 نصوص أدبية

قصي الشيخ عسكر: فأرة بيضاء

قصي الشيخ عسكرالفصل الرابع من رواية (صفرة ما على الجدران)

في البدء ظنّ  رياض أن لن تواجهه شعيب أيّة مشقة في العثور على قطّة سوداء.. كان يعرف محلا في Amager يبيع الطيور والحيوانات فانصرف ذهنه إليه،واستحسنت زاهية الفكرة.ربما رغبت في أن تبقي القطة عندها حتى تنهي عقدة السحر أو تكون المراسم مع فأرة تضطر لقتلها.

تفكّر في الاحتمال الأول.

لا تحبّ إزهاق روح ولو كانت روح فأرة

وتذكرت ماعليها أن تقوم به من مراسم ،وجاءها جمال شعيب الذي ذهب إلى محل بيع الحيوانات والطيور بصحبة  مترجم عربي من المغرب دفع له مبلغا استقطعه منها وحمل لها أنباء متضاربة عليها :أن تخضع لشروط صارمة إذا كانت ترغب في قطة.. عمرها  أكثر من سبعة أسابيع .. أم صغيرة  تعيش معك مدّة أطول.. البيطرة.. وسيسألونك عن شروط أخرى،أما الفأرة فلا شروط عليها،وتساءل وهو يبتسم:

لِمَ لا تؤدين المراسيم مع الفأرة يسمونها بلغتهم rotte متوفّرة ومادام اللون لا يعنيك فكلّ الفئران في المحل هناك في Amager بيض كالقطن ليست مثل فئراننا إنها جميلة!

وقال رياض فنجان:

أنا لا أنكر السحر والسحر موجود في القرآن مادام الأمر كذلك فعليك أن تستخدمي فأرة بدلا من شروط القطة المعقدة

فأجابت كالمستسلمة:

القس الجليل قال لي بعد المراسم مع قطة سوداء سيختفي السحر على الفور وستعيش القطة معي تمنعني من أيّ سحر في المستقبل أما إذا لجأت إلى الفأرة فسيزول الصداع بعد أيام لكن علي أن أنفيها عن البيت إلى مكان ما من دون روح!

واندفع جمال شعبان بين الشاكّ والمصدقّ أو الجاد والهازل:

أولاد الكلب اليهود عرفت الآن لم اغتصبوا فلسطين لأن فيها كل هذا العلم والعلماء والروحانيينّ!

هذا سهل توكلي على الله وابتاعي الفأرة!

أفضل بدلا من أرتبط بقطة تعيش معي في الشقة مَنْ يطعمها ويسقيها في حال سفري وغيابي!

وانتظر الثلاثة بضعة أيام حتى حلّ يوم السبت في الصباح ذهب الجميع إلى Amager وعادوا بسلة فيها علبة بيضاء ذات ثقوب داخلها فأرة وقبل أن يجتمع الثلاثة في غرفة السيدة لممارسة طقوس التطهير  ذهب رياض فنجان إلى المقبرة وتأمل الكتابة بالعربية فوق القبر.. حديث نبوي ما أروعك أيها الميت أظنك مسلما ثم ركع ركعتين أمام القبر كان هناك بعض المارة الذين لم تغرهم حركاته شعر بارتياح واستعاذ بالله ثمّ غادر إلى المكتبة العربية التي يملكها مغربي وقد اعتاد أن يبتاع منها بعض أشرطة القرآن والأدعية فوجد المحل مغلقا والزجاج مهشما وهناك بعض السخام على الجدران من الداخل وكدس رماد متناثر على الإسفلت.لقد وعده سي الهبطي أن يوفر له بعض تسجيلات الحصري وبعض الأدعية ،وحين وصل شقّة زاهية وجد جمال عندها.التقط أنفاسه وقال:

من حسن الحظ أني وجدت قبل أيام مجموعة عبد الباسط كنت اتفقت معه على الحصري فوجدت المحل قد احترق.

قال جمال مندهشا:

فعلها ابن الذين ليستلم مبلغ التأمين!

أتظنّ ذلك؟فقالت زاهية مؤكدة:

ولِمَ لا جماعتنا الشرقيون يفعلون كل شئ.

يا أخي إسألني عنهم أنا أعرف الناس بهم سيقول لك إذا التقيته اللهم العن من فعل هذا وفي الحقيقة يسبّ نفسه ليبعد الشبهات عنه!

لقد دفعت له عربونا عن أشرطة الحصري وبعض الافلام العربيّة

عوضك على الله.

وأكّدت زاهية:

المهم أن عندي سورة الحشر ومريم.

هل نباشر فقد بدأ الظلام يهبط!

ألا تشربان شيئا !

أبدا لا ضرورة

أحضرت وعائا عميقا استقر أسفله رماد لباسها الداخلي الذي أحرقته قبل ساعات وضعته على وسط المنضدة المنضدة وذهبت تسدل الستائر القاتمة فتحقق ظلام تام لا يشوبه إلا بعض ملامح من نور ثم أحضرت علبة كبريت  وبعض الشموع فشاع في المكان جوّ شاحب ذكّر جمال بصفرة نور التواليت إذ أغراه بمفاجأة الصفرة القاتمة  حين وجهه للمرّة الأولى  منطبعا على المرآة أسفل المغسلة.وخطت إلى عود بخور مثبت فوق حمالة معدنية على حافة المضدة تساءلت:

لا أظنّ أيّا منكما يعاني من ربو فالبخور ضروري لفَناء السحر.

ولا يهمّك

وقال رياض:

أنا فقط عندي حساسية من الياسمين!

أشعلت العود ففاحت في المكان رائحة ذكيّة اختلطت مع الأنفاس وتراقصت مثل الثعابين في الضوء الشاحب،ثمّ حملت الصندوق ذا الثقوب وفتحت بابه فدفعت الفأرة البيضاء الناصعة كالثلج إلى القاع حيث الرماد فبدت تمرغت ونشوة لا متناهية تمرغرها.. شاع الارتياح على وجه زاهية ونكثت فوق الفأرة والرمل كيس جبن مبشور.. كان الحيوان الصغير يلتهم الجبن المعفّر في الرماد.التفتت إل رفيقيها وقالت:

نحن لسنا مثل هؤلاء البروتستانت زناة لكنّي يمكن أن أفعل فعلا هو خطوة أولى للزنا تحرق مع الفأر القذر سحرة ابنتي،ابتسمت وكشفت عن ساقيها،فغالبت جمال شهوة عارضة توازي لذة الدهشة كلذة سريان قشعريرة في الكتفين من لفحة برد مفاجئة.. .ساقان مثل العاج.. بياض يلمع

مرمر..

مثيرة حقا

جميلة على الرغم من السنوات الطوال.. ربما تظلّ تحتفظ بجمالها إلى الأبد فهذه امرأة تتحدى السحر القادم من أقرب الناس إليها أمّا رياض فقد أخذه خدر لذيذ .في باله فكرة ما على وشك أن تختمر.. النساء يثرنه فيذكر الله.. يتمتم مع نفسه من دون أن تتحرك شفتاه

يخجل..

يستعيذ من الشيطان ولا يقترف المحرمات إلا للضرورة!ف يتوارى في جلال رهيب مع عبد الباسط وسورة مريم..  التي يلمحها على الطالة في شريط داخل المسجل على المنضدة الصغيرة سيبتعد عن الشهوة   يصلي أمام القبر المصلوب تحت اللافتة العربية:

رياض أنت تدلك ساقيّ حين تراني أتمتم ,وجمال أنت امسح على رقبتي!

اقترب منها الاثنان  يدان تلامسان الساقين وأخريان على رقبتها .. خطوة أولى للزنا وكانت يداها تعبثان بالرماد والجبن حتى اصبغتا مثل الفارة بالسواد: زاهويتا  يارب..  اغفر لزاهويتا وشافها.. زاهيوتا عبدتك.. ياوالدة الله تضرعي لزاهويتا.عبدتك التي لا تنساك راحت تتمتم بالعربيّة والآشورية تتمتم وتبكي تتحدث للرب عن صداع لابدّ أن يزول ببركة  أم الإله بكت طويلا وتضرعت طويلا وأربعة أيد تدلك ساقيها ورقبتها وتعلن عن زنا لم يتم..

شريط كامل من أحداث قديمة وحديثة تراقصت في جسدها التي لامسته أربع أياد:جدتها التي كانت في سرب من الهاربين من الهاربين أيام العهد الملكي في الصحراء نحو الحدود السورية أبوها الذي هاجر إلى ديترويت وانقطعت أخباره لابدّ أنه مات زوجها الذي قتل في شجار بالموصل مع مسلحين لصوص.. قصة هربها بابنتها بداية الحرب

إلى سورية فالدنمارك.أصبجت هي القطة التي تقتل،إما أن تقتل فتتحرر من كل دنس يشوب جسدها أو توكل القطة بدلا عنها فتعيش معها..  من حسن حظها أنها أصبحت المفترس بدلا من أن تكون هي الفريسة..

فجأة توقفت عن البكاء ..

هكذا..

فجأة.

جحظت عيناها ووقفتا عن النظر إلا إلى أسفل الوعاء وتشنّج جسدها ليصبح أثقل من كدس حديد فثار الفزع في رفيقيها اللذين توقفا عن الدلك وفي لمح البصر أو أقلّ مدّت أصابعها مثل مصارع عريق وهوت بقبضتها على رأس الفأرة التي صدرت عنها حشرجة،وسال من زاوية فمها خيط دم رفيع فرفست برجليها لحظات وهمدت أنفاسها.عندئذٍ جمعت جسدها المتشنج وجلست على ركبتيها  صلّبت وضمت يديها إلى صدرها :

كانت تلهث.

هل أجلب لك كأس ماء

قال رياض ذلك

كلا اشكرك أنا بخير

الحمد لله

أردف جمال.راحت أنفاسها تهدأ:

حمدا للرب وللعذراء صلبت وقالت:

انتهى السحر أنا على ثقة أن الصداع الجارف يتلاشى من رأسي

إن شاء الله

قال رياض زاهيوتا كلمة جميلة!

ذلك هو اسمي بالآشوري شكرا لكما أيّها العزيزان على مساعدتي

فقال رياض وهو يغمز جمال حاثت إياه على الخروج:

هل نصحب الصندوق معنا لنرمي الفأرة في الأزبال

مادام الأمر يتعلق بي فعلي أن أحمله بنفسي إلى صندوق الأزبال وإلا يمكن أن يبطل كلّ مافعلناه.

وإذ اختفت خطواتهما سارعت الى الوعاء العميق  فالتقطت بخنصرها من أنف الفأر بقايا لقطرة دم اختلطت بالرماد نقرتها على أسفل فكها الأيسر وتسللت مثل القاتل المحترف إلى أسفل العمارة فترمي مخلفات المراسيم المثيرة من جثّة ٍقذرة ورماد في صندوق الأزبال.

كانت ترقد تلك الليلة بنوم عميق هادئ من دون أن تشعر بأيّ صداع!

***

قصي الشيخ عسكر

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5734 المصادف: 2022-05-18 01:20:27


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5784 المصادف: الخميس 07 - 07 - 2022م