العصور الوسطى"، القاهرة 1988، و"الأسرى المسلمون في بلاد الروم"، القاهرة 1989، و"تاريخ أوربا أواخر العصور الوسطى"، القاهرة 1990، و"الحرمان الشريفان عبر التاريخ دراسة في تاريخ عمارة الكعبة الشريفة والمسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف"، السعودية 1992، و"تاريخ الأيوبيين والمماليك"، القاهرة 1993، و"دراسات في علم التاريخ"، القاهرة 2000 ، و"دراسات في التاريخ الإسلامي"، القاهرة 2003 و"تاريخ أوربا في مطلع العصور الوسطى".

قالوا عنه:

الدكتور محمد عيسى الحريري رئيس اتحاد المؤرخين العرب: "فقد اتحاد المؤرخين وكلية الآداب جامعة القاهرة وكثيراً من علماء العلم والتاريخ رجلاً أصيلاً وعقلاً منيراً، وصرحاً كبيراً من صروح العلم والمعرفة. إنه الأب الروحي والأخ الوفي والصديق المخلص. إنه العالم الجليل فقيد العلم والعلماء الأستاذ الدكتور حامد زيان غانم، الأستاذ بكلية الآداب جامعة القاهرة الذي كان بعلمه شعاعاً ونوراً يملئ القلوب بالحب والوفاء ويملئ العقول بالعلم والعطاء لما حباه الله من قبول وارتياحاً لدى زملائه وتلامذته..

ثم يقول: "إنه الشعلة التي أضاءت أركان العلم والمعرفة لخدمة طلاب العلم على المستويين المحلي والإقليمي . لقد كان رحمه الله صاحب عقل رشيد في كثير من الأمور العلمية والإدارية مما أهله ليعتلي منصب عضو مجلس إدارة وأمين عام الصندوق باتحاد المؤرخين العرب، فهو يعد من أهم وأخلص علماء الاتحاد بما يحمله من قلب كبير وفكر مستنير.. لقد خسرنا وخسر معنا كثير من الأصدقاء وأصحابه العلماء وتلاميذه الأوفياء وأهله الأحباء خسرنا جميعاً عدداً من ينابيع العطاء التي كانت تتدفق بالخير والنماء".

الأستاذ الدكتور أشرف مؤنس مدير مركز بحوث الشرق الأوسط بجامعة عين شمس:  "يعد أ.د. حامد زيان غانم ( ١٩٤٦-٢٠٢٢م) أحد أبرز مؤرخي مصر والعالم العربي في تخصص تاريخ أوروبا العصور الوسطى، والذي انتقل إلى رحمة الله مساء يوم الأحد ٢ يناير، بعد حياة حافلة بالعمل العلمي والأكاديمي بالجامعة لحوالي نصف قرن أسهم خلاله بالعديد من المؤلفات له أكثر من ٢٢ مؤلفاً في تاريخ العصور الوسطى، وأشرف وناقش العشرات من رسائل الماجستير والدكتوراه، وعضو في العديد من الجمعيات العلمية، وقد شرفت بمزاملته في عضوية مجلس إدارة اتحاد المؤرخين العرب لأكثر من خمس سنوات، كان إنسانا حكيما مهذبا خلوقا متواضعا محبوبا، وقد حصل رحمه الله على العديد من الجوائز أبرزها درع شوامخ المؤرخين العرب .. نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته ومغفرته وإنا لله وإنا إليه راجعون".

ويقول عنه الأستاذ الدكتور عامر أبو جبلة"، أستاذ التاريخ الإسلامي، في جامعة مؤتة بالأردن: "نترحم على الفقيد الكبير المرحوم أ. د. حامد زيان.. ما من شك في أن الفقيد المرحوم قد ترك أثراً علمياً مشهوداً في مجال تخصصه، وعلاقاته والأعمال والوظائف الإدارية التي شغلها طيلة حياته الحافلة بالعطاء العلمي المتميز وسمعته العلمية في مصر وخارجها بين أوساط الأكاديميين ونشاطه المميز والعطاء في مؤتمرات اتحاد المؤرخين العرب في القاهرة وإنجاح أعمالها بجهوده ومتابعات مع أعضاء الهيئة الإدارية للاتحاد.. وحيث أنني عضو اتحاد المؤرخين العرب كان لي تواصل معه من خلال مؤتمرات آخر خمس سنوات عن قرب، فعرفناه حريصاً جداً على تواصله معنا.. وحزمه في الأمور كلها فيما من شأنه أن نخطو بالاتحاد خطوات قوية وثابتة نحو مستقبل أفضل وبما يليق بهذه الأمة وتاريخها ورسالتها الحضارية.. رحم الله القيد المرحوم ا. د. حامد زيان رحمة واسعة واسكنه فسيح جناته وجزاه الله عنا كل خير.. إنه سميع قريب مجيب الدعاء".

أما الأستاذ الدكتور نبيل السيد الطوخي أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر ورئيس قسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة المنيا فيقول: "عن ذكرياتي مع أستاذنا الجليل معالي الأستاذ الدكتور حامد زيان أستاذ تاريخ العصور الوسطى بقسم التاريخ بكلية الآداب جامعة القاهرة وأمين صندوق اتحاد المؤرخين العرب. الحقيقة أنني عرفت الأستاذ الدكتور حامد زيان منذ سنوات طويلة مضت مع أيام فترة التكوين العلمي وكنت أتردد على كلية الآداب جامعة القاهرة لحضور مناقشات رسائل الماجستير والدكتوراه والندوات العلمية التي يعقدها قسم التاريخ بآداب القاهرة ورأيت أستاذنا الجليل معالي الأستاذ الدكتور حامد زيان أيام كان رئيس قسم التاريخ بآداب القاهرة وكنت اتحدث مع سيادته عن قرب، وبعد ذلك بسنوات كنت التقي بسيادته في ندوات الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، وفي الجمعية العمومية للجمعية المصرية للدراسات التاريخية، وكنت أراه في المجلس الأعلى للثقافة في الندوات التي يعقدها لجنة التاريخ بالمجلس الأعلى للثقافة، واستمتعت إلى سيادته في أكثر من ندوة ومؤتمر علمي، وهو من كبار مؤرخينا في تخصص العصور الوسطى، وعلم من أعلام هذا التخصص في مصر ووطننا العربي. كما كنت التقي سيادته في ندوات ومؤتمرات اتحاد المؤرخين العرب بالقاهرة وكان سيادته أمين صندوق الاتحاد. وكنت أتحدث مع سيادته عن قرب وكثيراً ما جلست بجواره فى الباص أثناء رحلة الأتوبيس من جامعة القاهرة إلى مقر اتحاد المؤرخين العرب بالتجمع الأول، وكنت استمتع بحديث سيادته عن فترة العصور الوسطى، وأتعلم من فكره وكان يتعامل مع الجميع معاملة طيبة، وكنت أرى سيادته أيضاً في مناقشات الرسائل العلمية بقسم التاريخ بكلية الآداب جامعة المنيا. وكانت مناقشات سيادته أكثر من رائعة، وكنت اتصل بسيادته للاطمئنان عليه، وكان دائماً قمة في الذوق والإنسانية والأصالة والعلم ولهذا سيظل في قلوبنا وعقولنا إلى الأبد وإذا كان أستاذنا الجليل رحل عنا بجسده لكنه سيظل حيا فى قلوبنا وعقولنا الي الأبد بما تركه من علم ينتفع به وأدعو الله أن يرحمه ويسكنه فسيح جناته ويبارك في أولاده واحفاده وتلاميذه الي يوم الدين وخالص العزاء لأسرته الكريمة وكل محبيه وكل أسرة قسم التاريخ بكلية الآداب جامعة القاهرة والحقيقة اننا فقدنا برحيله مؤرخا كبيرا من كبار العلماء في تخصص تاريخ العصور الوسطى على مستوى مصر ووطننا العربي".

أما الدكتور عبد الباقي السيد القطان، المحاضر مدرس التاريخ الإسلامي بجامعة عين شمس، فيقول: "ويعلم الله أنى استفدت كثيرا من طروحاته ونصائحه فى جل اللقاءات التي جمعتني به رحمه الله ، وكم كان سعيدًا بكتابنا الأريوسية ودار حوار طويل بيننا بشأنه، وكذلك لا يمكن أن أنسى تعقيباته على بعض الموضوعات التي طرحتها وكان حاضرًا لا سيما أهل الظاهر فى العصر الأيوبي، وابن نباته الظاهري ودوره العلمي وغيرها…كما لا يمكن أن أنسى اهداءاته بعض كتبه لي . لقد كانت صورته عالقة بذهني طيلة اليومين السابقين لوفاته رحمه الله، وفى صباح الأمس فجعت بخبر وفاته عبر الهاتف …. رحمه الله رحمة واسعة وألهمنا وأهلهما محبيه ومريديه الصبر والسلوان. فقد كان آخر لقائي به فى مناقشة الصديق العزيز دكتور محمد رمضان".

الباحثة ميساء يوسف، باحثة الدكتوراه بكلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر: "عالم إنسان احترف التاريخ فنبغ فيه ونقش اسمه بأحرف من نور واسطة عقد تاريخ العصور الوسطى، كشف الكثير من المسكوت عنه تاريخيا ونبش في أسراره فأخرج فرائد عقده من كتب نفيسة أفاد منها الباحثون ولا زالوا ينهلون من معينها. الدكتور حامد زيان ابن الفيوم البار إن رحل جسدا لكن شمس علمه لا زالت ساطعة تنير سماء التاريخ. عليه سحائب الرحمة والمغفرة".

وبعد عمر طويل قضاه في رحاب العلم والبحث رحل الدكتور حامد زيان مساء يوم الأحد الثاني من يناير سنة 2022، وتم تشييع جنازته في اليوم ودفنه في مقابر الأسرة بطريق الفيوم..

 

بقلم: أبو الحسن الجمال

 

علاء اللامي1- الإدريسي الهاشمي: الجغرافي الأشهر وراسم الخرائط الدقيقة للملك روجر الثاني والتي ورثتها أوروبا في نهضتها: هو أبو عَبد الله مُحَمَّدٌ بن مُحَمَّدٌ الإِدْرِيسي الْهَاشِمِيّ الْقُرَشِيّ (بضم القاف أحيانا وبفتحها أحيانا أخرى). عالم عربي مسلم (وُلد عام 1100م (493هـ) في مدينة سبتة شمالي المغرب الحالي، وُتوفي عام 1166م (559هـ) في صقلية جنوبي إيطاليا وهي جزء منها في عصرنا، ونسبه الموَّثق؛ قرشي، هاشمي ينتهي إلى الإمام علي بن أبي طالب، ولذا لُقِّبَ بالشريف، ولقب بالصقلي لأنه اتخذ جزيرة صقلية موطناً له حتى وفاته. يُعتبر الإدريسي من كبار الجغرافيين في التاريخ ومن مؤسسي علم الجغرافيا، ودرس الفلسفة والطب والنجوم في قرطبة، كما كتب في الأدب والشعر والنبات. استخدمت مصوراته وخرائطه في سائر كشوف عصر النهضة الأوربية. حيث أنجز تحديد اتجاهات الأنهار والبحيرات والمرتفعات، وضمَّنها أيضاً معلومات عن المدن الرئيسية حدود الدول.

وللإدريسي العديد من الأعمال العلمية لعل من أهمها كتابه الموسوعي "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"، الذي ألفه في صقلية بناء على طلب ملكها روجر الثاني. وقد اكتسب هذا الكتاب شهرة عظيمة لما احتواه من معلومات عن الكثير من الأماكن في الشرق والغرب التي ذكرها الأقدمون مضيفاً إليها معلومات ميدانية رآها ورصدها هو شخصيا في رحلاته وأسفاره. ويتضمن هذا المؤلف أكثر من سبعين خارطة للعالم وأخرى تفصيلية لمناطق محددة منه. وقد ظل هذا الكتاب مرجعاً للعلماء الأوروبيين وغير الأوربيين لمدة تزيد على الثلاثمائة عام، حتى القرن السادس عشر الميلادي، ولهذا يعد هذا الكتاب كما تشير دائرة المعارف الفرنسية، أعظم وثيقة جغرافية في القرون الوسطى. وقد ترجم الكتاب إلى لغات عدة شملت اللاتينية والفرنسية والألمانية والإسبانية والإيطالية والإنجليزية/ موسوعة الجمعية الجغرافية السعودية". وتنسب بعض المصادر الغربية هذا الكتاب الموسوعة إلى الملك روجر الذي طلب من الإدريسي تأليفه ورسم الخرائط فيه وليس إلى الإدريسي فيسمونه "الكتاب الروجري"!

3179 alidrisiTabulaRogerianaفي تفاصيل ذلك، نعلم أنَّ الإدريسي سافر من الأندلس إلى صقلية، بهدف العمل مع الملك النورماني المحب للعلوم روجر الثاني، وذلك في العام 1138م، حيث كلفه الملك بتأليف كتاب عن الجغرافيا، يحتوي جميع البيانات المتاحة عن موقع ومناخ المراكز السكانية الرئيسية في العالم القديم آنذاك فأنجز الإدريسي المهمة خير إنجاز/ الصورة لتخطيط أنجزه فنان أوروبي يسجل فيه حدث استقبال الملك روجر للجغرافي العربي الإدريسي وكتب في تعريف التخطيط "الإدريسي في بلاط الملك روجر الثاني مع حشد من الوجهاء والأمراء وهو بشرح لهم كروية الأرض".

وقد توفي الملك روجر في السنة التي وضع فيها الإدريسي كتابه هذا، وخلفه الملك غليوم الأول، وظل الإدريسي على مركزه في بلاط بلرم (باليرمو - عاصمة صقلية). وألفَّ للملك الجديد كتاباً آخر في الجغرافيا سمّاه (روض الأنس ونزهة النفس) أو (كتاب الممالك والمسالك)، لم يعرف منه إلا مختصر مخطوط موجود في إسطنبول.

ومن أعماله أيضا:

1- "لوحة الترسيم" وهو تصميم جغرافي على كرة ضخمة من الفضة الخالصة تزن نحو 400 رطل للكرة الأرضية، وضع عليه الإدريسي مواقع البلدان ولكنه جعل الجنوب في أعلى الخريطة والشمال أسفلها.

2- كتاب "الجامع لصفات أشتات النبات وضروب أنواع المفردات من الأشجار والثمار والحشائش والأزهار والحيوانات والمعادن وتفسير أسمائها بالسريانية واليونانية والطينية والبربرية". وهي موسوعة ومعجم علمي ضخم لم يسبقه إليه أحد منم العلماء بهذا التفصيل وهذه الدقة.

3- كتاب "روض الأنس ونزهة النفس" أو "كتاب الممالك والمسالك".

4- كتاب "أنس المناهج وروض الفرج".3180 alidrissi

* توفي الإدريسي في جزيرة صقلية في عام 560 هـ (1166م) ودفن فيها. وقد كرمته وكالة ناسا الأمريكية بأن أطلقت اسمه على سلسلة الجبال الموجودة على سطح كوكب بلوتو، وسمتها "سلسلة جبال الإدريسي"، ولكن بشكل غير رسمي كما تقول الموسوعة الحرة، ولا أدري لماذا "بشكل غير الرسمي"!

وينسب للإدريسي شعر جميل وحزين حول الغربة قاله وكأنه كان يتوقع موته غريبا بعيدا عن وطنه ومنه هذه الأبيات:

لَيتَ شِعري أَين قَبري ****ضاعَ في الغُربَةِ عُمري

 لَم أَدَعْ للعينِ ما   **** تَشتاقُ في بَرٍّ وَبَحرِ

 وَخَبِرتُ الناسَ وَ***** الأَر ضَ لَدى خَيرٍ وَشَرِّ

لَم أَجِد جاراً وَلا داراً *****كَما في طَيّ صَدري

 فَكَأني لَم أَسِر إِلا  ***** بِمَيتٍ أَو بِقَفرِ

الصورة 1: الخريطة التي رسمها الإدريسي لروجر الثاني ملك صقلية عام 1154 م. نلاحظ أن الشمال في الأسفل والجنوب في الأعلى، وهكذا يظهر على الخريطة رأسًا على عقب لأن الناس في ذلك العصر كانوا يعتبرون أن الجنوب يوجد في الأعلى.

الصورة 2: رسمة تخطيطية يظهر فيها الإدريسي في قاعة روجر الثاني مع حشد من الوجهاء والأمراء وهو يشرح كروية الأرض.

***

2- أبو القاسم خلف بن عبَّاس الزهراويّ الأنصاري القرطبي: وأبو الطب الجراحي في العالم وطبيب الفقراء في الأندلس: ولد في عام 325هـ/ 936م بمدينة الزهراء الأندلسية وعاش في قرطبة. تعود أصوله إلى الأنصار، كما يقول الباحث سامي خلف حمارنة في كتاب له باللغة الإنكليزية يحمل عنوان (A pharmaceutical view of Abulcasis al- Zahrāwī in Moorish Spain)، دون تحديد إنْ كان أجداد أبي القاسم من الأوس أو الخزرج. ويعتبر الزهراوي من أمهر الأطبّاء والجرَّاحين على مَرِّ العُصور، وهو يُعرَف في أوروبا باللاتينية باسم أبوالكاسيس(Abulcasis) .3181 zahrawii1

ومن إحدى الموسوعات الجامعية العربية "السعودية" انتقيت لكم هذه الفقرات المعلوماتية المفيدة عن هذا العالم الجهبذ:

- كان تأثير الزهراوي عظيما بأوروبا في عصر نهضتها، فقد ترجمت كتبه إلى لغات عديدة، وخاصة موسوعته التي تقع في ثلاثين مجلداً وتحمل عنوان "التصريف لمن عجز عن التأليف" ودُرِّست بجامعاتها الطبية. واقتفى أثره الجراحون الأوربيون، واقتبسوا عنه حتى إنهم في كثير من الأحيان انتحلوا بعض مكتشفاته من دون أن يذكروه كمصدر لها. وكان مؤلفه الكبير "التصريف" المرجع الأمين لأطباء أوروبا من أوائل القرن الخامس عشر إلى أواخر القرن الثامن عشر.

- اعتبر الزهراوي التشريح ضرورة لتعلم الجراحة، وذلك في كتابه "التصريف لمن عجز عن التأليف".

- يُروى أن الزهراوي كان يقف خلف ستار خفيف، ويعطي إرشاداته المناسبة للقابلات في تدبير حالات الولادة العسيرة. كما رُوي عنه أنه كان ينصح بوضع مرآة تحت مقعد المرأة ليرى كل شيء على هيئته.

- ابتدع الزهراوي كثيرا من الأدوات الجراحية التي صممها بنفسه، وبين لكل منها طريقة استعمالها ومكانه.

- ونصح بكيِّ السرطان في بدء تشكُّله بمكواة حلقية. كما تكلم عن كيِّ النزف الناجم عن قطع الشريان بربطه أو الضغط عليه. ونظرا لعدم وجود كهرباء في ذلك الوقت، كان يستخدم السَّخان، فيعمد إلى تسخين قطعة معدنية ويضعها على المنطقة المصابة فتؤدي إلى تجمد الأنسجة وتوقف النزف. وهو بذلك يكون قد سبق الجراح الفرنسي الشهير أمبرويز باريه (من أطباء القرن السادس عشر وطبيب ملوك فرنسا آنذاك) الذي تعزى إليه الأسبقية في عملية ربط الشرايين بخمسة قرون.

- الزهراوي هو أول من اكتشف ووصف النزف الدموي المسمى الناعور أو الهيموفيليا.3182 zahrawii2

- وهو أول من أجرى طريقة استئصال الحصى المثانية لدى النساء عن طريق المهبل، وأول من استعمل آلات خاصة لتوسيع عنق الرحم، وأول من ابتكر آلة خاصة للفحص النسائي لا تزال إلى يومنا هذا.

- كما تكلم عن جراحة دوالي الخصية التي تعرف باسم دوالي الحبل المنوي بلغة اليوم، وعن جراحة الفتوق.

- وصف علاج الجروح الناجمة عن قطع سيف أو سكين أو طعنة رمح. وتحدث عن جراحات الرأس وما يرافقها من كسور في العظم وتهتك في الأعصاب، وعن جراحات العنق والصدر والبطن والأمعاء وخياطتها. وتكلم أيضا عن قطع الأطراف، ونشر العظام، وبتر الأعضاء، وقطع الدوالي وعلاجها.

- يعد أول جراح استخدم الخيوط التي كان يستلها من أمعاء الحيوانات في خياطة الأمعاء، وأول من استخدم جسور الأسنان الذهبية والفضية وأدوات ضغط الأسنان، ونجح في معالجة تشوهات الفكين وفي تقويم الأسنان باستخدام آلات جراحية ابتكرها لهذا الهدف.

وقد ترجم الإيطالي جيراردو كريموني كتاب الزهراوي "التصريف لمن عجز عن التأليف" في القرن الثاني عشر إلى اللاتينية، وأصبح هذا المؤلف الكتاب المدرسي المعتمد بكليات الطب في أوروبا كلها حتى مطلع القرن السابع عشر.

- نقل الجراح الفرنسي الشهير دي شولياك كثيرا من آراء الزهراوي إلى مؤلفه "الجراحة الكبرى" واستشهد بآرائه أكثر من مئتي مرة، كما طبع كتاب الزهراوي أول مرة في إيطاليا عام 1471 م، ثم تبعتها فيما بعد أكثر من عشرين طبعة أخرى في القرن السادس عشر في مدن أوروبية مختلفة.

وفي مقالة أخرى وردت إنجازاته التالية:

- كشف الشريان الصدغي، وتحديد أنواع مختلفة من الصداع.

- قام بالكشف عن حالة إعتام عدسة العين.

- ابتكار مقصلة لاستئصال اللوزتين.

- قام بابتكار مبضع يدخل القصبة الهوائية.

- استعمل الخطَّاف لاستئصال الورم من الأنف.

- تبنى وضعية الاستلقاء عند الولادة.

- قام بعلاج البواسير الشرجية.

- قام باستئصال الغدة الدرقية المتورمة.

 

علاء اللامي

......................

* توفي أبو القاسم الزهراوي بعد سنة 400 هـ/1013 م وعرف عنه تقاه وورعه وعطفه وتضامنه مع الفقراء فقد كان يخصص نصف نهاره لعلاج الفقراء مجانا كما يذكر محمد بن فتوح الحميدي في كتابه "جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس".

* صورة 1 لمجموعة أدوات طبية جراحية ابتدعها الزهراوي من كتابه التصريف.

* صورة 2 صفحة من ترجمة كتاب الزهراوي إلى اللاتينية "التصريف.." يعود تاريخه إلى 1541. نسخة محفوظة في مكتبة قطر الوطنية.

كسر التهميش الاستشراقي الغربي