 آراء

قلعة آزوفستال.. لماذا يصر بوتن علي عدم اقتحامها عسكريا؟

محمود محمد عليتمثل قلعة آزوفستال قلعة الرعب أو سرداب الجحيم، أو كنز الأسرار، وهي تقع في مدينة ماريوبول الأوكرانية، وهي عبارة عن قاعدة عسكرية، وصناعية ضخمة تحت الأرض، وتمتد أكثر 12 كم على ساحل بحر أزوف ويوجد معظم مبانيها شديدة التحصين تحت الأرض لأكثر من 10 طوابق وبعمق يتجاوز 30 متر، وهذه القلعة تمثل آخر جيب لكتبة آزوفستال النازية وذلك بعد سقوطها في يد الجيش الروسي، ويتحصن بها حوالى 200 مقاتل تحت الأرض .

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتن قد أمر الجيش الروسي بألا يقتحم القلعة ورفض فكرة قذقها بالطيران أو الصواريخ، وهنا نتساءل: لماذا أمر بوتن الجيش الروسي ألا يقتحم قلعة آزوفستال؟.. وما هي حكاية وأسرار تلك القلعة الغريبة؟ .. وماذا يتوقع المراقبون أن يعثر بداخلها؟ .. ومن هي كتيبة آزوفستال التي تتحصن في القلعة؟

وللإجابة على ذلك نقول: قام الاتحاد السوفيتي ببناء قلعة آزوفستال عام 1930 حينما كانت أوكرانيا جزءً من روسيا، وهي عبارة عن قلعة خراسانية بالغة الضخامة، حيث تمتد على مساحة 12 كم على طول الواجهة البحرية لمدينة ماريوبول، وهي تضم عدد كبير من المباني تحت الأرض المقاومة للقنابل النووية والانفجار، ويصل عمقها إلى حوال 30 متر حيث تصل عدد الطوابق أسفل الأرض في بعض المناطق إلى 10 أدوار، كما أنه يوجد ميناء شحن خاص بها، إضافة إلى قناة تصل بينها وبين ميناء " ماريوبول"، ومنظمة مركبة ومتداخلة من المرافق الجوفية، فضلا عن ملجأ يمتد على عمق 10 أمتار تحت الأرض، وكانت الواجهة التي استخدمها الاتحاد السوفيتي لهذه القلعة الضخمة هي مصانع للحديد والصلب .

ورغم تلك السمعة الأسطورية، إلا أن الألمان عبر خيانة من القوميين الأوكرانيين ، وانحيازهم لبرلين قد نجحوا في السيطرة على قلعة آزوفستال، ولكن الروسي قاموا بتحريرها وباقي أوكرانيا من ألمانيا عام 1944، ومصانع الحديد والصلب بتلك القلعة هي التي بنت قاطرات الاتحاد السوفيتي وقامت على أكتافها صناعة السيارات السوفيتية ؛ إضافة إلى القنابل الجوية المتطورة، والتي تميز بها الاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية.

وعقب استقلال أوكرانيا عن روسيا عام 1991 تمت خصخصة قلعة آزوفستال في أكبر عملية إهدار للأمن القومي في تاريخ الجمهوريات السوفيتية السابقة، حيث تم بيع هذه المنشأة العسكرية الضخمة على اعتبار مصنع للحديد والصلب، وبالطبع فإن من سيطر عليها حتى اليوم هو رجل أعمال مواليا للغرب، وهو يمثل واجهة لهيمنة وسيطرة الغرب على القلعة السوفيتية .

وبعد ذلك تم فتح القلعة لعناصر من المخابرات الأمريكية، والبريطانية، والألمانية، علاوة على أنه قد استوطنها الأمريكيون، والنازيون الجدد، وكتائب آزوف النازية حتى أصحبت حصنا منيعا لهم، وكتائب آزوف هي وحدة يمنية متطرفة من الحرس الوطني الأوكراني، ومقرها كما قلنا مدينة ماريوبول على ساحل بحر آزوف، وتشكلت في البداية كميلشيات متطوعة في مايو 2014 لمحاربة الانفصاليين المتحدثين بالروسية شرق أوكرانيا المدعومين من موسكو، حيث قاتلت ضمن عديد من كتائب المتطوعين في صفوف الجيش الأوكراني. لكن بروز قوة هذه الكتيبة أثار وقتها قلقاً متزايداً لدى الدول الغربية، إذ نشرت صحيفة الغارديان البريطانية في 10 سبتمبر (أيلول) 2014، تحقيقاً ومقابلات مع أعضاء من الكتيبة يثير القلق بشأن الميول المتطرفة لأعضائها الذين ينتمي بعضهم للنازيين الجدد، على الرغم من أنها ربما تكون القوة الأوكرانية الأقوى والأكثر موثوقية في ساحة المعركة ضد الانفصاليين، ما جعل الصحيفة البريطانية تصف الكتيبة بأنها التهديد الأكبر لكييف.

ولفتت "الغارديان"، وقتها، إلى أن شعار الكتيبة المكون من حرفي "أن" و"آي"، وهو اختصار لشعار "الفكرة الوطنية"، يشبه في كتابته شعار النازية "ولفسانجيل"، وانفصل الجناحان السياسي والعسكري لـ"آزوف" عام 2016، عندما تأسس حزب "الفيلق الوطني" اليميني المتطرف كجناح سياسي، وجرى دمج كتيبة "آزوف" في الحرس الوطني الأوكراني منذ ذلك الحين. وتقول شبكة "سي أن أن" الأميركية، إن الكتيبة تتمتع بتاريخ من الميول النازية الجديدة، التي لم يتم إخمادها بالكامل من خلال اندماجها في الجيش الأوكراني.

وتضيف "سي أن أن"، أن كتيبة آزوف ارتبطت بالعنصريين البيض والأيديولوجية النازية الجديدة وشاراتها، وكانت نشطة بشكل خاص في ماريوبول والمناطق المحيطة في عامي 2014 و2015، حيث سجلت فرق المراسلين التابعة للشبكة الأميركية في المنطقة، في ذلك الوقت، تبني "آزوف" لشعارات وأدوات النازيين الجدد.

وقد دعت وزارة الدفاع الروسية، كتائب (آزوف) الأوكرانية في ماريوبول إلى إلقاء السلاح والاستسلام وفق نظام تهدئة، وأنه بالنظر إلى الوضع الكارثي في مصنع آزوف ستال للمعادن، بالإضافة إلى الاسترشاد بالمبادئ الإنسانية البحتة، تدعو القوات المسلحة الروسية مرة أخرى مقاتلي الكتائب القومية والمرتزقة الأجانب من الساعة 12:00 بتوقيت موسكو وقف أي أعمال عدائية والاستسلام وإلقاء أسلحتهم، ونشرت الوزارة، بحسب شبكة (روسيا اليوم) الإخبارية، آلية تنفيذ خروج المسلحين، تتضمن إنشاء اتصال مستمر بين الجانبين الروسي والأوكراني من أجل تبادل المعلومات وإعلان "نظام تهدئة " بين مقاتلي الكتائب والمرتزقة الأجانب وبين القوات المسلحة الروسية وقوات دونيتسك الشعبية والتقيد الصارم من كلا الطرفين.

وأضاف البيان: "ندعو مجددا السلطات الرسمية في كييف إلى التحلي بالحكمة وإعطاء التعليمات المناسبة للمسلحين حول وقف المقاومة العبثية والخروج، ونحث هؤلاء المسلحين على اتخاذ مثل هذا القرار بأنفسهم وإلقاء أسلحتهم".

يأتي ذلك مع بدء عملية من قبل القوات الروسية لاقتحام مصنع آزوف ستال بماريوبول، حيث تتحصن بداخله كتائب أزوف وغيرهم من المسلحين، وعلى صعيد متصل، أعلن المتحدث باسم الشرطة الشعبية في إقليم (دونيتسك) إدوارد باسورين بدء اقتحام مصنع أزوف ستال للمعادن في مدينة ماريوبول .

وبالنسبة لبوتين، الذي زعم أن حكومة أوكرانيا يديرها "مدمنون على المخدرات ونازيون جدد"، فإن "آزوف" تمثل هدفاً واضحاً. وطالما قالت موسكو إن للكتيبة دوراً كبيراً في الصراع، متهمة إياها بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان. وفي 7 مارس الماضي، ألقى سفير روسيا لدى الأمم المتحدة باللوم على "آزوف" لإغلاق ممر إنساني لإجلاء المدنيين في مدينة ماريوبول الساحلية المحاصرة، قائلاً إنهم يستخدمون "المواطنين دروعاً بشرية".

ومع إنزال الستار على معركة ماريوبول، باستثناء المصنع المحاصر، وهو مجرد تفصيل ومسألة استسلام الداخل هو نتيجة مفروضة، وستستمر المرحلة الثانية من هذه الحرب نحو تحرير جميع مناطق دونباس في جمهوريتي لوغانسك ودونيتسك، ثم تنتقل إلى المرحلة الثالثة لتحقيق الأهداف السياسية للعملية، وهو اقتلاع النازيين الجدد من الجيش والقوة الأوكرانيين، وضمان عدم انضمام كييف إلى الناتو وضمان حيادها بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، كما تطالب موسكو.

إن استكمال معركة ماريوبول يعطي بلا شك القوات الروسية وقواتها المتحالفة في دونيتسك ولوهانسك دفعة أخلاقية قوية نحو استكمال مهمتها بالكامل في أوكرانيا، بالإضافة إلى أن ماريوبول يفتح الطريق. لطريق بري يربط روسيا بدونيتسك، وصولاً إلى شبه الجزيرة. القرم وهذا يوفر فرصة للسيطرة الروسية الكاملة والنهائية على بحر آزوف، الذي له أهمية تجارية وعسكرية قصوى.

علاوة على أن السيطرة على ماريوبول قد تكون أهم حدث لروسيا خلال هذه الحرب، التي استمرت أكثر مما يفترض، بالنظر إلى عدم التناسق العسكري بين موسكو وكييف. وهكذا، من خلال هذه الخطوة، ستكون روسيا قد حققت هدف عزل أوكرانيا عن البحر الأسود والسيطرة على معظم الموانئ، وربط شبه جزيرة القرم بماريوبول، ومن ثم تموضع نفسها للسيطرة على منطقة دونباس ككل. لذلك، فإن السيطرة على ماريوبول هي أحد أهم أهداف روسيا على المستوى التشغيلي في أوكرانيا.

وروسيا بلا شك ستعمل بالطبع على تسويق سيطرتها على المدينة على أنه إنجاز كبير ومهم للغاية، والقول إن طول الحرب لم يكن تعبيرا عن تعثر روسي أو تردد في الأوكرانية. وأن موسكو الآن تجني ثمار حربها وهذا ما تحرص على تأكيده في اليوم السابق وهو التاسع من مايو المقبل، المتعلق بانتصارها في الحرب العالمية الثانية، وهذا يقودنا إلى استنتاج أن روسيا بحاجة إلى تسويق مكثف من أجل سيطرتها على ماريوبول والمبالغة في دلالاتها، تعويضًا عن الحرب التي طال أمدها لأننا على وشك الوصول إليها خلال الشهر الثالث.

***

د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..........................

المراجع:

1- أنظر مقال بعنوان: لغز “قلعة” آزوفستال.. لماذا أحجم “الدب الروسي” عن اقتحامها؟، أنستا عربي، الجمعة, أبريل 29 2022.

2- قلعة الرعب في باطن الأرض.. لماذا أمر بوتين عدم اقتحامها أو قصفها؟ ومن هي كتيبة أزوف التي تتحصن بها؟!، يوتيوب.

3- انجي مجدي: ما هي كتيبة "آزوف" ذات الشعار النازي الذي أحرج الناتو؟، الاندبندنت عربي، الجمعة 8 أبريل 2022 16:37

4- أ.ش.أ: الدفاع الروسية تدعو المسلحين بمصنع "أزوف" فى ماريوبول إلى إلقاء أسلحتهمن، اليوم السابع، الثلاثاء، 19 أبريل 2022 01:12 م.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5716 المصادف: 2022-04-30 02:08:49


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5774 المصادف: الاثنين 27 - 06 - 2022م