 نصوص أدبية

محمد الورداشي: سجن الذات

محمد الورداشيلم ينم الليل كله: ظل مدة يتقلب على لوعة الألم ويتلظى من هجران النوم، كان وحيدا يداري خوفه المفاجئ، شيء ما حرك مشاعره الخفية فتركه ريشة في مهب رياح الشكوك والظنون، خبر ما ينتظره؛ لأن ما قرأه في ليله ظل مرتقبا في نهار. قرأ ألوانا مختلفة من المواضيع، وطالع كتابا مليئا بالرموز والجداول، وما إن استأسد به العطش حتى مد يده نحو الكأس الممتلئة، فانكسرت وارتعد في موضعه، التفت إلى يده متفرسا جروحها الغائرة، ومبهورا من قطرات الدم القانية التي استحالت فجأة إلى ماء، إلى خمرة حمراء معتقة، فأخذ يلعقها بلسانه في جنون حتى جف منبع الدم. غادر مكانه وئيدا، واتجه صوب المرحاض ليأخذ منديلا، فما وجد الحمام ولكنه ألفى سريرا مهترئا، أخذ يتحسسه بيده المرتعدة، ويعيد الكرة حتى أحس ألما خفيفا بين أصابعه؛ تحسسه بتؤدة وحذر، وفجأة امتلأت الأصابع شوكا مسننا، ذرفت عينه دمعة ساخنة لأيا انسابت على خذه، تذوق ملوحتها بطرف لسانه فألفاها علقما، بصق أرضا فانبعث بخار أبيض كثيف ملأ الغرفة الضيقة، انطلق صوب الكوة يفتحها فما وجدها، وإنما وجده يفتح علبة تحوي أشياءه القديمة، شذرات طفولته الممزقة. تملكه العياء وخرت قواه، ارتمى على الأرض الجرداء، ثم غط وجهه بكفيه وأخذ يفكر طويلا، ولما أزالهما اتسعت حدقتاه، وفعر فيه مندهشا: لم يكن يقرأ شيئا، ولا يملك بيتا وإنما كان مضغوطا في زنزانة ضيقة، لا جدران فيها ولا أبواب ولا قفل يحكم إغلاقه، زنزانة انفرادية لا يستطيع مغادرته؛ إذ كلما قرر الخروج اصطدم بجدار خفي لا يراه، وما إن يمد يده ليتحسس ما يحيط به حتى يرجع يده بسرعة، ويتألم من الشوك الذي يخرم أصابعه.. أغمض عينيه وجمع قوته، ثم وطنه نفسه على اختراق هذه الجدران والقيود الوهميتين، فاندفع بقوة كأنه سيل عارم، وبعد لأي، ألفى نفسه في خلاء فسيح، ولكنه مليء بلافتات مكتوب عليها: "مواطن من الدرجة الصفر".. تقدم في الخطو وتوغل في التيه، ثم وجد ورقة تضم رموزا يعرفها: "أنت سجين منذ فتحت عينيك على هذه البسيطة، وحريتك بيدك إن استطعت إليها سبيلا". وما إن قرأ الكلمات الأخيرة واستكشف دلالتها حتى تقوت عزيمته، وتوطدت رغبته في النجاة، في التحرر، في الخروج من التيه، فعاد يقرأ الكتاب بنهم شديد، ويفك رموزه وشفراته إلى أن وقف على شيء مهم: "كيما تتخلص من سجنك الأبدي، وقيودك الوهمية التي تكبلك، عليك بالتقدم في القراءة"، فضاعف من التصفح والتدبر. ظل على هذه الحياة ليلة كاملة، وما إن انبلج الصبح حتى استيقظ خفيفا كالريشة، تناول فطوره وشرع في تدوين حلمه الذي لم تبق منه إلا الشذرات المتفرقة، والرموز الملغومة بدلالاتها، وفي آخر الصفحة كتب بخط مضغوط: "التحرر من عبودية الإنسان الوهمية، ومن سجنه المدلهم يبدأ من القراءة وينتهي باستمرارها".

***

محمد الورداشي

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5752 المصادف: 2022-06-05 02:51:48


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5823 المصادف: الاثنين 15 - 08 - 2022م