شهادات ومذكرات

كامل مصطفى الشيبي: نموذج الابداع العقلي العراقي في التصوف الاسلامي

3639 كامل مصطفى الشيبيهناك من الدارسين من يقترن أسمهم بموضوعات معينة تبقى لصيقة بهم طوال حياتهم وبعد مماتهم وتكون علامة لهم بامتياز، ومنهم العلامة الاستاذ الراحل الدكتور كامل مصطفى الشيبي (27 أيار 1927 - 4 ايلول 2006)، والذي اقترن به درس التصوف في العراق المعاصر حتى أنه لا يذكر هذا التخصص إلا ويتبادر إلى الذهن شخصيته الكريمة، حيث يقف الرجل في مقدمة الرعيل العراقي الاول الذي شارك في تنمية وتطوير الدراسات الفلسفية في العراق، ذلك لأن صلته بهذا التخصص لم تكن عابرة أو لكسب مكانة في الجامعة يبغي من ورائها التدريس الحرفي فقط، بل هو الشخصية المميزة التي درست بعمق ودراية نادرتين التصوف الإسلامي وشخصياته وحققت بعض نصوصه وشرحت بعض دواوين كبار الصوفية في الإسلام، ولاسيما أبو منصور الحلاج، والسهروردي المقتول، وابن سبعين ..الخ.

ولهذا يعد " كامل الشيبي" (مع حفظ الألقاب) أنموذجاً للمفكر العراقي في ريادته وابداعه وشاخصاً حياً على تجليات العقل العراقي حينما يرتقي آفاق الفكر والمعرفة في وقفات تخط سفر الراحل وتسطر صفحات الابداع العقلي العراقي في التصوف الاسلامي وعلوم الحكمة وقضاياها، حتى عُد معلماً فكرياً هاما ومرحلة بدء وتأسيس في تطور الدرس الصوفي الاكاديمي، وخط حضوره المشهود في ريادة الفكر الصوفي عراقياً وعربياً فريادته العراقية تتأتى من توطيد وتوجيه مساهماته الفكرية سير الدراسات الصوفية جامعياً وبحثياً حتى وسمت مؤلفاته بالدراسات الاكاديمية الجادة والمتحررة من نظرات التعصب والانغلاق والجمود الفكري ليخط في الوقت نفسه ريادته العربية عبر مساهمات فكرية وصفت بكونها مواجيد وجد صوفي اشارت الى وجوده وعبرت عن حضوره في الفكر الصوفي وومضات سيرة شخصية وتجربة ذاتية بين سواطع الفلسفة ولوامع التصوف سطرتها انامله بعد ما أراح ذهنه المتعب وفكره المثقل من هموم الباحث والاكاديمي والاستاذ المربي.

وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على أن حال الرجل حال الكثير من أبناء جيله من الباحثين والاساتذة الجامعيين، من أمثال: (صالح الشماع، جعفر آل ياسين، حازم مشتاق، ياسين خليل، حسام الألوسي، مدني صالح، نجم الدين البزركان، عرفان عبدالحميد) فحياته العلمية توزعت بين اهتمامين أساسيين. فمن جانب، كانت هناك الدراسات الفكرية والفلسفية التي كان حريصاً على ان يبحث ويكتب في ما لم يكتب فيه من قبل، فاتسمت معظم دراساته بالإبداع في منهجها ومخرجاتها، وفي الذروة منها كتابه «الصلة بين التصوّف والتشيّع» والذي صدر في طبعته الاولى عن دار التضامن في بغداد سنة 1963 بجزأين الجزء الاول – العناصر الشيعية في التصوف ـ الجزء الثاني – النزعات الصوفية في التشيع في واعيد طبعه لأربع مرات كما ترجم النص إلى وأثار لغطا كثيرا في الأوساط العلمية بين قادح ومادح كل حسب هواه.

أما اهتمامه الآخر فانصب على النفيس والفريد والطريف من المتون الاصيلة والبحوث المبتكرة والدراسات الجادة، في الفنون والآداب واللغة والموسيقى والشعر والادب الشعبي ـ ومن هنا فإن منجزه العلمي يشكل بحقوله المعرفية والثقافية دائرة موسوعية متفردة في بابها وفي تنوع مضامينها ؛ تنفتح على ضروب شتى من الثقافات والافكار.

ولهذا السبب فهو نعم "العالم الثبت، و"المفكر المدقق"، و"الباحث المجتهد"، وهو لدى أهل العرفان فيلسوف من طراز خاص، ويعد في نظر النقاد من أدق الذين كتبوا في التصوف وكأنه عاش تجربته الذوقية وعرف مواجيدها الروحية، لذلك أنشأ كتبه وأبحاثه من داخل التصوف وليس من خارجه، متمثلا مواجيده متنقلا على طريقته ما بين الأحوال والمقامات، وبهذه الذائقة الروحية والشغف بعالمها الشفيف، أعاد جماليات الصور الخفية للحلاج حين رأي أن مأساته، تعبير عن أزمة أمة بالكامل تحاكم رجلا وتصلبه، لأن لديه يقين بأن الله يحل في جسده، مفسرا إياها بأنها قضية في أصلها هي سياسية واجتماعية، حيث خرج الرجل ليحض الشعب ضد السلطان، مضيفا أن مأساة الحلاج هي مأساة عصر كامل، أرادت فيه السلطة الحاكمة أن تتدخل في كل شئ، إنها تجمع بين الشئ ونقيضه في وقت واحد.

ولهذا قال عنه الدكتور "طه جزاع"- أحد تلاميذه النجباء: "علاقتي ومعرفتي ومصاحبتي لهذا بكامل الشيبي، ابتدأت منتصف السبعينيات من القرن الماضي حين كنت طالبا في قسم الفلسفة بكلية الآداب، جامعة بغداد وكأن الشيبي يومها في قمة عطائه وحيويته وهو يدرسنا مادة التصوف المقررة لطلبة المرحلة الرابعة على ما أذكر، وحين يدخل الصف لا يخرج منه إلا وقد امتلأت السبورة حتى حواشيها بمصادر التصوف ومراجعه المهمة عوضا عن دروسه الغنية التي كانت تمتاز بعلم غزير متدفق ومتعة للذهن والروح يحسها طلابه بلمحاته ومداعباته الطريفة وروحه المشاكسة لكل ما هو جامد من الآراء والعقائد.

ولد الدكتور "كامل مصطفى الشيبي" في الكاظمية -بغداد عام 1927 وأكمل تعليمه الابتدائي والثانوي في الكاظمية والأعظمية ثم انتقل إلى جامعة الاسكندرية ليكمل دراسته الجامعية حيث نال درجة الليسانس في الآداب منها سنة 1950 ودرجة الماجستير في الفلسفة الإسلامية من قسم الدراسات الفلسفية بجامعة الإسكندرية في موضوع بعنوان (النزعات الصوفية في الفكر الشيعي) عام 1958 في مصر تحت إشراف أستاذه (أبو العلا عفيفي) تلميذ المستشرق (نيكلسون)، وأكمل أطروحته للدكتوراه بعنوان (الصلّة بين التصوف والتشيع) التي أشرف عليها المستشرق المعروف "آرثر جون آربري"- رئيس قسم الدراسات الشرقية في الجامعة المذكورة. بدأ عمله الجامعي في كلية الآداب بجامعة بغداد سنة 1961 - أستاذا للتصوف وعلم الكلام.

وعمل "كامل الشيبي" بجامعة هارفرد في الولايات المتحدة الأمريكية لمدة سنة واحدة بصفة أستاذ زميل، وعمل أيضا أوائل سبعينيات القرن العشرين في جامعة الفاتح الليبية، ونتيجة لظروف العراق الاقتصادية الصعبة خلال فترة الحصار الاقتصادي بعد أزمة الكويت جاء الفقيد إلى ليبيا لغرض العمل فعمل سنة واحدة بجامعة الفاتح بعدها تحول إلى قسم الفلسفة بجامعة السابع من ابريل في الزاوية فكانت الفرصة الذهبية أن نعيش سوية سنوات عديدة وبمقربة منه بشكل يومي وتفصيلي إذ كنت رئيسا لقسم الفلسفة طيلة الفترة التي عمل فيها الشيبي بجامعة السابع من أبريل، فكان الرجل نشطا حاد الذكاء سهل العريكة مرحا طيب النفس سريع النكتة، وهذه الصفات نادراً ما توجد لدى رجل سبعيني .

ومن مؤلفاته: الصلة بين التصوف والتشيع"، ديوان أبي بكر الشبلي جعفر بن يونس المشهور بدلف بن مجدرـ ديوان الدوبيت في الشعر العربي"، ديوان الحلاج"، شرح ديوان الحلاج"، الحلاج موضوعاً للآداب والفنون العربية والشرقية قديماً وحديثاً، ديوان "الكان وكان" في الشعر الشعبي العربي، الحب العذري"، ديوان فن القوما" في الشعر الشعبي العربي القديم، صفحات مكثفة من تاريخ التصوف الإسلامية، البهلول بن عمرو الكوفي، رائد عقلاء المجانين"، ديوان السهروردي المقتول"، أصداء وملامح عربية وإسلامية في رواية دون كيخوته ... الخ..

ومن خلال تلك المؤلفات حظى البحث الفلسفي لدى "كامل الشيبي" بالأولوية، بدء من اختيار العنوان الى جمع وتنظيم المادة وانتهاء بالنتائج كل هذه الخطوات التفصيلية كانت تمثل دورة تدريبية متكاملة وقد أولى البحث العلمي أهمية استثنائية لإعداد وتدريب الطلبة على اختيار منهج البحث المناسب، وفقا لطبيعة الموضوع، وطريقة استخدام المصادر وكيفية التعامل مع النصوص ووضعها ضمن الإطار الصحيح في عملية فهم النص الفلسفي وتمثل إشكالياته .

إضافة إلى ذلك تقويمه شكلاً بتبيان مدى تماسكه وعدم التناقض فيه وتحديد مكانته بالنسبة لنصوص أخرى كتبت حول الموضوع المدروس نفسه، فيصبح الطالب مؤهلا مع كتابة هذا البحث من اتخاذ ال وبهذا المستوى الرفيع من الاسس العلمية أرسى "كامل الشيبي" على محو متميز مقومات الدرس الفلسفي؛ بتجاوزه الرتابة المملة والخروج به من حالة الجمود الساكن إلى فضاء الحركة، لذلك كان درس "كامل الشيبي" نقيض الطريقة التلقينية السائدة في جهازنا الاكاديمي، ـــــ باستثناءات محدودة ـــــ، فقد اعتاد التلميذ على الوجبات التعليمية السريعة، فالمادة جاهزة وكأنها حقيقة مسلم بها، جرى إعداد نتائجها مسبقا، فتقدم باسلوب للقابل المنفعل، وليس الفاعل.

كذلك حاول "كامل الشيبي" إجراء قياس نسبي للوقوف على مديات الهوة الفاصلة بين التقدم العلمي والحضاري في الغرب وما يعانيه المجتمع العربي من تخلف علمي وفقر ثقافي وما يعيشه من ضروب الجهل والامية والفقر؛ فيشير أستاذنا إلى حال الفلسفة بألوانها النسقية ومدارسها، والتطور الذي طرأ على المناهج والافكار، عبر فضاء الحرية المشرع أمام الاجتهادات المستمرة وفقا لحركة التقدم التقني، وفي هذا الصدد يشخص "كامل الشيبي" اتجاهات الفلسفة الاورو أمريكية في عصر المعلوماتية

ومن هنا فإن أهمية الفلسفة لدى "كامل الشيبي" تكمن في قدرتها على التعبير عن المجتمع نفسه، فمركزها الحياة ذاتها، تنشغل بالإنسان، في وجوده القائم في عالم النقائض والاضداد، ومن هنا فإن أول مهام الفلسفة في رأيه أن تنزل بجدلياتها إلى الواقع، لتبدأ بالسؤال الانطولوجي الــ(ماذا) مما هو موجود وكائن ومتعين، طبقا لمبدأ السببية الإنسانية، الذي ينأى عن تبرير (الوجود) لصالح الميتافيزيقا، وان تسعى للكشف عن الأشياء الأساسية في حياة الإنسان وفيما يحيط به في أرضِهِ وكوْنِهِ. أنها تتلخص في الجواب على السؤال: “لماذا؟” – أي ملاحظة المبادئ ومحاولة تعليلها. وقد قسَّمَ القدماءُ مباحثَها إلى الوجود وما وراء الوجود، والعلم وكيفية التعلم، والمنطق وفلسفة العلوم، وما إلى ذلك من موضوعات تبحث عن التواصل بين المعارف المختلفة.

ويضع كامل الشيبي الحرية الفكرية شرطا للتفلسف، وهو الشرط الشقي الغائب في المجتمع العربي لأن الفلسفة تتطلب تعمُّقا ومتابعة وممارسة مبالَغ فيها للحرية الفكرية؛ وهو أمر يتعذر وجوده في مجتمعنا العربي في عصرنا الراهن على الاقل . فيما يبقى الاهتمام بالفلسفة عند العرب منحصرًا للأسف في دراستها وتدريسها من كتاب إلى آخر، دون أن تدخل في أعماق الإنسان العربي، خاصة وأن الفلسفة التي لا تخلق من قضايا الواقع ومن معاناة الانسان ومن داخل الحياة ؛ تبقى مثل هذه الفلسفة محض صورة مغتربة، لا صلة لها بتاريخنا ومعاناتنا، وما يؤكد ذلك ويعبر عنه على نحو جلي، مثال المفكر الكبير عبد الرحمن بدوي الذي اشتهر بالوجودية، وغيره بالوضعية المنطقية، الخ ـ نقل هؤلاء إلى مجتمعنا صورة خارجية لا علاقة لها بماهية واقعنا وكل تلك وغيرها لا تُغني ولا تسمن. والآفة الكبرى التي تمنع وجود فلسفة معبرة عن واقعنا هي شحُّ الحرية وضيق مجالها!

ولهذا فقد نال كامل الشيبي العديد من الجوائز والشهادات التقديرية منها جائزة جمعية اصدقاء الكتاب لعام 1973 عن كتاب ديوان الدوبيت في الشعر العربي بيروت وشهادة تقديرية من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تثميناً للدور العلمي والتربوي وما ترك من بصمات للاجيال في الثامن عشر من يناير لعام 2003.. وهكذا كان وسيظل استاذنا الراحل كامل الشيبي رائداً في سفر عراقنا الحضاري وستبقى مؤلفاته وبحوثه ودراساته تسطر سفره على الرغم من رحيله وتسطر من بعده سفر ابداعاته لأجيال الباحثين والدارسين والمتخصصين.

***

د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

....................

المراجع:

1- د. علياء محمد: كامل مصطفى الشيبي.. حياة زاخرة بالعطاء، ملاحق، 2011/02/09 06:51:11 م

2- عبد الستار الراوي: العلامة كامل مصطفي الشيبي أستاذ كرس الفلسفة الإسلامية مؤسس الدراسات الصوفية في أكاديمية بغداد الفلسفية، مقال منشور ضمن جريدة جنوبية، في السابع من سبتمبر 2020.

3- حسن مجيد العبيدي: حلاج بغداد المعاصر كامل مصطفى الشيبي، جريدة كتابات، 25 أكتوبر، 2013

3- جعفر عبد المهدي: الذكرى الثانية لرحيل العلامة كامل مصطفى الشيبي، الحوار المتمدن-العدد: 2637 - 2009 / 5 / 5 - 09:23

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5722 المصادف: 2022-05-06 05:02:59


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5926 المصادف: السبت 26 - 11 - 2022م