محمود محمد عليهناك نمطان من الأساتذة الجامعيين، نمط تقليدي تتوقف مهارته عند تقليد الآخرين، والنقل عنهم وضبط الهوامش، والحرص علي أن يكون النقل أميناً، وكلما كان من مصادر ومراجع أجنبية كان أفضل، وكلما قل فيما يقولون فإن ذلك هو الصواب عينه، ونمط مبدع يسخر قراءته لإبداء الرأي أو للتدليل علي صواب الاجتهاد العقلي الشخصي، وبالطبع فإن النمط الثاني هو الأقرب إلي النمط الفلسفي الحق، فالتفلسف ينتج الإبداع ولا يتوقف عند النقل وإثراء الهوامش .

ولا شك في أن الأستاذ الدكتور علي أسعد واطفه (أستاذ  علم الاجتماع التربوي بجامعة الكويت) من هؤلاء الذين ينتمون إلي النمط الثاني، فهو صاحب موقف فلسفي ونقدي واضح من كل ما يقرأ ولا يكتب إلا في حول أو في قضايا معاصرة  بغرض بلورة موقف مبدع ومستقل عن كل المواقف ومختلف عن كل الآراء المطروحة حول نفس الموضوع سواء قيل من قبل .

وهنا وجدنا أن البحث في علم الاجتماع التربوي في نظر الدكتور علي أسعد وطفة، هو تعبير خالص عن الموقف الفكري المستقل الخالص بالباحث، وليس مجرد مجموعة من النقول والشروح والتعليقات المفتعلة.

علاوة علي ذلك فإن جدية الدكتور علي أسعد وطفة وأصالته تتكشف عندما يطرح القضايا الفكرية والسياسية، حيث نجد الغاية من هذا الطرح ليست مجرد تكرار للأفكار، وإنما يسلط الضوء علي أفكار وقصايا بعينها، من أجل أن يكشف عن المجتمعات العربية، وكذلك من أجل أن يستقي القارئ العربي منها مصادر خلاصة من مشكلاته التي تؤرقه وخاصة مشكلة وجوده كإنسان له كرامته الأصلية .

هذا بالإضافة أيضاً إلي أنه مكافح مناضل، وتلك ظاهرة ملحوظة في حياته كلها، كافح في صباه وشبابه، كما كافح في كهولته وشيخوخته . كافح وناضل في ميدان العلم والتعليم، في ميدان التربية والاجتماع، في ميدان الوطنية والسياسة، وكلفه كفاحه ما كلفه من عنت ومشقة، وقد حاول جاهداً أن يجمع أنواع مختلفة من العلوم وضروباً من المعارف؛ وهو عالم يشار إليه بالبنان ضمن علماء الاجتماع التربويين .

وقد شهد له كل من عرفه بأنه نعم الرجل الذي في نظرته حنان، وفي قلبه تواضع، وهو ذو شخصية إنسانية طاغية، حانية، حاضنة، وذو بصيرة ناقدة، وشخصية بناءة إيجابية متفائلة، وقلب مفعم بحب البشر، كرس حياته للدفاع عن الإنسان، وإبراز كرامته وقدسيته روحياً ودينياً، حضارياً وثقافياً، اجتماعياً ومادياً.

علاوة علي أن علي وطفه (مع حفظ الألقاب) يعد قامة، وقيمة علمية، وأخلاقية كبيرة، على المستوى العلمي، والمستوى الشخصي أيضاً، لأنه دائماً كان يمد يد العون، لمن يعرف، ولمن لا يعرف صغيراً وكبيراً؛ كما يتميز بدماثة الخلق، وحسن المعاملة مع أصدقائه وزملائه فى العمل، وأنه كان يسعى دائماً إلى تحقيق هدف سامى ونبيل، وهو جبر الخواطر، وأن يجمع بين الصدقة الجارية، والعلم الذى ينتفع به.

لقد كان قارئا لكل الأحداث، ولم تقف قراءته هنا الحديث والمعاصر، بل أبي إلا أن يجمع بين الماضي والحاضر . ودون أن أعرض لإلمامه الواسع بعلم الاجتماع التربوي، وأحب أن أشير إلي تمكنه من هذا العلم ؛ حيث عرف أصوله وأحاط بشتي جوانبه، إذ درسها في عمق وسعة، وكون فيه رأيه الخاص، ولا أظن أن من بين أقرانه من أهتم بقراءة التربية العربية في معترك الحداثة، أو حضور المقدس في الثقافة العربية، أو جان جاك روسو: فيلسوف الحرية والأب الروحي للتربية الحديثة، أو موت المدرسة في زمن كورنا ... وهم جرا.

وإذا ما جئنا لنكشف ما تميز به علي وطفه من علم وافر وثقافة واسعة، وجدنا صيته في هذين المجالين يتجاوز نطاق العالم العربي والإسلامي إلي ما هو أوسع وأرحب . ولعل الذي أعان علي انتشار صيته وازدياد شهرته، ومعرفته المتنامية باللغات الأجنبية الحية . وغني عن البيان أن هذه اللغات، التي كان يعرفها علي وطفه (مع حفظ الألقاب)، لها شأن كبير في تشكيل تيارات الفكر والثقافة في عصرنا الحاضر. ناهيك عن أنه كان ضليعاً بلغته العربية – لغة القرآن الكريم – وعارفاً بالمصطلحات الاجتماعية والتربوية في لغاتها الحية.

وهنا يمكن القول مع محمد الإدرايسي (وذلك في حواره معه) بأن علي وطفه يعد  واحدا من علماء الاجتماع العرب الذين بذلوا جهوداً رائدة في مجال البحث العلمي في العالم العربي ؛ ولا سيما في قضايا التربية والمجتمع، عبر مسار بحثي يناهز ثلاثة عقود ونيف من الزمن. وتتوزع إنجازاته العلمية بين عشرات الكتب والمقالات التربوية والسيوسيولوجية التي تعد مرجعاً لا غني عنه لكل باحث ومهتم بشؤون التربية العربية من منظور العلوم الاجتماعية، كما أنه قدم ترجمات لأمهات المقالات والكتب المؤسسة للفكر التربوي والسياسي العالمي من اللغتين الفرنسية والإنجليزية إلي العربية.

وهو سوري الجنسية من مواليد دمشق 1955، وأستاذ علم الاجتماع التربوي بجامعة دمشق في الفترة 1988- 1997، ومعار إلي كلية التربية بجامعة كالكويت منذ عام 1997 حتي الآن، وهو عضو في اتحاد الكتاب العرب، وفي رابطة الكتاب السوريين، وفي اتحاد كتاب سورية الاحرار، وفي الشبكة العالمية للتربية علي حقوق الإنسان، وأخرا عضو الجمعية الدولية للمترحمين واللغويين العرب.. حصل وطفه علي شهادة الليسانس في الفلسفة وعلم الاجتماع من جامعة دمشق 1979، والماجستير في علم الاجتماع التربوي من جامعة كان Caen في فرنسا عام 1985، وعلي الدكتوراه في علم الاجتماع التربوي من الجامعة نفسها، وذلك سنة 1988.

وقد حصل الدكتور وطفه علي جوائز علمية عدة منها : جائزة حميد بن راشد للعلوم الاجتماعية 2014، وجائزة الملصق العلمي للعلوم الإنسانية في جامعة الكويت 2010، وجائزة الباحث المتميز لجامعة الكويت في مجال الآداب والعلوم الإنسانية في عام 2009.

يرأس حالياً تحرير مجلة نقد وتنوير، ويدير " مركز نقد وتنوير للدراسات الإنسانية والسياسية " وفق استراتيجيات علمية وأكاديمية طموحة تهدف إلي تنمية البحث والترجمة في حقل العلوم الاجتماعية والتربوية في العالم العربي.

ولعلي واطفه مؤلفات كثيرة نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر: الجمود والتجديد في العقلية العربية: مكاشفات نقدية (2007)، وبنية السلطة وإشكالية التسلط التربوي في الوطن العربي (1999)، والتربية  إزاء تحديات التعصب والعنف في الوطن العربي (2002)، والتربية العربية والحداثة : رهانات الحداثة التربوية في عالم متغير (2013)، ورأسمالية المدرسة في عالم متغير: الوظيفة الاستلابية للعنف الرمزي والمناهج الخفية (2011)، وأصول التربية: إضاءات نقدية معاصرة (2011) وسوسيولوجيا التربية  إضاءات معاصرة في علم الاجتماع التربوي (2013).

ومن ترجماته : التربية والمجتمع (إميل دوركهايم، 1991)، والهوية (أليكس ميكشيللي، 1993)، واللاشعور (جان كلود فيلو، 1995)، وفلسفة الحب (بيير بورني، 1996)، والطفل والتلفزيزن (ميريه شالفون، 1996)، وسوسيولوجيا الاتصال الجماهيري (جوديت لازار، 1995)؛ هذا بالإضافة إلى مئات المقالات العلمية التربوية المنشورة في الدوريات العربية المتخصصة والمحكمة. ولم يتوان عن الانخراط في الثورة الإعلامية والرقمية، وهو التربوي الخبير، كتاباً، وإرشاداً، وتوجيهاً، إذ قـام بتأسيس عدة مواقع علمية متخصصة، وانفتح علي مواقع التواصل الاجتماعي، كالفاسبوك والتويتر وغيرها بفاعلية، ناهيك بالمساهمة في لجان مناقشة الأطروحات الأكاديمية، والإشراف علي كثير من البحوث الجامعية، فضلاً عن تحكيم العشرات من المقالات، والدراسات العلمية، والكتب، ومشاريع الأبحاث المختلفة، والأعمال العلمية للترقية، والمشاركة في عشرات الندوات والمؤتمرات العلمية، والدورات التدريبية، والمحاضرات العامة في المنطقة العربية وخارجها. وراكم وطفة، خلال ذلك كل خبرات تدريسية هـامة، تخطيطا ً وتأليفا ً وتدريسا ً وتحكيما ً وإشرافا.

وفي تلك الكتابات والدراسات والأبحاث، نجح علي وطفه في خلق لغة خاصة بها للتعبير عن دقائق أفكارها ومنعرجات مسائلها ومسافات حلولها بعبارات شفافة رقراقة، لا تشويش فيها، إلا ما كان من بعض التشقيقات الاصطلاحية التي يصعب علي المرء مجاراتها ببادئ الرأي؛ ولقد استطاع علي وطفة أن يكتب بلغة فلسفية متصالحة مع ذاتها ومع واقعها التاريخي؛ لغة منسجمة رقراقة قوية مبتكرة بعيدة عن الانغلاق، ولكنها لا تفرط عن مقتضيات الصناعة الفلسفية، وقد تخلت كتابته عن الطابع الدعوي وسلك مسلك الاستنباط السلس والجدل السيال. ليس هذا فقد برهن علي وطفة في تلك الكتابات علي أنه يمتلك قدرة كبيرة علي توليد الأفكار وربطها وانتقادها وتحويل أي موضوع في مجري الحياة العادية إلي موضوع فلسفي عميق... وللحديث بقية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم  الفلسفة بكلية الآداب وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

قاسم حسين صالحالتقيته بداية السبعينات.. كان رئيس لجنة اختبار المتقدمين للعمل مذيعين باذاعة بغداد، ضمت سعد لبيب، مدير برامج اذاعة صوت العرب، وكبير المذيعين سعاد الهرمزي، و دكتور عبد المرسل الزيدي عميد كلية الفنون الجميلة..

دخلت .. جلست.. قال لي:

- اقلب الورقة التي أمامك وأقرأ رأسا.

قرأت واضفت كلمتين من عندي على الخبر.. فامتدح نباهتي.. وكنت من ضمن عشرة تم قبولهم ودخلنا دورة اذاعية لثلاثة اشهر حاضر علينا فيها بدري حسون فريد في النطق والألقاء، وكرم شلبي من مصر في الصحافة، ومالك المطلبي في اللغة.. وآخرين.

شهادتي هذه تقوم على مواقف، نوجزها في الآتي:

موقف 1

كلفني مسؤول القسم السياسي فلاح العماري بمنتجة تقرير يذاع بعد نشرة اخبار الثامنة مساء يجب ان لا يزيد على عشر دقائق.. تبين انه للحاج خير الله طلفاح في زيارته لمكة ولقائه بأخت الشاه.. وبنصف ساعة..

حذفت منه عشرين دقيقة وأنا خائف.. وما ان اذيع .. رن جرس الهاتف.. وكان الصحاف:

- تعال .. وجيب تيب تقرير الحجي معك.

دخلت .. قلت له :خير سيدي

قال (وهو يستمع): الحاج خير الله زعلان .. هاي انت شمسوي!

خفت حقيقي (شراح يخلصك قاسم).. مرر الشريط سريعا.. وقال: تفضل روح.. يبين فلاح راد يذبها براسك.

موقف 2

كنت اعمل صحفيا بمجلة الأذاعة والتلفزيون، فكلفني رئيس تحريرها الراحل (زهير الدجيلي)عمل تقرير صحفي عن تجربة التلفزيون التربوي في المدارس الابتدائية.. زرت عددا من المدارس فوجدت التجربة بائسة فظهر التقرير بمكان بارز تحت عنوان (التلفزيون التربوي ربي كما خلقتني)..

فكان ان اتصل وزير التربية بالصحاف قائلا له:

سنحيل الصحفي قاسم حسين الى المحكمة، فأجابه الصحاف:

- سيادة الوزير.. اقم الدعوة عليّ انا لأنني انا المسؤول عن المجلة.

موقف 3:

اصطحبني معه الى استديو التلفزيون لكتابة ريبورتاج صحفي عن عمل درامي تلفزيوني يخرجه المخرج المصري المعروف ابراهيم الصحن.

بعد ثلاثة او اربعة مشاهد ابدى ملاحظات فنية واقترح على الصحن حذف واضافة.. فشكره مقتنعا.. وطلب مني ان لا اذكر ذلك في الريبورتاج.

موقف 4:

ظهر مقال الصفحة الاولى بمجلة الأذاعة والتلفزيون بعنوان (مكافحة الأمية في الوسط الأذاعي) فقال مدير اذاعة بغداد السيد عادل الدلّي .. ماكو غير قاسم حسين كاتبه..

وكنت داخلا للاذاعة فقال موظف الاستعلامات: ممنوع تدخل.. السيد المدير انهى خدماتك.

لمحت الصحاف واقفا ومعه صديقه الكاتب ثامر مهدي، فاستأذت لاقابله..

قال الصحاف: ومن اصدر امرك؟

قلت: استاذ عادل

اجاب: خلص .. مديرك وانهى خدماتك.

بعد اسبوع تم نقل السيد عادل وعدت لممارسة عملي.

موقف 5 الأهم:

صار السيد الصحاف وزيرا للأعلام وتم تشكيل (لجنة رأي) بتوقيع الرئيس صدام حسين من اكاديميين ومثقفين كبار بينهم أنا نجتمع اسبوعيا برئاسته. وكنت انا الوحيد الذي اطرح رأيا مختلفا.. فنصحني الدكتور عبد المرسل الزيدي والدكتور محمد عبد الرزاق الدليمي بان لا (أرادد) الصحاف لأن " ما عنده مانع يعتدي عليك".. لكنني لم آخذ بالنصيحة.

وحصل ان طلب منّا تقييم اداء الاذاعة والتلفزيون وكان ذلك في تسعينيات الحصار.. وكانت حصتي تلفزيون الشباب (وأظن أن مديره كان السيد علاء مكي) فوجدت المخرج يضع اصبعه بداخل الجهاز.. سألته لماذا؟

- شاسوي استاذ .. برغي ماكو!

عقد الاجتماع برئاسة الصحاف وقدمت التقارير وجاء دوري فقلت:

- سيادة الوزير.. اذا يبقى الوضع هالشكل .. بعد سنتين ستتوقف الاذاعة والتلفزيون.. ورويت له ما شاهدت.

اجابني بحدّة:

- أخونه.. اليحب الوطن ما يعوفه!

وتمضي الايام.. ويأخذون السيد الصحاف بطائرة خاصة الى الامارات.. ويتصل بي الصديق الراحل دكتور عبد المرسل الزيدي العائد من لقائه في الامارات قائلا:

- دكتور قاسم لك سلام خاص من محمد سعيد الصحاف انقله بالنص:

(سلمنه على استاذنه الجليل دكتور قاسم حسين صالح)

فاجبته بميانة محب: دكتور مرسل.. انا ادري بيك تجذب.. وقبل ان اكمل اقسم انه ينقل الحقيقة.

وتوصلت الى الآتي: ان سيكولوجيا السلطة في العراق عودت المحيطين بالمسؤول ان يقولوا له ما يحب ان يسمعه.. فيما انا كنت اقول له الحقيقة برغم خشيتي منه.. وأنه كان يقدر ذلك في داخله.

الصحاف .. مثقف وشجاع

كان محمد سعيد الصحاف اشجع البعثيين.. فمع أنه كان على يقين بان الاميركان سيدخلون بغداد فانه كان يسخر منهم ويشجع على الصمود مع انه يرى دباباتهم من على جسر الجمهورية تزحف نحوه.

وكان الرجل أداريا ناجحا حقق نقلة نوعية في مؤسسة الأذاعة والتلفزيون بعكس السيد لطيف نصيف جاسم.. واذكر هنا حادثة:

كنا ثلاثة: الروائية لطفية الدليمي والصحفي باسم عبد الحميد حمودي وأنا قد صدر امر لنكون اللجنة المشرفة على برامج الأطفال بما فيها فحص النصوص (نهاية السبعينات هي الفترة الذهبية لبرامج الأطفال). وكانت مقدمة برنامج حروفنا الجميلة (نون..) قد رفضنا لها نصا لأنه ضم فلاسفة اجانب فقط.. وثبت عليه ملاحظة خلاصتها: (ان تاريخنا العربي والاسلامي فيه فلاسفة اشهر واحق.. يعاد كتابة النص).. فحملت النص الى المدير العام (السيد لطيف) معترضة، فأجاز لها تنفيذه (ولو كان الصحاف لأمرها باعادة كتابة النص).. فجاءه بعد عرضه تلفون له من الرئاسة ينتقده، فاجتمع بالعاملين وحين دخل قال: (الله بلانه بهاالمؤسسة القذرة).

فيما كان الصحاف محبا ومطورا نوعيا لها.. مثقف وصاحب ذوق، واليه يعود تقليد اذاعة اغاني فيروز كل صباح من اذاعة بغداد.. فضلا عن انه عمل سفيرا في الهند والسويد وايطاليا ومندوب العراق في الامم المتحدة.

اقول هذا شهادة للتاريخ.. (ولا تعنيني سلبياته).. فانا لا تربطني علاقة شخصية بالسيد الصحاف.. ولكنها الحقيقة.. نقولها للذين تراجعت الدراما العراقية في زمنهم.. وللذين عملوا له تمثالا في متحف الشمع في دولة تعرفونها بقصد السخرية منه وهو يتوعد الأميركان بصوته.. وللشركة الأميركية التي انتجت دمية عنه تردد عبارته (ان الاميركان ينتحرون الآن على اسوار بغداد).. واخرى تردد كلمة (العلوج) التي لم يجدوا لها ترجمة باللغة الانجليزية!.

المشكلة فينا نحن العراقيين أننا لا ننصف من نختلف معه في الرأي والموقف حتى لو كنا نعترف في داخلنا.. انه يستحق.

*

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

محمود محمد علييعد الأستاذ الدكتور “حسن محمد حسن حماد”- أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة بكلية الآداب -جامعة الزقازيق، من أبرز المفكرين المصريين التنويريين الجدد بفضل أفكاره وآرائه الجريئة الشجاعة، التي أثارت جدلاً كبيراً وسجالاً واسعاً بين الأوساط الثقافية والاجتماعية والدينية العربية، حيث دعا في معظم كتاباته إلي إطلاق مشروع “تنوير عربى” لمجابهة الأفكار الظلامية والمتطرفة التى شوهت الدين الإسلامي، مشيراً إلي رفض الفكر السلفي التكفيري والعمل علي التصدي لكل الأفكار الظلامية والمتطرفة التي يبثها بعض دعاة الإسلام السياسي، وذلك من أجل مكافحة الإرهاب وتصحيح الصورة السلبية المأخوذة عن العالم العربي وصحيح الدين الإسلامي ورسالته التى تدعو للحرية والعدل والسلام، فكان له دور بارز في النهوض في الحياة الثقافية بمصر من خلال مؤلفاته وأعماله الفلسفية التي كان لها دور تنويري في تشكيل الوعي لدي العديد من الباحثين والمفكرين في مصر والعالم العربي.

كما كان حسن حماد واحداً من الأساتذة المصريين الكبار الذين استطاعوا بحوثهم ومؤلفاتهم أن ينقلوا البحث في الفلسفة الحديثة والمعاصرة من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارمة إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

علاوة علي أنه كان قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

وقد ولد حسن حماد بمحافظة المنيا في الثاني والعشرين من شهر مارس عام 1957، وقد حصل علي ليسانس الآداب من قسم الفلسفة بكلية الآداب بجامعة المنيا بتقدير ممتاز عام 1979م، الأمر الذي أهله بعد ذلك للتعيين في إعلان وظيفة معيد بكلية الآداب جامعة الزقازيق عام 1983م، وفي نفس العام بدأ في إعداد أطروحته للماجستير حول “الاغتراب عند إريك فروم”، الذي وجد في أفكاره إجابة عن الكثير من الأسئلة التي شغلته في هذه المرحلة، عن تيارات الإسلام السياسي والأصوليات الدينية الإسلامية الكارهة لكل مظاهر الحياة: الفن، الحرية … إلخ؟، إلي أن فرغ منها عام 1989م.

ثم بدأ بعد ذلك في إعداد أطروحة الدكتوراه حول “النظرية النقدية عند هربرت ماركيوز”، تحت إشراف د. صلاح قنصوه. وكانت لدرسته الأولى عن إريك فروم فاتحة للتعمق أكثر في دراسة مدرسة فرنكفورت التي شعر أنها الأقرب إلى تفكيره. يقول عمار بن حمودة في مقاله المنشور بعنوان “حسن حماد: ذهنية التحريم (منشور ضمن مجلة أوراق فلسفية –إشراف د. أحمد عبد الحليم):” يخبرنا عن نفسه، أنه يساري وجودي ومدرسة فرنكفورت بوتقة فكرية انصهرت فيها أفكار الماركسية والفرويدية والوجودية، ولذلك فقد وجد فيها ملاذا للكثير من الأفكار التي اعتنقها”.

وقد تقلد حسن حماد خلال مسيرته الجامعية العديد من المناصب نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر : تقلده رئاسة جمعية الفنون والآداب، وتولية عمادة كلية الآداب بالزقازيق لأكثر من دورة، وتمثله عضوا بلجنة الفلسفة بالمجلس الأعلي للثقافة، وعضوا باللجنة الدائمة لترقيات أساتذة الفلسفة …الخ. وفي نفس الوقت توالت دراسات حسن حماد الفلسفية بعد ذلك داخل هذا الإطار فكتب عن دوائر التحريم : السلطة والجسد والمقدس، و”قصة صراع الفلسفة والسلطة”، و”آفاق الأمل”، و”الخيال البوتوبي”، و”الخلاص بالفن: التراجيديا نموذجاً”، و”الاغتراب الوجودي”، و”العبث بين الفلسفة والفن”، و”البحث عن السعادة عند نيتشه”، و”قصة الصراع بين الفلسفة والسلطة “، و”محنة العبث ورحلة البحث عن خلاص، قراءة وجودية في أدب نجيب محفوظ”، وقد نال هذا العمل الأخير جائزة الدولة التشجيعية بعد صدوره بعامين.

هذا إلى جانب عدد من الدراسات التي نشرت لحسن حماد في دراسات منفصلة في مجلات أو في كتب، ونذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر : جدل الغربة والزمان عند مارتن هيدجر، وتطور مهوم العقل من ديكارت إلي هيجل، والاغتراب عند أبي حيان التوحيدي، ودور الفلسفة في تحرير الوعي أو الخروج من قبضة الفاشية، وفلسفة الجسد عند أفلاطون، وسؤال الهوية، البحث عن السعادة عند نيتشه، وأزمة التقدم في العالم العربي، والمشاعر عند جان بول سارتر، وسؤال العبث في رواية ثرثرة فوق النيل، وقراءة هيجل بين التمرد علي الدين والثورة علي الواقع.. الخ. وكلها برغم تنوعها تنتمي إلى دائرة ما يمكن تسميته بفلسفة التمرد، فهو يعتقد أن الفلسفة عبر تاريخها الطويل مارست دائما هذا التمرد : على التقاليد، على التابوهات، على السلطة، على الأنظمة السياسية، وحتى على نفسها، لا فلسفة، فيما يرى، بغير تمرد بغير فلسفة، وحتى أشد الفلسفات مثالية لا تخلو من تمرد لأنها ترفض الانصياع للواقع القائم وتفتش عما ينبغي أن يكون .

ولذلك لا فرق عند حسن حماد بين الوجودية والماركسية كلتيهما تمارسان فعل الانتهاك بأوسع معانيه. وبعد أحداث الربيع العربي وتصّدر جماعات الإسلام السياسي للمشهد شعر حماد بأن على الفلسفة أن تستحضر في بنية وجودها وفعلها ومقولاتها فكرة التمرد بأعمق معانيه، ومن هنا كان كتابه “ذهنية التكفير، الإسلام السياسي والعنف المقدس.

لقد تمكن حسن حماد في هذا الكتاب من أن يلم بالمناهج الفكرية والاجتماعية التي أنتجتها الحداثة في قراءته للتراث الإسلامي، فمزج بين المنهج التفكيكي للنصوص بما سمح له بإعادة النظر في مجمل الأسس المعرفية، وعمد بعدها إلى استخدام منهج الحفر الأركيولوجي للعودة إلى الجذور والأسس، ليخضع هذه النصوص التراثية إلى منهج النقد التاريخي، وليصل أخيرًا إلى إعادة التركيب وبناء المفاهيم في صورة صحيحة انطلاقاً مما يكون قد حصّله من نتائج النقد الذي أجراه.

والناظر لبنية الكتاب يدرك ذلك فهو يقسم الكتاب في بنيته العامة علي مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة، فأما المقدمة فحفر في مفهوم المقدس وأثره في الوعي الإنساني، وقد استعان حماد في فهمه للظاهرة بمقاربات “روجيه كايوا Caillois Roger ” و”مرسيا إليادMercia Eliade ”، وأما الفصل الأول فمقاربة لمنابع التطرف الديني، إذ بين أن المقدس مفهوم تاريخي عرفته الإنسانية باختلاف حضاراتها وأديانها، وما القرآن سوى تجّل من تحليلاته التي جعلت الفرق الإسلامية توظّفه في صراعها التاريخي حول الحقيقة الدينية. وقد كان لحديث الفرقة الناجية دور كبير في تضييق آفاق التأويل، وإقصاء المختلفين، فترسخت بذلك عقلية إقصاء الآخر.

ولكن دائرة إشعاع المقدس اتسعت لتشمل المجالات السياسية والاجتماعية والنفسية، وهو ما دعا حماد إلي اعتبار أن توظيف الدين لخدمة الأغراض السياسية والدنيوية والحياتية للبشر، وهو من أبشع أنواع السيطرة التي يمكن أن تمارس علي الإنسان. وهو الذي أورث الحركات الأصولية والإسلام السياسي عقلية احتكار الحقيقة وحق التحدث باسم الإله وباسم المقدس.

وهو يطرح في مقدّمته مشروع لنقد التّراث والتحرر من بذور التعصب، فكّل تفكير في مقاومة الأصولية دون استحضار التّراث يعد علاجاً ظرفياً غير مجد، لأن علل الحاضر ضاربة بجذورها في الماضي، والمقدس أشبه ببقعة زيت يتّسع أثرها في محيط الفكر ما دمت الينابيع التي تتفعر منها قائمة إلي اليوم، بل إنها زادت فيضا على أشياء وشخوص وأفكار ليست في الأصل مقدسة بفعل الإعلام، ولذلك تلازم مع الإرهاب وصار إلزماًمواجهته في ساحات شرعيته وخطاباته التاريخية المعاصرة.

وفي نهاية حديثي لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة للأستاذ الدكتور حسن حماد الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري مني لهذ الرجلٍ العظيم الذي لم تغيره السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

بهجت عباسالنصف الثاني من مقدّمة كتاب لم يُنشر بعدُ

الحظّ بيئيّـاً ومجتمعيّـاً

لا أحد يعرف لماذا يولد طفل من عائلة فقيرة ومن أبوين جاهلين في بلد متخلف فيحيا ليقاسي في الحياة، وبعضهم ينطبق عليه المثل الصيني أو الفارسي (ولدوا فتعذبوا فماتوا)، بينما يُولد طفل آخر من أبوين مرفّـهـيْن في بلد متطور فيحيا حياةَ طفولةٍ سعيدةً  وتسنح له الفرص فيعيش بهناء، وآخـر

أتـتْـه الخلافـةُ مُنـقـادةً**إليه تجــرّرُ أذيــالَهـــا

فلمْ تكُ تصلحُ إلّا لــهُ**ولمْ يكُ يصلحُ إلّا لَهـا

ولـوْ رامَها أحدٌ غيرُهُ**لزُلزلتِ الأرضُ زِلزالَها   (أبو العتاهية)

بل وحتى ثمّة اختلاف بين طفلين في دارين متجاورين من منشأ واحد، أحدهما من أبٍ حنون على أطفاله يسعى جاهداً ليسعدهم فيضحّي من أجلهم، والآخر من أب بخيل قاسٍ أنانيّ يعتبر أيَّ طفل يولد له، وخصوصاً إذا كان أنثى، عبئاً عليه. إنه لغز عصيّ على العقل . وهكذا كان حظّ مدرس اللغة الإنكليزية (علاء) في مدرستنا، متوسطة الكاظمية في الخمسينات من القرن العشرين، حيث كان يدرّس الملك فيصل الثاني أيضاً. كان يأتينا بقميص وبنطلون لا يتغيّران مع فقر واضح على سيماه، ولما سألناه بمزاح عما نراه من حاله، ابتسم بمرارة وقال؛ نحن نعلم أن الأب يورث أولادَه مالاً أو ملكاً ولكن أبي أورثنا ديوناً وعلينا تسديدها! أمّا الفتى (صالح) فقد أرسله أبوه إلى أميركا، وهو في السابعة عشرة عاماً من عمره المديد، ليدرسَ فيكونَ مهندساً بارعاً ثريّاً وكلاهما من جيل واحد في بلد واحد! لا تفسير! إنه الحظّ العجيب أو القدر الذي لا مردّ له . ولكن هل يستطيع الإنسان أن (يعكس) القدر لصالحه؟ ربّما، إذا أراد وصمّم وكافح وثابر ولم يتخاذلْ عند النوائب ويستسلم للقدر العتيد وعرف ما وجب عمله. ولذا أمثلة لا حصرَ لها.

 على أنَّ ثمّة من يعتقد أنّ الصّدفة coincidence أو ما تسمّى بالألمانية   der Zufall، التي قد تكون نتاج العقل الباطن أو اللاشعور، لها ارتباط بالحظّ وقد تلعب دوراً في حياة الإنسان، وكمثل بسيط على ذلك ما حدث لي في الستّينات من القرن العشرين، ذلك أنني كنت عاطلاً عن العمل بعد استقالتي من وزارة الصناعة في نوفمبر 1964 (لأسباب سيأتي ذكرها) فكنت أبحث عن عمل في الصيدليات الأهليّة. حدث ذات يوم أنْ كنت أسير في شارع السعدون في بغداد فمررت بصيدلية (القزويني) فلمحني صديقي الصيدلي حسين القزويني فحيّيته فدعاني للدخول إلى صيدليته وقال لي: كنتُ أبحث عنك، حيث كان السيد قاسم الشمّاع، الرجل الثاني بعد الدكتور خير الدين حسيب، رئيس المؤسسة الاقتصادية العامة التي تضمّ المؤسّسة العامّة للأدوية، هنا في الصيدلية يوم أمس وكان صديقه، فسأله إن كان يعرف بعض الصيادلة الأكْـفـاء لتوظيفهم في المؤسّسة العامة للأدوية التي كانت تابعة للمؤسّسة الاقتصاديّة، لأنّ الناس ضجّوا من قلّة وجود الأدوية ويلومون التأميم (حدث حينذاك تأميم المذاخر والأدوية وإناطتها بالمؤسّسة المذكورة، فلم تستطع القيام بواجبها في توفير الأدوية في الأسواق.) يقول السيّد حسين القزويني ذكرتُ اسمَك للسيّد قاسم الشمّاع وقلتُ له أنّك قادر على توفير الأدوية، فطلب منه (من السيد القزويني) أن يتّصل بي لأقابله في دائرته (البنك المركزي) ولكنني لا أعرف رقم تلفونك لأتّصل بك (لم يكنْ لديّ تلفون حينذاك) ولكنّه (القدر) ساقك إليّ وهنا ساتّصل بالسيد قاسم الشمّاع فاتّصل به فطلب منه هذا الأخير أنْ يُكلّمني فأخبرني أن آتي إليه غدا في دائرته (البنك المركزي) فكانت المقابلة في اليوم التالي، رحّب بي وأعطاني بطاقته (كارت) بتوصية إلى المؤسّسة العامة للأدوية التي رفضت طلباً لي للتعيين من قبلُ. وهكذا كان تعييني فيها ووظيفتي التي دامت أربعة عشر شهراً، وبعدها تعرّفتُ على الشركة الألمانية أ. ميرك للأدوية فصرت مدير مكتبها العلمي في بغداد،  فكانت نقطة التحوّل كما يسمّيها الشاعر ريلكه. ولولا تعييني في المؤسّسة العامّة للأدوية (كيماديا) التي كان ممثّلـو شركات الأدوية العالمية يزورونها لغرض تصدير (بيع) أدويتهم وتعرّفي عليهم ومقابلتهم، لربّما كان (حظّي) في العثور عليهم ضئيلاً أو معدوماً. لماذا كان مجيء من الكاظميّة إلى شارع السعدون ذلك اليوم ومروري بصيدلية القزويني الذي أدّى إلى حصولي على الوظيفة؟ أهو (الصّدفة) أو (الحظّ) الذي قادني إليه العقل الباطن؟ هذه الحال وغيرها الكثير (تؤيّد) قول الدكتور إبراهيم ناجي (لا تقل شئنا فإنّ الحظّ شاء) ولكنْ هذا (الحظّ) قد يكون ضد ّ مصلحة الفرد، فقد يقوده إلى طريق ضالّ أو أقلّ نفعاً من طريق آخر لو سلك هذا الأخيرَ، فما العلة أو العلل؟

وأخيراً أحبُّ أن أذكر شيئاً آخر قد يكون تفسيراً للحظّ، حسناً كان أم سيّئاً، تبعاً لـ(مخزون) العقل الباطن، ذلك أنني عندما كنتُ في الصف الرابع الإعدادي، كما سيأتي ذكره لاحقاً، خطّطتُ لدراسة الصيدلة لأكون صيدلانيّاً مستقلّاً لا أعتمد على الوظيفة للعيش. وكان زملائي يعرفون ذلك، فمثلاً، عندما اندلعت شرارة المظاهرات في عام 1952 والتي بدأت من كلية الصيدلة والكيمياء الملكية (كما كانت تُسمّى حينذاك) وأنا في الصف الخامس (الأخير) من الدراسة الثانوية، كان بعض الزملاء يقولون لي، لماذا لا تتظاهر تضامناً مع طلاب (كليّتكَ؟!) ولكنّي بعد التخرّج من الثانوية وتقديمي طلباً للحصول على بعثة وزارة النفط لدراسة الكيمياء الصِّناعية في إنكلترا، فشل  مسعاي، وعندما قُبِلتُ في كلية الطبّ للدراسة على نفقة ووارة الدفاع للتخرّج برتبة رئيس (نقيب) طبيب، فشلت، لأنّ طبيب الأذن والأنف والحنجرة (د. محمد الشوّاف) لم يقبل أن يفحصني لتأخّري عن  الفحص (سيأتي ذكره) وبعد ذلك إلغاء بعثة وزارة الإعمار إلى أميركا، مما جعلني مضطراً للدراسة في كليّة الصيدلة التي قبِلتُ فيها. هل لعب الحظّ دوره (الجيّد) في هذا؟ ربَّما، فقد كانت شهادة الصَّيدلة (قارب النجاة) في معترك الحياة التي خضت غمار بحرها، فبواسطتها استطعت الحصول على إجازة ممارسة الصّيدلة في كندا التي (سهّلت) أمور حياتي كثيراً ولولاها لكانت الحياة قاسية! ومن قال إنني سأنجو بعد تخرّجي من الطبّ (العسكري) لو تمّ، بعد انقلاب 1963 الأسود! فهل كان ما خُزن في العقل الباطن في الدراسة الثانوية من التركيز على دراسة (الصيدلة) أدّى إلى (تعثّر) دراسة ما سبق ذكره و(سهّل) التوجّه إلى دراسة الصيدلة وكان حظّاً حسناً؟ وهل كان (المخزون) في الدماغ، وهو التركيز على الصّيدلة، وفقَ نظريّة د. لبتون، موجباً وليس سالباً كالدراسات الأُخرى، حيث أنتج الحاسوب الضخم (العقل الباطن) الأول ورفض الثاني لأنّ كلّ ما تخزن فيه، تحصل عليه، رضيتَ أم لم ترضَ. وهل نسمّيه (الحظّ؟) بنوعيه، نتيجة اختيارك طريقاً معيّناً، تسعد فيه أو تشقى، أو يأتيك تلقائيّاً دون أنْ تفكّر فيه أو تسعى إليه؟ المسألة غامضة، وهناك الكثير من الحوادث التي مرّت عليّ في مسيرتي الطويلة الكأداء أحياناً في هذه الدّنيا الجميلة والقبيحة في الوقت ذاته، وكلّ حدثٍ ينطِقُ بذاته ولا أعرف حقّاً، هل اختياري ذلك الطريق وليس  آخر بديلاً، كان في منفعتي أم في ضرري، أو بالأحرى حظّاً حسناً أم عاثراً، ولربّما كان تفويت فرصة، ويا لكثرةِ ما فاتني من فرص، ندمتُ على تفويتها، كانت خسراناً مبيناً إنْ اغتنمتُها! لا أدري، ولكنّني أدري أنّ اتّخاذَ القرار الصّحيح يلعب الدور الأكيد في النجاح، وهذا ما يتّخذه العقل المبدع المفكّر (الظّاهر!) أمّا نتيجة اتّخاذ قرار (اعتباطيّ)، إيجاباً أو سلباً، فهي شأن العقل (الباطن!) وهنا في هذه السيرة ذكرتُ الحوادث الرئيسة الني مرّت عليّ أو مررت بها ممزوجة بواقع المجتمعات التي عشت وأعيش فيها واتّخاذ الطرق المتعدّدة المتشعّبة في مجالاتها، فما انسدّ طريق في وجهي إلّا وحاولتُ فتحه والسير فيه، وإن لم تعذّر، فطريق آخر، ولو كان شائكاً، ولنْ أقعدَ مذموماً مدحوراً، وقد قال الشاعر العربيّ منْ قبلُ

إذا لمْ تكنْ إلّا الأسنّةُ مركباً**فما حيلةُ المضطرِّ إلّا ركوبُـها

(كميت الأسدي)

وهذا طبعاً لم يكنْ ولن يكون، فهو من باب المجاز (metaphor) ليس إلّا. فالارادة لتغيير الواقع المتعثّر في الحياة هي الحياة الحقّة للعيش بكرامة، والتخاذل أو الاستسلام هو النهاية المؤلمة لها، ولاتَ حينَ مّناصٍ.

 

د. بهجت عباس

ابراهيم مشارةقراءة في رسائله إلى ابنتيه ورفيقه إنجلز

وصل كارل ماركس إلى الجزائر في 20 شباط ومكث فيها إلى غاية 02 أيار من عام 1882 فقد كان يعاني من ذات الجنب والتهاب في القصبة التنفسية وقد نصحه أطباؤه وبعض رفاقه بمن فيهم إنجلز بضرورة المكوث أسابيع في شمال إفريقيا حيث الشمس مشرقة والهواء صحي وكان القصد هو توجه ماركس إلى مدينة بسكرة لكن تردي صحته حال دون توجهه إلى هذه المدينة الداخلية حيث يستغرق السفر إليها أسبوعا ناهيك عن مشاق الرحلة واكتفى بالمكوث في الجزائر العاصمة حيث أقام بنزل الشرق أولا ثم نزل فكتوريا في شارع ميشليه (ديدوش مراد) اليوم، يزوره الطبيب "اسطفان" في النزل يفحصه ويعالجه بمختلف الأدوية ويوصيه بالمشي والتنزه صباحا والإقلال من القراءة والاكتفاء فقط ببعض الصحف التي لا تتطلب إمعانا في التفكير فقد كانت حالته تنتكس أحيانا وتتحسن قليلا، وفي رسائله التي بعثها إلى ابنتيه جيني ولورا لافارج وصديق عمره فريدريك إنجلز يتحدث دائما عن الأرق الذي كان يلازمه وعن السعال الشديد أحيانا حتى إنه بصق دما ذات مرة وعن فقدان الشهية وعن صدمته من كون الجو في الجزائر كان استثنائيا منذ عشر سنوات فقد ظلت الأمطار تهطل والبرد شديد والسماء دائما ملبدة بالغيوم وهذا الجو بالذات لا يناسبه، إنه يزيد في معاناته، ولذا لم يكن مستريحا في إقامته بالجزائر وظل ينتظر الرحيل بفارغ الصبر لكن الأطباء لم يسمحوا له بذلك. إن البقاء في البلد ضروري فهو مرهق وحالته الصحية هشة وعلامات التعب على وجهه ما تزال ظاهرة فالراحة وأخذ الدواء والامتثال للتعليمات الطبية والحرص على الرياضة الصباحية والمتمثلة في النزهة الصباحية لازمة وهذا أمر يتطلب أسابيع إضافية لذا يمكن القول إن ماركس أقام على مضض في الجزائر متسليا بقراءة الصحف الكولونيالية الصادرة في الجزائر خاصة "المعمر الصغير " والصحف التي تصله مع البريد من أوروبا ويتسلى بكتابة الرسائل إلى إنجلز وابنتيه جيني ولورا لافارج وقد كتب خلال إقامته في الجزائر 16 رسالة أغلبها إلى جيني وإنجلز .

لم يتحرك ماركس خلال إقامته في مدينة الجزائر كثيرا حيث كانت آنذاك تقسم إلى ناحيتين مصطفى الأعلى حيث شارع "ميشليه "و"اسلي" (العربي بن مهيدي) اليوم ومصطفى الأدنى حيث حديقة التجارب وقد زارها مرة، إذا كانت نزهة ماركس اليومية وغالبا صباحا في ناحية شارع ديدوش مراد أو العربي بن مهيدي وقد سجل ماركس في إحدى رسائله إعجابه بالريف الجزائري أي ضواحي مدينة الجزائر حيث أبعد في خرجاته هذه المرة وامتدح كثيرا دفء العاصمة وجمال الجو والشمس مسفرة والإطلالة البحرية على خليج الجزائر كما امتدح كثيرا الاخضرار والزهور التي تزين بعض المناطق وفيما عدا ذلك ظل يستعد للرحيل فالآلام والأرق والسعال ظل يلازمه وأنحى باللائمة على إنجلز الذي من فرط حبه لصديقه حرص على رحيله للاستشفاء-وقد قتله حبا كما قال- لولا أن الحظ كان عاثرا فالجو كان مكفهرا ،بارد ا متلبدا إلا من أيام قليلة تشرق فيها الشمس ويعتدل الجو .

إذا هي رسائل قصيرة فقد كانت حالته لا تسمح له بالإطناب كما لا تسمح له بالتنزه بعيدا واكتشاف مناطق هذا البلد الإفريقي وعاداته وتقاليده وثقافته ومعاناته من الاستعمار الوخيم الذي دمر كل البنى التحتية والفوقية وكان بحق أجرم استعمار في القرن التاسع عشر والعشرين معا.

إن الذي يهم في هذه الرسائل اكتشاف مدى المعرفة السطحية التي يحملها ماركس والمفكرون الغربيون عن الآخر المختلف خاصة إفريقيا والعالم العربي ومن ثمة كانت مقولاتهم وتنظيراتهم أوروبية محضة، ثقافة متمركزة على ذاتها حيث تهيمن نرجسية متعالية فالحضارة البيضاء هي المتن والمركز وغيرها هو الآخر غير الأبيض، الهامش والحاشية واعتراف ضمني بان الآخر ليس عنده ما يستحق النظر أو الاهتمام ولا أدل على ذلك من سذاجة المعلومات الجغرافية والتاريخية عن البلد والاكتفاء بالاطلاع عليها نتفا من موسوعات وقواميس ذلك العصر وهي لا تخلو من ابتسار وأخطاء بكافة أنواعها ،ولقد وجد ماركس نفسه في ورطة فهو لم يدن الاستعمار الفرنسي للجزائر لأنه اكتفى بالنظر إليه اقتصاديا إنه في مصلحة الرأسمالية التي تدخل التحديث الضروري إلى هذا العالم البدوي المتخلف، إنه تغاضى سياسي وتركيز على الجانب الاقتصادي للاستعمار حيث تتأزم الرأسمالية وتبحث عن حلول لأزماتها بتشجيع الهجرات وما يتبع ذلك من اكتشاف للموارد الأولية وهجرة لرؤوس الأموال ومن ثمة خلق دينامكية اقتصادية وتجارية وصناعية وعلمية وثقافية في تلك البلاد المتخلفة منددا أحيانا من الناحية الأخلاقية بالفظاعة التي يرتكبها الجنود الفرنسيون والاستعمال الزائد للقوة وواصفا المعمرين الجشعين باللصوص أو بنات آوى الذين استولوا على أرض الأهالي ودمروا الملكية الجماعية للأرض (المشاعية) وبالتالي قضوا على الرابطة الأسرية والدموية وارتباط الأهالي بالأرض وهي حيلة كان يهدف المعمرون من خلالها إلى تشتيت العائلات بتشجيع الملكية الفردية بامتلاك الغير للأراضي وبذر بذور الفرقة والانقسام بينها حتى لا يتهيأ أمر الوحدة والتمرد جماعيا ، ندد بهذا لكن لم يندد بالاستعمار على أنه انتهاك للحق الإنساني وبربرية وجرائم للرجل الأبيض باسم نشر الحضارة والتمدين وهذه إحدى ورطات ماركس فهو ظل مركزيا ولم يكن يعني له الآخر المختلف غير تابع لا حظ له من حضارة ولا من رقي ولا من تاريخ . نظر ماركس إلى الاستعمار الفرنسي للجزائر على أنه عملية تعمير للأرض وهجرات بشرية مثل الهجرات الأوروبية إلى أمريكا وأستراليا فهؤلاء المعمرون الأوروبيون بنوا حضارة ونشروا التقدم وتطورت الحياة والمعارف العلمية والحضارية بهجرة أولئك المعمرين ولكن ماركس لم يتذكر كافة أشكال الإبادة التي تعرض لها الهنود الحمر والتي كانت بالملايين ولم ينظر في الاستعمار من الناحية الثقافية حيث يطغى عليه الشعور بالتفوق والغلبة فيبيد الثقافة الأخرى لصالح ثقافته المتنصرة والمهيمنة وهذي جريمة أخرى من جرائم الاستعمار.

2150 ماكرس

نظرة ماركس للاستعمار الفرنسي للجزائر نظرة اقتصادية بحتة أهملت الجانب الحضاري والثقافي والإنساني واهتمت بالجانب الاقتصادي حيث تحتل النظرية المادية حجر الزاوية في تنظيراته وهذه إحدى مآزق كتاباته فهي فكر مركزي منغلق على ذاته فالواقع ليس إلا مقولة غربية .

في إحدى رسائله إلى لورا لافارج يكتب ماركس ما يلي: "كان المنظر مدهشا كان بعض أولئك المغاربة يرفل في ثياب أنيقة بل فاخرة وكان بعضهم الآخر يرتدي ما سأجرؤ على وصفه بأنه بلوزات كانت فيما غبر من الصوف الأبيض وحالت اليوم إلى مزق وأسمال لكن مثل هذه الاحتمالات من يسر وعسر لا يمكن في نظر المسلم الحق أن تقيم من فروق بين أبناء محمد وهي لا تؤثر في شيء على المساواة المطلقة التي يظهرونها في علاقاتهم الاجتماعية"

كتب هذه الرسالة بعد زيارة قام بها إلى حديقة التجارب بالحامة وقد رأى مقهى في الهواء الطلق يجتمع بعض الشباب والكهول من الأهالي على موائد خشبية يلعبون لعبة الأوراق ويرتشفون القهوة العربية الإعداد.

وواضح أن ماركس وجد نظريته في الصراع الطبقي لم تفسر سبب هذا الاجتماع الحميم بين موسرين ومعدمين وهم يلعبون الورق ويحتسون القهوة فمن المفروض أن الصراع الطبقي والحقد الطبقي لا يترك فرصة لاجتماع الموسرين والمعدمين بهذا الدفء والحميمية والروح الأخوية وماركس يستبعد الإيديولوجيا – الدين - في تفسيراته للتاريخ الإنساني مما حدا ببعض النقاد إلى اعتبار هذا النص بالذات دليلا على تمركز ماركس على نفسه وانغلاقه على ثقافته الأوربية وإحساسه بالاستعلاء وبالتالي فتحليلاته للصراع الطبقي لا تخص إلا الواقع الأوروبي فالواقع مقولة أروبية لا غير، أو لعله انقلب في هذا المشهد مثاليا ولا تفسير لذلك إلا بالإقرار بأهمية البعد الروحي في الحياة الاجتماعية بله والتأثير فيها بصرامة ولكن يا للعجب يحدث هذا في الشرق وليس في الغرب !

وفي إحدى رسائله أيضا يتحدث عن فجيعة إعدام الفرنسيين للص مسكين وهذا توصيف ماركس ولا شك أنه يعرف سبب كثرة اللصوصية في الجزائر في ذلك الإبان والسبب في انتشارها إنه الاستعمار الذي جعل الشعب مشردا وأخذ أرضه وماله وقتل ناسه أي دمر البنى الاقتصادية والثقافية برمتها للشعب فظهرت الآفات الاجتماعية بكثرة مثل اللصوصية والسكر وقطع الطريق وهي مثالب تسبب فيهال الاستعمار وقد أدانها ماركس سطحيا لكنه لم يتعمق المسألة .وبروح النكتة والطرافة يقص على لورا لافارج فاجعة إنسانية حيث أعدم الاستعمار رجلا بالمقصلة وقطع رأسه وكان الأهالي يريدون استرجاع الرأس ليلصقوه بالجثة ويدفنوها كاملة لكن السلطات الاستعمارية رفضت ويعلق ماركس أن هذا المسكين حين يصل إلى الجنة يجد محمدا يرفض دخوله إلى الجنة حتى يعود إلى الكفار ويأخذ رأسه فالجنة لا يدخلها مسلم بلا رأس. هكذا روى ماركس هذه النكتة بروح الاستخفاف والتندر عن فاجعة إنسانية وعن استخفاف بثقافة ودين ولو أنه وصف الضحية بالمسكين لكن هذا لا يشفع له قلة اعتباره لثقافة الآخر واحترامه للتجارب الحضارية والروحية عند الشعوب غير الأوروبية.

وتجدر الإشارة إلى أن القاموس اللغوي الذي يستخدمه ماركس في رسائله في حديثه عن الأهالي مثل :عصابة من العرب،البدو ،ملكوت المسدس ، العروق الدنيا، وهي كلمات كان ينتقيها من الصحف الكولونيالية الصادرة بالجزائر - يخففها بالتعاطف البسيط مع الضعفاء دون إدانة عميقة للجريمة وسببها الرئيس- وهي صحافة ناطقة باسم المعمرين الكبار أو المعمرين الصغار حيث اهتم ماركس بتحليل الصراع الطبقي بينهما ولم يهتم بإدانة جريمة الاستعمار في حد ذاتها.

وإلا فكيف يسوغ لنفسه أن يكتب في إحدى رسائله مثل هذه العبارة:

"الزنوج عبيد للبربر والعرب أحرار في العهد الفرنسي"إن الشعب برمته من بربر وعرب وزنوج صار عبدا للاستعمار الفرنسي.

أخيرا يعلق جورج طرابيشي على أن سطحية معرفة ماركس بالجزائر وإدانته الخفيفة للإجرام الفرنسي كانت بسب أنه رأى الجزائر بعين القاضي الفرنسي "فرميه" والذي كان لا يندد في   الاستعمار إلا بالشدة وينقل إليه صورا غير كاملة وما يحب هو أن يسمعه من وجهة نظر طبقة من المعمرين الصغار الذين كانوا في صراع طبقي مع المعمرين الكبار وبالتالي أدانوا القسوة الزائدة فقط ولا يمكن أن يكون تبرير طرابيشي مقبولا فالاستعمار هو الاستعمار والظلم هو الظلم منذ أن خلق الله الأرض والإنسان والسماء إنه فعل بربري لا إنساني همجي ولم يكن الأمر يحتاج إلى بروز الإمبريالية وتنامي الاستعمار وينتظر العالم المخلص لينين ليدين الإمبريالية ويمجد الحركات التحريرية في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ليعرف فداحة الظلم وجريمة الاستعمار منذ عصر الرومان إلى يوم الناس هذا.

كما أن المغالاة في الاعتقاد بصدقية النظريات الماركسية مع حرفيتها –وهي مجرد أدوات لفهم الواقع وتحليله تخطئ وتصيب- والهوس بها إلى درجة الإيديولوجيا يولد العمى الإيديولوجي ذلك العمى الذي يجعل الفرد يرى في الحياة لونا واحدا وجهة واحدة مسطحة ذات بعدين على الأكثر أحدهما عماه الإيديولوجي ، فهو الهوس بالماركسية إلى حد الماركسوية وهي أصولية أخرى على غرار الأصولية القومية والسلفية والعلمية التقنية وما شئت من أشكال العمى الإيديولوجي.

و قبل أن يعود ماركس إلى إنجلترا عبر فرنسا حلق ذقنه وتخلص من شعره المستعار وأرسل لابنته صورة شمسية بلا لحية ولا شعر مستعار وغادر الجزائر فرحا بالعودة يوم 02 أيار من عام 1882 ليموت بعدها بأشهر قليلة.

 

ابراهيم مشارة

 

مصدق الحبيب(1867 – 1947) Irving Fisher

هو الاقتصادي والاحصائي الذي وُصِف ايضا بالمخترع والمصلح الاجتماعي المتنور والتقدمي. كان جوزيف شومبيتر قد قال عنه بأنه أعظم اقتصادي انجبته أمريكا. وكان جيمس توبن وملتن فريدمن، وهما من ألمع الاقتصاديين الامريكيين الحائزين على جائزة نوبل في الاقتصاد، قد كررا في اوقات ومناسبات مختلفة نفس وصف شومبيتر. يعتبر فشر من أوائل الاقتصاديين النيوكلاسيكيين الحديين في فترة اتساع دائرة تطور النظرية الاقتصادية من أوربا الى أمريكا. وهو الأول الحاصل على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد في أمريكا، والذي اشتهر بوضوح كتاباته وسلاسة شرحه للمفاهيم والنماذج الاقتصادية، حتى مع استخدام التحليل الرياضي لإسناد المنطق الاقتصادي وتثبيت مصداقيته. قال جورج ستگلتز، الحائز ايضا على جائزة نوبل، بأن فشر، وابتداءً من اطروحة الدكتوراه، كان الاول الذي حلل منفعة المستهلك وطريقة قياسها واهميتها في فهم نظرية الطلب.

ولد فشر في وادي هدسن في نيويورك عام 1867، وكان والده يعمل قسًا لدى الدوائر الحكومية. وهو الرجل الذي زرع في ابنائه الضمير الحي وقوة الاحساس المبكر بالخطأ والصواب والشر والخير في الحياة والسعي والاعتماد على الذات. وليس غريبا أن نرى إرفنك قد ارتقى لتحمل المسؤولية في اعالة والدته وأخيه بعد ان توفى والده وهو في الاسبوع الاول من دخوله الجامعة، حيث اسرع لايجاد عمل كمدرس خصوصي مكنه من الحصول على الدخل الذي يحوله الى والدته. ولم يؤثر ذلك على اجتهاده في دروسه حيث تخرج الاول على دورته في جامعة ييل Yale. ومن الجدير بالذكر أن نشأة ارفنك في كنف عائلة دينية علمته الفضيلة، لم تستطع أن تحول دون تحوله الى ملحد فيما بعد. تخرج إرفنگ في قسم الرياضيات عام 1888، وواصل دراساته العليا فيها فأكمل الدكتوراه في الاقتصاد الرياضي عام 1891 في زمن لم يكن هذا الفرع متأسسا أو معروفا بعد، فكان رائده الأول بدعم وتشجيع من استاذه المعروف وليم گرام سمنر. كانت اطروحته بعنوان "بحث رياضي في نظرية القيمة والسعر" التي كانت بذرة لاهتماماته الاكاديمية اللاحقة وفاتحة لتأسيس الاتجاه الرياضي المعاصر في الاقتصاد، خاصة وانها جاءت متزامنة مع جهود زملائه الاوربيين في هذا المجال مثل ليون فالراس في فرنسا وستانلي جيفنز وفرانسس اجوورث في بريطانيا. أشار مؤرخو الفكرالاقتصادي بأن البحوث التي قام بها فشر في الولايات المتحدة كانت متزامنة مع بحوث ليون فالراس في فرنسا من دون ان يعلم احدهما بالاخر، علما ان فشر كان متأثرا بكتابات يوجين فون بومبافرك وجون ري. كما ان نظرية الاستثمار ورأس المال التي صاغها فيما بعد كانت الفاتحة في تقديم المدرسة النمساوية الى المجتمع الاكاديمي الامريكي. من المفاجآت الغريبة السارة التي فاجأ بها فشر لجنة مناقشة اطروحة الدكتوراه هي الماكنة الهيدروليكية ذات المضخات والصمامات التي تعمل على تدوير السائل التي صممها فشر وعملها بنفسه من أجل توضيح دورة النقود في الاقتصاد وكيف يعمل تغيير العرض والطلب على تغيير الاسعار والتي جلبها كوسيلة ايضاح اثناء المناقشة، اضافة الى شرحه المستفيض الوصفي المعزز بالمعادلات الرياضية. بعد نيله الدكتوراه، تعين استاذا مساعدا في نفس الجامعة وبعد مدة وجيزة حصل على درجة الاستاذية عام 1898، وبقي استاذا في ييل لحين تقاعده عام 1935.

2146 فشرأسهم فشر في صياغة نظريات ومفاهيم اقتصادية رئيسية مازلنا نعتمدها الى اليوم كنظرية سعر الفائدة ورأس المال والاستثمار والنظرية الكمية للنقود وكان الاول الذي ناقش العلاقة العكسية بين ارتفاع معدلات الاجور والبطالة، والتي صاغها بشكل رسمي بعد اربعين عاما الاقتصادي النيوزيلندي وليم فيليبس على شكل مانعرفه اليوم بمنحنى فيليبس Phillips Curve. ولذا فان الكثير من النماذج الاقتصادية الحالية تقوم بالاساس على طروحات فشر الاصلية، خاصة في حقل سعر الفائدة والنقود ورأس المال والمدرسة النقدية Monetarism برمتها.

من ضمن تلك المفاهيم الرائدة اعتبار فشر للفائدة كمقياس لخيارات المجتمع بين استخدام المال في الوقت الحاضر وبين استخدامه في المستقبل، والذي فتح باباً لتحليل جديد ومقارن للقرارات الاقتصادية في زمني الحاضر والمستقبل والذي سمي بالـ Intertemporal Analysis، أي التحليل ثنائي الزمن أو تحليل القرارات البيـْزمنية . فمناقشة فشر للنقود والسياسة النقدية ورأس المال عبر هذا التحليل أصبحت الام الشرعية للمدرسة النقدية في الاقتصاد التي ولدت فيما بعد والتي تهتم بشكل خاص بتحليل علاقة عرض النقود في الاقتصاد ودور الدولة في السيطرة على السياسة الاقتصادية من خلالها. وقد كان فشر الاول الذي اخضع متغيرات الاقتصاد الكلي خاصة النقود ومستوى الاسعار وسعر الفائدة والعمالة الى التحليل الاحصائي والقياسي في بواكير نشوء الاقتصاد القياسي الذي كان هو شخصيا من مؤسسيه الاوائل. كما كان الاول في استخدام الارقام القياسية وقد ابتكر الرقم القياسي المثالي Ideal Index Number الذي هو المعدل الهندسي بين سعر پاش Paashe وسعر لاسپيرLaspeyre، اضافة الى ابتكاره لما يسمى بالـ Distributed lag.

أما في نظرية رأس المال فقد ميز فشر بين رأس المال المادي الشيئي كالاسهم المالية وأموال الاستثمار والمكائن والمعدات والابنية وبين تيار العوائد او الدخول المتدفق لوحدة الاستثمار من تلك الموجودات او الاصول. وهنا جاءت نظرية القيمة الزمنية للاموال او الوحدة النقدية التي تتأثر بزمن حسابها. بمعنى ابسط، ان قيمة النقود اليوم تختلف عن قيمتها أمس وعن قيمتها غدا، وهذا مانعرفه اليوم بـ Time value of money. فقيمة رأس المال عند فشر ينبغي ان تحسب في الزمن الحاضر، ومثال على ذلك فاننا اذا استثمرنا مبلغا من المال ونتوقع ان يدر لنا عوائدا بعد سنتين من الان، ستكون القيمة الحقيقية لتلك العوائد هي قيمتها اليوم وليس بعد سنتين من الآن، وهذا مانسميه اليوم القيمة الحاضرة او الحالية Current value. ويسري الامر على تقييم كل رؤوس الاموال وحتى قيمة المؤسسات برمتها. ومن هنا جاءت نظرية الفصل Separation Theorem، والتي تؤكد بأن الهدف الجوهري للمؤسسة هو تعظيم قيمتها الحالية أي ان جميع عوائدها وفائدتها المستقبلية ينبغي ان تحسب بموجب قيمة الدولار اليوم وهذا يتطلب أن نجلب القيمة المستقبلية لأي عائد الى قيمتها الحالية عن طريق الحساب الرياضي المسمى بـ الخصم Discounting الذي يستخدم سعر الفائدة السائد في السوق. وقد جاءت كلمة الفصل بمعنى ان التقييم الاصح للمؤسسة هو الذي يعتمد فصل هدف مالك المؤسسة الذي يروم الى زيادة رؤوس اموالها وعوائدها بأي قيمة عن هدف المدير المالي الذي يدرك ان التقييم الحقيقي هو الذي يعتمد قيمتها المخصومة بموجب قيمة الدولار الحالي.

وبالنسبة لسعر الفائدة، فقد كان فشر هو الذي ميز بين سعر الفائدة الاسمي وسعر الفائدة الحقيقي فوضع مانسميه اليوم معادلة فشر Fisher Equation التي تعرف سعر الفائدة الحقيقي (r) بكونه السعر الاسمي (i) ناقص معدل التضخم المتوقع (f) :                        

r ={ (1 + i)/ (1+f)}- 1 = i - f

كما صاغ فشر معادلة التبادل Equation of Exchange. وهي MV = PT. وذلك عندما يمثل M عرض النقود و V سرعة التداول و P مستوى الاسعار و T عدد العمليات او الصفقات المالية. أما ما سمي بفرضية فشر Fisher Hypothesis التي تنص على ان سعر الفائدة الحقيقي يعمل كعامل مستقل عن العوامل النقدية الاخرى وبضمنها سعر الفائدة الاسمي.

في كتابه "القوة الشرائية للنقود" المنشور عام 1911 والذي وضع فيه اصول توازن الاسعار واستقرار قيمة الدولار، أشار فشر الى العلاقة بين التغييرات في عرض النقود ومستوى الاسعار والتي تتبين من خلالها القوة الشرائية وهي كمية السلع والخدمات التي تستطيع النقود شرائها. وقد بين ماسماه بـ "وهم النقود" Money Illusion. وهو ظاهرة التعلق بالاموال لذاتها وليس بما تستطيع فعله، أي الى اي مدى تستطيع النقود ان تشتري من السلع والخدمات! وبتعبير تكنيكي هو ان اغلب المستثمرين لايقدرون قوة النقود الشرائية والتي تتأرجح بموجب قيمة الوحدة النقدية زمنيا وتأثير مستوى الاسعار عليها. ولهذا كان فشر الاقتصادي الاول الذي اقترح العزوف عن تحديد قيمة الدولار بكمية الذهب الساندة لها في البنك المركزي، انما الاصح ان تقاس بقيمة تلك الكمية في السوق لانها قيمة محكومة بمستوى الاسعار والزمن وتتأثر بموجب الارقام القياسية تبعا لاسعار سلع معينة في اي اقتصاد. كما اقترح على البنوك الفيدرالية ان تنتهج سياسة الاحتياطي الكامل المساوي لـ 100% من قيمة الودائع. ولايخفى على أحد الآن بأن هذه الافكار التي صاغها فشر ماتزال تمثل حجر الزاوية في رسم سياسات البنوك المركزية في العالم.

وفي ماجاء من افكار فشر حول سعر الفائدة هو ان هذا السعر ذا الاهمية البالغة في الاقتصاد ينشأ من تفاعل عاملين: الأول هو تفضيل الناس عموما لاستخدام الدخل الحالي على الدخل التالي. أي انهم يفضلون الحصول على المال وانفاقه على حاجاتهم عاجلا وليس آجلا، وهو امر متعلق بالطبيعة الانسانية الميالة الى الاشباع الآني وليس المؤجل والذي يسمى في اقتصاد المستهلك Consumer impatience.

العامل الثاني هو فكرة الاستثمار التي تسمح بنمو الاموال في المستقبل جراء التضحية باستخدامها في الوقت الحاضر. أي اننا اذا ادخرنا واستثمرنا سنقوم لا محالة بقطع مبلغ الادخار والاستثمار من الدخل وعلى حساب المبلغ الموجه للاستهلاك في الوقت الحاضر. ولذا فاننا اذا احتجنا لاستهلاكنا اكثر مما يسمح به الدخل المتوفر، سنستدين من المصرف! واموال المصرف هي اموال اولئك الناس الذين ضحوا باستهلاكهم الحالي بأمل ان يتمتعوا اكثر باستهلاك المستقبل! ونتيجة لهذه التضحية سيكافئهم المصرف بمنحهم الفائدة المستحقة على استثمار اموالهم. أما نحن الذين استدنا فعلينا ان نسدد الديون مع فائدة في وقت لاحق. وبين الفائدة المدفوعة للمستثمرين والفائدة المستلمة من المدينين، اضافة الى اعتبارات اخرى، تقوم المصارف بتحديد سعر الفائدة، والذي هو في النهاية سيكون "سعر استخدام الاموال".

وكان لفشر رأي خاص حول الضريبة. فهو أول من دعا الى الغاء ضريبة الدخل والاكتفاء بضريبة الاستهلاك حيث كان يعتقد ان الضريبة على الدخل تعني دفع الضريبة مرتين double taxation، مرة على الدخل ومرة اخرى على استثمار هذا الدخل مما يثبط الرغبة في الاستثمار بالنسبة لاولئك القادرين على توجيه ادخاراتهم نحو الاستثمار.

تمكن فشر من انجاز ونشر 14 كتابا في الاقتصاد و15 كتابا في مواضيع اخرى والكتب الاساسية التي ضمت اغلب افكاره المبتكرة في الاقتصاد هي:

- طبيعة الدخل ورأس المال 1906

- القوة الشرائية للنقود 1911

- صنع الارقام القياسية 1922

- نظرية الفائدة 1930

- الانتعاش والكساد 1932

واضافة الى مساهماته الفكرية فقد كان فشر سباقا لتأسيس الجمعيات الاكاديمية المهنية الهامة كجمعية الاقتصاديين الامريكيين التي اصبح رئيسها عام 1918، وجمعية الاقتصاد القياسي التي اسسها مع جوزيف شومبيتر وراگنر فرش وچارلز رووس، واصبح رئيسها الاول عام 1931. كما ترأس الجمعية الامريكية لتحسين النسل لمدة اربع سنوات من 1922 الى 1926. كان رافضا للحروب ومهتما بالسلام العالمي والتعاون الدولي فانتمى الى مجموعة من الناشطين في هذا المجال قادت حملة واسعة للتحضير لتأسيس عصبة الامم وحث الولايات المتحدة على الانضمام اليها من اجل ان تصبح امریکا قائدة العالم الحر للسلام والحرية! وحين تكونت العصبة عام 1919 تخلفت الولايات المتحدة عن الانضمام اليها مما اصابه بالاحباط والهزيمة. ورغم ان البعض من زملائه كان قد وصفه بكونه رجل غريب الاطوار! لكنه كان نابضا بالحياة والحيوية والنشاط الاجتماعي وكانت له اهتما مات في مجالات واسعة في العلوم والاداب ومكان مخترعا في الميكانك حيث ابتكر نظام كاردات الفهرسة وحوله الى مشروع تجاري حصل منه على ارباح كثيرة لكنه فقدها لحد الافلاس عند انهيار السوق المالية عام 1929 وبدء سنوات الكساد العظيم 193خلال الثلاثينات.

في عام 1898 اصيب فشر بمرض التدرن الرئوي الذي شفي منه واصبح على اثره مهتما بالصحة العامة وناشطا في مجال التغذية والوقاية والرياضة البدنية وتحسين النسل واصبح نباتيا وكتب كتابا في هذا المجال بعنوان "كيف تعيش: القواعد العلمية للعيش السليم" الذي حقق شعبية واسعة. كما دعا الى نبذ الكحول والمخدرات وربما تحريم انتاجها واستهلاكها.

رغم ألمعية فشر ونشاطه الاكاديمي المتقدم، فإن من المفارقات الكبرى التي زعزعت ثقة الاكاديميين والجمهور على السواء بقابليته على تفسير الظواهر الاقتصادية هو تصريحه العلني بأن اسعار الاسهم في السوق المالية وصلت الى المستوى الذي يمكنها من الاستقرار الذي لا قلق يتوجب بعده. كان ذلك قبل ايام قليلة من الانهيار المدوي للسوق المالية في الولايات المتحدة الامريكية الذي بدأ في الرابع من سبتمبر، ثم في 29 اكتوبر عام 1929 الذي سمي بيوم الثلاثاء السوداء والذي عصف بالاقتصاد الامريكي والعالمي ورماه في اطول واقسى كساد اقتصادي في تاريخ الاقتصاد. ولم يخسر فشر كامل ثروته فحسب، بل خسر سمعته الاكاديمية رغم استمراره بتفسير ماحدث والتنبؤ بحالة الشفاء الاقتصادي الذي لابد ان يحل بفعل طبيعة الدورة الاقتصادية. ولكن لم ينفع أي تفسير يقدمه فشر أو أي اقتصادي آخر. كان ذلك بمثابة الضربة القاضية التي انهت الانتباه لما يقوله ويكتبه فشر. كما ان حالته المادية قد ساءت كثيرا بعد ذلك، خاصة بعد تقاعده من ييل عام 1935 حيث لم يكن راتبه التقاعدي كافيا لسد مصروفاته الاساسية مما دفع الجامعة لشراء بيته واعادة تأجيره له بايجار رمزي. توفت زوجته عام 1940 واصيب بالسرطان عام 1947 وتوفي في نفس العام في نيوهيفن بولاية كنتكت.

ان تفسير الازمات الاقتصادية الذي طوره فشر بعد انهيار السوق المالية عام 1929 والكساد الذي تبعه مايزال تفسيرا نافذا الى اليوم. وهو ما سمي في ما بعد بنظرية الديون والانكماش التي عزت حدوث الازمات الاقتصادية الى انفجار ما سمي بفقاعة التسليف التي تنتفخ الى اكثر مما هو ضروري فتنفجر نتيجة للثقة المتزايدة في السوق التجارية خلال اوقات الانتعاش الاقتصادي وزيادة الارباح والدخول. فمثلما تنفجر الفقاعة الهوائية عندما يستمر نفخها الى ماوراء حدود استيعاب غلافها، يحدث الامر في انفجار فقاعة المديونية في الهيكل الاقتصادي الذي تترتب عليه نتائج وخيمة منها:

- انخفاض عرض النقود في التداول بسبب دفع الديون الى المصارف التي تحجم عن ضخ النقود مرة اخرى في الدورة الاقتصادية.

- انخفاض الاسعار عموما والارباح والدخول التي يتبعها انخفاض الانتاج والعمالة وتقليص لاحق للدخول والاستهلاك فتكسد السلع والخدمات في السوق مما يدعو الى تخفيض اضافي في الانتاج ثم الدخول والاستهلاك، وهكذا تعيد الدورة نفسها في دوامة حلزونية مفجعة متجهة الى القاع، وهذا ما يصف مرحلة الكساد العميق depression الذي يتبع مرحلة الركود الاقتصادي recession غير القادر على تدوير العجلة الاقتصادية والبدء بمرحة التعافي recovery .

ورغم ان هذه النظرية فسرت الواقع بشكل علمي الا انها جوبهت بالتجاهل والاهمال، خاصة بعد تحول الانظار الى صعود نجم كنز في بريطانيا وتأثيره البالغ على البيئة الاكاديمية واروقة السياسة الاقتصادية الدولية التي استجابت الى طروحاته الجديدة في اعادة الدماء الى اوعية الجسم الاقتصادي المعتل. وهكذا استمر تجاهل فشر الى مابعد اكثر من عقد زمني على وفاته ولحين صدور بحث الاقتصادي الامريكي جاك هرشلايفر الموسوم "حول نظرية الاستثمار الامثل" المنشور عام 1958 والذي اعاد الثقة الى طروحات فشر واثبت صحتها. ومن هناك عاد نجم فشر يلمع في الحياة الاكاديمية ليأخذ القدر الذي يستحقه من الاهتمام والاحترام خلال الستينات والسبعينات من القرن المنصرم.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

محمود محمد عليتلعب الفنون دائما ًدَوراً مُهِماً فِي المُجتمع الإنساني، حيث تجعَلُ الإنسان أكثر رقياً، ودائماً ترتبط بالإبداعِ والعبقريّة، لذلِكَ أهميّة الفنون تكمن في حياةِ الإنسان بـ: إشباعُ الرّغباتِ الرُوحِيّة؛ ولذا فإن الفنون، هي إفراز لثقافة المجتمع، ومن ثم فإن ثقافة المجتمع، هي صورة عكسية، أو مرآة ونتاج لهذه الفنون، وعندما تكون اللوحة معبرة عن الضمير الإنساني وعندما يعبر الفنان عن قضايا مجتمعه، تكون الرسالة التي يحملها الفن في أسمى معانيها، بعيدا عن الارتكان إلى أبراج عاجية يسكنها الفنانون، حالمين بنشر صور رومانسية بعيدة عن الواقع، وإن كنا بحاجة إليها أحيانا للخروج من الدوائر المغلقة والأنفاق المظلمة.

ليس هذا فقط بل هناك علاقة تبادلية بين الفنون، كقيمة ثقافية تطرح على العامة، وبين عموم المجتمع، كتجسيد حي متفاعل مع هذه القيم، يجب أن ترتقى دوما إلى أعلى ولا تنحرف أبدا ولو بقدر ضئيل إلى أسفل؛ ليس فقط على مستوى إعلاء قيمة الإحساس بالجمال، ولكن أيضا على المستويات الأخرى كإعلاء قيم الأخلاق والفضيلة والعمل الجاد وقيمة العلم وقيمة الدفاع عن الوطن إلى آخر هذه القيم التى تمثل عصب نجاح وتطور أي مجتمع متحضر معاصر.

لذلك فإن دور الفنان على كل مستويات يجب أن يرتقي وأن يكون دائما عنصراً إيجابياً مؤثرا يرتقى بهذه العلاقة التبادلية إلى أعلى ولا يهوي بها أبدا إلى أسفل…خصوصاً أن عموم الفنانين في كافة مجالات الإبداع يشكلون صفوة المجتمع ويحظون بإعجاب خاص من عموم الناس، وإفتتان العوام عن أهمية الفنون بهم شيء ملحوظ، مما يوقع على كاهلهم في الواقع مسؤولية أكبر وأعظم في قيادة المجتمعات إلى التزكي الثقافي والترقي الحضاري على وجه العموم

وفي اليومين الماضيين رحل عن عالمنا فنان من هذه النوعية؛ ألا وهو الفنان القدير "هادي الجيار" ، عن عمر ناهز 71 عاما ، بعد اصابته بفيروس كورونا منذ أيام قليلة، ولكن الفيروس تمكن منه وأصابه بالتهاب رئوي حاد نُقل على لإثره للعناية المركزة بمستشفى الهرم،  فارق الحياة تاركًا إرثًا فنيًا وإبداعيًا جديرًا بالاحترام والتقدير.

ولم يتوقع الكثيرون أن يُصاب الفنان هادي الجيار بفيروس كورونا ، فهو منذ بداية الجائحة كان حريصًا على نشر التحذيرات لجمهوره و متابعيه عبر حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك ، فكتب في إحدى تدويناته " "ليه الناس مش مصدقة إن إحنا في خطر.. خليك في البيت" ، الي أن جاء اليوم الذي كتب فيه الجيار على الفيسبوك "ضربنى فيروس كورونا اللعين، نسألكم الدعاء بالشفاء".

ونعى الدكتور أشرف زكي، نقيب الممثلين في مصر، الفنان القدير هادي الجيار، معلنا في تصريحات لصحف محلية أن الراحل كان يعاني من مشاكل صحية أخرى بالإضافة إلى فيروس "كورونا".

وُلد الفنان هادي الجيار في أكتوبر عام 1949، والتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية وتخرج فيه عام 1970، حصل الجيار على بكالوريوس من المعهد العالي للفنون المسرحية، وقد بدأ مشواره الفني من خلال مسرحية مدرسة المشاغبين بدور «لطفي»، وإلى جانب مسرحية "مدرسة المشاغبين" أبدع الجيار في المسرح، في أعمال مثل: "أحلام ياسمين"، "لما قالوا دا ولد". .

وكانت انطلاقته الفنية مع مسرحية " مدرسة المشاغبين " التي ذاع صيته من خلالها وتعرف عليه الجمهور والوسط الفني، وكان يتقاضي أجرًا يُقدر بـ 15 جنيها شهريا، ثم زاد أجره في العام الثانى إلي 20 جنيها، وكشف الراحل عن بعض كواليس مدرسة المشاغبين في لقاء سابق مع برنامج صاحبة السعادة على فضائية "دي أم سي"؛ حيث قال الجيار إنه لم يكن يستطيع في البداية أن يجاري نجوم المسرحية في "إفيهاتهم" قائلا: "كانت إفيهات جديدة لدرجة أنني كنت أضحك عليها مثل الجمهور" وهو ما دفعه للجوء إلى إخبار الفنان الراحل عبد المنعم مدبولي بأنه  لن يستطيع أن يكمل العمل".

وتابع الراحل: "قلت للأستاذ عبد المنعم مدبولي مش عارف أروح فين وأجي منين في وسطهم، قالي أقعد وأتعلم وجرب وحاول تعمل زيّهم، واتمشى على المسرح كأنك في فسحة بيتكم، وأقنعني أكمل".

وعقب نجاحه في مسرحية " مدرسة المشاغبين " ، اتجه هادي الجيار إلي التليفزيون؛ حيث كانت له مشاركات في أهم المسلسلات الدرامية المصرية مثل " المال و البنون ، العصيان ، ولد الغلابة ، الضوء الشارد، ملاعيب شيحة، بطة وأخواتها عام 2004م، من غير ميعاد، مسائل عائلية جدًا، سيف الدولة الحمداني، القاهرة ترحب بكم، نعمة، عمارة الشبوكشي، سوق الخضار، الجبل، امرأة من الصعيد الجواني، السماح، الملك فاروق، وحق ميت، وسلسال الدم".

وكان مسلسل " شديد الخطورة" بطولة الفنان أحمد العوضي آخر أعمال الفنان الراحل ، الذي لم يستكمل تصوير مشاهده في الجزء الثاني من مسلسل "الاختيار"، من بطولة النجمين الكبيرين كريم عبدالعزيز، وأحمد مكي، سيناريو وحوار هاني سرحان، وإخراج بيتر ميمي، والمقرر عرضه خلال موسم رمضان المقبل، وكذلك لم يكن قد انتهى من تصوير دوره في مسلسل " موسى" مع الفنان محمد رمضان من تأليف ناصر عبد الرحمن وإخراج محمد سلامة.

كذلك لم يتم استكمال مشاهده بمسلسل «موسى» مع الفنان محمد رمضان، من تأليف ناصر عبد الرحمن، إخراج محمد سلامة، وهو من بطولة محمد رمضان، سمية الخشاب، عبير صبرى، رياض الخولى، سيد رجب، صبرى فواز، منذر رياحنة، هبة مجدى، فريدة سيف النصر، عارفة عبد الرسول، أمير صلاح الدين، ضياء عبد الخالق وعدد آخر من الفنانين، وإنتاج شركة سينرجى وتدور أحداثه فى إطار صعيدى.

أما في السينما فقد شارك الجيار في العديد من الأعمال التي لم تحقق نفس نجاح نجاحاته في التليفزيون ، مثل "ثم تشرق الشمس" ، و"احترس عصابة النساء" ، و"رحلة المشاغبين" ، و"سوزي بائعة الحب" ، "ابن مين في المجتمع" ، "مقص عم قنديل" ، و"عزازيل" .

وفي نهاية حديثي أقول نسألك يا الله أن تغفر للفنان هادي الجيار وترحمه، وأن تتغمده بواسع رحمتك ورضوانك وأجعله يا ربي من عبادك الفائزين في أعلى الجنان، وأجرنا في مصيبتنا وألهمنا الصبر والسلوان.. إنا لله وإنا إليه راجعون.. أيها الأخ إلى جنات الرحمن مع الشهداء والانبياء والصديقين.. حسبنا الله ونعم الوكيل إنا لله وإنا إليه راجعين .. اللهم لا نسألك رد القضاء وإنما نسألك اللطف بنا يا أرحم الراحمين.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم  الفلسفة بكلية الآداب وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

...............................

1-مي عبدالله: وداعا هادي الجيار.. الكورونا تنتصر على "رابع المشاغبين".. مقال..

2-ضحى محمد : مفيد عاشور ناعيا هادي الجيار: «وداعا يا أخي الأكبر كنت أصيلا»".. مقال..

3-خالد كامل - السعودى محمود: وداعًا هادي الجيار.. ابن البلد فنان كل فئات الشعب".. مقال..

4-د. منال عبد الكريم الرويشيد: الفن التشكيلي والقضايا الاجتماعية.. مقال..

5- حسان البشير : كيف يتمكن الفن من خلق مجتمع أرقى.. مقال..

 

 

علاء اللاميالحلقة 37 من سلسلة "يهود ضد الصهيونية" موشيه مخوضر عالم الرياضيات والفيلسوف والناشط الاشتراكي، عُرف بكتاباته الجذرية ضد الصهيونية، ولد في فلسطين - تل أبيب سنة 1936. أسس منظمة ماتسبن الاشتراكية سنة 1962 بعد خلافه مع الحزب الشيوعي الإسرائيلي "راكاح" وخروجه منه، ورفضه مواقف الاتحاد السوفيتي التي يأخذ بها الحزب.

* هَجَرَ "إسرائيل" وسافر الى بريطانيا سنة 1968، وأستقر فيها وحصل على جنسيتها لاحقا، وبدأ النشاط في صفوف حزب العمال البريطاني ضمن صفوف اليسار الماركسي.

* كانت نقطة خلافه الأكبر مع "الحزب الشيوعي الإسرائيلي" هي حول طبيعة الدولة الصهيونية وخلفيات ودوافع علاقتها بالولايات المتحدة الأميركية، فقد ألف مخوضر، هو ورفيقه عقيبة "عكيفا" أور، كتابا بعد العدوان الثلاثي على مصر، والذي شاركت فيه إسرائيل وحللا فيه لأول مرة طبيعة الكيان الصهيوني ونوع علاقته بالغرب والولايات المتحدة من منظور ثوري حقيقي، وورد في تحليلهما الآتي (اتضح لنا أن جذور الصراع العربي الإسرائيلي لا تكمن في الصراع بين إسرائيل والدول العربية، بل في الصراع بين الاستعمار الصهيوني والفلسطينيين على الأرض. فلسطين واستقلالها). واعتبرت هذه الأطروحة تحديًا ضمنياً لخط الحزب الشيوعي الإسرائيلي، الذي اعتبر تحالف إسرائيل مع الولايات المتحدة مسألة خيار سياسي، وليس منبعاً من الطبيعة الاستعمارية للدولة. وقد واصل مخوضر وأور انتقادهما لتمسك الحزب الشيوعي الإسرائيلي بالخط السوفيتي، ودعوا إلى نشر تاريخ الحزب، فتم طردهما. فقاما، مع آخرين طردوا في نفس الوقت، بتأسيس ماتسبين. طوَّر موشيه مخوضر الموقف، الذي تتبناه ماتسبين، القائل إنَّ حل المشكلة الإسرائيلية الفلسطينية هو في مواصلة الصراع حتى هزيمة الصهيونية وحلفائها - الإمبريالية والرجعية العربية.

* كان محاضرًا في الرياضيات في الجامعة العبرية في القدس لست سنوات، وكان محاضرًا زائراً في جامعة بريستول في إنكلترا. في عام 1968، انتقل بشكل دائم إلى لندن حيث أصبح محاضرا في المنطق الرياضي حتى عام 1995. منذ عام 1995، كان مخوضر أستاذًا للفلسفة في جامعة لندن.

* في نهاية الستينات من القرن الماضي، طرح مخوضر مع رفاق له مثل جبرا نقولا وآخرين شعار النضال من أجل اتحاد اشتراكي للمشرق العربي مع ضمان حقوق لكل الاقليات وذلك بالتزامن مع الدحر الكامل للصهيونية.

في أكتوبر 2017، طُرد من حزب العمال البريطاني للاشتباه في ارتباطه بالحزب الشيوعي لبريطانيا العظمى (اللجنة المركزية المؤقتة)، في انتهاك لقواعد الحزب وبسبب اتهامات له بمعاداة السامية. وقد نشرت صحيفة الغارديان بعد ذلك رسالة احتجاج على طرد مخوضر من الحزب موقعة أدناه من قبل 139 عضوًا في حزب العمال، بما في ذلك السير جيفري بيندمان الذي رفض التلميح إلى معاداة السامية باعتباره "هجومًا شخصيًا وخطيرًا سياسيًا". ولكن تم إلغاء طرد مخوضر من الحزب في 30 أكتوبر. أما المنظمات والصحافة الصهيونية فقد واصلت الهجوم على مخوضر. هذه فقرات مما ينسبه الصهاينة لمخوضر وسننقلها باختصار:

* يدعو، إلى "الإطاحة" بدولة إسرائيل التي يسميها "اختراع تاريخي" ويزعم أن اليهود طردوا من فلسطين الرومانية.

* دعا أحد أشهر النشطاء المناهضين للصهيونية في حزب العمال هو موشيه مخوضر، المناهض سيئ السمعة للصهيونية، إلى (الإطاحة" بدولة إسرائيل ووصفها بأنها "اختراع تاريخي" للادعاء بأن اليهود طُردوا من المنطقة منذ 2000 عام تحت حكم الرومان).

* كانت مساهمة الناشط مخوضر المولود في تل أبيب في الحدث الذي استمر أسبوعًا في كلية غولد سميث محاضرة طويلة بعنوان (دولة واحدة، دولتان – مستحيلتان) وصف فيها الآمال في حل الدولتين بأنها "خداع".

* في تصريحات ملتهبة للغاية علل مخوضر دعمه لدعوات حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى إسرائيل الحالية، وقال مخوضر (إنهم يطالبون بحق عودة اليهود إلى الأراضي المقدسة بعد 2000 عام) وأضاف (أيديولوجيتهم تقول إن الرومان طردوا اليهود منذ ألفي عام. لكن ليس حق عودة الفلسطينيين بعد 70 سنة).

* وقال مخوضر إن هناك أناس طيبون دعموا الدعوات لحل الدولتين لمجرد أنه "يبدو جيدًا فلماذا لا ندعمه، ولكن الخداع الآن على وشك الانتهاء).

* لكنه أصر (لن يقبل النظام الصهيوني حل الدولة الواحدة الذي يقترب من الحقوق المتساوية في أي مكان، كل ما يؤدي إلى المساواة يتطلب إسقاط النظام الصهيوني. وهذه هي الثورة).

* هذا هو موشيه مخوضر الذي بلغ الخامسة والثمانين من عمره وما يزال يعمل ويناضل بنشاط في ضوء تلك المبادئ والشعارات الاشتراكية الثورية الشجاعة، على العكس تماما من بعض "اليساريين" الانتهازيين والمتملقين للكيان الصهيوني والذين يصفون من يرفضون هذا النظام الصهيوني بأوصاف سوقية منفرة من قبيل "قومجية" و"متطرفين"...إلخ!

* أشكر الصديق العزيز أبو أمير ،وهو أحد رفاق مخوضر لسنوات عديدة في لندن أيام الشباب، والذي اقترح عليَّ كتابة هذه الحلقة عن هذا المناضل الشجاع ضد الدولة الصهيونية ووفر لي مصادر كتابتها، متمنيا لهما طول العمر والعطاء الإنساني التقدمي المستمر.

 

علاء اللامي

...............

# رابطان لتحميل نسختكم المجانية بصيغة (PDF) من كتيب "يهود ضد الصهيونية". تلبية لرغبة عدد من الصديقات والأصدقاء أنشر هنا رابطين لتحميل نسخة من الكتيب الذي نشرته على أجزاء قبل أشهر ويتضمن تعريفات بست وثلاثين شخصية يهودية معادية أو مناهضة على الحركة الصهيونية ودولتها العنصرية "إسرائيل"؛... شكرا لكم على اهتمامكم ومتابعتكم.

1- رابط للتحميل كتيب "يهود ضد الصهيونية":

https://drive.google.com/file/d/1plEKQQAlVZjWPkCItIDzW6N4rMwBB5K5/view

2- رابط آخر احتياط لتحميل الكتيب:

https://drive.google.com/file/d/1plEKQQAlVZjWPkCItIDzW6N4rMwBB5K5/view?fbclid=IwAR0pzolHY0T3zcipi32SSJ0C9x6xE4PmlOlNY8eaIHDFpZUXgehlK-EB_Ek

 

 

 

يوسف ابوالفوزرحل المناضل الشيوعي بهاء الدين نوري - أبو سلام - باسم، في 2020.12.1، عن عمر ناهز الثالثة والتسعين، ونعاه المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي (عاش سنوات حافلة بالعطاء في صفوف حزبنا، وتبوأ مواقع قيادية فيه لفترات طويلة وحتى اوائل الثمانينات كافح أبو سلام ضد الأنظمة الدكتاتورية والرجعية، ومن اجل خير الشعب العراقي وحريته واستقلال العراق وتقدمه، وفِي سبيل نيل الشعب الكردي حقوقه القومية. وتعرض جراء ذلك الى السجن والاعتقال والمعاناة في المنافي)، وكتب عنه اصدقاؤه ورفاقه، متأثرين لرحيله أثر أصابته بفايروس الكورونا وهو الذي عجزت عن قهره أعتى الأنظمة الديكتاتورية.

عرفت هذا الشيوعي المخضرم في النضال حتى قبل ان ألتقيه. كنا طلابا في جامعة البصرة أواسط سبعينات القرن الماضي، حين صدر له (قرية في سفح جبل) وثم (أيام صعبة) وفيهما تحدث عن نشأته ونشاطه أيام النضال السري في العهد الملكي وما تبعه. أيامها عشت ومجموعة من الأصدقاء والزملاء تجربة لم تتكرر، إذ طالعنا كتاب (أيام صعبة) في طقس قراءة جماعية، فخضع الكتاب على أثرها لنقاشات بين معجب ومعارض. من جانبي أثار (مجيد)، ــ الاسم المستعار الذي اختاره أبو سلام لنفسه في رواية ذكرياته ــ الكثير من إعجابي، إذ كنت اراه نموذجا للمناضل المتفاني في سبيل مبادئه والمستعد للتضحية بكل ما يملك وحتى لو تطلب بذل حياته لأجل ذلك. وكان لبعض الأصدقاء مآخذ عل الكتاب والسيرة عموما، كون مجيد عاش وفق مبدأ (وأطلق ساقيه للريح) كلما تعرض لمحاولة إعتقال، وبدا للبعض أن أبو سلام مأخوذا بالجملة اذ تكررت مرارا.  وكان بعض الأصدقاء يعلقون بسخرية على ذلك فقط لإغاظتي بحكم اعجابي المعلن لحد تقديس شخصية مجيد. شاءت التقلبات السياسية في العراق ان أعيش ظروف العمل السري والاختفاء لأكثر من عام ونصف في نهاية السبعينات، وشاركني العديد من الرفاق والأصدقاء إياهم، فوجدنا أنفسنا نستعيد تجربة مجيد وبعض من دروسها، وإذ واجهتنا مواقف للإعتقال من قبل جلاوزة وضباع البعث، لم ينفعنا سوى حل مجيد التأريخي، في... إطلاق السيقان للريح!

حين وصلت اليمن الديمقراطي مطلع عام 1980، قادما من الكويت، وجدت أن من سبقنا من الشيوعيين العراقيين واصدقائهم، بادروا للعمل في أبعد المدن والقصبات اليمنية كمهندسين وأطباء ومعلمين، مواجهين ظروفا مناخية وحياتية صعبة، فكان نصيبي ومجموعة باهرة من الشباب العمل معلمين في قضاء بيحان، وهي واحة صحراوية، في محافظة شبوة على أطراف الربع الخالي. هناك كان لابد من إختيار أسم مستعار ثلاثي، فكان ان أخترت أسم (مجيد) كأسم أول، تيمنا ببطلي من (أيام صعبة)، ولكن إيقاع الاسم بدا ثقيلا للأخوة اليمنيين، فتحول عندهم الى (مجدي)، فأصبحت (مجدي وافي السعد) فعشت بهذا الاسم لمدة ثلاث سنوات، عملت ودرست وعشقت، ومنحت بهذا الاسم جواز سفر يمني رسمي، فُقد لاحقا ضمن أشياء عزيزة فقدتها في أيام الكفاح المسلح في كردستان، التي وصلتها في آيار 1982.

في كردستان، قضيت أسابيعا قليلة في مقر ناوزنك، ونسبت أولا للعمل في هيئة تابعة للمجلس العسكري المركزي للأنصار (معم) حملت أسم (هيئة الحركات) ـ فيما يشبه عمل الأركان ـ وفي الصيف نسبت الى مكتب الفوج التاسع للأنصار الذي يقوده النصير المخضرم نصر الدين هورامي، آمرا الفوج. مرت شهور قليلة وأعلن إعادة تنظيم التشكيلات الانصارية، باستحداث تشكيلة جديدة لوحدات الأنصار السياسية والعسكرية، حيث شكلت ثلاث قواطع (بمثابة ألوية أو فرق)، كتشكيلات عسكرية وسياسية تحت قيادة (معم)، فكان هناك قاطع أربيل وقاطع بهدينان وقاطع السليمانية وكركوك، وأصبح الفوج التاسع للأنصار، أحد الأفواج التابعة لقاطع السيلمانية وكركوك، وعين المكتب العسكري المركزي الرفيق بهاء الدين نوري ـ أبو سلام، مسؤولا أول للقاطع، يعاونه للشؤون السياسية الرفيق عدنان عباس ــ أبو تانيا والرفاق إبراهيم صوفي ـ أبو تارا للشؤون الإدارية و عبد الله ملا فرج  ــ ملا علي للشؤون العسكرية. وحتى يتم إختيار وترتيب مكان لقيادة القاطع، حل رفاق قيادة القاطع كضيوف لفترة مؤقتة على مقر الفوج التاسع في مقره المؤقت قريبا من قرية (دولكان) ـ وهي قرية حدودية في وادي آلان الإيرانية، حيث سمح فلاح إيراني مناصر للثوار باستخدام جزء من ارضه القريبة من النبع لبناء سقائف ونصب خيام، ومنح الانصار غرفة طينية أصبحت في الشتاء مكان عمل مكتب الفوج، وأصبحت لفترة مكان نومي، فالرفيق نصر الدين هورامي عند تواجده في المقر يبيت عادة عند عائلته التي تسكن في بيت داخل قرية دولكان التي تبعد مسافة مسير ربع ساعة، حيث تقيم بعض عوائل الكوادر الحزبية من ما يعرف بالتنظيم المدني.

في هذه الغرفة، شاركني الرفيق أبو سلام المكان، حين وصل مقر الفوج التاسع، حيث ارسلت مجموعة خاصة بقيادة ملا علي للبحث عن مقر مناسب للقاطع في ريف السليمانية، فكان الاختيار لاحقا في قرية حاجي مامند.

ها هو القدر يجمعني، مع مجيد، بطلي المحبوب في مكان واحد وتحت سقف واحد!

كانت الغرفة صغيرة، وأمتد فراشينا على الأرض، متوازيين بجانب الجدران، وعند طرف كل فراش وضع صندوق عتاد رصاص بنادق نستخدمه كطاولة للكتابة ومكان لحفظ القرطاسية ومستلزمات اعداد البريد الانصاري والحزبي.

2145 بهاء الدين نوري

كان أبو سلام نظيفا، محبا للأناقة رغم قسوة الحياة الانصارية. ويحتفظ بعدة باروكات شعر يرتديها حسب المناسبات، في بعض المرات يحرص على ظهور خصلات من (شعر رأسه) من تحت الجمداني ـ غطاء الرأس الكردي ـ، أو طاقية رأسه، وهكذا حصل عندما زار مقرنا عبد الرحمن قاسملوا، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، الذي يقيم ليس بعيدا، في زيارة خاصة، فأرتدى أبو سلام حلة نظيفة وأعتنى بنفسه ليبدو بصحة جيدة ومزاجا طيبا، وطلب من المحيطين حوله ان يفعلوا ذلك، إذ كان يعتقد أن قاسلمو سيتحدث يوما عن ظروف هذا اللقاء ولن ينسى مظهر من قابلهم لو بدا مزريا.

كان أبو سلام محبا لترتيب الأوراق والمحاضر حسب الموضوعات أو الاشهر في مغلفات واضابير يصنعها بنفسه من الورق العادي. وعند الحاجة يستل أي ورقة أو وثيقة بسرعة دون ان يصرف وقتا طويلا في البحث عنها، وحاولت تقليده في ذلك. وكانت له ذاكرة جيدة، ومحب للقراءة، وكانت رزم الكتب دائما ضمن متاعه عند توجهه لأي مكان.

تعودنا في حياة الأنصار ان نصحو مبكرين، قبل الديكة، ولم يشذ أبو سلام عن بقية المقاتلين في النهوض المبكر، وكان يحرص أن يبدو نشطا ويبذل جهدا في إخفاء أوجاعه وعوارض أمراضه بحكم عمره. نجح الأنصار بمد انبوب مطاطي، يجلب الماء من النبع العذب، الى قرب المطبخ في المقر، يجري طوال اليوم، للشرب والاحتياجات اليومية. كنت وأبو سلام بعد ان (نريق المائية) ــ كان معجبا بهذا التعبير ويضحك أحيانا حين يقوله ــ نغتسل هناك، ونتناوب في أمساك طرف الانبوب لبعضنا البعض. يوما، وبعد ان أكمل تنظيف أسنانه ووجهه ـ حيث يحتفظ بفرشة أسنان دائما ـ، أمسك لي بطرف الانبوب، وبعد ان اغتسلت فتحت كفي يدي وكورتهما كقدح لأعب وأرتوي من الماء العذب، ورفعت رأسي وأطلقت صيحه إنتشاء:

ـ يالله ما أعذبه؟

ضحك، وسألني:

ـ أبو الفوز، هل يوجد شيء أعذب من الماء؟

لا أراديا قلت:

ـ المرأة.

فأطلق ضحكة مدوية معجبا بجوابي ورشني بالماء من طرف الانبوب على وجهي وصدري وبلل لي ملابسي في ذلك الصباح البارد وسط إستغراب الأنصار من حولنا. كان واحدا من الصباحات الرائقة، وفي الليلة ذاتها، لاحظت انه ظل صامتا، يمسك بيده بدفتر سميك بغلاف جلدي. قلب صفحاته طويلا، فلم اقاطعه او أساله. وبعد ساعة مد يده بالدفتر نحوي، وطلب مني ان اقرأ فقط ما اراه أمامي وعدم تقليب الصفحات. وعرفت ان هذا دفتره الخاص حيث يسجل مذكراته وبعض أفكاره الخاصة. في تلك الصفحتين، بقلم أسود جاف، باللغة العربية بخط أقرب للخط الفارسي بامتدادات الحروف، وبدا لي انه نقل عن مسودة إذ كان النص بدون خطأ او شطب، كانت هناك رسالة حب وشوق طويلة، موجهة للشهيدة عايدة ياسين (أم علي)، يبثها لوعته وأرق مشاعره. وعرفت أن هناك عدة رسائل تشبهها، كتبها في أوقات مختلفة، ولا أعرف مصير هذه الدفتر وهذه الرسائل، هل تم نشرها؟ أتمنى ان لا يكون فقدها ضمن الأشياء التي فقدت وحزن عليها حين هرب البغل لاحقا في ليلة شتوية، وكان مخصصا لمتاع الرفيق أبو سلام، وقيل انه أسقط حمولته في مكان مجهول، ولم يعثروا عليها، ووقتها انتشرت بين الأنصار تعليقات ساخرة عن باروكات شعر أبو سلام وكيف صادرتها المخابرات الصدامية، وان بعضها ظهر في مسلسل تلفزيوني عراقي وغير ذلك!

ساعدتني كثيرا، هذه الفترة الزمنية، القصيرة، من العيش المشترك، مع الرفيق أبو سلام ــ مجيد، لكسر تلك الهالة المقدسة التي حملها جيلنا عن الرفاق من قادة الحزب، الذين لم نقابلهم ونسمع عنهم فقط القصص، التي تختلط فيها الحقيقة بالمبالغات المصنوعة عنهم، فتحول بعضهم عندنا الى اساطير، فتربينا وتعلمنا ان نتعامل معهم كشخصيات مقدسة، فوق النقد والسخرية. كان بطلي المحبوب مجيد ينام معي في نفس الغرفة، يشاركني كل التفاصيل والافعال الإنسانية اليومية، فتوفرت لي فرصة لمراقبته كإنسان، ومتابعة تلك الشؤون الصغيرة الإنسانية، التي يملكها مثل غيره من البشر. كنت شاهدا على بعض سجالاته ونقاشاته مع رفاق أجدهم يملكون الحجة والرأي الأفضل والاصوب منه في مواقف عديدة. ودون ان يدري، قدم لي خدمة لا يمكن إلا شكره عليها، إذ يوما بعد آخر اختفت تلك الهالة من حول (مجيد) وغيره، تلك الهالة التي كنت اعامله على أساسها طيلة السنين الماضية. ويبدو انه لاحظ ذلك جيدا فهو على قدر عال من الذكاء والحصافة، فلا غبار على انه نال بجدارة لقب (الثعلب) من قبل القائد الكردي مصطفى البارزاني، حيث قيل انه كان لا يطيقه، فنعته به حين رفض في ستينات القرن الماضي ان يكون ممثلا أمامه للحزب الشيوعي.

لم أقلل أدبي مع أبو سلام يوما، وهو بالمثل عاملني بكل إحترام، لكن لم تكن صعوبة أمامنا لنكتشف كلانا بأننا ليس على وفاق فكري، إذ كنا نختلف حول قضايا عديدة، وفي طريقة إدارة الأمور في العمل الانصاري. وعليّ الاعتراف بكوني لم أكن أيامها بالمرونة المطلوبة في الحوار، كنت شابا مندفعا، يتحدث ويتصرف تحت تأثير الحماس ونصوص تعلمناها في كتيبات النضال والخلايا الحزبية وتنقصنا الكثير من الخبرة في الحياة والعمل السياسي. وكان مؤلما، حين أسانده بالرأي، عندما أجده على صواب في بعض الأمور، فكنت اشعر بانه يتعامل معي بحذر كبير، إذ في داخله يبدو كان يعتبرني من (جماعة أبو تانيا ـ عدنان عباس)، وكانت بدأت تظهر للعلن بوادر الخلاف بين الرفيقين وهما اعضاء في اللجنة المركزية للحزب، في طريقة تعاملهما مع إدارة الأمور وعلاقتهما بقيادة الحزب. كان موقف أبو سلام متشددا في تسهيل مهام الرفاق المعنيين بالعمل في بناء التنظيم الحزبي داخل مدن الفرات الاوسط، التي كان أبو تانيا يعتبرها المهمة الأساسية، وكنت متحمسا لذلك، بل ان وجودي أساسا في الفوج التاسع جاء لأكون قريبا من هذه المجموعة تحسبا للمستقبل وكان أبو سلام يعرف بذلك.

كان أبو سلام، بشكل عام، يعمل ويخطط بصبر، فإذا كان لديه مكر وحيلة الثعلب فبالتأكيد لديه صبر وفن العنكبوت. يوما ونحن منغمسان في اوراقنا متقابلين في الغرفة الصغيرة، قال: (ما رأيك بشرب الشاي). تركت ما بيدي لأنهض لإعداده. فقال: (هات الاقداح النظيفة فقط). ولأتفاجأ بأنه نهارا ثبت أعلى السراج النفطي (اللالة) على الجدار الطيني مسامير طويلة كمسند ووضع عليها أبريق صغير، كان هناك لساعات، ليصنع لنا شايا على لهب السراج!

يوما تحدثنا عن كتابه (أيام صعبه)، وكنت أخبرته بقصة أعجابي واختياري لاسم مجيد، وساعتها سره ذلك كثيرا، ليلتها سألته عن (وأطلق ساقيه للريح)، فقال لي بشكل مفاجئ وبلغة لم أعهدها فيه من قبل، بكل مودة ولوعة:

ـ ليش رفيقي هل كان لدينا خيار آخر؟

واندهشت، لكوني أعرف الجواب مسبقا. أعرفه من يوم طاردني جلاوزة البعث الصدامي في شوارع البصرة وبغداد، ولم أنج منهم لولا (مبدأ مجيد ورد فعله) بإطلاق ساقيه للريح. لم تكن القوى متوازنة يوما بين المناضلين وأجهزة القمع البوليسية. وأنتبهت الى ان جيلنا الشاب بتأثير حماسه قد تجنى أحيانا، على الجيل الذي سبقنا الى ساحة الطراد في لعبة الجلاد والفريسة.

في كردستان، تسنى لنا أن نعرف بان الرفيق أبو سلام كان من ضمن الرفاق السبعة من أعضاء المكتب السياسي الذين عارضوا الثمانية الذين أيدوا عقد التحالف بين الشيوعي العراقي وحزب البعث، وعرفنا ان هذا من الأسباب التي جعلته في خلاف دائم مع ما كان يسميه أحيانا (جماعة عزيز محمد)، ولكننا لم نستوعب ايامها ان أحد يمكن ان يمس بقداسة سكرتير الحزب أبو سعود حتى لو كان مناضلا مثل باسم ـ بهاء الدين نوري.  كان أبو سلام يشعر بقرارة نفسه كونه مغبونا كقيادي قاد الحزب في أحلك الظروف، بعد استشهاد الرفيق فهد مؤسس الحزب، وانه لولا (باسم ـ بهاء الدين نوري) لم يكن بمقدور الحزب ان يقف على رجليه ويعود نشاطه في الساحة السياسية. كان بهاء الدين نوري يعيش هاجس بأن باسم لم يمنح المساحة المشروعة والمناسبة في ادبيات الحزب كرفيق شغل موقع السكرتير مثله مثل فهد. وقبل مجيئة الى مقر دولكان، تحدث بشكل واضح عن ذلك في ندوة عامة عقدت في مقر بشت آشان، ربما يذكرها كثيرين من الاحياء الذين حضروها، إذ ليلتها كانت أحد النقاط التي شغلت السجالات التي اندلعت بين الرفاق: هل بهاء الدين نوري محق أم أنه يرسم لنفسه مساحة أكبر من حقه؟

من الأمور التي كانت مثار الخلاف بيننا، ودار حديث عنها في غرفتنا المشتركة، هو ما لمسته عند الرفيق أبو سلام، وما لاحظته عن البعض من قيادي الحزب الشيوعي للأسف، الذين كتبوا مذكراتهم، إلا وهو عند الحديث وتناول تجربة الحزب، الميل الى تحميل الاخرين مسؤولية ما حصل من أخطاء في مسيرة الحزب النضالية، دون الحديث عن مسؤوليتهم الشخصية في ذلك. ـــ للأمانة يتطلب القول، وجدت لاحقا ان الرفيق الراحل رحيم عجينة والرفيق العزيز جاسم الحلوائي، في مذكراتهم المنشورة، قد حاكموا أنفسهم قبل لوم الاخرين. ـــ في هذا الامر، في تلك الأيام المشتركة، لمست ان أبو سلام كان نرجسيا، بل وأحيانا نرجسي جدا في التعامل مع هذا الامر ويتحسس من أي نقد ورأي معارض، فهو يعتقد أنه مصيب دائما، وعدة مرات كان يحرج بعض الرفاق بالعودة لفتح نقاش ما من جديد أملا في تغيير وجهة نظرهم لصالحه. كنت أتابع تصرفات البعض، ممن يتصرفون معه، كبطانة ويتملقونه ويوافقوه ويستحسنون أرائه، حتى لو غيرها في نفس اليوم، وكان البعض من الرفاق يتصدى له بمبدئية عالية فكان لا يخفي انزعاجه منهم. يوما رويت مزحة عن أحد أنصار الفوج التاسع الابطال، من ذوي الشخصية الطريفة والمحبوبة، كان الانصار يمزحون معه وينعتوه: (مو قلناها) إذ كلما يحصل شأن ما، يتبين ان هذا الرفيق بقدرة القدير قد نبه له مسبقا وكأنه العرافة، وقال شيئا ما قبل شهور طويلة محذرا لكن للأسف لا أحد يسمع ويفهم ما يقول! وبعد ان رويت النكتة وكانت طازجة يومها وتخص شأنا إداريا في العمل الانصاري، اضفت من عندي: (ما أصعب التعامل مع أمثال هذا الرفيق). انزعج أبو سلام جدا ولم يضحك أو يعلق كعادته وفهمت بكوني ربما تجاوزت حدا ما مسه مباشرة، فقبل أيام وبحضوري أخبره الرفيق مام صالح ــ فخرالدين نجم الدين طالباني، صراحة بأن التعامل معه صعب جدا. فمثل بهاء الدين نوري وإذ لا يقبل الخسارة في لعبة الشطرنج وينزعج جدا، كيف يمكن التشكيك بأقواله وتكهناته وتحليلاته؟

كان أبو سلام، يتميز بقدرة على الأصغاء للأخرين، فيتركهم يقولوا ما عندهم، ويقاطعهم أحيانا ليوجه سؤالا لأجل سماع المزيد من التفاصيل، وعند الرد تكتشف انه يتذكر كل كلام محدثه. ويحب الإجابة باستفاضة، مستخدما قصص وحكايات لإيضاح واثبات كلامه، متذكرا جيدا الأسماء الكاملة والتواريخ، وكنت أحب هذا الامر في أسلوبه، اذ يجذب سامعيه ويشدهم. ويومها اخبرته بأنه لو كتب مذكراته فستكون من عدة أجزاء لحجم وغزارة المعلومات التي يعرفها. 

قبيل مجزرة بشت آشان، أندفع الرفيق أبو سلام في علاقة ثنائية مع ملا بختيار مسؤول الملبند ـ القاطع ـ الأول لقوات الاتحاد الوطني الكردستاني، هدفها المعلن تطبيع العلاقات، وتبين لاحقا ان له اهدافا غير معلنة أبعد من ذلك، وخلال أنعقاد المجلس العسكري والسياسي لقاطع السليمانية وكركوك ربيع 1983 في مقر القاطع في قرية حاجي مامند، دعا أبو سلام الى وليمة مشتركة للتعارف بين كوادر حزبنا السياسية والعسكرية، مع كوادر الاتحاد الوطني الكردستاني. واجهت مبادرة أبو سلام رفضا من كثير من كوادر الحزب، فدماء شهداء الحزب على يد مقاتلي الاتحاد الوطني في مناطق أربيل لم تجف بعد، فحصل تمرد ورفض كثيرين دخول القاعة وتناول الطعام مع كوادر الاتحاد الوطني، شارك في الرفض العديد من الرفاق، كنت من ضمنهم، وتناولنا الطعام مع بقية الأنصار خارج قاعة الضيوف. وحين صادفني ذلك المساء، كان غاضبا. أمسك بذراعي من بين الاخرين وقال:

ـ انكم لا تنظرون بعيدا. ان جماعة المكتب السياسي يقودوننا الى تهلكة.

ما جرى من تطورات لاحقة، بأعلان تحالف بهاء الدين نوري مع ملا بختيار، وفق إتفاقية قرية ديوانه، التي سماها الانصار الرافضين لها (كمب ديوانه)، إذ كانت بالضد من توجيهات قيادة الحزب، أدت الى تطورات عديدة كتب عنها العديد من الرفاق، وعمليا وجدت نفسي اصطف مع الفريق المعارض لتوجهات بهاء الدين نوري، مع مجموعة الكادر الحزبي التي عقدت اجتماعا ووجهت رسالة الى المكتب السياسي للمطالبة بتغييره كمسؤول أول كمسؤول لقاطع السليمانية وكركوك، وحصل ذلك لاحقا بمجيء الرفيق أبو سرباز ــ أحمد باني خيلاني، وفي نفس الفترة غادرت شخصيا ملاك الفوج التاسع للأنصار، وانتقلت الى مهمة حزبية تتعلق بعمل تنظيم الداخل، فتوقفت لقاءاتي مع بهاء الدين نوري، الذي سافر ايامها الى مقر المكتب السياسي ثم لاحقا عاد الى قريته التكية (...في سفح جبل) ليرسم لنفسه دروب نضالية أخرى، ولم نلتق بعدها.  

 

يوسف ابو الفوز

 

 

يحيى السماوينـقـيٌّ كالشرف .. رقيقٌ كدمعة عشق ..

وديعٌ كعصفور .. شرسٌ كصقر ..

شفيفٌ كالماس .. صلبٌ كالماس .. ونادرٌ مثلُ الماس ..

يدعوه الناس حسين سرمك، وأدعوه سادن الإبداع العراقي في محراب الأبجدية ، وشقيق قلبي .

*

 صرختُ مثلَ طفلٍ ملدوغ قبل أن أجهش بالبكاء، حين فاجأني ابنه علي بقوله " الوالد في ذمة الله، إنا لله وأنا إليه راجعون "، وهو الذي كتب لي قبل يوم واحد حرفياً: " تقول الطبيبة إن الوضع حرج ولكن التحليلات جيدة ولعلّ برحمةٍ من الله أن تكون الأيام القادمة أفضل " ..

شهقة نحيب وأخرى، وإذا برسالة من شقيقه كامل نصّها " الدكتور حسين في ذمة الله " ..

إذن: الأمر لم يكن كابوسا، ولا هذيانَ محمومٍ من أثر ارتفاع نسبة السكّر في دمي ..

قلت لأهل بيتي ـ حين أفزعهم نحيب قلبي الطفل: " الان سقطَ نصفُ ما تبقّى في بستان عمري من شجر " ..

*

هو لي أكثر من أخ وأكثر من صديق فبأيّ آلاءِ منزلته في قلبي أُمجّد !

*

عام 1968 حين حططتُ كتبي ودفاتري في مدينة الديوانية طالبا في ثانوية الجمهورية، كان الشاعر كامل سرمك من بين أقرب زملاء الصفّ الى نفسي، وكانت فسيلة حسين وقتذاك باثنتي عشرة سعفة .. حتى إذا مرّت الأعوام، وعثرتُ عليه بعد طول منفىً وفراق، كانت الفسيلة قد غدت بمفردها بستانا على سعة الأبجدية ..

*

قبل عثوري عليه، كانت زيارتي الى دمشق ـ مرة كل عام ـ بمثابة فرض استحباب .. أمّا وقد أقام حسين فيها، فقد غدت تلك الزيارة فرض وُجوب أؤدّيها مرتين كل عام، قبل أن يطوي خيمته لينصبها في بيته الجميل ـ في حي الأمين في بغداد على بُعد هديل حمامة من بيت شقيقي محمد ـ فغدت بغداد أجملَ في عينيّ مما كانت عليه، وما كنت سأشيح بحقيبتي عن بغداد لو لم يغادرها حسين ليقيم في الناصرية فيغدو حجّي الى الناصرية شعيرةً من شعائر تأديتي فريضة الحج الى العراق كلما ضرّجني حنيني الوحشي للسماوة .

*

من إحدى رسائلي إليه: " أنا لستُ كلكامش .. لكنك أنكيدو " .

2138 سرمك والسماوي 1

وفاة أصغر أشقائه " أحمد " نتيجة الجائحة قد تسببت له بألم روحيٍّ ثقيل وزحزحت جبل صبره، فقرر مغادرة العراق، لا بمفرده هذه المرة على غرار مغادرته الأولى نحو دمشق، إنما بمعية عائلته نحو تركيا ..

اشترى شقة جميلة في مدينة " يلوا " الساحلية، وانتقى لها أثاثا جميلا، فقد قرر الإقامة بصحبة حبيبته / زوجه التربوية الجليلة أم علي، وابنه علي وزوجه وأحفاده حيدر وزهراء وجمانة، على أن يلحق بهم بعد حين ابنه عمر الذي يعمل صيدلانيا في إحدى مستشفيات الناصرية، وكانت ابنتاه ـ الطبيبة مها وشقيقتها الصيدلانية ـ قد انتقلتا منذ بضع سنين الى لندن بعد زواجهما ..

منذ شهر تشرين الثاني من عام 2019 وحسين سرمك ـ بصحبة عائلته ـ لم يغادر يلوا ، ولم يعُد الى العراق إلآ وهو داخل تابوت مساء يوم الثلاثاء قبل الماضي ومن ثم ليوارى الثرى في النجف الأشرف ليل ذلك اليوم ..

ما أصدق قول شاعر العرب الأكبر الجواهري:

لغزُ الحياةِ وحيرةُ الألبابِ

أن يستحيل الفكرُ محضَ ترابِ

*

وحده فأس الموت: يحتطب الشجرة الباسقة بضربة واحدة !

*

غادر العراق بتمام الصحة والعافية، حتى إذا مرت الشهور وأصبحنا على أعتاب عام ميلادي جديد، أصابه فايروس الجائحة، فأُدخل المشفى، وشُفيَ أو كاد ..

حسين لم يمتْ بسبب فايروس الجائحة..

لقد مات بسبب العجز الكلوي، ففي الأسبوع الأخير من حياته خضع لأكثر من عملية غسيل كلوي .

*

 لن أكون مجانبا للحقيقة في قولي إنّ حسين سرمك كان عراقاً يمشي على قدمين !

*

خصّ الأدباء العراقيين بأكثر من أربعين كتاباً نقدياً عنهم ـ والمؤسف أنَّ أحداً منهم لم يحضر التشييع المهيب الذي أُجريَ لنعشه في مطار بغداد ـ فالتشييع قامت به جمعية الشعراء الشعبيين تكريما له ولشقيقه الشاعر كامل لكونه أحد أعضائها !

2138 سرمك والسماوي 2

في أحد لقاءاتي معه عام 2017 في بيته العامر في الناصرية أكّد رغبته في مغادرة العراق .. يومذاك كان يفيض حزناً جرّاء الموت المجانيّ والإنفلات الأمني وقمع " الطرف الثالث " للثورة الشبابية السلمية، وأتذكّر أنني كتبت يومها قصيدة نشرتها في صحيفة المثقف في عددها المرقم3872 الصادر بتاريخ 12/4/2017 أعيد الان نشرها:

أطـلِـقْ سِـراحَـكَ مـنـك

إلى أخي وصديقي سادن الإبداع العراقي

 الناقد المدرسة: الدكتور حسين سرمك

 

طـحَـنـتْ رَحـى الآهـاتِ صـدرَكَ ؟

أنـتَ كـنـتَ رُحـاكَ .. إنّ الـذنـبَ ذنـبُـكَ ..

كـنـتَ تـعـرفُ أنَّ عـصـرَكَ مـارق ٌ

فـلِـمَ اتَّـخـذتَ إلـى أمـانـيـكَ الـصِّـراط َ الـمـسـتـقـيـمْ ؟

*

الـنـارُ جـائـعـة ٌ

أتـقْـحَـمُـهـا بـعـشـبِـكَ ؟

لـسـتَ " إبـراهـيـمَ " ..

كـيـف إذنْ نـشـرتَ شِـراعَ عُـشـبـِكَ

فـي بـحـار ٍ مـوجُـهـا الـنـيـرانُ ؟

أنـتَ إذنْ

لـنـفـسِـكَ كـنـتَ سـوطـكَ والـخـصـيـمْ

*

أطـلِـقْ سِـراحَـكَ مـنـكَ

أنـتَ سـجـيـنُ قـيـدِكَ والـشـهـيـدُ الـحـيُّ

يا ذا الـخـافـقِ الـطـفـلِ الـمُـوَزَّع ِ

بـيـن فـردوسِ الـخـيـالِ وبـيـن واقِـعِـكَ الـجـحـيـمْ

*

هـا أنـتَ مـذبـوحٌ بـعِـشـقِـكَ ..

لـسـتَ بـالـجـانـي ولا جـنـتِ الـحـبـيـبـة ُ ..

إنـهُ  الـزَّمـنُ الـعـقـيـمْ

*

مـهـمـا غـرَسْـتَ فـلـنْ يـكـونَ حـصـادُ غـرسِـكَ

غـيـرَ مِـنـجَـلِـكَ الـهـشـيـمْ

*

الـدُّرُّ .. والـدّيـبـاجُ .. والـجـاهُ .. الـوجـاهـةُ

حَـصْـدُ مـنْ صـلّـوا عـلـى سِـجّـادةِ "الـعـاصـي الـرَّجـيـمْ"

*

طـوَتِ الـحـدائـقُ صُـبـحَـهـا ..

وتـدثّـرَتْ بـمـلاءةِ الـلـيـلِ الـبـهـيـمْ

*

فـاقـنـعْ بـحـظِّـكَ يا ابـنَ سـرمـكَ

مـا الـذي أبـقـتْ لـكَ الأيـامُ

غـيـرَ حُـثـالـةٍ فـي كـأسِ عُـمـرِكَ؟

فـاغْـتـبِـقْ ..

قـد لا يُـتـيـحُ لـك الـدُّجـى شـمـسـا ً

إلـى واحـاتِ مُـصْـطـبَـح ِ الـنـعـيـمْ

*

دعْ لـلـدُّخـان ِ يـخـط ُّ سِـفـرَكَ

فـاسْـتـحِـمْ بـالـجـمـر ِ

واشـربْ نـخْـبَ جـرحِـكَ بـاسـمِ مـطـمـحِـكَ الـيـتـيـمْ

*

لا فـرقَ فـي عـصـر الـنّـعـيـمِ الـسّـحْـتِ

بـيـن جـديـدِ يـومِـكَ والـقـديـمْ  !

2138 سرمك والسماوي 3

برأيي الشخصي، إنّ الفقيد الكبير، الغائب الحاضر د . حسين سرمك يمثل الإمتداد الإبداعي النقدي لرائد مدرسة التفسير النفسي في الأدب المرحوم أ . د . مصطفى سويف .

 قد لا يعرف كثيرون أن د . حسين سرمك كان يتمتع بصوت طربيّ حميم وأنه ملحّن أيضا ـ وقد غنى أحد ألحانه الفنان المعروف المطرب سعدون جابر .

*

لقد ترك كتابات نقدية كثيرة لم تُطبع بعد، منها مثلا كتاب عن المفكر العراقي الصديق د . عبد الحسين شعبان، وكتاب نقدي عن الصديق الشاعر الكبير جاسم الصحيح وغيرهما .. أتمنى أن يُصار الى نشرهما في غد قريب .

طيّب الله ثرى سادن الإبداع العراقي د . حسين سرمك وأكرم وفادته عليه وأسكنه المقام المحمود في فردوسه الأعلى بإذنه تعالى .

 

يحيى السماوي

 

محمد عبد االشافي القوصيذات مرة؛ زرتُ الصحفي السوري "بسّام الحداد" المُحرر الثقافي بجريدة (الدايلي ميل Daily Mail‎‏) فرأيته مُستاءً حزيناً مِمَّا يحدُث من فظائع بأرض الشام ... فقلتُ له: هوِّن عليك –يا صديقي- أمَا سمعتَ الشاعر "أحمد مطر" وهو يقول: نحنُ الوطن .. إذا لم يكن لنا وطنٌ مُهاب!

فقاطعني -على الفوْر- قائلاً: أعوذُ بالله مِن أحمد مطر ... فقد كان سبباً في نكبتي وتعاستي! فسألتُه: كيف ذلك؟ قال: لقد عثروا في منزلنا بمدينة حمْص على ديوانه "لافتات"؛ فغيّبوني في سجون الأسد خمس سنوات سُود!

فتعجّبتُ من ممارسات تلك الأنظمة المستبدة التي لا تؤمن بحريّة الفكْر، ولا تحترم الإبداع ... وقد أخبرني أحد الأصدقاء أنه قد تمَّ منع أحد الأئمة من الخطابة في "البحريْن" لأنه استشهد ببعض أبيات لأحمد مطر! وقال لي أحد الزملاء: بأنَّ شقيقه فُصِلَ من العمل بجامعة الرياض؛ لذات السبب!

مَن هو "أحمـــد مطـــر"؟

(أحمـد مطـر) شاعر عراقي مشاكس للأنظمة السلطويّة، حتى صار مِن أكثر الشعراء حضوراً وتأثيراً في أوساط المثقفين وعشّاق الشّعر والفن الجميل، حتى ذاع صيته في كل مكان.

ولستُ أرى في هذا الذيوع والانتشار الواسع الذي أحرزه -الشّاعر– لُغزاً مُحيّراً، أوْ سِراً غامضاً، يحتاج إلى بحثٍ ودراسة، أوْ الاستعانة بالمنجّمين والعرّافين! فشهرته هذه تكمن في لون الشّعر الذي اعتاد أن يُقدِّمه إلى الجماهير العطشى إلى الحرية، فالشّعر السياسي أشد تأثيراً، وأكثر حضوراً، وأوسع جماهيرية من الأغراض الشّعرية الأخرى، لِمَا يتميّز به من الصراحة والوضوح والقوة وغلبة روح التهكُّم والسخرية، ذات النكهة المحبّبة لدى المتلقِّي.

عندما الْتقيته في "عاصمة الضباب"؛ هالني جسده المُنهَك من عناء العمل، ولهيب الغربة، ولكن أسعدني تفاؤله بالمستقبل ... وقد سألته: ما هذا الدويّ الذي أحدثه فنّكَ؟ وما هذه النيران التي أشعلتها قصائدك في العالَم العربي ... على الرغم أنك تعيش خارجه؟!

فأشرقَ وجهه على الفوْر، وقال: أعيش في "لندن" بجسدي فقط، أمّا قلبي فلم يفارق وطنه العربي ... أنا شاعر في خدمة أُمّة، ولستُ مُمثّلاً لقبيلة معينة .. أستعرض الوجع العربي بشكل عام، وأُحرّض الموجعين على الانعتاق!

نعم؛ لقد أخلص –شاعرنا- في فنّهِ لقضيةٍ واحدة، وبذل في سبيلها ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ألاَ وهي قضية (الحريّة) فأعلن تمرّده على أنظمة القمع والقهر، وشحذ لسانه في وجه الديكتاتورية والاستبداد السياسي، فجاءت قصائده حادّة غاية في الحدّة، وقاسية غاية في القسوة، وانهمر سيْله الشِّعري -بلغتهِ الساخرة، ورموزه الشفّافة، وصوره المباغتة- كالطوفان الهادر الذي لا عاصم منه، خاصة في عصر الفضائيات وثورة الانترنتْ، التي كَفَتْ أصحابَ الفكر شر المساءلة، وشر النفّاثات في العُقَد ... فلا حاجة للصحافة أوْ لدور النشر، فليست –ثمّة– رقابة ولا رقيب، ولا نقابة ولا نقيب!

سألته أيضاً: متى افتقدتَ حرّيتكَ .. وأين وجدتها؟

فقال: "لم أفقد حريتي حتى أجدها، لقد فقدتُ أشياءً كثيرة وكبيرة بسبب انشغالي بالحفاظ على هذه الحرية. ولوْ أنني فقدتها، لكانت كل تلك الأشياء في حوزتي، ما عداي!

وقال: حريّتي هي أنا، ولن تستطيع أيّة قوة في الدنيا أن تُجرّدني منها، ولو جرّدتني من روحي .. لقد أودعتها القدرة على الصراخ حتى بعد موتي. أمّا الشعر الجميل والصادق فهو رهن بجمال وصِدق الشاعر لا بالمكان، غير أن مثل هذا الشاعر قد يضطر في ظروف القمع وضيق ذات القول إلى استخدام حيَل التخفِّي؛ لركوب وسائط النقل دون أن يدفع ثمن التذكرة، وهذا ما لا يحتاج إليه في المنفى، لأنَّ المنفى نفسه هو الثمن الباهظ المدفوع سلفاً، من أجل حيازة الحنجرة كاملة، والتجرد من طاقية الإخفاء"!

وقد سُئِلَ أحمد مطر في الندوة الأسبوعية بـ(جمعية الأدباء العرب): لماذا لم تكتب في المجال العاطفي الذي يستهوي الشعراء، عِلماً بأن كل الشعراء الذين يكتبون اللون السياسي لهم قصائد ودواوين كاملة في الغزل؟

فأجاب: "أنا على علم بأنّ لكل الشعراء دواوين في الغزل، وهذا هو بالضبط ما طمأنني على أنّ ثغورنا "العاطفية" ليست مكشوفة أمام جحافل "العاذلين" والحمد لله، وأنَّ مخزوننا من القلوب المشكوكة بالسهام كفيل بأن يُعيل "لواعج غرامنا" لألف سنة مقبلة على الأقل. وإذا أضفت إلى هذا كون أَمننا الداخلي مُستتباً ومضبوطاً مثل "العقال" ببركة الآلاف المؤلفة من "ضبّاط" الإيقاع، فسيكون من الطبيعي أن يداخلني اليقين بأنَّ الجهاد على تلك الجبهة قد أصبح بالنسبة لي "فرض كفاية" مِمَّا يمنحني عذراً واسعاً للانصراف إلى حجرة رغائبي الذاتية دون خشية من "عاذل" أو "رقيب"! خلاصة الأمر هي أن لي قلباً مفعماً بالعواطف المشبوبة، لكنه لا يعرف الكذب مطلقاً، ولذلك فإنني سأكون مستحقاً للعنته إذا حاولت إقناعه بضرورة إقامة معرض لصبابتي، فيما هو يرى "بأم فؤاده" أن بيتنا بمن فيه وما فيه، سابح في الحريق".

وفي سؤال حول مذهبه الشِّعري، قيل له: لوْ قمنا بتقسيم المدارس الشِّعرية على خلفيّة (11 سبتمبر) إلى مدارس إرهابية وأخرى غير إرهابية ... فأين سيكون أحمد مطر؟

قال: "إذا بكى طفل رضيع على صدر أمّه، في هدأة ليل العرب والمسلمين، فلا أستبعد في زمن المهازل هذا، أن تعدّه أميركا، برصانتها المعهودة "محوراً للشر" ينبغي استخدام القوة النووية للإطاحة بـ"حفّاظته"!

فهل بعد هذا تسألني أنا من أيّ مدرسة سأكون؟!  أنا إرهابي، من قبل سبتمبر ومن بعده، وبإمكانك أن تسأل عن هذا حكّامنا الطيبين جداً، والمبادرين إلى التطبيع. كل ما تغيّر هو أنني كنتُ إذا قيل لي (سبتمبر) أصرخ: ملعون أبو "تمبر". أمّا الآن فلم أعُد أسبّه ... نكاية بأمريكا، وإمعاناً في الإرهاب!

هذه هي بعض آراء أحمد مطر وأفكاره ... وحتى تكتمل رؤيتنا عن هذا الشّاعر الساخر؛ فلنستمع إلى رسائله وبرقياته التي أرسلها إلى المجاهدين في الأرض المباركة مشجّعاً ومحفزاً؛ إذْ يَشدّ على أيادي "أهل الضفة" وينادي عليهم في قصيدته الذهبيّة، قائلاً:

يا أهـل الضفـة .. يا أحـرار

أنتم فاتحة القرآن، وأنتم خاتمة الأحزان

أنتم حقٌ وجميع الناس أباطيل

أنتم روح الله .. وأنتم إنجيل الإنجيل

يا مَن تعتصمونَ بحبل الله جميعا

سيروا والله يوفِّقكم

لا تنتظروا منَّا أحدا .. لا تثِقوا فينا أبدا

فهنا أبناء أنابيب .. وهنا أبناء براميل

يعتصمون بحبل غسيل!

أمّا عن سُخريّته اللاذعة، وانتقاداته للحكومات العربية، فهيَ أهم ما اشتُهر به، فكل شِعره يدور في هذا الفلك، غير مكترث بعواقبه، ففي قصيدة "تبديل الأدوار" يقول:

رأت الدولُ الكبرى تبديل الأدوار

فأقرّت إعفاءَ الوالي

واقترحت تعيينَ حمار !

ولدى توقيع الإقرار؛ نهقتْ كلُّ حمير الدنيا باستنكار:

نحن حمير الدنيا لا نرفضُ أن نُتعَبْ

أوْ أن نُركَبْ أو أن نُضربَ أو حتى أن نُصلَبْ

لكن نرفضُ في إصرار أن نغدو خدماً للاستعمار

إنّ حُموريّتنا تأبى أن يلحقنا هذا العار !

وهكذا، يبقى "أحمد مطر" الشّاعر السياسي الأول في الوطن العربي، خاصة بعد رحيل العمالقة، أمثال: عمر أبو ريشة، وبدوي الجبل، والبردوني، والجواهري، ونزار قباني، وغيرهم من أعمدة القصيدة العربية الحديثة.

ولعلَّ من أروع قصائده؛ قصيدة (ارحلوا عنّا) تلك القصيدة التي وجّهها إلى الحكَّام العرب، عندما أعلن الصهاينة بمباركة "الكونجرس" أنَّ (القدس) عاصمة أبدية لليهود!

فتهكَّمَ "الشّاعر" من حكّام العرب، قائلاً:

اتركوا القدس لمولاها .. فما أعظم بلواها

إذا فرَّتْ من الباغي .. لكيْ تلقى الوكيلا !

طفح الكيلُ .. وقدْ آنَ لكم .. أن تسمعوا قولاً ثقيلاً

نحن لا نجهل مَن أنتم

غسلناكم جميعاً .. وعصرناكم .. وجفّفْنا الغسيلا

إننا لسنا نرى مغتصب القدس .. يهودياً دخيلاً

فهو لم يقطع لنا شبراً من الأوطان

لوْ لمْ تقطعوا من دونه عنّا السبيلا

أنتمُ الأعداء

يا من قد نزعتُم صفة الإنسان .. من أعماقنا جيلاً فجيلا

واغتصبتم أرضنا مِنّا .. وكنتُم نصف قرن

لبلاد العرب محتلاً أصيلا

أنتم الأعداء

يا شجعان سِلْمٍ .. زوجوا الظلم بظلم

وبنوا للوطن المحتل عشرين مثيلا!

نحن نرجو كل مَن فيه بقايا خجلٍ

أنْ يستقيلا

نحن لا نسألكم إلاَّ الرحيلا

وعلى رغم القباحات التي خلّفتموها

فلنْ ننسى لكم هذا الجميلا !

***

ارحلوا ...

أمْ تحسبون الله .. لم يخلق لنا عنكم بديلا؟!

أيّ إعجاز لديكم؟

هلْ من الصعب على أيّ امرئٍ أن يلبسَ العار

وأنْ يصبح للغرب عميلا؟!

احملوا أسلحة الذلِّ وولُّوا .. لتروا

كيف نُحيلُ الذُّلَّ بالأحجار عِزاً ... ونُذلُّ المستحيلا !

سلام على الشاعر "أحمد مطر" وعلى سائر الشعراء الذين بصقوا في وجه أنظمة العار، وأشعلوا نيران القصائد في وجوههم ... فأحرقوقم وهم على قيد الحياة!

***

محمَّــــد عبد الشافي القُوصي؛

 

 

 

يسري عبد الغنيحسن عثمان، مؤرخ مصري، أشتغل أستاذا للتاريخ الأسلامي والأوربي في عدد من الجامعات العربية والعالمية، مؤلف كتاب منهج البحث التاريخي.

كتبه ومنهجه

أشهر كتبه: كتاب: منهج البحث التاريخي والذي طبع عشرات المرات، وكان له منهجا واضحا ووضع له شروط للمؤرخ المحترف:

يستخدم المؤرخ وسائل عدة في استخلاصه للحقائق التاريخية، احدها نقد الأصول التاريخية، والتي تمكنه من التمييز بين المصادر الصحيحة والأخرى المغلوطة. على نأخذ بعين الاعتبار أن هذا النقد المنطقي المنظم لا يقود إلى حقائق نهائية خالصة لا شك فيها، وإنما يعيننا على الاقتراب بقدر المستطاع من تلك الحقيقة المنشودة. فيخرج الباحث من خلال قراءاته برواية أو مجموعة من الروايات عن حدث ما، فهي تضطر الباحث إلى حل ما يرد فيما بينها من تناقض لاستخلاص الصورة الصحيحة منها، متبعا بعض القواعد التي تيسر له ذلك ومن أهمها:

- التحقق من أن هذه الروايات المتناقضة تخص حدث واحد وليس مجموعة من الأحداث المتشابهة ظاهريا.

- فحص الروايات لبيان أيها الصادق وأيها الكاذب، وإذا تعذر ذلك يبقى الحكم معلقا وتذكر جميع الروايات دون ترجيح.

- دراسة نوع هذه الروايات وليس فقط كمها، فقد تكون رواية واحدة صادقة ومجموعة روايات مخالفة للحقيقة.

- ترجيح اصح الروايات وأقربها صدقا إلى الحقيقة، وإذا تعذر ذلك يتجه البحث نحو مصادر جديدة.

ترجمته لكتاب الكوميديا الإلهية: ألفها "دانتي أليغييري" الشاعر الايطالى، وتعد أوسع وأشهر ترجمة عربية للكتاب، أن ثمة ثلاثة ... من خلاله خلق علاقة تجسد الخيال بين "توثيق المؤرخ وتحقيق التحرى" وهي أشهر ترجمة بالعربية.

تلامذته

وقد ترك عددا من تلامذته الذين أصبحوا اعلاما في الكتابة التاريخية من أمثال، صلاح عيسى وخالد فهمي وطه احمد شرف وحسن سليمان محمود ومحمد مؤنس عوض وعماد عبد السلام ورؤوف عباس.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

سعد الساعديلم أكن أعلم أنني في يوم ما سأكتب شعراً تملأ كلماتُه نفسي، بعد أن كنت أقف كلّ يوم خميس في ساحة المدرسة وأنا في الصّف الخامس الابتدائي مع مجموعة رافعي العلم، بعدها أقرأ ما أحفظ من قصيدة، ولم تكن غير: "إذا الشّعبُ يوماً أراد الحياة .. فلابد أن يستجيب القدر"..  كانت هذه القصيدة ضمن ما مطلوب حفظه من المنهج الدراسي. لم أعرف الشّابي، ولا أين تقع تونس على خارطة الوطن العربي حينها؛ أمّا اليوم فلديّ من الأصدقاء هناك ما لا أقدرُ على إحصائه.

كان الشّعرُ عصياً عليًّ حفظه؛ فمع حبي للجواهري كنت أعاني جداً من حفظ ما مطلوب مني وأنا أخوض غمار دراستي أملاً في إنهاء الثانوية بسلامة بعيداً عن إعادةِ سنةٍ جديدة، ومجال تخصصي في الفرع العلميّ وليس أدبياً.. حتى أشعاري لم أستطع حفظها بعد كتابتها؛ والى يومنا هذا، ومع كل هذه المعاناة أجدني أحياناً أحفظ الشعر منذ الوهلة الأولى لقراءته، ما سرُّ هذا التباين؟ لا أعرف.

منذ صغري حفظت لقباني أشعاراً كثيرة، وللسّياب، والمتنبي. أتعجّبُ كيف تدخل تلك الكلمات بلا استئذان الى عقلي، وتحفظها ذاكرتي، وتكمن هناك بلا قطيعة، لكني نسيت كلّ ما حفظتهُ أثناء دراستي ضمن المنهج المقرر، ولم يبقَ الاّ ما كان خارج المنهج أحياناً كثيرة.

ذات مرة طَلبَ أستاذنا ممتحناً؛ أن نكتب سبعةَ أبياتٍ مما نحفظ لأبي الطيب المتنبي؛ كنت أحفظ من المقرّر سبعة أبيات بالتّمام  والكمال؛ لكني أحفظ من ذاكرتي أكثر؛ فكتبت أثنين وعشرين بيتاً.. لماذا فعلت ذلك؟ قد يكون السبب هو إثارة إعجاب استاذي الذي لم يتوانَ بمنحي أعلى درجة نهاية العام الدراسي، فكانت أول درجة امتيازٍ لي، ولعله هو المطلوب آنذاك حين التحقت بدراسة أدبية جديدة بعد سنوات مرَّت مسرعة أخذت الكثير بين اجهاض ونموٍ متسارع.

كانت أشعارُ الثّورة والحب تتملّكني، ولا حدودَ لها؛ الثورة على الواقع، وعلى الوجدان، وحتى على الأحلام. لم أحفظ لنازك، ولا للبياتي حتى هذه اللحظة شيئاً، لكني معهما أجدُ نفسي أعانق خيالاتي، وأهيم مع نسائم الحياة. حفظتُ أنشودةَ المطر للسيّاب لأني أحبه، وأحبّها، وما زلت الى الآن أتصورُ نفسي ذلك العاشق الذي ينظرُ للأعلى أملاً بإشارةٍ، أو ابتسامةٍ رقيقة من محبوبته، أو أتعلّقُ بقطعةٍ صغيرة من الورق فيها مكتوبٌ: أحبك، أو أعشقك، أو أنت حبيبي الذي لن أنساه؛ لكن هل قصد السياب حبيبته أم غير ذلك؟

حفظت بيتين للجواهري: "حييّتُ سفْحكِ عن بعدٍ فحييني..  يا دجلةَ الخيرِ يا أمَّ البساتينِ..

حييتُ سفحكِ ظمآناً الوذُ به.. لوذَ الحمائمِ بين الماءِ والطّينِ"... لكني أقف مبهوراً جامداً أمام ما كَتب؛ كأني جالس بينه وبين المتنبي مستمعاً لحوارٍ قلّما أعرف تفسيرَ معانيه؛ لكني أذوب في سحره وبيانه.

أسماءٌ كثيرة؛ كنجومِ السّماء، أو شُهبٍ تتساقط كل حين أمام ناظري، والمدهشُ أنّ أولَ كتابَ شعرٍ قرأته كان للشّاعر (بابلو نيرودا) الذي ذكّرني قوله بعد مقتل صديقه رئيس تشيلي (سلفادور الليندي) برصاص عسكرِ الانقلاب (البينوشيتي) حين هجم على بيته العسكر يفتشون عن السلاح لأنه صديق الرئيس، ولمّا سئل عن السلاح قال: شعري هو سلاحي.. بقيت هذه الكلمات عالقة في ذهني؛ حقاً هو سلاحٌ جميلٌ وخطير.

ومع هذا لم أكنْ أعرف نيرودا، ولا الليندي إلاّ بعد موت الشاعر وهو يقول كلماتَه الأخيرة:

 "إنَّ تلك الشخصية (سلفادور الليندي) المجيدة، الميتة، كانت تمضي وهي مخرّقة برصاص رشّاشات عساكر تشيلي؛ الذين خانوا تشيلي مرة أخرى. لكنّي لم أحفظ من شعره سوى صورة البطولة، والثورة، والحرية؛ مع أنّي لم أكن يسارياً، أو يمينياً، وطالما قرأتُ في نهاري الأدبَ الروسيّ، وفي ليلي أتهجّدُ بدعاءٍ الى الآن أردّدهُ: (اللهمّ إنّا نرغبُ اليكَ في دولةٍ كريمةٍ تخلّصنا فيها من الظّالمين)..

حتى في محراب صلواتي أتذكّرُ الشعرَ الشهيد؛ المضمّخة دماؤه بلونها الأحمر،  وأنا لا أحبُّ كل ثوبٍ أحمر، إلاّ راياتِ الشّهادة، وبطولة الأبطال، وعَلم بلادي، والصّرخات الحمراء المدويّة ضدَ العنف والاستغلال، واستعبادِ البشرِ أينما كانوا. هنا تذكرت محمّد مفتاح الفيتوري، شاعر الحرية السوداني، فما تزال الى الآن اصداءُ كلماتِه التي رسخَت، وتعمّقت تناغيني: "الملايينُ افاقت من كراها.. ما تراها.. ملأ الأفقَ صداها".. ومحمود درويش وهو يوقّعُ وثيقته الشخصيّة: "أنا عربي.. ورقمُ بطاقتي خمسون ألف.. أطفالي ثمانية.. وتاسعهم سيأتي بعد صيف.."

هذه الصور المتّقدة لم يتعلق بالذّاكرة فقط، لكنها ترسخت في اللا شعور، أو ما يسمّى العقلُ الباطن، ومتى ما  احتجتُ اليها فإنها تقفزُ أمامي كدليلٍ للسّائحين لا يفارقُ الجماعةَ خوفاً من الضّياع؛ لذلك ربما حفِظَتْها الذاكرةُ بلا تعبِ الحفظ.

كذلك لم يكن لعملاقي الشعر والفصاحة عبد المحسن الكاظمي، أو محمد مهدي البصير نصيبٌ من الحفظ، وهما لم يفارقا دراستنا أينما كنّا. وإنْ كان الشعر حجازياً، أو يمنياً؛ لكنّ بناءه، وكمالَ عذوبته، وجمالَ سحره، وبيانه استقرَّ عراقياً دون منازع الى الحين باعتراف الجميع؛ لذلك لم يكن غريباً عندما تطفو كلُّ الأشعار وتسبحُ في عقلي، وروحي، وذاكرتي لشعراء عراقيين  قبل غيرهم بلا شعوبية أو شوفينية تعصبية،  وكأنهم بالفطرة ولدوا هكذا، وجُبلوا بالشّعر، وقد تكون هذه الحقيقة. حتى كتّاب الشعر العاميّ (الشّعبي) لا يجاريهم أحدٌ فيما يكتبون، وكأنهم ينفثون سِحرَهم الأخّاذ  بين الكلمات؛ ليصنعوا مجدَها وعُلاها، والاسماءُ لا تُحصى.

مما أعشقه من الشّعر كانت كلمات الغزل، وكتبْتُ ما أحسبه أجمل غزليّاتي حين اشتعلتْ حربُ الثمان سنوات؛ فكانت ملاذي ألآمن وأنا أكتبُ بعيداً عن كلّ شيء، لئلا تقعَ إحدى القصائدَ بيد العيون الماكرة آنذاك، وأقبعُ بعدها خلف أبوابٍ من حديدٍ لا يُعرفُ لونها وأين مكانها، فكان الغزل هو حارسي الأمين الذي فارقني الآن بعد أن ذهبَ في إجازة طويلةٍ، ربما بلا رجعة، لأن الورد يعشق الماء، وأنا الآن بين ظلالٍ من لهبٍ لا يلحفُني وحدي، بل هناك ملايين مثلي تبحث عن ظِلٍّ آمن غيره، ولم تجد!

لم أكن أعلم أنّ للشعر طقوساً، ومواسمَ كغيره من الكتابة إلاّ بعد سنواتٍ من البعد والقطيعة، لكنها ما كانت طلاقاً خلعيّاً مؤبداً؛ إنما كان طلاقاً رجعيّاً؛ عِدّتُه جيلٌ كامل؛ فلو تزوجَتْ إحدى قصائدي وقتئذ لأنجبتْ الآن أطفالاً وأراهم بين يديَّ كتباً بأغلفة وألوان شتى.

مارستُ طقوسي من جديد بهدوءٍ مع ألوانٍ تهبها لي الطبيعة تارةً، وأحياناً يفرزها ظلمُ الانسان لأخيه الانسان.. أرسم بها لوحاتي ساعةَ يحين اللقاء، أو يدقّ ناقوسُ الأرواحِ العطشى للحروف ونشوة الخلجات المتدفقة بينا حناياها.

لم تعُد الجميلاتُ ما أطمح اليه من وصفهنَّ؛ فالجمال ليس أبداً وجهُ امرأةٍ، أو جسدٌ تترقرق مفاتنه بين القلب  والعينين. الشعرُ له شهوة خاصّة مفضوحة لا حياء لها، ولا تخشى أقسى العقوبات إنْ تخلع ثوب الابتذال عنها، أمّا شهوات قصائدي فقد انحرفت صوبَ الورود وصباها، وندى الصّباح، وأريجَ زينته، وكلَّ أوراقِ الأشجار حتى الذابلة منها قبل الخريف، وما تحملُ من ألوان.

بسمةُ طفلٍ صغيرٍ، أو جدائل طفلةٍ جميلة تُدَهشُ أحاسيسي لصفائها، ونقائها، أو ترجعني لذكرياتٍ لم أرَ مثلها في حياتي حين كنتُ صغيراً، وحياتي اليوم كقطارٍ يكادُ يخرجُ عن محلِ سيره، ويهوي في مكانٍ سحيقٍ لا يعرفُ قراراً، أو زمناً للرحيل رغمَ الاستعدادِ والتأهّب.

أسئلةٌ شتّى تراودني كثيراً: مَنْ منّا أوصل رسالتَه بما تحملُ من جُملٍ تخلو من تعقيد؟  مَنْ مازال الى الآن يلهثُ خلف سرابٍ من ضوءٍ متشتت؟ من  انتصفَ من نفسه قبل أن يقولَ وداعاً؟

اكملتُ كلَّ عباراتِ رسالتي إلاّ سطرين قربَ الهامش، كي أذيّلُها بتوقيعٍ استنبطه مع آخر كلمةٍ، حتى لا يتكرّرُ بينَ يديَّ مرةً ثانية، فقد يضيع القلم، أو لا تقوى أصابعي على إمساكِه، أو يسرقه طامعٌ بجماله مع ما سُرقَ وسيسرق لأنّ الأمور أحياناً تخرجُ من بين أيدينا ونحن ننظرُ بدهشةٍ لا نعرفُ ماذا نفعل، أمّا أنتم أصدقائي فلا أعرفُ ماذا تضمِرون، أو ماذا ستكون رسائلُكُم، ولعلّي مِن هوسِ الشّعرِ وذكرياته أوجّه أسئلتي مُجبِراً من لا يسعى لإجابةٍ أبداً، أو لا يحبّذ سماعَها منّي أو من غيري، أن يعود الى نفسه يتساءل من جديد ليعرف أين موقِع النَّصَف..!

 

سعد الساعدي

 

 

محمود محمد عليفقدت الأوساط الثقافية والفنية في مصر والعالم العربي، السبت الماضي، الموافق الثاني من يناير 2021م، قلماً من أهم الأقلام إلتى أبدعت للسينما المصرية، وللمشاهد المصرى والعربى لسنوات طويلة، وخاطبت الضمائر والعقول والقلوب بأجمل الاعمال السينمائية والدرامية ؛ ومنها: أفلام: الإرهاب والكباب، والمنسي، والبرئ، وطيور الظلام، والنوم في العسل، وطائر الليل الحزين، وغريب فى بيتى، والبرئ، والراقصة والسياسي، والغول، والهلفوت، واللعب مع الكبار، واضحك الصورة تطلع حلوة، وسوق المتعة. ومسلسلات: البشاير، والعائلة، والدم والنار، وأوان الورد، والجماعة.

إنه الكاتب الكبير والسيناريست المصري العملاق "وحيد حامد"، الذي توفي عن عمر 77 عاماً بعد تدهور حالته الصحية في أحد مستشفيات القاهرة، ولقد كان " وحيد حامد" واحداً ممن أثروا السينما والدراما المصرية بأعمال، ستبقى محفورة في الذاكرة الفنية لمصر والعالم العربي، وقد دشن عدد كبير من رود موقع التواصل الاجتماعى "تويتر" هاشتاج وحيد حامد وتصدر الهاشتاج قائمة الأكثر تدولاً على تويتر، وجاءت التغريدات كالآتى: المبدع وحيد حامد في ذمه الله انا لله وإنا اليه راجعون.. اللهم أغفر له، وأرحمه، وأسكنه فسيح جناتك، شكرًا وحيد حامد علي تاريخك المُشرف للدراما وللسينما وللثقافة المصرية.. الخ.

ووحيد حامد هو واحد من أعظم من كتبوا وألفوا للسينما العربية، عبر الخمسين الماضية؛ حيث عبرت أعماله عن كل قضاياه الإنسان العربي، كما لم يعبر أحد وهو، وواحدا ممن جعلونا نحب السينما، ولا ننسي عمله الرائع في فيلم "عمارة يعقوبيان" الذي كان من تأليفه ، وهو بحق شخصية ابداعية خاصة واستثنائية في وجدان الفن المصري والعربي.

ولد وحيد حامد في الأول من يوليو 1944، بمحافظة الشرقية، وتخرج في قسم الاجتماع بكلية الآداب جامعة عين شمس عام 1967، ليبدأ بالتوازي رحلة البحث عن تحقيق حلمه في كتابة القصة القصيرة، فكانت أول إصداراته مجموعة قصصية بعنوان "القمر يقتل عاشقه"، ولكن فجأة تغير المسار، وتحول الاهتمام لكتابة الدراما بنصيحة من الكاتب الكبير "يوسف إدريس"، لتنطلق رحلة السيناريست وحيد حامد بين جدران ماسبيرو، ومطلع السبعينيات، بكتابة الدراما الإذاعية والتلفزيونية، قبل أن ينطلق في مجال الكتابة للسينما نهاية السبعينيات، بفيلم "طائر الليل الحزين"، إخراج يحيى العلمي، الذي كرر معه التعاون عام 1981 في فيلم "فتوات بولاق" عن قصة لنجيب محفوظ ؛ أيضا يقوم بكتابة المقال السياسى والاجتماعى فى أكثر الصحف انتشارا، ويحظى بجمهور واسع من القراء وكذلك أشرف على ورشة السيناريو بالمعهد العالى للسينما لمدة أربع سنوات، متتالية أخرج منها عددا من أفضل كتاب السيناريو الحاليين.

ثم واصل وحيد حامد معاركه ضد التطرف والفساد السياسي معاً في أعمال؛ مثل "دم الغزال"، 2005 وفي 2006 قدم فيلم "عمارة يعقوبيان" المأخوذ عن رواية علاء الأسواني، ومن إخراج مروان حامد، وهو فيلم أثار الزوابع في عصره بسبب اقتحامه لكثير من الخطوط الحمراء السياسية والاجتماعية والجنسية، كما حقق نجاحاً جماهيرياً كبيراً.

ومن أعمال وحيد حامد الأخيرة المختلفة "احكي يا شهر زاد" إخراج يسري نصر الله 2009، الذي ابتعد فيه عن نقد القشرة السياسية والدينية للمجتمع ليغوص في جذور الاستبداد والفساد داخل الأسرة والعلاقات الاجتماعية نفسها.

وبعد غياب طويل عن التلفزيون عاد وحيد حامد في 2010م، ليقدم الجزء الأول من مسلسل "الجماعة" الذي يرصد فيه بشجاعة نشأة وصعود جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية في مصر، ثم آخر أعماله الجزء الثاني من "الجماعة" في 2017 ويفصل بينهما مسلسل اجتماعي بديع هو «بدون ذكر أسماء» الذي يشرح فيه ببراعة العلاقات الاجتماعية بين الطبقات المختلفة.

كان وحيد حامد بدأ مسيرته بكتابة القصة القصيرة والمسرحية فى بداية مشواره الأدبي، ثم اتجه إلى الكتابة للإذاعة المصرية فقدم العديد من الأعمال الدرامية والمسلسلات، ومن الإذاعة إلى التليفزيون والسينما ؛ حيث قدم عشرات الأفلام والمسلسلات.

ولقد كان "وحيد حامد" بحق قيمة فنية كبيرة جداً، ونموذجا للكاتب الكبير، الذي يستشرف آفاق المستقبل، من خلال أعماله الفنية، بطريقة لطيفة جداً، وقريبة من الواقع.، ولا شك في إن الكلام لا ينتهي عن الكاتب وحيد حامد، وتأثيره سيستمر لعقود طويلة، فهو من العلامات المؤثرة في تاريخ الصحافة وتاريخ الكتابة السينمائية والدرامية.

وقد لاقت أعمال المؤلف وحيد حامد إعجابا من كافة المحافل المحلية، والدولية وحاز عنها على عدة جوائز، وآخرها في 2020 م، حاز جائزة الهرم الذهبى التقديرية لإنجاز العمر من مهرجان القاهرة السينمائى الدولي فى دورته الـ 42 ؛ وهو أيضاً كاتب السيناريو العربي الوحيد الذي كرمه مهرجان «دبي السينمائي الدولي» في آخر دوراته 2017، والذي كرمه مهرجان "القاهرة" أيضاً في دورته الأخيرة منذ عدة أسابيع.. ليلتها صعد وحيد حامد إلى المسرح لتحية الحاضرين الذين استمروا في التصفيق واقفين لعدة دقائق، وكان الإرهاق يبدو عليه وهو يستدعي ذكرياته وأساتذته الذين ساهموا في تكوينه ونجاحه.

رحم الله المبدع عملاق السينما والدراما وحيد حامد، خالص العزاء لأسرته وللفن المصري، ولكل محبيه في مصر والعالم العربي .. إنا لله وإنا إليه راجعون.. اللهم إغفر له وإرحمه وإسكنه فسيح جناتك ..شكرًا وحيد حامد علي تاريخك المُشرف للدراما وللسينما وللثقافة المصرية .. وداعاً أيّها المُعلّم ... وستبقى ابداعاتك ونحن معها، نحارب طيور الظلام.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد عليعندما يعيش الواقع المعاش مفتقداً لأبسط أنواع التفكير العقلي، وأبسط أنواع المنطق، هنا يصاب المرء بالدوار، ويعتريه الكثير من الحالات النفسية الغير إيجابية، منها الاكتئاب، والحيرة، والضيق.. ودخول الذات لتلك الحالة تعني أنها أصبحت ذات سلبية، بل قد تصل أن تكون مدمرة، سواء لذاتها وللمحيط الذي تعيش فيه، وفي تلك الحالة الآسنة والمقبضة تجيئ السخرية والفكاهة بمثابة تخفيف من تلك الحالة، وهي محاولة للتنفيس لما يعتمل داخل الذات.

إن السخرية من الواقع المرير يجعل الذات تعيد ترتيب نفسها، من خلال البحث عن إيجاد مساحة من التخفيف والتلطيف من الواقع، بحيث تتمكن الذات في محالة لتجعل الحياة والواقع ممكن، وربما قد تتغير الأحوال .. ومع انعدام تلك الفكاهة والسخرية لا تجد الذات إلا التدمير لنفسها أو للمحيط الذي تعيش فيه.

ولم يسبق أن شهد العالم العربي برنامجا لقي كل هذا الجدل كما هو الحال مع "برنامج" الإعلامي المصري باسم يوسف، الأمر الذي جعل من هذا البرنامج لحظة إعلامية استثنائية في تاريخ السخرية السوداء في مصر زمن ثورات الربيع العربي؛ حيث لم يستثن باسم يوسف أحدا من تلك السخرية، والتي اعتبرها "سلاحا ضد ثقافة التكفير والتخوين وصناعة الفراعنة السائدة في مصر.

ومع ذلك فالرجل يعتمد في أسلوبه علي السخرية اللاذعة بادب جم، وبكوميديا أقرب إلي الكوميديا الراقية المعروفة فنياً باسم " كوميديا الموقف "، فالرجل يبرز التناقضات المتعددة في المواقف وتصريحات الرئيس محمد مرسي مع بعض التعليقات الظريفة الخفيفة التي تتسم بخفة ظل الإنسان المصري البسيط، مما يدخل البهجة والفرحة في قلوب المصريين، وفي نفس الوقت تشكل تعليقاته نقداً سياسياً عميقاً وقوياً ولاذعاً يكشف فساد وتخريب حكم جماعة الإخوان المسلمين من محمد مرسي إلي أصغر مسؤوليه.

وربما تكون القيمة الحقيقية في النجاح الساحق لبرنامج باسم يوسف الأسبوعي، الذي أصبح موعداً مع السعادة في أمرين هما:.. الأول: إنه نوع جديد من النقد السياسي الهادف البناء الذي يكشف ويجرح ولا يسيل الدماء .. الثاني: يسد نقصاً هائلاً في أداء الإعلام المصري، وينجح في الوصول إلي أوسع الجماهير الشعبية بقناعة وأسلوب سهل يدخل القلوب قبل العقول، وهنا أضحي باسم يوسف يمثل في نظر الكثير من الشعب المصري يمثل ظاهرة جديدة غير مسبوقة في الأداء التلفزيوني والإعلامي، أو علي الأقل ظاهرة لم يعرفها الإعلام المصري من قبل، ظاهرة لا تتجسد في النجاح الجماهيري ونسبة المشاهدة المرتفعة فقط، وإنما تتجسد في درجة التجاوب الجماهيري العالية جداً مع باسم يوسف، وبشكل أدخله بسبب انتقاداته اللاذعة لجماعة الإخوان المسلمين في قلوب الملايين من المصريين البسطاء.

وباسم يوسف (من مواليد عام 1974 )، حيث كان في حقيقة الأمر طبيب جراح اختار أن يترك مهنة الطب وأن يعلق بسخرية عن الوضع السياسي في مصر بعد ثورة 2011 عبر اليوتيوب وبإمكانيات بسيطة؛ مستخدماً في سبيل ذلك مجرد طاولة وكرسي وكاميرا واحدة ولوحة جدارية تضم صوراً التقطها الهواة من ميدان التحرير، قبل أن تعرض عليه قناة أون تي في إذاعة البرنامج على شاشتها، لتقديم ذات البرنامج الذي يحاكي في برنامجه التلفزيوني البرنامج الأمريكي "ذا دايلي شو" الذي يقدمه الناقد الساخر جون ستيوارت.

ثم سرعان ما لقيت هذه الفيديوهات نجاحا جماهيريا، لتطلب منه قناة "الأون تي في" المصرية أن يقدم برنامجا ساخرا خاصا به تحت عنوان "البرنامج"، وقد تحول العرض الأسبوعي لبرنامج " البرنامج" إلى موعد ينتظره الملايين في العالم العربي، بل وأصبحت المقاهي تحرص على عرضه وكأنه مباراة لكرة القدم، إذ يجتمع الناس لمشاهدته.

وهذا الأمر يعد سابقة في العالم العربي بالنسبة لبرنامج تلفزيوني، فهو أول برنامج سياسي هزلي –ساخر في مصر، وكان له ذلك الصدي المؤثر بين الناس، والاهتمام الواضح في الأوساط الإعلامية والسياسية محلياً، وعربياً، وعالمياً، وللبرنامج فكر سياسي واضح وثابت، يقوم علي جمع الأخبار السياسية الأسبوعية وعرضها بطريقة نقدية –هزلية في حلقة واحدة .

لقد بدأ باسم يوسف في تقديم البرنامج الأول مرة علي قناة الأون تي في" المصرية، ثم انتقل إلي مرحلة مرحلة جديدة على قناة "السي بي سي" في 23 نوفمبر 2012، وكان البرنامج أيضا يمثل حلقة أسبوعية كل جمعة (تكون مسجل مع الجمهور قبلها بيومين) وبدأ التنوع في الفقرات يظهر بشدة هذا الموسم حيث كان يبدأ بتعليقات باسم الساخرة عن الأحداث الجارية في مصر قبل أن ينتقل في النصف الآخر لفقرة ترفيهية واستضافة لفنانين ومشاهير.

وهنا حظي باسم يوسف بمسرح كبير خاص به مع جمهور حقيقي يتفاعل معه. هذه المرحلة الجديدة تصادفت أيضا مع مرحلة حكم الإخوان المسلمين في مصر، الذين وجه لهم وللرئيس" محمد مرسي" نقدا ساخرا لاذعا؛ ومن سوء حظ الرئيس المصري "محمد مرسي"، هو وجود معلق كوميدي بحجم "الظاهرة" باسم يوسف. الكثيرون انتقدوا مرسي من صحافيين ومذيعين وحتى دعاة و فنانين، ولكن نقد باسم يوسف موجع ومؤلم جداً، وذلك في كونه يبالغ في النقد الشخصي الحاد جداً الذي يصل إلى الرغبة في تدمير الشخصيات. نرى ذلك مثلاً في نقده أسماء صحفية و عامة بشكل مبالغ فيه. رأينا ذلك مع عماد الدين أديب، وكذلك مع مرتضى منصور. من الطبيعي أن يتنقد ويسخر من هذين الأسمين أو غيرهما، ولكن المبالغة في السخرية من الأشخاص، مسألة تطرب لها الجماهير، ولكنها ستنحرف بالبرنامج ليتحول إلى ردود شخصية مطولة ومبارزات استعراضية وأحقاد.

وقد استقطب هذا البرنامج الكوميدي عدداً كبيرا من المتابعين، الأمر الذي جعل البرنامج يحقق نسب مشاهدة تفوق برامج أخرى كثيرة وأن نسبة مشاهدته زادت كثيراً بعد عزل الرئيس الإخواني" محمد مرسي"، حيث بلغت نسبة المشاهدة 33 نقطة في وقت كان يحقق برنامج "ذا فويس" 11 نقطة فقط.

كما حظي باسم يوسف بشهرة كبيرة محليًا وعالميًا فاهتم به الإعلام الأوروبي والأمريكي ووصفه العديد بأكثر المذيعين المصريين جرأة، كما استضافه المذيع الشهير جون ستيوارت وأثنى عليه، كما رشحه اليوتيوب ليكون أفضل برنامج على اليوتيوب لعام 2013، كما كرمه اليوتيوب بأي حال لتجاوزه؛ وربما كان أكثر نجاح له هو اختياره ضمن قائمة أفضل 100 شخصية مؤثرة في العالم من قبل مجلة التايم الأمريكية.

لقد كان الشعب المصري بكل طوائفه ينتظر الإعلامي الساخر باسم يوسف مطلع كل أسبوع.. كى يستمتع بأداء راق ونقد بناء فى شتى المجالات يهجو فيها المسئولين ويهاجم فيها كبار الدولة.. واستطاع يوسف أن يقدم للشعب المصري والعالم العربي أقوى برنامج شهدته الفضائيات فى الحقبة الأخيرة.. واستطاع برنامج البرنامج أن يحقق أعلى نسبة مشاهدة وأكثر وقت تجارى للدعاية والإعلان.. لدرجة أن فريق الإعداد كان يرفض الإعلانات لشركات كبيرة بملايين لضيق الوقت.. وكان المبلغ الذى يتقاضاه باسم يفوق الخيال لدرجة قتال بين مسئولى القنوات الفضائية عليه بمجرد الموافقة على العمل معهم بشيك مفتوح.. فكان له حظ كبير من حب الناس والتأثير عليهم والشهرة التى فاقت الحدود.. وعمل يوسف على استقطاب القاعدة من الشعب المصري؛ وذلك حسب قول سامى خير الله .

لقد فرح الكثيرين بباسم يوسف عندما كان كرباجا على جماعة الإخوان المسلمين، وسخر منهم وفضح أكاذيبهم، ولا أنسى قفشاته المدمرة وأشهرها «جبنة نستو يا معفنين»، و«جاز وكحول دونت ميكس»..ولكن باسم يوسف أغضب الكثيرون منه كما يقول الأستاذ كرم جبر (في مقاله بعنوان باسم يوسف.. سخرية تضحك أحيانا من شدة سخافتها!)؛ عندما بدأ يتطاول على الرئيس عبد الفتاح والجيش المصري، فى وقت كانت فيه البلاد على حافة الخطر الأكبر، ولا تحتمل السخافة ولا السماجة، ولا المواقف المزدوجة والمثيرة للجدل، وبدا واضحا أنه يوظف سخريته لحسابه الخاص، ولا يفرق بين عصابة احتلت مصر وأرادت محو هويتها، وبين جيش وطنى تعلقت به القلوب لتخليصها واسترداد مكانتها.

ومن هنا وجدنا الكثيرين ممن تعاطفوا معه في الماضي أخذوا يهاجمونه بشراسة وضراوة، فوجدنا الأستاذة أمانى ابراهيم، حيث تقول:" لقد دأب هذا الـ "باسم يوسف" علي تقديم معلومات كاذبة ومضللة للرأي العام وهدفه الوحيد هو نشر الفوضى والاضطرابات في البلاد ولن ينجح أبداً بإذن الله تعالي في هذه المحاولات القذرة لأن الشعب المصري يعلم تماماً أن هذا الشخص أداة في يد أجهزة مخابراتية أجنبية ويتقاضي مئات الآلاف من الدولارات شهرياً لتنفيذ مخططاتها وكان هذا العميل قد وجه عبارات كلها سفالة وقذارة إلي جيشنا العظيم.. وهي عبارات لا يتفوه بها سوي إنسان سافل وعديم التربية".

كما وجدنا الأستاذ حسين الزناتى "، حيث يقول:"... إن الباعث الوطنى من وجهة نظرنا لم يكن وحده الذى يحركه فى انتقاد باسم يوسف لأحوالنا بهدف اصلاحه، بل كان دائماً ما يبث «السم فى العسل» وأن كثيرين منا بلع هذا السم، بدعوى الأفكار الثورية، بينما هو يضرب فى عصب مؤسساتنا الوطنية، وفى مقدمتها جيشنا العظيم الذى وصفه فى تصريحات دنيئة له بـ «الميليشيات المسلحة». إن من يقول مثل هذه التصريحات ضد جيش بلاده، ويسمح بوضع علم اسرائيل بدلا من فلسطين المحتلة ببرنامجه على خريطة الوطن العربى، الذى يعرض فى أمريكا، لا نتصور أن يبقى لديه مريدون إلا اذا كانوا من نفس نوعه!.".

ونفس الشئ  وجدنا الأستاذ علا السعدنى يقول: .. وأظن أنه لم يعد خافيا علي أحد أن هناك من الإعلاميين الذين يعملون معهم سرا ولكن الفرق الوحيد بينهم وبين " باسم يوسف " وشركاه أنهم يضربون من تحت الترابيزة لكي يبدو ظاهرهم فيه الرحمة والحب للجيش والدولة بينما باطنهم به كل العذاب بما يدسوه لنا من سم في معسول كلامهم الذي يضحكون به علينا كل ليلة من خلال أمسياتهم الساهرة ! والغريب أنه لو حدث ودافعنا نحن عن تلك المؤسسة الوطنية وأن تدخلها يأتي دائما لصالحنا، فإذا الدنيا تقوم عند هؤلاء ولا تقعد ونتهم بالتطبيل والتهليل وبأننا عبيد للبيادة، بينما هم المسموح لهم فقط بالسب والشتيمة وإهانة الدولة بكل مؤسساتها بما فيها الجيش أيضا تحت زعم الحرية والديمقراطية".

وفي نهاية هذا المقال أقول: لقد باسم مرسي كان ظاهرة جيدة في السخرية السوداء التي استخدمت بشكل حرفي ضد جماعة الإخوان المسلمين لإخراجهم من المشهد السياسي المصري والعالمي، ولكن عندما بدأ بظهر على مقدرات الدولة المصرية بالتشويه والتنكيل بمؤسسات الدولة.. وفقا لأجندة أمريكية خالصة.. تركه مشاهدوه وقادوا حملة ضده لعدم ظهوره على شاشات الفضائيات ولاقى هجوما لم يتوقعه من قبل، وهذا ما سيستفيد منه عزمي بشارة عندما كان يحارب جماعة الإخوان المسلمين الموالين لوضاح خنفر والمنافسين له في التمويل المالي القطري وذلك باستنساخ سيناريو باسم يوسف من خلال برنامج جو شو الذي يعده من قناة العربي يوسف حسين ..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة اسيوط.

.......................

1-  حسن يوسف طه: الواقع و جماليات السخرية عند باسم يوسف، حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، العدد 328، 2013.

2-أمانى ابراهيم: "وقفة مصرية .. حاكموا باسم يوسف".. مقال.

3-الأستاذ علا السعدني: " أزمة باسم يوسف مع "لبن الأطفال"!.. مقال.

4- الأستاذ حسين الزناتى: "بضمير .. مفاجأة باسم يوسف .. للمصريين !" .. مقال.

5-؛ سامى خير الله: "انتحار. .باسم يوسف !".. .. مقال.

 

 

محمود محمد عليفي العاشر من ديسمبر من عام 2018 نشر الأستاذ رشدي أباظة مجموعة مقالات عن الشيخ عبد الحميد كشك في مجلة روزا يوسف وسماها بعنوان "الشيخ كشك.. المنولوجست الدينى"، وذكر الكاتب أن سبب كتابته لتلك المقالات أنه كان قد تلقي سؤالا من الشيخ كشك، وهو أى الدعاة أخطر.. دعاة «السلطان» أم دعاة «الجماهير»؟ . وهنا أجاب الكاتب بدولة السلطان، لكن الشيخ كشك قال بل دعاة الجماهير هم الأخطر وأشد تنكيلا!

وبالفعل صدق كلام الشيخ كشك في دعواه خصوصا مع تلك الشخصية التي أتحدث عنها في هذا المقال وهو الشيخ يوسف القرضاوي، ذلك الرجل الذي تعاطف مع النظام القطري – الإخواني، فآثر أن يكون رجل سياسة وليس رجل فقه، فكان للأسف الشديد ممن أساءوا للخطاب الديني الإسلامي، وذلك لكونه وقف طائفياً في فكره، لا سنيّاً ولا أزهرياً. إن أخونة يوسف القرضاوي جعلته يعارض الرئيس السوري "بشّار الأسد" لكونه من الطائفة العلوية، وجعلته يفتي بقتل الرئيس الليبي "معمّر القذافي"، والمُفترَض أنه من "أهل السنّة"، فقال "من استطاع أن يقتل القذافي فليقتله ومن يتمكّن من ضربه بالنار فليفعل، ليريح الناس والأمّة من شرّ هذا الرجل المجنون".

وهنا انتقدت الشيخ يوسف القرضاوي وما زلت أنتقده فيما يخصّ كلمته المشؤومة: "اقتلوه ودمه في رقبتي" ومازالت تلك الكلمة من الأخطاء الشنيعة التي ارتكبها القرضاوي وهو في أرذل العمر. وانتقدت موقفه من سوريا وما زلت حين طالب يومها بقصفها ورجمها وردمها.  وأتذكّر جيّدا أنّه عاتب يومها الرئيس الأمريكي " باراك أوباما" لأنّه تراجع عن قصف سوريا الحبيبة، وكانت تلك من الأخطاء الشنيعة التي ارتكبها يوسف القرضاوي تجاه إخوانه السوريين.

واستنكرت على الشيخ يوسف القرضاوي تبريره لبعض سلوكيات الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، حين قال عنه يومها: "..وبخاصة النظام الذي يدعو إليه أردوغان الذي يتفق مع التعاليم الإسلامية، التي تجعله أمير المؤمنين أو الرئيس الأعلى هو رقم واحد في السلطة" ؛ ولم يكتف القرضاوي بذلك بل قال ضمن مما نقتطف منه عن الرئيس التركي أردوغان،: "تركيا برجولتها وقوّتها، يحاول أن يكيد لها الذين لا يحبّون أن تعود هذه الأمّة أمّة كبرى، والغرب من وراء ذلك، وكادوا ينتصرون، لولا أن الله مع الرئيس رجب طيب أردوغان وإخوانه، الله هو الذي شدّ إزرهم، وكتب نصرهم، وأنقذهم من شرور الآخرين.. سينصر الله أردوغان ما دام المسلمون الصادقون معه... كانت تركيا تقود العالم الإسلامي، أخذت منها الراية وتعود إليها... إسطنبول من فتوح الأتراك المسلمين الذين حملوا رسالة الإسلام.. ستعود راية الإسلام، نَصَرَ الله أخانا الحبيب المُجاهِد الزاهِد الذي حمل هذه الراية للعالمين، الطيب أردوغان، حمل راية الإسلام ولم يكن عنده مال ولا عنده رجال.. الله مع أردوغان وإخوانه،...".

هذا بعض ما قاله الشيخ القرضاوي عن مُبايعته لأردوغان، الذي وصفه بالمُجاهِد، على غرار فتاويه عن المُجاهدين الأفغان من قبل، عندما خدم الاستخبارات الصهيونية الاستكبارية بفتاويه (ربما من دون أن يعلم)، وعندما حرّض الشباب المسلم لإسقاط الاتحاد السوفيتي والعالم الإسلامي معه.

واستنكاري هنا نابع من استنكاري لأيّ شخص يبرّر لسلوكات السّلطان باسم الدين ولا أستثني في هذا الموقف أحدا من الشيوخ ولا أحدا من الحكام.

كما استنكرت عليه موقفه من اغتيال العالم الجليل الشيخ الدكتور "محمّد سعيد رمضان البوطي" رحمة الله عليه. وتجلى ذلك في خطبته الأولى عقب الاغتيال حين تعمّد ذكر البوطي في آخر المقام وهو يعدّد الخسائر وتعامل معه حينها بتشفي وازدراء وكأنّه كان يتمنى قتله وبعد الانتقادات التي وصلته صحّح الأخطاء التي ارتكبها ضدّ زميله ورفيق عمره وكانت بحدّ ذاتها متأخّرة غير نافعة.

وهنا استشهد في هذا المقال بما قد كشف عنه كتاب " تحولات القرضاوي من نبذ العنف إلى احتضانه"، للباحث الدكتور حسين القاضي، من تناقضات وتحولات الدكتور يوسف القرضاوي، مفتي جماعة الإخوان الإرهابية، فيأتي الباحث بما كان يقوله القرضاوي الوسطي منذ سنوات، وبما يقوله القرضاوي بعد انهيار جماعة الإخوان، ويبين كيف تحول القرضاوي من عقل الفقيه الوسطي النابذ للعنف إلى عقل السياسي المحرض، ثم كيف عزل نفسه معتمدًا علي عصام تليمة وغيره فحدث انقطاع بين القرضاوي الأزهري الوسطي والقرضاوي الحركي الإيدولوجي الإخواني.

يبدأ الكتاب بمبحث عنوانه: ابن قطر وليس ابن القرية والكتاب، ويتناول الأجواء والملابسات لعلاقة القرضاوي بحكام قطر، منذ دخل قطر عام 1961، وهناك استغلته قطر لصناعة مرجعية بديلة عن الأزهر ممثلة في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

وأفرد الكتاب فصلاً جديدًا في نوعه لبيان أوجه التشابه بين أحد زعماء الخوارج القدامى "عمران بن الحصين" و"القرضاوي"، وفصلاً عن تاريخ “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين”، وخلفياته السياسية وتأثره بفكر الإخوان، معتمداً علي شهادة أحد الأعضاء انفسهم، ودور القرضاوي في التحريض على مصر وجيشها، والدفاع عن توجهات قطر السياسية، ثم المؤلف مقارنة بين الدكتور البوطي والدكتور القرضاوي في موقف كل منهما من العنف والتحريض عليه، كما وضع مقارنه بين العلامة عبد الله بن بيه والقرضاوي.

ويطرح الكاتب سؤالا: هل القرضاوي من علماء السلطان؟ ويجيب في مبحث كامل عنوانه (وتقدم القرضاوي ركب علماء السلطان)، ويلقي الكتاب الضوء على المشروع الفكري للقرضاوي وأنه مشروع حركي أيديولوجي وليس إسلاميا خالصا.

ويرصد الباحث كيف أن القرضاوي في مذكراته نقد سيد قطب ووصفه بالتكفيري، ثم هو اليوم يسير على خطاه، والكتاب يرد على القرضاوي في قوله: “إن الأزهر معقل الإخوان”، وقوله إن الشعراوي كان محباً للإخوان، حيث يرصد الكاتب في مبحث مستقل كيف أن كبار علماء الأزهر كالمراغي، ودراز، والدجوي، والباقوري، والمشد، والحصافي، والسبكين ومأمون الشناوي، وجاد الحق، وأحمد محمد شاكر، والشعراوي وغيرهم. رفضوا جماعة الإخوان، عكس ما يقول.

وسرد الباحث العديد من المواقف التي تغيرت فيها أقوال القرضاوي تجاه العلماء والأمراء وبعض الحركات السياسية والدينية ؛ فعندما ذهب القرضاوي إلي الإمارات امتدح حكامها، وفي عام 1999 حصل علي جائزة سلطان العويس الثقافية، وفي عام 2001 حصل علي مليون درهم لجائزة دبي الدولية، وشكر في كلمته المنشورة علي موقعه الرسمي الذين أحسنوا الظن ورشحوه لجائزة دبي، وشكر راعيها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ووصفه بالمقاتل الشجاع، والمخطط العاقل.

وفي عام 2014 تغير موقف القرضاوي تجاه الإمارات وقال:" الإمارات تقف ضد كل حكم إسلامي، وتعاقب أصحابه وتدخلهم السجون.

كما لا يجب علينا ألا ننسي مدح وذم القرضاوي للرئيس التونسي بن علي ؛ فقد ذمه في نوفمبر 2006 حيث قال: " إن الحرب التي يشعلها النظام التونسي إنما ضد الله ورسوله"، وفي سنة 2009 زار تونس وقال: " كان خطاب الرئيس زين العابدين شاملًا، وأبرز العناية بالثقافة الدينية الإسلامية، ولا شك أن من يزور تونس يجد آثار هذه العناية في الناحية العمرانية والاهتمام بالإنسان خصوصًا في المجال التعليمي والصحي، والاهتمام بالجانب الإسلامي، وهذه الأشياء تحمد لتونس.

ثم تغيرت أوراق اللعبة السياسية فقال في خطبة الجمعة في يناير 2011: " جاء رئيس البلاد بالأمس يتكلم بلغة هينة لينة وبعد أربعة أسابيع، والرصاص يقتل الناس قتلًا، ويذهب الناس أفواجا إلي المقابر، وينبغي أن يحاسب القاتل وكل من آذي الشعب، وأكل حقه ونهب ماله.

كما لا ننسي وصفه لشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب بأبشع الكلمات؛ حيث كشف الكاتب عن عدة مواقف متناقضة للقرضاوي عن عدد من علماء الأزهر وأمراء بعض الدول بعد ثورة 30 يونيه وقبلها، منها ما فعله مع الدكتور أحمد الطيب الإمام الأكبر شيخ الأزهر، حيث مدح الشيخ الطيب عندما زار مشيخة الأزهر في 30 ديسمبر 2012، وأكد أن الأزهر يشهد في عهده أكبر عملية تطوير وإصلاح علي مدار تاريخه، مما هيأه لقيادة الأمة لعهود طويلة من خلال علمائه، فكان المدرسة العلمية الكبري لكل طالب علم شرقًا وغربًا، وأثني علي دور الطيب في لم شمل كافة أطياف القوي الوطنية والسياسية.

وحين أيد الأزهر ثورة يونيو 2013 وانحاز شيوخه للمطالب الشعبية فإذا به يهاجم الإمام الأكبر ويصفه بأبشع الكلمات مخاطبًا إياه بقوله: " لقد كنت أظنهم غرروا بك، وكنت أحسبك متورطا، فعلمت أنك متآمر، وكنت أخالفك خائفا، فعلمت أنك مشارك تكيد لهذه الأمة، وتمكر بها، وتتخذ من عمامة الأزهر غطاء لمآربك، وتمويًها علي المصريين.

وحين استقال من هيئة كبار العلماء كتب في استقالته: (إن شيخ الأزهر يبدو أنه يفضل الجلوس بين لواءات المشيخة علي الجلوس إلي إخوانه العلماء.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

صادق السامرائيإلى روح الزميل (حسين سرمك حسن) الذي تأثرتُ بغيابه المباغت:

"يا طبيباً وأديْباً حاذِقا

ونَطاسِيًّا أريْبا بارقا

جَهْبَذٌا كنْتَ، عَليْما بارعا

ناقدا دًمْتَ وجئتَ السامِقا

قدْ جَعَلتَ النقدَ نَهْجاً فاعِلاً

ومَناراً وبَيانا فارِقا

يا زَميلاً بازغا في ليْلِنا

فُقِدَ البَدْرُ فَكِدْنا الصادَقا"

الكتابة قد تكون موهبة أو مرضا أو سلوكا إدمانيا، لكنها تختار مَن يمثلها وتستعبدهُ، وتكون فيه رغما عنه أو توافقا مع ما فيه.

وكثيرا ما تساءلت عن علاقة الطبيب النفسي بالقلم (الكتابة)؟

قبل أن أدخل كلية الطب كنت أكتب كثيرا وأنشر قليلا في مجلات عربية، خواطر وقصص قصيرة ومقطوعات نثرية على أنها شعر، وتواصلت في الكتابة والقراءة أثناء دراستي في كلية الطب، وذات يوم  نشرتُ قصة قصيرة في نشرة الكلية، وأنا أتأملها وإذا بعميد كلية الطب المرحوم الدكتور (فخري الدباغ)، قد توقف وراح يقرأ في النشرة، وجذب إهتمامه القصة فأعلمته بأني كاتبها، ومضى معي في كلام  مهم عن ضرورة التواصل في الكتابة وأهمية أن يكتب الطبيب.

وتطورت تفاعلاتنا بعد ذلك فأهداني أول كتاب نشره، وكنت معجبا بأسلوبه في الكتابة وأتابع مقالاته، وما خطر ببالي سأتخذ من الطب النفسي إختصاصا، لكنها الأيام والأعلام والتفاعلات مع الأحداث والتطورات والحالات الإنسانية، رمتني في أتون ما لم يكن بالحسبان.

توفى أستاذي قبل أن ألج باب الطب النفسي، لكن كتاباته وأحاديثه بقيت مؤثرة وفاعلة في نفسي، فهو الطبيب النفسي العراقي الوحيد الذي كان يكتب في الصحف والمجلات.

وقبل ذلك كان الدكتور (علي كمال) من أصحاب القلم أيضا.

وكان بعض الأساتذة الذين تدربت معهم لديهم ميل للكتابة لكنهم ليسوا من أصحاب الأقلام المؤثرة، ففي العراق لم يبرز طبيب نفسي يكتب، كما أن عددا من الزملاء كانوا يكتبون لكنهم إعتزلوا الكتابة خشية العواقب والمخاطر.

وفي مرحلة إقامتي كان الدكتور (ريكان إبراهيم) ينشر عمودا "تحت الجذر التربيعي"، وكنتُ أتابعه، وعرفت أنه يكتب شعرا لم أطلع عليه في حينه.

وما أدهشني ظاهرة الدكتور (حسين سرمك حسن)، فهو طبيب نفسي موسوعي متعدد المواهب والقابليات النقدية والتأريخية والتحليلية والتوثيقية المتميزة، وشدّتني إليه جرأته المُطلقة المُقلقة، وشجاعته الواضحة، فهو المُتحدي المُغوار بقلمه وفكره وثقافته، والمُحارب الدؤوب في الميدان، دفاعاُ عن الحقيقة والمعاني الإنسانية السامية.

فأخذتُ أتابعه بجدية وشعور بأن البلاد فيها طبيب نفسي صاحب قلم إنساني وطني نقدي ثائر مكافح، متوثب بإيمان وإخلاص لتأكيد الحقيقة وبث أنوار المعرفة الأصيلة.

ومن أروع ما قدمه وبجهد لا يُظاهى منهجه المعاصر في كتابة التأريخ، الذي يستعصي على التزييف والتضليل والتدسيس، فإقترابه العلمي الدقيق الموثق المدعوم بالبراهين والوثائق والصور وغيرها من الأدلة، يقدم لنا أسلوبا جديدا في قراءة وتسجيل الأحداث بمنظار علمي محايد نزيه.

وقد تألمت كثيرا لفقدانه المفاجئ المتوجس، وحسبت ربما سننطلق في مشاريع تنويرية ثقافية مشتركة، لكنه غادرنا مبكرا.

ومن الواجب الأخلاقي القول أن الدكتور (حسين سرمك حسن) هو الطبيب النفسي العراقي المناضل المقدام الغيور، الذي تحدّى وكابد وتواصل في إرساء القيمة المعرفية السامية للكلمة والمعلومة، والمجاهد الفذ الذي كدح لإظهار الحقيقة وتحريرها من التشويه والتضليل.

 والدكتور (حسين سرمك حسن) ظاهرة معرفية موسوعية عراقية عربية لا تُظاهى، غادرنا مُحمّلا بمشاريع وطاقات كان عليها أن تورق وتنير، والأمل أن يحمل مشعل رسالته الثقافية قلم يستلهم روح تطلعاته وجوهر أهدافه النبيلة، التي فتحت أبوابا مشرقة في دروب الحياة المعرفية الحرة الشميمة.

يقول تعليقا عمّا كتبته عنه في 10\11\2020:

 " أفعم موقفكم الغيور المنصف روحي بالإيمان والإصرار على مواصلة النهج  الذي نذرتُ له نفسي...نهج الأمانة العلمية والذود عن الحقيقة والإخلاص لمحن أمتنا"!!

فلن تهون أمّة تلد أفذاذا كمثله!!

تحية لزميلٍ أحبَّ الكلمة وإنتمى للإنسانية، وجاهد لرفع قيمة الإنسان، في زمن تحوّل البشر فيه إلى أرقام!!

فوداعا أيها الطبيب النفسي الأديب العليم الأبي المقدام!!

 

د. صادق السامرائي

29\12\2020

 

 

محمود محمد علي

لقد شهدت الساحة العراقية منذ الربع الأخير من القرن العشرين المنصرم، بروز العديد من الأطباء، والعلماء، والمفكرين، الذين اتخذوا من الاصلاح والتجديد وسيلة وهدفاً، كل في مجاله، ووفق منهجه وأسلوبه، بحكم تنوع تكوينهم، واختلاف طبائع بلدانهم، وقراهم وأحوالها. وقد استطاع جلهم برغم ما كانت تشهده الدولة العراقية من ظلم، واستبداد، وتشرذم، وانقسام، تحقيق نتائج متفاوتة، كانت خير دافع لإيقاظ العراق الشقيق الأن من سباته، وانطلاقه إلي إعادة بناء حاضره، واستشراف مستقبله؛ والمتتبع لجهود تلك النخبة النيرة من المفكرين المصلحين، يلاحظ غلبة المنحى العقلاني علي مناهجها في التفكير، ومسالكها في الإصلاح، استجابة لمتطلبات المرحلة، مستنيرين بالنقي من موروثهم الحضاري الذي حظي فيه العقل التنويري بمكانة متميزة .

انطلق أولئك المصلحون يعالجون واقعهم بكل صدق وإخلاص، وبعيداً عن كل افتعال ومزايدة، مبشرين بمشاريعهم الإصلاحية، متحدين قوي الجمود والتخلف، غير مبالين بما يعترض سبيلهم من حملات التشكيك، حرصاً منهم علي إنقاذ ما سلم، وإصلاح ما فسد، دون خشية، ولا حياء من الاستئناس بكل محمود مما توصل إليه غيرهم من نظريات وابتدعوه من مناهج، وتحقق بفضل ذلك من انجازات ومكاسب، عملاً بقاعدة " الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها فهو أحق بها" .

وكان من أولئك المصلحين الذين حملوا لواء التجديد، ورفعوا راية الإصلاح، العالم الكبير، والمفكر الجليل الدكتور" حسين سرمك حسن" - الطبيب والناقد العراقي المشهور، والذي وافته المنية في اليومين الماضيين، في أحد مستشفيات تركيا، بعد إصابته بعجزٍ كلويٍّ إثر مضاعفات جائحة كورونا أو كوفيد 19، وهو ممتلئ صحة وحيوية وشباباً، بعد عمل علمي مشرف، وكأن الزمن غضب لظهوره فبخل به عن الوجود، ورحل الدكتور حسين سرمك في غفلة، بعد صراع شجاع ومثالي مع كورونا اللعين، غادرنا جسداً، لكن ذكراه ستبقي طيبة، وسيظل زمراً في ميدان الطب، والأدب، والنقد، وبطلاً من أبطال العلم والثقافة، ورائداً هادياً في الأدب الشعبي، وفي الكشف عن مجاهل طرق التحليل النفسي في الأدب العربي.

والدكتور حسين سرمك حسن من مواليد العراق الشقيق، حيث عرفناه لطيفاً خدوماً، عميقاً في بحثه، جدياً في عمله، موسوعياً في اطلاعه، لم تصبه أمراض العظمة، ولا " أكل لحم زملائه" حياً كما أصابت الكثيرين (من أشباه الباحثين والمتملقين)، كان يعمل ثم يعمل.

وأعترف، بأمانة المؤرخ: مؤرخ الأفكار لا مؤرخ السير، أن الدكتور حسين سرمك هو أحد المفكرين العراقيين المعاصرين، الذين جرُو علي إدخال مفاهيم التحليل النفسي في ميدان النقد والفكر، وعلي نحو خاص "دراسات الأدب والشعر"، وواحداً ممن أخذوا المضامين النفسية إلي ممارسات فضول معرفي ضروري تجاه الأدب والعلم، فقد جدف ضد تيار غالب في تلك المضامين النفسية المسكونة بالعلموية والوضعانية .

ولد فقيدنا عام 1956 في مدينة الديوانية، حيث حصل على بكالوريوس طب وجراحة عامة عام 1980- كلية الطب – جامعة بغداد، كما حصل على ماجستير في الطب النفسي والعصبي عام 1990- جامعة عين شمس – القاهرة ؛ وقد كان رحمة الله عليه عضوا اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، وعضوا بجمعية الطب النفسي العراقية، وقد فاز بجائزة نقابة الأطباء لأفضل كتاب طبي (المشكلات النفسية لأسرى الحرب وعائلاتهم) مناصفة عام 2002 ؛ وهو الذي كان قد أسس موقع “الناقد العراقي” وكان أيضا المشرف اليومي عليه منذ 1/3/2009 ؛ علاوة علي أنه كانت له مشاركته في ملفات عديدة عن مفكرين ومبدعين عراقيين؛ مثل علي الوردي، وطه باقر، وسركون بولص، وعالم سبيط، ويحيى السماوي، وعبد الرضا علي، وفرج ياسين، وحنون مجيد، وغيرهم.. وقد نعتت الأوساط الثقافية في العراق، أول أمس الأحد الماضي (27 كانون الأول، 2020)، الناقد الدكتور حسين سرمك بكلام أبكاني . كما نال الدكتور حسين سمرك حسن جائزة الإبداع لسنة 2012م الصادرة عن مؤسسة المثقف العربي في سيدني – أستراليا.

ويعد الدكتور حسين سرمك من المنتمين إلي جيل مثقفي الثمانينات، وأحد الرعيل الثاني من جامعة بغداد، الذين سعوا بجهد علمي رصين، إلي وضع لبنات مشروع مجتمعي، ومعرفي حقيقي، يقطع كلياً مع المنظومات التقليدية، وبالتالي، التعبير ثقافياً بشكل من الأشكال عن تجليات الصراع التي كانت تدور رحاها داخل الأجهزة والمؤسسات السياسية بين القائم والممكن.

ولج الدكتور "حسين سرمك" ميدان الكتابة والتأليف من الباب الصعب، مختار الخيار الصعب، قطعاً، هو التراث الأدبي والعلمي الكلاسيكي، وهو صعب لأن الاشتغال علي التراث الأدبي والعلمي يتطلب من الباحث مجهوداً غزيراً، وصبراً جميلاً في قراءة مئات، بل آلاف المصادر الأدبية والعلمية، ودراسات من درسوها من الباحثين العرب والمستشرقين، مع ما يقترن بتلك القراءة من معاناة وجوه مختلفة من مشكلات الاتصال بالنصوص القديمة، ونظامها المفهومي، وصلاتها المعلنة والمضمرة بنصوص تراثات أخري.

وللدكتور حسين سرمك – المغفور له- مؤلفات عديدة، يمكن تقسيمها علي النحو التالي علي سبيل المثال لا الحصر:

أولا: المؤلفات النقدية: مثل التحليل النفسي لملحمة جلجامش، قطار الشظايا الندية (عن أدب الحرب)، والتحليل النفسي للأمثال الشعبية العراقية، وفي علم نفس الإبداع: مملكة الحياة السوداء (عن محمد خضير)، ومخيرون بالشعور، ومسيرون باللاشعور(عن مهدي عيسى الصقر)، والتحليل النفسي لأسطورة الإله القتيل (أسطورة نزول عشتار إلى العالم الأسفل)، وفؤاد التكرلي والجذر الأوديبي للموقف الوجودي، وميسلون هادي وأدب عصر المحنة، والتحليل النفسي لأدب المراسلات: بدر شاكر السياب وغسان كنفاني انموذجاً، وبئر المحارم (عن محمد أحمد العلي)، والقرين المعادي( عن حنون مجيد) – بغداد، واللعنة المباركة: جدل المقدس والمدنس في الأدب الروائي عند وارد بدر السالم، و ما بعد الجحيم (رواية) – دمشق- منشورات اتحاد الكتّاب العرب، والركابي عرّاب اللاشعور الماكر -(حول عبد الخالق الركابي)، والثورة النوابية: دراسة أسلوبية في الشعر العامي للمبدع "مظفر النواب، والفردوس المشؤوم: دراسات في منجز حكّاء المنافي: علي عبد العال، ورواية قرن الخراب العراقي العظيم (عن ذكرى محمد نادر)، وإشكاليات الحداثة في شعر الرفض والرثاء: يحيى السماوي أنموذجا، وإغماض العينين المميت: دراسات في أدب لؤي حمزة عباس القصصي، والتويجري ناقدا: في أثره وهو يقص أثر المتنبي، وشتاء دافىء- دراسة أسلوبية تحليلية في شعر عيسى حسن الياسري:القاهرة، وعيسى حسن الياسري: شاعر قرية أم شاعر انسانية، دراسة تحليلية أسلوبية في شعره.. الخ.

ثانيا: المؤلفات العلمية: مثل: المُرشد في مرض الصرع ( ترجمة)، والمشكلات النفسية لأسرى الحرب وعائلاتهم، والمُرشد النفسي في رعاية المعاقين، وأمراض الأشخاص المهمين جدا الـ(vips)، وموسوعة تاريخ الطب – (ثلاثة أجزاء) – ترجمة، وفاجعة تعذيب الأسرى العراقيين في أبي غريب (دراسة في سيكولوجية الشخصية الأمريكية) – بغداد، وموسوعة النمو النفسي للإنسان من الرحم حتى سن الثامنة عشرة، وموسوعة الأخلاق الطبّية والسلوك المهني للأطباء.. الخ.

ثالثاً / المؤلفات الفكرية مثل: الإزدواجية المُسقطة (محاولة في تحليل شخصية الدكتور علي الوردي) (مشاركة مع الأستاذ سلام الشماع)، وعلي الوردي عدوّ السلاطين ووعّاظهم، والناقد ناظم السعود .. الخ.

ثالثاً: الدراسات المنشورة: مثل عشرات الدراسات والمقالات في جريدة (الزمان) اللندنية والصباح الجديد والصباح، وعشرات الدراسات والمقالات في المواقع الإلكترونية كالنور والمثقف والمرايا وأدب وفن وكتابات وغيرها، ودراسات في مجلة نزوى ودراسات الإماراتية وفكر السورية وغيرها .. الخ.

وفي تلك الكتابات وجدنا الدكتور حسين سرمك يمثل بحق علماً من أعلام العراق، ونموذجا للطبيب، الأديب، والناقد، والعاشق للشعر والأدب؛ فيكفيه سعيه طوال ثلاثين عاماً أنه سعي من خلالها إلي رفع مستوي الوعي الأدبي والثقافة العلمية في الدرس الأكاديمي؛ حيث اعتبرت كتاباته في الأدب والعلم منعطفاً ريادياً، كان لها أثرها في رفع الوعي الأدبي والعلمي – الاكاديمي في العراق الشقيق إلي مستوي علمي نقدي جديد لمجمل المفاهيم والأفكار في العلم والأدب والنقد .

ميزة أخري تميز بها الدكتور حسين سرمك في كتاباته، ألا وهي قدرته الفائقة علي الإفلات من الإسراف في النقل، موظفاً كل جهوده للفصل فيما هو أهم وأوكد، معرضاً عن الخوض في كل ما لا تدعوه الحاجة إليه من المسائل الأدبية والعلمية والقضايا الخلافية، جاعلاً غايته إفهام القراء وإقناعهم بما يجب عليهم الاهتمام به .

لقد أفلح الدكتور حسين سرمك في كتابته للوصول إلي جملة من النتائج غير المسبوقة، بفضل ما ألتزم به من دقة في الوصف، وعمق في التحليل، وواقعية في الاستنتاج، شعاره في ذلك شعار (الطاهر بن عاشور) – كما اعتقد، أن لا يخرج الفهم عما يصلح له اللفظ عربية، ولا يبعد عن الظاهر إلا بدليل، ولا يكون تكلفاً بيناً، ولا خروجاً عن المعني الأصلي.

وفي النهاية أقول للدكتور حسين سرمك وهو بين يدي الله الآن، غادرتنا فقيدنا العزيز، بكل الهدوء والشجاعة اللذين عرفهما عنك كل من اقترب منك يوماً، ولكنك لم ترحل . أنت هنا، في ذاكرتنا، أنت هنا في القلب، وفي ذاكرة العراق الوطن، وفي قلوب كل من يقدم الضمير والرجولة.

وهنا أقول مع نزار قباني: وداعاً .. أيها الدفتر.. وداعا يا مصباحي الأخضر.. ويا صدرا بكيت عليه، أعواماً، ولم يضجر.. ويا رفضي .. ويا سخطي .. ويا رعدي .. ويا برقي .. ويا ألمًا تحول في يدي خنجر .. تركتك في أمان الله.

وفي نهاية حديثي أقول نسألك يا الله أن تغفر للدكتور حسين سرمك وترحمه، وأن تتغمده بواسع رحمتك ورضوانك وأجعله يا ربي من عبادك الفائزين في أعلى الجنان، وأجرنا في مصيبتنا وألهمنا الصبر والسلوان.. إنا لله وإنا إليه راجعون.. إلى جنات الخلد أيها الطبيب- الأديب.. أيها الأخ إلى جنات الرحمن مع الشهداء والانبياء والصديقين.. حسبنا الله ونعم الوكيل إنا لله وإنا إليه راجعين .. اللهم لا نسألك رد القضاء وإنما نسألك اللطف بنا يا أرحم الراحمين.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط.

 

 

 

محمود محمد عليلقد صدق قول القائل بأن المشاركة السياسية للمرأة تعد من أهم الموضوعات التي تثير الجدل في الفترة الراهنة، حيث أن المرأة تمثل نصف المجتمع تقريباً، وهي تربي النصف الأخر، كما أننا أصبحنا نلاحظ زيادة دور المرأة في الأنشطة الاجتماعية بشكل كبير، وكذلك أصبحنا نلاحظ زيادة نسبة المتعلمين من النساء، ولقد اتسع نشاط المرأة في العمل بشكل عام، حيث أصبحنا نري حالياً المرأة المعلمة، والطبيبة، والمهندسة، والإعلامي.. إلخ، وكذلك أصبحت تلعب دوراً فاعلاً في النقابات المهنية علي مختلف أنواعها، وكذلك أصبحت تلعب دوراً هاماً في كافة أنشطة المجتمع، وترجع أهمية المشاركة السياسية للمرأة، إلي أنها تحقق لها التكافؤ في الفرص، وكذلك تحقق العدالة بين الرجل والمرأة، سواء من الناحية السياسية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية، وكذلك تجعل المرأة في قضايا بلادها متساوية مع الرجل؛ كما تتعدد الأدوار التي يمكن أن تلعبها المرأة، وذلك لتحقيق المشاركة السياسية، وذلك في إطار المؤسسات الرسمية (السلطات الرسمية الثلاثة)، أو المؤسسات الغير الرسمية، حيث يمكن أن تلعب المرأة دوراً في السلطة التشريعية (البرلمان)، وذلك من حيث كونها ناخبة أو مرشحة أو نائبة.

وكل هذا ينطبق حول تلك الشخصية التي سأتحدث عنها الآن ؛ ألا وهي الأستاذ الدكتورة سهير عبد السلام (عميد أداب حلوان السابق والنائبة بمجلس الشيوخ المصري الحالي)، حيث زاملتها منذ أكثر من ربع قرن، عندما كنت أعمل مدرساً للمنطق وفلسفة العلوم بجامعة حلوان في تسعينيات القرن الماضي، حيث كانت زميلاً لي بقسم الفلسفة، وكانت تتمتع بقدرة فائقة على الوصول لأهدافها، وخبرة طويلة فى العمل الأكاديمى والإدارى، اكتسبتها من عملها كأستاذ للفلسفة السياسية فى كلية الآداب بجامعة حلوان، ثم عميداً للكلية لدورتين متتاليتين وذلك خلال السنوات الماضية.

ولما كانت سهير عبدالسلام (مع حفظ الألقاب ) تعد أستاذ فلسفة سياسية، فقد أهتمت بكل القضايا والمشكلات السياسية، وطبيعة الفكر السياسي الغربي والعربي فى العصور المختلفة، والدراسة النظرية أثارت لديها الرغبة فى تطبيق ذلك فى مجال العمل، بالإضافة إلى أن رسالتها لنيل درجة الدكتوراه، والتي كانت تدور حول «الأيديولوجية والثقافة السياسية»، وهذا فى الواقع جعلها تطرح حلولاً لكثير من المشكلات والقضايا، باستخدام الفكر الفلسفي والمنطقي؛ إضافة إلى أن هذه ليست أول تجربة لها فى العمل السياسي، لأنها كانت عضو مجلس محلى محافظة القاهرة عام 2008 بطريق الانتخاب أيضاً؛ إضافة إلى أنها عقدت دورات تدريبية فى كثير من الأحزاب والمؤسسات السياسية الهامة، لتدريب الشباب والمرأة على العمل السياسي.

كما شغلت سهير في عام 2008 عضوية المجلس المحلي لمحافظة القاهرة، وألقت فى 2014 سلسلة محاضرات حول "دور المرأة في الواقع السياسي"، وساهمت فى عقد ندوات تثقيفية سياسية حول التنمية ومشاركة الشباب، خلال الفترة من 2016 - 2018، وألقت محاضرات سياسية للتوعية والتثقيف السياسي في ائتلاف حب الوطن، قبل الانتخابات الرئاسية 2018، وفى 2020 ألقت سلسلة محاضرات سياسية بالأمانة العامة لحزب مستقبل وطن حول الشائعات ودور الإعلام الجديد.

وتكريماً لما قامت به على مدار سنوات طويلة، حصدت العديد من الجوائز؛ ففى عام 2019 اختارتها أكاديمية النيل للعلوم الحديثة والتنمية البشرية ضمن أفضل الشخصيات الإبداعية المطورة على مستوى الوطن العربي، وكرمتها الجمعية المصرية للكتاب والإعلاميين الشبان، تقديراً لعطائها لسنوات طويلة فى عمادة كلية الآداب بجامعة حلوان.

وكل ذلك جسد بداخلها رغبة فى الترشح لمجلس الشيوخ ؛ خاصة وأنه لم تعد هناك أى قيود تحد من مشاركة المرأة فى المجالس النيابية، بل على العكس، فالحد الأدنى من تمثيلها فى مجلس الشيوخ 10%، وفى «النواب» 25%، وليس هناك ما يمنع أن تكون النسبة أعلى من ذلك، فقد جاءت النسبة كحد أدنى وليس أقصى، إضافة إلى مشاركتها بقوة فى الوزارة الحالية، وفى الهيئات والجهات المختلفة، ومنها القضاء، فلا توجد جهة سياسية أو سيادية غير ممثل بها المرأة.

وعندما استضافها برنامج "السفيرة عزيزة" المذاع عبر فضائية "دى إم سي"، لا أنسي تلك المقولة التي قالتها؛ حيث قالت: إن المرأة صارعت كثيراً حتى تصل إلى حق التصويت الانتخابي، وأنها تتمتع بذلك الحق فيجب على كل امرأة أن تقوم بذلك التصويت والمشاركة "؛ ولم تكتف بذلك، بل أشارت، إلى أن من أسس الديمقراطية داخل أى مجتمع أن هناك دوراً فعالاً للمرأة؛ إضافة إلى أن يكون هناك مساواة بينها وبين الرجل على حسب الكفاءة، كما أضافت بأن المرأة المصرية شاركت فى المظاهرات عام 1919، وأيضا لها مشاركات سياسية فعالة؛ وأكدت، أن مشاركة المرأة فى العمليات الانتخابية تكون نابعة من شعورها بحجم المشكلات التى توجد فى المجتمع، مشيرة إلى أن المرأة أول من تمس أى تغييرات نظراً لأنها أساس الأسرة لذلك تدافع عن أى مشكلة تمس سلامة أسرتها؛ وأوضحت، أن المرأة بدأت أن تدرك حقوقها بالفعل، مؤكدة أن المجلس القومى للمرأة مستمر بالتوعية فى دور المرأة فى السياسية.

وبالفعل اختارت سهير عبدالسلام أن تخوض انتخابات مجلس الشيوخ ممثلة لحزب مستقبل وطن وقائمة "دعم مصر" التى حصدت غالبية مقاعد هذا المجلس، وهذا لم يكن وليد الصدفة، فمن قبل كانت سهير عبد السلام كثيراً ما كانت تحلم بأن يكون بمصر مجلس حكماء، وهو المتوفر الآن بمجلس الشيوخ الذي دخلته ونجحت فيه بجداره، ومجلس الشيوخ في نظره هو الذي يجمع ما بين جميع الاختصاصات والوزارات المختلفة، موضحة أن مجلس الشيوخ يوجد به فكر مستنير يقوم فى النهاية على تقديم كل ما من شأنه مصلحة الوطن والمواطن ؛ ومن ثم فإن مجلس الشيوخ في نظرها يقوم بوضع فكرة أو خطة وبرنامج عمل يتم اقتراحه، وتتم الموافقة عليه ويرفع إلى البرلمان أو لرئيس الجمهورية، لافتة إلى أن عمل مجلس الشيوخ عظيم ومصر تحتاجه فى تلك الفترة.

وحول الأهداف التي تحاول سهير عبد السلام تحقيقها من عضويتها بمجلس الشيوخ، وهو تقديم الرؤى، والأفكار الجديدة، والتصورات، والخطط الاستراتيجية، التى يمكن أن تحدث تنمية اجتماعية، واقتصادية، وثقافية، ومن ثم فأنا أهتم بالشأن العام وبالتوعية والتنمية الثقافية فى المجتمع، وهذه أهم القضايا التى تشغلنى، وبالفعل المجتمع المصري فى حاجة ماسه جدا لنهضة ثقافية، وأخلاقية، وحضارية.

وأنا واثق أن سهير عبد السلام يمكن أن تفيد فى هذا المجال من خلال عضويتها مجلس الشيوخ، ولا أنسي تصريحها الذي قالته علي منبر جريدة "الوطن المصرية" بأن :" القوانين الخاصة بالمرأة، وعلى رأسها قوانين الأحوال الشخصية، وكل ما يتعلق بتشريعات مقاومة العنف ضد المرأة، ستكون مطروحة للتطوير والتعديل ضمن أولوياتي فى مجلس الشيوخ"؛ بل وأن كل ما يخص المرأة سيكون محور اهتمام سهير عبد السلام؛ خاصة التشريعات التى تخدمها وتحقق أمنها واستقرارها، وفى مقدمتها قوانين الأحوال الشخصية، وقضايا الحضانة، وعمل المرأة، ومقاومة العنف والتنمر والتحرش، كل هذه القوانين مطروحة للنقاش، ومن ثم يمكن تعديلها أو الإضافة لها.

وأنا واثق بأن سهير عبد السلام ستنجح في أن تكون "شيشرون مصر" في مجلس الشيوخ ؛ خاصة وأن لديها أجندة مقترحات متمثلة في كونها مهتمة بالثقافة، ودور القوى الناعمة فى المجتمع، وقدراتها على الارتقاء بالقيم الأخلاقية فى المجتمع، وتقديم صورة مشرفة لمصر أمام العالم، وأمام المواطن ليعتز ببلده، ويشعر بانتمائه له، وأن يكون هناك مشروع واسع المدى للنهوض بالوعى الثقافي والسياسى للمواطن، وتلبية متطلباته الثقافية والإنسانية، بشكل يتناسب مع دور مصر وتاريخها وحضارتها العريقة، وكل ذلك فى خطوة لإعادة بناء القيم فى المجتمع.

علاوة علي إيمانها الشديد بالتنوع الذي يؤكد أن حزب «مستقبل وطن» لا يهدف إلى الاستئثار بالمجالس النيابية، وإنما بالتكوين المتعدد داخل تلك المجالس للتعبير عن مختلف الأفكار والآراء والأيديولوجيات المختلفة تحت قبة البرلمان، لأن تعدد الآراء واختلافها فيما بينها تحت قبة مجلس الشيوخ أمر حيوى، يعلى مصلحة البلاد، للوصول إلى الرأى الصائب، ووجهة النظر الأقرب للتطبيق ويخدم المصالح المختلفة للمواطنين والدولة.

هذا بالإضافة إلي أن اهتمامها ينصب على الجانب التوعوي الثقافي، فغياب القيم الأخلاقية في ظل التطور التكنولوجي في حاجة إلى إعادة نظر، وهنا تقول سهير عبد السلام : "نحتاج إلى إعادة نظر في الأخلاق وتشكيل شخصية تضيف للمجتمع"؛ وأشارت إلى أنها تهتم بإعادة الحرف التراثية إلى مصر، ونشر الفنون، للارتقاء بوجدان المجتمع، وذلك من خلال الاهتمام بقصور الثقافة، معتبرة أن ذلك الجانب مهم للإنسان المصري، مؤكدة ضرورة أن يكون التعليم عن بعد جزءا من الثقافة الجديدة، وأن تهتم الأسر بنشر ثقافة التميز بعيدًا عن فكرة الكليات العليا أو القمة، والضغط على الطلاب للحصول على درجات مرتفعة فحسب؛ وأوضحت سهير عبد السلام، أن دور المجلس لا علاقة له بالخدمات، التي من المفترض أن يقوم بحلها المجالس المحلية، التي تواجه المواطنين، وبذلك يحمل عبئا كبيرا عن المجالس النيابية، التي من المفترض أن تمارس دوراً تشريعياً رقابياً.

وثمة نقطة مهمة جديرة بالإشارة أود أن أشير إليها هنا في هذا المقال، وهو موقف سهير عبد السلام من جائحة كورونا ؛ حيث رأت أن الدولة المصرية وضعت إجراءات حازمة وصارمة، لمواجهة فيروس كورونا، وحرص الدولة على صحة المواطنين، باتخاذ كافة الإجراءات الاحترازية والوقائية، لمواجهة انتشار الفيروس، وهو ما يدل على أن علي تأكيد الدولة ودورها في دعم ملف الصحة للمواطن، وتلبية متطلباته؛ خاصة في ظل الموجه الثانية لفيروس كورونا.

وحول موقف سهير عبد السلام من التعليم الهجين، فهي تري أنه يمثل نتيجة تلك الإجراءات الحديثة فى التعليم وهو جزء أساسى من العملية التعليمية وكان لا يعتمد علية من قبل بشكل الكافى، وأشارت النائبة أنه مع تفشى فيروس كورونا المستجد أدرك أعضاء هيئة التدريس والطلاب بالجامعات ضرورة الحاجة إلى تطوير الذات واكتساب مهارات التواصل عبر المنصات الإلكترونية المختلفة ؛ كما أن عملية التعليم الهجين في اعتقادها واجهت العام الماضي العديد من المشاكل مثل "عدم توفر البنية التحتية المناسبة، وأن اعضاء هيئة التدريس لم يكونوا مؤهلين للتعامل مع التكنولوجيا الحديثة، بالإضافة إلى أن هناك قطاع كبير من الطلاب، لم يستطيعوا الوصول الى منصات التعليم، بسبب عدم توافر شبكة الانترنت لديهم ؛ وأن الجامعة اتخذت إجراءات واستعدت مع بداية العام الدراسي الجديد، وذلك عن طريق توفير بنية تحتية وتطوير منصات الكترونية، تستوعب التعليم عن بعد.

وحتي لا نطيل علي القارئ الكريم، فلا أملك في نهاية هذا المقال إلا أن أقول تحية طيبة للدكتور سهير عبد السلام التي كانت وما تزال تمثل لنا نموذجاً فذاً للفيلسوفة ذات المعية السياسية والبرلمانية والتي نجحت في أن تعرف كيف تتعامل مع العالم المحيط بها وتسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام ؛ حيث يحاول الكثيرون فيه أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت رئيس وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لسهير عبد السلام تلك المرأة العظيمة التي لم تغيرها السلطة، ولم يجذبها النفوذ، ولكنها آثرت أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف تبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

 

د. محمود محمد علي

قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

يسري عبد الغنيمن العوامل المساعدة أو المهمة في زيادة إحياء الكتب بوجه عام، وكتب التراث العربي والإسلامي بوجه خاص، ظهور النسخ والنساخ، وكذلك اختراع الورق كوسيلة للكتابة عليه وتطوره إلى شكل الكراسة، مما ترتب عليه شيوع وازدهار مهنة الوراقة (الوراقون) التي كان لها أكبر الأثر في تقدم الثقافة ورقيها .

لقد كان أبو العلاء المازني ينسخ الكتب لنفسه حتى يتمكن من الإطلاع عليها في أي وقت يريد، وكان لا يكل ولا يمل من ذلك، حتى أن أكوام كتبه قد ملأت حجرة كاملة حتى لامست سقفها .

ويعتبر القرن الرابع الهجري عصر نهضة حقيقية:علمية وثقافية، حيث ذاع وانتشر إحياء الكتب عن طريق نسخها والإطلاع عليها واقتنائها، في نفس الوقت الذي يعتبر فيه هذا القرن عصر نهضة للتأليف والتصنيف وتنوع العلوم والآداب والفنون، أضف إلى ذلك كثرة الإجازات العلمية وأنواعها وأشكالها، وظهور التصانيف الفهرسية، بل اتخذ فيه ـ والقرون التي تليه ـ عمل الإحياء أشكالاً مختلفة ومتنوعة أيضاً [1]

وفيما يروى عن محمد بن مرة أنه كان يمتلك خزانة كبيرة تحتوي كتباً كثيرة متنوعة، منها قطعة من الكتب الغريبة النادرة في النحو والأدب، وكذلك مجموعة من الكتب القديمة التي لا توجد إلا عنده، وكان هذا الرجل نفوراً ضنيناً بما عنده من الكتب، يرفض أن يطلع أحد عليها، أو أن يراها أحد مجرد الرؤية العابرة .

ولكن ابن النديم صاحب كتاب (الفهرست) استطاع أن يؤنس هذا الرجل إليه حتى أخرج قمطراً كثيراً فيه نحو ثلاثمائة رطل جلود، وصكوك وقراطيس مصرية، وورق تهامي وصيني، وجلود، وورق خراساني، وفي هذه المخطوطات النادرة نوادر كثيرة عن العرب، وقصائد مفردات من أشعارهم، وشيء من النحو، والحكايات، والأخبار، والأسمار، والأنساب، وغير ذلك من علوم العرب ومعارفهم .

وكما يحكي لنا ابن النديم فإن كل جزء أو ورقة كان ممهوراً بتوقيع العلماء، واحد إثر واحد، يذكر فيه خط من هو، وتحت كل توقيع أخر خمس أو ست شهادات من العلماء بعضهم لبعض .[2]

ومما ساعد على إحياء وتحقيق الكتب العربية والإسلامية، ما تعارف عليه المسلمون من استعارة الكتب فترة من الزمن من مالكها، و يمكن للمستعير أن ينقل عنها مخطوطة لنفسه ليحتفظ بها .

ونظام الاستعارة شجع عليه علماء المسلمين مبكراً، وكلنا يحفظ قول القاضي / وكيع: " أول بركة العلم إعارة الكتب " .

وعملية إعارة الكتب أو استعارتها (وكان لها آداب وأخلاقيات يجب أن يلتزم المستعير بها)، وجدت أو كانت منذ القرن الثاني الهجري، فقد قال عالم الحديث المعروف / ابن شهاب الزهري (المتوفى: 124 هـ ) ليوسف بن زيد: " إياك وغلول الكتب، قال: وما غلول الكتب ؟، قال: حبسها " [3]

وربما تلطف أحدهم بشعر رقيق لطلب استعارة كتاب معين من صاحبه، وذلك مثل ما عمل منذر بن سعيد البلوطي، حيث كتب إلى الأديب العالم / أبي علي القالي، صاحب كتاب (الآمالي ) [المتوفى سنة 351 هـ] يطلب فيه كتاباً بعنوان: (الغريب المصنف)

وكان أصحاب الكتب المعارة يسمحون للمستعير بنقل نسخة من الكتاب الذي استعاره، ويعطونه لذلك مدة محددة، فها هو القاضي / أبو الوليد الكناني إذا أعار كتاباً لأحد إنما يتركه عنده بعدد ورقاته أياماً، ثم لا يسامحه على التأخير بعد ذلك مهما كانت الظروف والأحوال، ويقول للمستعير: إن كنت أخذته للدرس والقراءة فلن يغلب أحد حفظ ورقة كل يوم، وإن أردته للنسخ فكذلك، وإن لم يكن هذا ولا هذا، فأنا أحوط بكتابي، وأولى برفعه منك . [4]

وهناك من أصحاب الكتب ومحبيها من كان يضن بإعارة كتبه لأي إنسان خوفاً عليها من التلف أو الضياع، ولذلك كان يستنسخ نسخة من الكتاب المطلوب إعارته، ويعطيها للمستعير، ويحتفظ بالأصل عنده .

ومثال على ذلك القاضي / أبو المطرف، قاضي الجماعة في الأندلس، وقد كان لا يعير كتاباً من كتبه على وجه الإطلاق، وإذا سأله أحد ذلك، وألح عليه في السؤال، أعطى الكتاب للناسخ لينسخه، ثم يقوم القاضي بنفسه بمقابلته على الأصل، ثم يعطيه للمستعير .[5]

وظلت إعارة الكتب من الأمور التي يصف بها المستعيرون صاحبها بالسمات الحميدة، ففي ترجمة العلامة / الحسين بن محمد الطيبي (المتوفى: 743 هـ )، وهو من الذين عرفوا بالكرم الحاتمي في مسألة إعارة الكتب لكل من يطلبها .

يقول ابن حجر العسقلاني عن الطيبي: كان ملازماً لأشغال الطلبة في العلوم الإسلامية بغير طمع، بل يجذبهم ويعينهم، كما كان يعير الكتب النفيسة لأهل بلده وغيرهم من أهل البلدان الأخرى، لمن يعرف ومن لا يعرف .[6]

وفي كتابه (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة) يترجم ابن حجر للعلامة / القاسم بن محمد البرزالي (المتوفى: 739 هـ)، فيقول عنه: حصل كتباً جيدة في أربع خزائن، وكان باذلاً للكتب وأجزائها . [7]

وربما كانت الإعارة من الأمور المهمة لإحياء الكتب والتراث بطريقة غير مباشرة، فكثيراً ما كانت تصاب الكتب بنكبات كبيرة كالحرق أو التلف للخزانة التي أعيرت منها، ولا يبقى من كتب هذه الخزانة إلا الكتب المعارة أو التي تم نسخها، فيحتفظ بها، وتصبح خسارة الكتب غير كبيرة.

ومثال على ذلك العلامة / إبراهيم بن أبي بكر المعروف بالفاشوشة، فقد احترقت خزانة كتبه عن أخرها، ولم يبق منها له غير الكتب التي كانت عند الناس، أو التي نسخها البعض من كتب مكتبته، فطلبها منهم، فردوها إليه شاكرين، بعدما عرفوا بما حدث لخزانة كتبه، وبذلك تغلب إلى حد ما على خسارته الكبيرة [8]

وكذلك العلامة / عبد الوهاب بن جعفر الميداني (المتوفى: 418 هـ) الذي كتب بنحو مائة رطل مداد (حبر) عندما احترقت مكتبته، فقد قام باسترداد نسخ كتبه الكثيرة التي أعارها للناس، أو التي نسخ المستعيرون منها نسخة أو أكثر، حيث أنه كان لا يبخل بإعارة كتبه لمن يطلبها، سوى كتاب واحد كان لا يسمح به فاحترق الكتاب، وكان من العسير العثور على نسخة منه . [9]

وعادة ما كانت المكتبات تشدد في إعارة الكتب، أو تمنع خروج كتب معينة فلا تعيرها، وعلى سبيل المثال مكتبة الحكمة بنيسابور . [10]

وكذلك مكتبات الأوقاف، التي كانت لا تسمح لأي قارئ باستعارة أي كتاب، أي أنها كانت تمنع ما نسميه الآن بالاستعارة الخارجية، مكتفية بالاستعارة الداخلية، أي قراءة الكتاب داخل المكتبة، ولا مانع من أن ينسخ القارئ ما شاء له من صفحات الكتاب (التصوير حالياً) .

وعليه فإن إحياء الكتب يقتصر على القيام بنسخ الكتاب أو نسخ أجزاء منه داخل خزانة الكتب، وكذلك الحال عند بعض الأفراد من أصحاب المكتبات حيث كانوا يحرمونها على المنتفعين دون سبب محدد أو مقنع، حتى أن أحدهم قال: إذا عانيت الموت ألقيت كتبي في البحر !! [11]

ويبدو أن المكتبات الإسلامية كانت تضع علامة مميزة لكتب خزينتها، وكذلك فعل الخلفاء، وذلك تميزاً لها عن ثائر الكتب، ودلالة على ملكيتها . (ذلك يشبه الأختام التي نختم بها الكتب في المكتبات العامة الآن) .

يقول ابن أبي أصيبعة: كان كاتب حنين بن إسحق رجلاً يعرف بالأزرق، وقد رأيت أشياء كثيرة من كتب جالينوس وغيره بخطه، وعلى تلك الكتب علامة المأمون الخليفة العباسي .[12]

وقبل أن نستطرد في كلامنا أحب أن أشير هنا إلى مقالة مهمة كتبها الأستاذ / حبيب الزيات، كان عنوانها: (الوراقة والوراقون في الإسلام)، نشرتها مجلة المشرق، في سنة 1947 م، وهي تعد بحق من الإضافات الثرية في هذا الموضوع، ويمكن أن يعود إليها من أراد الاستزادة .

نعود لنقول: إن عملية الإحياء الدائم للكتب إنما تسهم كثيراً في عملية تطور الفكر والثقافة والتربية والتعليم، وندرة الكتب المحققة أو المنسوخة، تطرح مشكلة صعبة أمام أهل البحث، وتشكل عقبة في سبيل استيفاء أبحاثهم ودراساتهم بالصورة الطيبة التي يودونها، بل أنها أحياناً توقف عملية البحث نهائياً، وعن مسألة ندرة الكتب المحققة سوف نعرض عليك مثالين، أحدهما من المشرق العربي، والآخر من المغرب العربي:

المثال الأول:

هو كتاب (العصا) للشاعر المؤرخ الأديب / أسامة بن منقذ (المتوفى: 584 هـ)، وقصته مع هذا الكتاب أنه سمع رواية من والده جاء فيها على لسان أبي يوسف القزويني، مخاطباً أبا الحسن بن بوين، حين أمسك من كتبه كتاباً يسمى (العصا) لمؤلف ضاع اسمه، قائلاً: " ما أحوجك أن يكون ما في يديك فوقها ! " .

وظل أسامة بن منقذ ما يقرب من ستين سنة يبحث عن كتاب (العصا)، فتطلبه بجد واجتهاد في كل من الشام ومصر والعراق والحجاز والجزيرة وديار بكر، فلا يجد أحداً من أهل العلم يعرفه، وكلما تعذر وجوده ازداد إصراراً على طلبه إلى أن كاد يتملكه اليأس، وانتهى به المطاف إلى جمع أوراق هذا الكتاب، وترجمه بكتاب (العصا)، وعلق عليه بقوله: " لا أدري أكان ذلك الكتاب على هذا الوضع أم على وضع آخر ... ولا أرتاب أن مؤلف ذلك الكتاب وقع له معنى فأجاد في تنسيقه وتأليفه، وأنا فاتني مطلوب ففرغت إلى تجويزه وتلفيقه " . [13]

والواقع أن ما كان يبحث عنه أسامة بن منقذ دهراً إنما هو كتاب (العصا) لكاتبنا الموسوعي / الجاحظ، وهو من مشتملات كتاب (البيان والتبيين ) للجاحظ، وأن أسامة التبس عليه الأمر فظن أن ذلك الكتاب الذي دار حوله الحديث كتاباً مستقلاً لمؤلف آخر غير شيخنا / الجاحظ، على حين عرف أسامة جيداً وعن قرب كتاب الجاحظ، بل أنه قرأه أكثر من مرة واقتبس منه الكثير والكثير في كتاب (العصا) !! .

والمعروف لنا أن كتاب (العصا) للجاحظ كان محوره الرد على مزاعم الشعوبية في العصر العباسي الذين ذكروا مثالب زعموا أنها في العرب، وقد نهج أسامة في صدر كتابه هذا منهجاً مقارباً لمنهج الجاحظ، ولكن الكتاب شأن كل كتب أسامة التي تأبى إلا أن تحمل طابع تأليفه، وذلك بسرده الأحداث والأخبار. [14]

ورغم قلة تحقيق كتب أسامة بن منقذ ونسخها، وهو من أعلام القرن السادس الهجري، فإن الحظ شاء أن يحفظ لنا ثلاث نسخ من كتاب (العصا)، كانت النسخة الثالثة أحدث الكتب المحققة له .

النسخة الأولى: محفوظة بمكتبة ليدن الهولندية تحت رقم 370، وعليها تاريخ 1094، أي حققت قي القرن الحادي عشر .

النسخة الثانية: وهي نسخة الأمير / وزيانا، ورقمها 125، وتاريخ نسخها 1067، أي حققت أيضاً في القرن الحادي عشر، هي محفوظة بنفس المكتبة (مكتبة ليدن ) .

النسخة الثالثة: وهي محفوظة بدار الكتب المصرية، تحت رقم 195813 ز، ولم يحدد تاريخ كتابتها، ولكنها مكتوبة بخط سبياً، وفي كراسة حديثة، ويبدو أنها نقلت من أصل آخر لم يكشف عنه بعد .

المثال الثاني:

أما عن المثل الثاني: فقد رواه الحضرمي عن أهل قرطبة الأندلسية، وكان حادثاً طريفاً ولكنه أغضبه، فقد حدث أنه كان يتجول في سوق باعة الكتب في المدينة، حيث يقول: أقمت مرة بقرطبة، ولازمت سوق كتبها مرة أترقب فيه وقوع كتاب كان لي بطلبه اعتناء، إلى أن وقع الكتاب (أي وجده عند أحد باعة الكتب)، وكان بخط جيد، ففرحت به أشد الفرح، وجعلت أزيد من ثمنه , فيرجع علي المنادي بالزيادة، إلى أن بلغ فوق حده، فقلت: يا هذا، أرني من يزيد في هذا الكتاب حتى بلغه إلى ما لا يساوي ؟ !

قال: فآراني البائع شخصاً عليه لباس رياسة، فدنوت منه وقلت: أعز الله سيدنا، إن كان لك غرض في هذا الكتاب، تركته لك، فقد بلغت به الزيادة بيننا فوق حده !!

فقال: لا أدري ما فيه، ولكني أقمت خزانة كتب، واحتفلت فيها لأتجمل بها بين أعيان البلد، وبقى فيها موضع يسع هذا الكتاب، فلما رأيته حسن الخط، جيد التجليد استحسنته، ولم أبال بما أزيد فيه، والحمد لله على ما أنعم به من الرزق، فهو كثير . !!

فقلت في نفسي: نعم، إن أمثال هذا الرجل يملكون ثمن الغالي من الكتب، لك حكمتك يا ربي، تعطي البندق لمن لا نواجز له !! [15]

والمثل الأخير يوضح لنا قلة تحقيق هذا الكتاب، أو عدم تحقيقه ونشره في بلاد الأندلس، وبالطبع لو كان هذا الكتاب تم نسخه أكثر من نسخة، أو تم تحقيقه أو تذيله أو شرحه، لشاع وانتشر بين الناس .

ناهيك عن ظهور تلك الطبقة الطفيلية التي تملك المال فيخيل إليها أنها تستطيع شراء أي شيء للوجاهة الاجتماعية فقط، حتى لو كانت لا تعرف قيمة هذا الشيء أو أهميته أو مضمونه .

ولا بد أن نشير هنا إلى أنه من الإسهامات المهمة في تحقيق ونسخ ونشر التراث، ليس العربي والإسلامي فحسب، بل حتى التراث الإنساني العالمي القديم الذي لم يكن الغرب يعرف قيمته، ونعني بذلك الكتب اليونانية واللاتينية التي قام المسلمون بتحقيقها وتنقيحها ونقدها ثم إعادة نشرها في كتبهم، بعد وضع كل ما يرونه في مكانه الصحيح السليم، فيصححون الأخطاء، ويصوبون الأمور غير القويمة، ويردون على الفلاسفة، ويضعون العلوم موضع التجريب، فيخرجون للناس النتائج العلمية السليمة، ويقدمون المعلومات مؤيدة بتجاربهم . [16]

نقول: إنه لم يكن تحقيق هذا التراث الإنساني العالمي وليد القرون الأخيرة، بل بدأ به الأمير / خالد بن يزيد الأموي، ذلك الشاب الذي أحب العلم بجميع فروعه، وسعى إلى البحث عنه في شتى بلاد الأرض، وجلب الكثير من الكتب، وترجم العديد منها، ثم انتشر التراث بصورة كبيرة في القرن الثاني الهجري والذي بلغ أوجه في عهد الخليفة العباسي / هارون الرشيد، ثم ولده الخليفة / المأمون، الذي هو بحق الفتى الذهبي لحركة الترجمة والتعريب في الحضارة العربية الإسلامية .

لقد اهتم الخلفاء الأمويون والعباسيون بالعلم والمعرفة، منفذين بذلك تعاليم الإسلام الحنيف الداعية إلى العلم والتعلم والمعرفة وطلبهم في أي مكان، وعليه فقد سعوا إلى اقتناء المخطوطات التي لم تترجم أو تحقق، ووضعوها أمام العلماء المسلمين من أجل أن يترجمونها ويدرسونها ويحققونها، كما أنهم كانوا لا يبخلون بالأموال الطائلة في سبيل الحصول على الكتب وتحقيقها، نضيف إلى ذلك تشجيعهم للعلماء على التحصيل والبحث والاختراع والاكتشاف

حقاً: إنهم لم يدخروا وسعاً في سبيل ذلك، ولا وسيلة لتحقيق هذا الأمر من أجل رفع راية العلم والمعرفة في البلاد العربية والإسلامية .

 

  بقلم: د. يسري عبد الغني

..................................

[1] - حسين محمد سليمان، التراث العربي الإسلامي: دراسة تاريخية ومقارنة، دار الشعب، القاهرة، 1987 م، ص 172 .

[2] - ابن خلكان، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق: محمد محيي عبد الحميد، القاهرة، 1948 م، ص 127 .

[3] - أدب الإملاء، ص 175 ـ 176، نقلاً عن حسين محمد سليمان، التراث العربي الإسلامي، مرجع سابق، ص 174، وما بعدها.

[4] - القاضي / عياض، الإلماع، تحقيق: سيد صقر، القاهرة، 1970 م، ص 324 .

[5] - ميتز، الحضارة الإسلامية، طبعة بيروتية، بدون تاريخ، 1 / 327

[6] - ابن حجر العسقلاني، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، طبعة حيدر أباد، الدكن، الهند، 1349 هـ، 2 / 69

[7] - ابن حجر العسقلاني، الدرر الكامنة، مرجع سابق 2 / 166

[8] - ابن حجر العسقلاني الدرر الكامنة، مرجع سابق، 3 / 28

[9] - ابن حجر العسقلاني، لسان الميزان، طبعة المكتبة الأزهرية، 1960 م، 4 / 86

[10] - ميتز، الحضارة الإسلامية، مرجع سابق، 1 / 349

[11] - السخاوي، الضوء اللامع، القاهرة، 1348 هـ، 1 / 13

[12] - ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، نشرة: أوجست موللر، لندن، 1884 م، 2 / 144

[13] - عبد السلام هارون، نوادر المخطوطات (كتاب العصا)، القاهرة، ص 178

[14] - زيجريد هونكه، شمس العرب تسطع على الغرب، نقله عن الألمانية: فاروق بيضون و كمال الدسوقي، بيروت، 1969 م، ص ص 288 – 289

[15] - عبد السلام هارون، نوادر المخطوطات، مرجع سابق، ص ص 178 – 179

[16] - حسين محمد سليمان، التراث العربي الإسلامي، مرجع سابق، ص 177 وما بعدها