 آراء

واشنطن وحفلة زفاف "الكلاب"

عذرا عن اختياري مثل هكذا عنوان، ولكن ما يحدث اليوم من حملة تشويه للحقائق والوقائع حول احداث مدينة " بوتشا " الأوكرانية وأتهام القوات الروسية فيها، ذكرتني بواحدة من النصائح التي قدمها لنا والدنا (رحمه الله) عندما كنا نسكن في جانب الرصافة من بغداد وبالتحديد في منطقة حي الطرق والجسور، والذي يسمى اليوم أذا لم تخني الذاكرة بحي الأدريسي، وكانت منطقة هي المهندسين المقابلة لها، والتي تمتد حتى الشارع الرئيس المقابل لوزارة النقل اليوم، عبارة عن صحراء جرداء، اشتهرت في حينه بوجود (الفطر والكمأ والخباز)، والتي كان يسيل لها لعابنا، فكانت نصائح والدنا، ضرورة الانتباه، والتركيز على عدم أنتشارنا فرادا في هذه المنطقة، لأنها تزغر بوجود (حاشاكم الله) بالكلاب السائبة، والتي عادة من ما تقوم بحفلة زفاف جماعية لأي شخص تراه مفردا، وذلك لقتله ونهش لحمه، بعد اجراء تقوس الزفاف عليه، تبدأ بإحاطته من كل الجهات، وعمل دائرة تكون الضحية في وسطها، وهم يركضون في نسق دائري بحيث تشتت الضحية عن التركيز، ويقومون بالتناوب بنهش لحمه من أماكن متفرقة من جسمه، حتى استسلامه وسقوطه وسط هذه الدائرة، لذلك كان الوالد يردد دائما إياكم وحفلة "زفاف الكلاب " لأنها خطرة جدا.

الولايات المتحدة وبريطانيا "وجرائها في الاتحاد الأوربي" الذين ومنذ بداية ازمتهم مع روسيا، في تنسيق دائم لهجماتهم الإعلامية وتصريحاتهم تجاه موسكو، واتهامها بالقيام "بمجزرة مفبركة " في مدينة بوتشا الأوكرانية، التي تركها الجيش الروسي بحسب وزارة الدفاع الروسية يوم الثلاثين من مارس الماضي، وان المجزرة " المزعومة " قد وقعت يوم الرابع من ابريل الجاري، كما لوحظ في الإدارة العسكرية، خلال الوقت الذي كانت فيه هذه القرية تحت سيطرة القوات المسلحة الروسية، أن أحدا من السكان لم يتعرض لأي أذى أو أي أعمال عنف، مشيرة إلى أن جميع الوحدات الروسية غادرت بوتشا بالكامل في 30 مارس، ولم يتم إغلاق مخارج المدينة في الاتجاه الشمالي، بينما قصفت القوات الأوكرانية، على مدار الساعة، الأطراف الجنوبية، بما في ذلك المناطق السكنية، من المدفعية الثقيلة للدبابات وأنظمة إطلاق صواريخ متعددة.

مقطع الفيديو الذي وزعته السلطات ووسائل الإعلام الأوكرانية يزعم أنه تم تصويره في مدينة بوتشا بمنطقة كييف، حيث ترقد جثث القتلى على الطريق، كان محل شك جميع المتخصصين والمستخدمين في مصداقية اتهامات كييف ضد موسكو،، أولا لأنه لم يكن هناك دماء بالقرب من الجثث على الأرض، وأن بعض القتلى كانوا يرتدون شارات بيضاء على أكمامهم، ويمكن أن يكونوا قد قتلوا على أيدي قوات الأمن الأوكرانية أو الدفاع الإقليمي، وكما لاحظ المستخدمون كذلك أن "الموتى" يحركون أيديهم، وعند النظر في مرآة الرؤية الخلفية لسيارة ملتقط الفيديو، يبدو أن أحد "الموتى" يغير موقعه بمجرد مرور السيارة، ومن بين علامات التزوير التي يحملها مقطع الفيديو المزور والصور المفبركة، ورصدها رواد مواقع التواصل الاجتماعي، أن المنازل في المشاهد المفبركة سليمة ولم تلحق بها أي اضرار.

والحالة هذه لابد وان نستذكر حفلة " زفاف الكلاب " التي نظمتها ذات الجهات ضد الحكومة السورية، واتهامها في استخدام الأسلحة الكيمياوية في منطقة خان شيخون، في تمثيلية مفضوحة ومكشوفة، نفذها جراء هذه " الكلاب " ممن يسمون بأصحاب " القبعات البيضاء"، والذين تبخرت أخبارهم اليوم ولم نعد نسمع عنهم شيئا، لأنهم أدوا أدوارهم المطلوبة بشكل كامل، وقد كشفت بعد ذلك، مواقع التصوير وادواتها واماكنها، وقد تم لملمة الامر، ونقل أصحاب الأدوار الرئيسية للجوء في حضائر الغرب كمكافأة لهم .

وعلى الرغم من أعلان وزارة الدفاع الأمريكية، بعدم إمكانيتها وبشكل مستقل تأكيد التقارير حول "ارتكاب القوات الروسية فظائع" مزعومة في مدينة بوتشا الأوكراني، وقول مسؤول كبير في البنتاغون "لا يمكننا تأكيد التقارير بشكل مستقل عن الفظائع في بوشا... لا يمكننا تأكيد ذلك بشكل مستقل"، إلا إن منظم " العرس " الرئيس الامريكي جو بايدن، أستبق الأمر حتى قبل تشكيل لجنة تحقيقية دولية لمعرفة صحة هذه الادعاءات، ومطالبة المؤسسات الدولية من السلطات الأوكرانية تزويدها بشهادات وفاة جميع الضحايا وبيان اسباب الوفاة، للتحقيق في صحة الاتهامات، عاد الرئيس الامريكي الى " عوييه " من جديد، وبعد اسبوع من سلسة " هذيانات "، ليطلق كلمات واوصاف جديدة على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين " بانه مجرم حرب " بعيدة كل البعد عن الاعراف الدبلوماسية والاخلاقية، ليؤكد يوما بعد يوم انه بحاجة لدعاء الرئيس بوتين " الله يعطيك الصحة " .

وكي تتكمل فقرات " العرس " فقد جدد الاتحاد الأوروبي وعواصم غربية التلويح بفرض حزمة عقوبات جديدة على موسكو بدعوى التطورات في بلدة بوتشا الأوكراني، فقد استبقت باريس وبرلين ولندن تشكيل لجان تحقيق لفحص الصور الواردة من هناك بإدانة موسكو، ما يحيي الشكوك بشأن التلاعب الغربي بملفات حقوق الإنسان في أزمات سابقة، وقالت وزيرة الخارجية الألمانية نالينا بيربوك عبر "تويتر" أن اللقطات من بوتشا "لا تحتمل"، مضيفة: ينبغي محاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب هذه، و "سنشدد عقوباتنا ضد روسيا وسنقدم المزيد من الدعم إلى أوكرانيا في المجال الدفاعي"، في حين أكد وزير المالية الألماني كريستيان ليندنر، على حسابه في "تويتر" أن برلين والشركاء سيشرعون في "مناقشة سبل تشديد العقوبات أكثر ضد (الرئيس الروسي فلاديمير بوتين)".

وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان بدوره، وفي بيان له أن المخالفات الجماعية في بوتشا، إذا ثبت حصولها، ترقى إلى مستوى جرائم حرب، متعهدا بـالعمل مع الشركاء والسلطات الأوكرانية والجهات الدولية المختصة، منها المحكمة الجنائية الدولية على ألا تمر هذه التصرفات دون عقاب وأن يمثل المسؤولون عنها أمام القضاء لمحاكمتهم، وشدد لودريان على ضرورة "مواصلة وزيادة الضغط على روسيا اقتصاديا ودوليا" بغية وضع حد للأعمال القتالية في أوكرانيا، في غضون ذلك، ذكرت وزيرة الخارجية البريطانية إليزابيث تراس في "تويتر" أن المملكة المتحدة تعمل مع دول أخرى على جمع أدلة ودعم تحقيق خاص بجرائم الحرب في الحادث المزعوم من قبل المحكمة الجنائية الدولية.

كما وهدد الاتحاد الأوروبي من جانبه بتشديد عقوباته ضد موسكو، على خلفية ذلك، وأعرب رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل، على حسابه في "تويتر" عن صدمته إزاء لقطات نشرتها السلطات ووسائل الإعلام الأوكرانية أمس، محملا الجيش الروسي المسؤولية عن "ارتكاب فظائع" في بوتشا، وشدد ميشيل على أن الاتحاد الأوروبي يساعد حكومة أوكرانيا ومنظمات غير حكومية في "جمع أدلة لازمة للجوء إلى محاكم دولية" على خلفية الحادث المزعوم، وتابع: "المزيد من العقوبات والدعم من قبل الاتحاد الأوروبي قادم"، في حين، دعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عبر "تويتر" إلى إجراء تحقيق مستقل في ما حصل بالمناطق الأوكرانية التي انسحبت منها القوات الروسية، و"ملاحقة المسؤولين عن ارتكاب جرائم حرب".

إذن كل هذه التصريحات والعقوبات التي تلتها،كنا متيقنين مبكرا بأننا أمام حفلة زفاف جديدة، و لكن روسيا وبصمودها أمام الهجمات الإعلامية الكبيرة والتي تستهدف " تشويه سمعتها " شبيهة بحملات " الخوذ البيضاء " في سوريا، تواجه وبإصرار هذه المحاولات، وكما قال الوزير سيرغي لافروف ستصر على "ألا تبقى جرائم القوات الأوكرانية التي تقودها الكتائب القومية بدون عواقب، وقال إن الفيديوهات التي نشرتها أوكرانيا حول بوتشا مسرحية هدفها تشويه سمعة روسيا، وان روسيا تعلم من ينصح أوكرانيا بتمديد العنف على الأرض، معربا في الوقت نفسه عن أمله في " أن يتمسك الوفد الأوكراني في المفاوضات بمصالح بلاده وشعبه وليس بمصالح دول أخرى" .

أما المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، وبسخريتها المعهودة، فقد علقت على دعوة الرئيس الأمريكي جو بايدن لتنظيم محكمة بشأن أوكرانيا، وكتبت زاخاروفا على قناتها في "تلغرام"، "يا لها من فكرة رائعة، لكن دعوهم يبدؤون من الغارات على يوغوسلافيا واحتلال العراق، ويمكن أيضا العثور على كبار المخرجين في تمثيليات سربرنيتسا (البلدة في البوسنة والهرسك، حيث قام عسكريون صرب في يوليو 1995 بقتل آلاف من مسلمي البوسنة، واستخدم الحادث من قبل الناتو لاحقا كذريعة لقصف يوغوسلافيا السابقة)، وبالطبع الإتجار بالأعضاء البشرية في كوسوفو تحت حماية المسؤولين الأمريكيين، وتابعت: "وبمجرد الانتهاء، دعهم يبدؤون التحقيق في قصف اليابان النووي.. اركض يا فورست اركض!" .

وان سمحت لنا السيدة زاخاروفا بإضافة جرائم أخرى ارتكبتها زمرة " أعراس الكلاب " أجلكم الله، وأستشهد بجريمة ضرب ملجأ العامرية للمدنيين ومقتل ما يقارب ال(450) طفلا وامرأة وكبار السن، الذي لجأوا الى هذا المكان الذي من المفترض أن يكون آمن، وكذلك جريمة ما يسمى " بطريق بغداد " عندما هاجموا القوات العراقية المنسحبة من الكويت بعد اتفاقهم مع قوات ما يسمى " قوت التحالف "، وابادوا القوات المنسحبة عن بكرة ابيها، في أكبر مجزرة عرفها التاريخ، ولا أريد أن أطيل، فإن جرائم أصحاب " حفلات زفاف الكلاب " كثيرة ومؤلمة، ولا ننسى أيضا وفاة اكثر من مليون طفل عراقي بسبب نقص الدواء والحليب والغذاء لهم بسبب الحصار الظالم الذي فرض على العراق، ولم يحرك ذلك عندهم قيد " شعرة".

المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة كشف عن أن روسيا ستقدم لمجلس الأمن الدولي قريبا "الوقائع" حول الأحداث في مدينة بوتشا الأوكرانية، مضيفا أن العسكريين الروس "لا علاقة لهم بهذا الاستفزاز"، وقال المندوب الروسي فاسيلي نيبينزيا، إنه ومنذ البداية كان من الواضح أنه ليس إلا استفزازا مخططا له، يهدف إلى تشويه سمعة العسكريين الروس وتجريدهم من الصفات الإنسانية وممارسة الضغط السياسي على روسيا"، وأضاف أن العسكريين الروس "لا علاقة لهم بالفظائع التي ارتكبت بحق السكان المدنيين... ولدينا أدلة تؤكد هذا الموقف، ونحن نعتزم تقديمها لمجلس الأمن بأسرع ما يمكن"، متهما بريطانيا بـ "خلق ذريعة كاذبة لعدم عقد هذا الاجتماع الاثنين الماضي، وأنه "لم تكن هناك أي آثار لأي فظائع خلال 4 أيام منذ مغادرة العسكريين الروس لبوتشا.

أن أهداف وغايات الأخبار الملفقة في بوتشا الأوكرانية، وكما كشفها الضابط الأوكراني السابق في جهاز الأمن الأوكراني فاسيلي برازوروف تتمثل في ان هناك غايات متعددة من وراء الأخبار الملفقة، وانها استهدفت فئات مختلفة، فعلى سبيل المثال، أول فئة مستهدفة هي المدنيون في أوكرانيا، الذين تسيطر عليهم كييف، ويجب توليد مشاعر الكراهية نحو الجيش الروسي حتى لا يفكر الناس في أي نوع من العلاقات الأخوية، كما ان الفئة المستهدفة الأخرى هي المدنيين في الدول الغربية، والفئة المستهدفة الأخرى هي قيادة الدول الغربية، في الدول الغربية، تتمثل المهمة في تكوين رأي عام يكون الجميع إلى جانب أوكرانيا وضد روسيا بشكل لا لبس فيه، وانه بالنسبة لقيادة الدول الغربية، فإن الهدف مختلف: فهم بحاجة إلى سبب لكي يقدموا أقصى درجات الدعم للسلطات الأوكرانية .

التصريحات الغربية التي صدرت على الفور، وقبل دراسة تفصيلية لهذا الوضع، تؤكد أن التصريحات استندت فقط على مقطع فيديو لا تتجاوز مدته الدقيقة الواحدة، بالإضافة إلى بعض الصور، كما ان التصريحات الغربية حول الوضع في بلدة بوتشا الأوكرانية وسرعة انتشارها لا تترك مجالا للشك بمن يقف وراء هذه القصة، وان مغزى الجريمة الجديدة لكييف كما تراها المتحدثة باسم الخارجية الروسية " هو تعطيل مفاوضات السلام وتصعيد العنف"، وتشير الدلائل إلى أن مدينة "بوتشا" الأوكرانية ستدخل التاريخ السياسي والحربي العالمي من باب الخدع الكبرى في الحروب، وقد تصبح مثالا ساطعا عن المدى الذي يصل إليه تزوير الحقائق، والصورة الحقيقية وكما يراها الصحفي والمعلق الأمريكي مايكل تريسي، حين أكد على حسابه في "تويتر" أن مواد الفيديو حول مدينة "بوتشا" بمقاطعة كييف التي روجت لها السلطات الأوكرانية، تهدف إلى دفع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي إلى المشاركة في الأعمال العسكرية في أوكرانيا.

***

بقلم الدكتور كريم المظفر 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5695 المصادف: 2022-04-09 07:41:30


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5822 المصادف: الاحد 14 - 08 - 2022م