 آراء

التسامح وقضايا تجديد المشروع الوطني

محمد محفوظمقدمة: عديدة هي التطورات والتحولات التي تشهدها  المنطقة، في هذه اللحظة التاريخية الهامة والحساسة، والتي تثير الأسئلة والهواجس على أكثر من صعيد. وذلك لأن بعض هذه التطورات أشبه ما تكون بالانهيارات السياسية والاجتماعية الضخمة، التي تنقل بلدانا ومجتمعات من حالة لأخرى سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. فما يجري اليوم في العراق من أحداث وفتن وقتل يومي لأسباب متفاوتة، هي صورة إلى تلك الانهيارات المجتمعية التي نشير إليها.

وكأن المنطقة بأسرها بين خيارين: إما استمرار حالة الاستبداد والديكتاتورية السياسية، التي تسيطر على كل المقاليد والأمور، وتلغي حركة المجتمع بكل عناوينه ويافطاته، أو الدخول في نفق الفوضى والفتن الطائفية والقومية وما أشبه ذلك. وهي فضاء مفتوح للقتل والتدمير والحروب المفتوحة التي تدمر كل شيء في الدولة والمجتمع .

لذلك من الضروري في هذا السياق القول: أن خيار الاستبداد والاستئثار والاستفراد بالقرار والقدرات، هو الذي أوصل العراق إلى ما وصل إليه اليوم. فالاحتلال الأجنبي للعراق، هو نتاج ووليد حالة الديكتاتورية المتغولة والسائدة في العراق على كل المستويات. لأن هذه الحالة ساوت بين استمرارها وبين العراق دولة وحرية واستقلالا. فكانت النتيجة سقوط الديكتاتور، واحتلال العراق، ودخول الشعب العراقي بكل فئاته وشرائحه في فتن وحروب عبثية لا زال الشعب العراقي المظلوم يدفع ثمنها ويرزح تحت أعبائها المختلفة.

فحينما تكون المعادلة إما استمرار المستبد والاستبداد أو الفوضى وبروز كل التناقضات الاجتماعية. حينذاك ندرك أن هذه الانهيارات لا يمكن إيقاف زحفها، إلا بصياغة معادلة جديدة في طبيعة العلاقة بين مختلف مكونات وتعبيرات المجتمع والوطن الواحد.

فكل القوى والمكونات تحمل طموحات وتطلعات، وكلها وبنسب متفاوتة بطبيعة الحال غير راضية على السائد وتتوسل بوسائل عديدة لنيل حقوقها الواقعية أو المفترضة والوصول إلى أهدافها.

ولكن ومن خلال التجارب السياسية والثقافية العديدة والماثلة أمامنا، نستطيع القول: أن أوطاننا كلها لا تتحمل كل أهداف وغايات وطموحات كل مكوناتها وقواها الاجتماعية والسياسية. والعراق كنموذج على ذلك، لا يمكنه أن يتحمل طموحات وأهداف كل أبناءه ومكوناته. وإن إصرار كل طرف على أقصى غاياته وأهدافه، يعني على الصعيد الفعلي الانخراط في حروب التصفية المادية والمعنوية. واستخدام القوة العارية والوحشية في هذا الإطار، يعني أن غايات وأهداف ومصالح مستخدم القوة، لا يمكن الوصول إليها بالوسائل السلمية والديمقراطية، فيتوسل بالقوة الغاشمة، ظنا منه أن هذه الوسيلة ستوصله إلى غاياته.

ولكن علمتنا التجارب أن هذه الوسيلة لا توصل أي طرف إلى أهدافه، ولا تصون استقرار أي بلد ومجتمع. وإنما على العكس من ذلك تماما، فحروب التهجير والتصفية الطائفية والقومية، تعمق التناقضات، وتهدم كل جسور التواصل والثقة، ولا توصل إلى الأمن والاستقرار.

من هنا فإننا وفي كل مجتمعاتنا وأوطاننا، بحاجة إلى بلورة خيار آخر، تشترك جميع الشرائح والفئات في إنضاجه وبلورته على الصعيد الاجتماعي والثقافي والسياسي. فأوطاننا ليست مزرعة خاصة بأحد، وإنما هي لجميع المواطنين بصرف النظر عن أصولهم ومعتقداتهم وأفكارهم. ومجتمعاتنا لا يمكن أن تدار بالهيمنة المطلقة للون واحد على حساب بقية الألوان أو لطيف واحد على حساب بقية الأطياف، وإنما تدار بعقلية المشاركة التي تحتضن كل الأطياف، وتنظم اختلافاتهم وتبايناتهم بوسائل حضارية، تصون أمن الجميع، وتحافظ على مكاسب واستقرار الجميع.

لهذا كله فإننا أحوج ما نكون في هذه اللحظة التاريخية إلى نبذ ثقافة التطرف بكل اتجاهاتها، وتعميق ثقافة التسامح ومقتضيات العيش المشترك. ولعلنا لا نبالغ حين القول: أن هذه الثقافة هي أمضى الأسلحة وأقواها للحفاظ على الأمن والاستقرار.

وفي سياق العمل على بلورة خيار التسامح والاعتدال في الفضاء الاجتماعي والوطني، من الضروري التطرق إلى العناوين الفرعية التالية:

أولا: ضـــد الـتــطـرف:

ثمة مفارقات عديدة، يشهدها الواقع الدولي بكل مستوياته وحقوله.. حيث التطورات العلمية والتكنولوجية المذهلة، والتي أنهت الكثير من المشكلات، وألغت الفواصل الجوهرية بين الزمان والمكان، ووفرت إمكانات نوعية للإنسان على مختلف الصعد. ولكن في مقابل هذا التطور العلمي المذهل والمتسارع، تبرز على السطح وفي الواقع الدولي برمته مشكلة وأزمة التطرف والإرهاب، حيث عمليات القتل والتدمير على أسس الهوية أو الانتماء الأيدلوجي أو العرقي أو القومي أو ما أشبه.

حيث أننا نرى في هذا العالم، تطورت عملية يومية، وتتقدم بمتواليات هندسية، كما نشهد حركة تطرف وتعصب تجتاح مناطق العالم، وتهدد استقرار وأمن الإنسانية كلها. حيث أن الكثير من الصراعات والمواجهات العسكرية والسياسية والاقتصادية، هي في أحد أبعادها من جراء هذه الظاهرة التي أضحت اليوم تهدد واقع السلم والتعايش الإنساني.

لذلك فإننا نقف ضد التطرف الذي يمارس الإرهاب والقتل والتصفية المعنوية والمادية ضد الآخرين من أي جهة صدر، أو تحت أي يافطة تم القيام به. فالتطرف والإرهاب من الجرائم الكبرى التي تتعرض إليها اليوم العديد من الأمم والشعوب.

وإن كل الشرائح السماوية والمواثيق الإنسانية، تقف موقفا سلبيا من هذه الظاهرة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقبل بخيار العنف والتطرف والإرهاب لإنجاز أهدافها ونيل حقوقها. وذلك لأنها ظاهرة ضد الحياة والإنسان، ولا تنسجم ومبادئ الشرائع السماوية والمواثيق الإنسانية. كما أنها ليست علاجا لأي مشكلة، بل على العكس من ذلك تماما، حيث أن التطرف والإرهاب يفاقم المشكلات ويزيد من الإرباك والتدهور. لذلك فإننا على المستوى المبدئي والأخلاقي والسياسي، نقف ضد ظاهرة التطرف والإرهاب، وتعتبر هذه الظاهرة من المخاطر الجدية التي تواجه راهننا، وتهدد الكثير من منجزاتنا واستقرارنا. ودائماً التطرف في كلا الاتجاهين (الحب والبغض)، يصادر الحقيقة، ويشرع للإقصاء والاستبداد.. هذا تطرف يدعي لصاحبه من حيث يشعر أو لا يشعر أنه الناطق الأوحد باسم القيم والدين.

فالتطرف يحرم الناس المشاركة في صنع الحقيقة والمعرفة، ويصادر منهم الحق في الاختلاف.

له وحده (المتطرف) الحق في أن يخالفهم، وليس لهم أي حق في إبداء رأي مخالف له. فليس من حق أحد (كما يعبر الأستاذ فهمي هويدي) أن يقف أمام الملأ ويقول: أنا الإسلام! ليس من حق أحد أن يتحصن بكتاب الله، ثم يعلن علينا من ورائه أن من نصره وأيده فقد دخل في زمرة المؤمنين الصالحين، ومن خذله أو عارضه فقد خرج على كتاب الله، وصار من أعداء الله المارقين!، ليس من حق أحد أن يزعم بأنه يتمتع بحصانة إسلامية خصته بها السماء من دون كل المسلمين، فرفعته فوق كل الرؤوس، ونزهته عن النقد والسؤال، وأحاطته بسياج من العصمة والقداسة.

إن التطرف يؤدي بصاحبه إلى الشدة، وتستولي عليه روح الضيق بالمخالفين، ويسارع إلى اتهامهم في أفكارهم ونياتهم وأخذهم بالشبهة وسوء الظن. وحين يسود التطرف تستباح الحقيقة، ويزيف الواقع، وتنتهك السمعة والكرامة، ويرجم أصحاب الرأي المخالف.

لأن التطرف في العلاقات الإنسانية يجعل صاحبه منفصلا بشكل دائم عن الذات ومبررا لكل ما يصدر عنها، منتقدا غيره متهما إياه جارحا لكل ما يصدر عنه. وادعاء اليقين والإمساك بالحق والحقيقة، لا يبرران بأي حال من الأحوال، فرض قناعاتك ويقينك على الآخرين. إن الإنسان لا يمتلك تجاه يقينه وقناعاته إلا الدعوة لها والتبشير بها، ولكن بدون افتئات وتعسف. فالالتزام الأيدلوجي ليس مبررا حقيقيا لممارسة القهر والاضطهاد والقوة تجاه الآخرين والمغايرين.

فالتطرف لا يقود إلى نتائج إيجابية على الصعيدين الفردي والجماعي. ولم يسجل لنا التاريخ تجربة تمكن التطرف أن يوصل صاحبه إلى الغاية المنشودة. بل إننا نمتلك العديد من النماذج التاريخية المعاكسة، حيث أن التطرف فاقم من الأزمات والمشكلات، وأدى إلى استفحال الأوضاع سوءًا. فالتطرف وإن استطاع في بعض النماذج والأماكن، أن يحقق بعض المكاسب المرحلية، إلا أنه سرعان ما تحولت هذه المكاسب إلى هزيمة وانتكاسة استراتيجية.

فالإصلاح والتطوير في الواقع الاجتماعي والإنساني، لا يتحقق عبر العنف والتطرف والإرهاب. بل على العكس من ذلك، حيث أن الإرهاب يساهم بشكل أو بآخر في قضم مكاسب الراهن بدل أن يضيف لها. فلا يكفي إذن أن نلعن التطرف، ونبين مساوئه، وإنما من المهم أن نعمق في نفوسنا ومحيطنا الاجتماعي وفضائنا الثقافي أسس وحقائق الاعتدال والتسامح. وذلك لأن بعضاً من الناس الذين يلعنون التطرف هم يمارسونه في دوائرهم المتعددة، وذلك لأن حقائق الاعتدال والتسامح لم تتمكن من نفوسهم، ولم تكن جزءا من نسيجهم الثقافي والاجتماعي.

فالمعتزلة في التاريخ كانوا أصحاب نظر عقلي، وقد حاولوا إقامة معارفهم وأفكارهم على أسس عقلية، لكنهم حينما استلموا الأمور، انقلبوا إلى أناس متشددين متطرفين، فسجنوا من لم يؤمن بخلق القرآن كالإمام أحمد بن حنبل، وعذبوه، وعرّفوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأن من واجبهم قهر كافة المسلمين بقوة السيف، والإكراه على الإيمان بأصول الاعتزال الخمسة، لذلك فإن العبرة بالممارسة والسلوك العملي الخاص والعام.

وبدون تزكية النفس وبناء حقائق الاعتدال والتسامح، لن نتمكن من التخلص من ربقة التطرف وآسار الإرهاب. والاحترام العميق للآخر وجودا ورأياً، هو أحد المعايير الأساسية لعملية التخلص من ربقة التطرف ومتوالياته النفسية والسلوكية.

وإذا كنت جازما من قناعاتك، فإن طريقك لدعوة الآخرين إليها، هو التسامح واحترام حريات الآخرين.

وليس ممارسة الفرض والتطرف تجاههم. وذلك لأن التطرف ينفر الناس ويبعدهم عن قناعاتك وأفكارك. والتسامح واحترام الآخرين، يقربهم إليك، ويوفر مناخا نفسيا واجتماعيا لاكتشاف إيجابيات أفكارك وآفاقها الإنسانية.

فالتعدد والتنوع والاجتهادات المتواصلة، هو الذي يمكننا من إدراك عمق الأشياء، ويخرجنا جميعا من الرؤية النمطية والجامدة للذات والآخر.

وهنا من الضروري أن نوضح حقيقة أساسية وهي: أن التسامح لا يعني بأي حال من الأحوال التفلت من القيم أو الميوعة في الالتزام بمقتضياتها، وإنما يعني أننا في مقام العمل والتطبيق في الحياة، نرى في رؤية الآخرين تتميما وتعميقا لرؤية الذات وقناعاتها. وبذلك نتجاوز حالة ادعاء امتلاك واحتكار الحقيقة، كما لا نمارس تجاه الآخر أي عملية إقصائية. بل إننا نرى ذاتنا في مرآة الآخر، ولا يمكن فهم الذات بشكل عميق إلا من خلال فهم الآخر وإدراك أفكاره وقناعاته، وبالتالي فلا بديل أمامنا إلا التسامح تجاه بعضنا البعض وتنمية أنماط التواصل والتعايش فيما بين المجموعات البشرية.

وعلى هدى هذا نقول: إن التطرف الفكري والغلو الأيدلوجي، يناقض في ذاته ومتوالياته حقيقة الذات والتحامها بالآخر. لذلك فإننا نرفض هذه المظاهر، ونعتبرها من الظواهر الشاذة، والتي تعبر عن خلل نظري أو واقعي أدى إلى تبني هذه الخيارات العنفية والمتطرفة، والتي لا تفضي إلا إلى المزيد من الانحدار والتراجع والانهيار.

وإننا وحتى ننسجم ومتطلبات قيمنا، ونصل إلى تطلعاتنا وأهدافنا المشروعة، بحاجة إلى الالتزام بمقتضيات الوسطية والاعتدال، والتي تنبذ التشدد والغلو كما لا تخضع لحالات الجهود والترهل والكسل الفكري والاجتماعي.

فالدعوة إلى الإسلام، لا يمكن أن تكون عبر إلغاء قيمة في العدالة والوسطية. وإنما عبر الالتزام الخاص والعام بقيم الإسلام ومثله العليا.

والإسلام في كل أحواله وأوضاعه، لم يشرع للإنسان قتل الأبرياء والنساء والأطفال باسم الدين. وذلك لأن نفس الإنسان مصانة ومعصومة، ولا يجوز التعدي عليها تحت أي مبرر كان.

لذلك فإن الخطوة الأولى في مشروع نقد التطرف وتجاوز مخاطره، هو مواجهة النزعة الآحادية - الإقصائية، وذلك عبر إرساء معالم حياة ثقافية - اجتماعية تهتم باكتشاف الآخر، ومعرفة أفكاره ومقولاته بعيداً عن المسبقات الأيدلوجية والفكرية.

ولنتذكر جميعاً، أن صدر الإسلام يتسع لاختلاف الآراء والاجتهادات، فلا نضيقه بأهوائنا ونوازعنا الذاتية السيئة. فلابد لنا أن ندير اختلافاتنا بصفاء قلب وعفة لسان وحرص متبادل على صون الكرامات وحفظ المودات، وأن نبتعد عن قوارص الكلم وفنون التجريح والتشهير والإسقاط وكل ما يسبب ويؤدي إلى شحن النفوس بالضغينة والبغضاء.

ثانيا: العراق ووحدتنا الوطنية:

ثمة إشكاليات وتحديات كبرى يثيرها الحدث العراقي، ويدفع بها إلى الواجهة طبيعة الأحداث الدامية التي تجري في العراق بشكل يومي.. ولعل من أهم هذه الإشكاليات والتحديات، هي المرتبطة بمسألة الوحدة الوطنية.. فلماذا بعد عقود طويلة من تأسيس الدولة الحديثة في العراق، تهدد هذه الأحداث وحدته وتلاحمه الداخلي.. فهل كانت وحدته هشة، بحيث انه مع أي حدث سياسي أو عسكري تبرز إلى الواجهة مخاطر التقسيم، وتنبري قوى دينية وسياسية واجتماعية للتحذير من هذه المخاطر وتؤكد على ثوابت الوحدة والتلاحم الوطني.

إننا اليوم بحاجة أن نتساءل وبشكل صريح ولا مواربة فيه. لماذا وبعد كل هذه السنين، لم تترسخ الوحدة الوطنية في الكثير من الدول والبلدان العربية والإسلامية. ولماذا يهدد العراق في وحدته، وهو دولة عربية مركزية وله ثقله الاستراتيجي والتاريخي، وهو أحد أعمدة التجربة القومية في العالم العربي في العصر الحديث..

إننا جميعاً معنيون بإثارة هذه الأسئلة، والبحث عن إجابات دقيقة وصريحة لهذه الأسئلة، وممارسة النقد المطلوب لكل التجارب السياسية، التي لم تثبت بشكل أو بآخر وحدتها الوطنية، ولم تعمق وتجذر عوامل الائتلاف الوطني..

لاشك أن أعداء الأمة من مصلحتهم تفتيت مجتمعاتنا وتدمير وحدتنا الوطنية، ولكن من الخطأ المميت أن نحمل أعداء الأمة كل الثغرات ونقاط الضعف في مشروع البناء الداخلي للكثير من تجاربنا ودولنا.. لذلك وانطلاقاً من طبيعة الأحداث والتطورات الموجودة في العراق، من الضروري أن نعتني بمسائل الوحدة الوطنية، ونعمل عبر وسائل ومبادرات متعددة لتحصين الجبهة الداخلية لمجتمعاتنا العربية والإسلامية..

وهذا التحصين لا يعني الإصرار على تلك الأخطاء السياسية والثقافية التي كانت تمارس باسم الوحدة، وهي في حقيقة الأمر تنتج كل أشكال وحقائق التفتت والتشظي.. فمجتمعاتنا ليست واحدة في قوميتها أو دينها أو مذهبها، ولا يمكن أن يكون معنى الوحدة هو نفي بعض القوميات أو الأديان أو المذاهب. فكيف نخلق وحدة وطنية في ظل هذه التعدديات والتنوعات..

فكل التعدديات في العراق، تعتز بعراقها، ولها رؤيتها للوحدة الوطنية في العراق.. ولعل من الأخطاء الكبرى التي ارتكبت في العراق ولسنين طويلة، هو ممارسة القهر والاستبداد والقمع لتعميم رؤية واحدة وضيقة للوحدة في العراق.. ولقد رأينا جميعاً نتيجة هذه الرؤية وهذا الخيار، حيث أن العراق اليوم مهدد في وحدته وتلاحمه الوطني.. والحل ليس في استبداد الدولة وتغولها، لأن هذا الاستبداد والتغول ومفاعيلهما، هو الذي ينتج بشكل دائم الحقائق المضادة للوحدة بكل مستوياتها.

من هنا تنبع ضرورة العمل على صوغ علاقة ثقافية وسياسية بين مختلف المدارس والتعدديات الفكرية والقومية والمذهبية الموجودة في المجتمع والوطن.. ولعلنا لا نأتي بجديد حين القول: أن التعدد بكل مستوياته وأشكاله في الوطن الواحد ينبغي أن لا يشرع بأي حال من الأحوال إلى ممارسة الطائفية أو العنصرية ضد بعضنا البعض، بحيث يكون الانتماء القومي أو المذهبي، هو الذي يحدد مستقبل المواطن..

فالممارسات الطائفية أو العنصرية في أي تجربة اجتماعية، هي التي تدق إسفيناً عميقاً في مشروع البناء الوطني، حيث أنها تساهم مساهمة كبرى في تفتيت المجتمع وخلق الإحن والأحقاد بين أبناء الوطن الواحد. لذلك فإن فريضة الوحدة الاجتماعية والوطنية، بحاجة مُلحة اليوم، إلى الوقوف بحزم ضد كل أشكال التمييز وبث الكراهية بين أبناء المجتمع الواحد.. فالكراهية لا تفضي إلى الاستقرار، بل إلى التفتت والتشظي، والاصطفاء لاعتبارات آنية لا يؤدي إلى الوحدة، بل على العكس من ذلك تماماً، حيث انه يهيئ المناخ لبروز كل العوامل المضادة لها..

ولا يمكن أن نبني علاقة سوية بين أبناء الوطن الواحد، إلا بنقد ومنع كل أشكال التفاضل والتمييز بين أبناء هذا الوطن. وبصرف النظر عن عوامل التفاضل وموضوعاته، لا يصح أن نمارس التمييز المقيت ضد بعضنا البعض، لأن هذا التمييز هو الذي يدخلنا في أتون الضياع والصراع المفتوح على كل الاحتمالات والمخاطر.

ولعلنا لا نبالغ حين القول: أن الشعب العراقي اليوم، يدفع ثمن تلك الرؤية والنظرية القومية الشوفينية، التي تعاملت مع تعددية المجتمع العراقي بعقلية الإقصاء والقمع.. فالوحدة في العراق وغيرها من البلدان، لا تصان بالنظريات الشوفينية أو تصورات الاصطفاء لاعتبارات ترابية، وإنما تصان باحترام هذه التعدديات، وصياغة نظام علاقة بين مختلف التعبيرات والمكونات قائمة على الوحدة والحوار والتفاهم وتنمية المساحات المشتركة.. والوفاق الوطني يتطلب دائماً العمل على إنهاء كل العناصر والمفردات الثقافية والدينية والإعلامية، التي تؤسس للكراهية، وتشجع على عملية التهميش على قاعدة قومية أو دينية أو مذهبية..

وعلماء المسلمين (كما يعبر عن ذلك أحدهم) يدركون بعمق وهم يسعون للتقريب بين المذاهب، أن المذهب في الإسلام لم يكن في نشأته الأولى مظهراً لانقسام المسلمين وتوزعهم، وإنما كان تعبيراً عن حيوية عقلية وعملية، أدت إلى تشعب الآراء ونشوء التيارات المنهجية في استنباط الأحكام الشرعية ودلالات النصوص، على النحو الذي أغنى الإسلام عقيدة وشريعة، وأتاح للمسلمين أن يمارسوا أعمق أشكال الحوار المستند إلى المنطق والعلم.. فسجلوا في تاريخ الفكر الإنساني وتطوره مأثرة الاستماع للرأي الآخر واحترامه..

لذلك فإن احترام هذا التعدد يعني فيما يعني حمايته. لأنه نتاج الحوار والبحث المضني والمتواصل عن الحقيقة. وحينما نطالب بحماية التعدد والتنوع في الدائرة الوطنية، فإننا نقصد حماية تلك القيم والمبادئ التي أنتجت ثراءً فقهياً وفكرياً وعلمياً في التجربة التاريخية الإسلامية.. فلا يمكن أن نفصل ظاهرة تعدد المدارس الاجتهادية والفقهية في تجربتنا التاريخية عن قيم الحوار والاعتراف بالآخر وجوداً ورأياً، ووجود المناخ الاجتماعي المؤاتي للاجتهاد بعيداً عن ضغوطات السياسة أو مسبقات التاريخ..

وإن دعوتنا الراهنة إلى حماية هذا المنجز التاريخي، تستدعي إحياء هذه القيم والمبادئ وإطلاقها على مستوى حياتنا كلها، حتى نتمكن من إنجاز فرادتنا التاريخية والحضارية. وهذا بطبيعة الحال، يقتضي انفتاح المذاهب الإسلامية على بعضها في مختلف المستويات، وإزالة كل الحواجز والعوامل التي تحول دون التواصل الفعال بين مختلف المدارس الفقهية والمذهبية..

فالمواطنة لا تقتضي بأي حال من الأحوال أن تندثر خصوصيات الأفراد، بل إنها تقتضي صياغة منظومة قانونية وسياسية لجميع المواطنين على قاعدة الاعتراف بتلك الخصوصيات، والتعامل الايجابي والحضاري مع متطلبات التعدد والتنوع بمختلف أشكاله ومستوياته. فالتعدد المذهبي أو القومي ليس حالة مضادة للمواطنة، بل هو الجذر الثقافي والاجتماعي لبناء مواطنة حقيقية بعيداً عن الشعارات الشوفينية واليافطات الشعبوية والعدمية. فاحترام التعدد المذهبي وحمايته القانونية والسياسية، هو الذي يوجد الشروط المجتمعية الحقيقية لبناء مواطنة متساوية في مجتمع متعدد مذهبياً وثقافياً..

والأحداث في الساحة العراقية، ينبغي أن لا تدفعنا إلى الانكفاء والتمترس الضيق ضمن أطر ويافطات خاصة. بل إنها أي الأحداث في العراق تحملنا مسؤولية العمل على صيانة وحدتنا الوطنية، وتدفعنا إلى المزيد من الانفتاح والتواصل بين مختلف مكونات الوطن والمجتمع، وذلك من أجل تحصين وضعنا الداخلي وتصليب وحدتنا الوطنية وإفشال كل المخططات والمؤامرات التي تستهدف وحدتنا ومنجزنا الوطني..

إننا نؤكد وفي ظل هذه الظروف الحساسة، على ضرورة الخروج من دوائر الانتماء الضيقة إلى رحاب الوطن والمواطنة.. ونعمل كل من موقعه وامكاناته لتعزيز الوحدة الوطنية، وتجاوز كل ما يعكر صفو الوئام الداخلي..

فالوحدة الوطنية القائمة، هي مكسب الجميع، وعلى الجميع أن يحافظوا عليها بالمزيد من العمل والتوافق والتفاهم والبناء..

ثالثا: تجديد المشروع الوطني:

من الطبيعي القول: إن وحدة المجتمعات والأوطان قبل أن تكون شعاراً هي مشروع متكامل ينبغي أن تتوفر فيه مجموعة من الخصائص والعوامل والمبادئ، التي تساهم في تعزيز هذا الخيار، ومجابهة كل من شأنه تخريب مشروع الوحدة والألفة بين أبناء الوطن والمجتمع الواحد..

وإن السماح بتصدع هذا المشروع أو ضرب بنيته الأصلية، يعد جرماً خطيراً بحق الأمة والمجتمع حاضراً ومستقبلاً.. لهذا فإن الوحدة الاجتماعية والوطنية وضروراتهما ومتطلباتهما ينبغي أن تتصدر الأولويات والهموم.. وبوصف الوحدة مشروعاً ينبغي تعزيزه وحمايته، هو بحاجة إلى آليات متقنة وأدوات فاعلة وإجراءات تفصيلية متواصلة. كما أنه بحاجة إلى مراجعات فكرية وأيدلوجية، تزيل من الأنظمة المعرفية ما يحول دون تعزيز هذا المشروع.

فاليوم كل بلدان المنطقة مهددة في وحدتها الداخلية والوطنية، حيث تواجه تحديات ومخاطر تستهدف كيانها ووحدتها.. ولا يمكننا أمام هذا الزحف التقسيمي الذي يتغذى من عوامل وروافد عديدة، أن نبقى مكتوفي الأيدي، وإنما نحن بحاجة إلى منظومة مواجهة تمكننا من إحباط هذه المخططات وصيانة وحدتنا الداخلية بالمزيد من التلاحم والانسجام..

فالإرادات السياسية التي تستهدف بشكل أو بآخر التفتيت والتشظي، لا يمكن مواجهتها بالخطب البلاغية والرغبات المفتوحة التي لا تستند إلى إرادة وفعل متواصلين..

إن هذه الإرادات بكل أدواتها وآليات عملها، بحاجة إلى إرادة سياسية داخلية تعقد العزم على الصمود والحماية وتعمل على سد الثغرات وبناء الحياة السياسية والثقافية في هذه المنطقة على أسس جديدة، تنهي عقود الفجوة والانفصال بين السلطة والمجتمع، وتعمل على توفير البيئة المناسبة والحاضنة لمشاركة جميع قوى وتعبيرات المجتمع في الحياة العامة.

.. وحدها الحياة السياسية الجديدة، التي تتجاوز حالات الاستئثار والاستفراد، هي القادرة على إحباط مخططات التفتيت والتشظي ومواجهة المخاطر والتحديات التي تستهدف وحدتنا واستقرارنا الداخلي.. لهذا كله فإننا نشعر اليوم بأهمية تجديد مشروع الوحدة الداخلية والوطنية في كل بلدان المنطقة، التجديد الذي يحمي المكاسب ويواجه الثغرات. التجديد الذي يقبض على حقيقة الوحدة دون أن يضحي بالخصوصيات الثقافية والاجتماعية. التجديد الذي يعيد صياغة واقعه الداخلي كوسيلة حضارية لمواجهة كل التحديات والمخاطر..

فالتحولات المتسارعة والتي تجري على أكثر من صعيد ومستوى، تفرض على الجميع أهمية تجديد مشروع وحداتنا الوطنية، التجديد الذي يزيل نقاط القصور ويعالج الثغرات ويفتح المجال القانوني والسياسي والثقافي لكل التعبيرات والمكونات للمشاركة بفعالية في البناء وصيانة المكاسب.. إن الوحدة كما الاستقرار حقائق ووجود يصنعه المجتمع بأفراده وجماعاته وتعبيراته، وكل من هؤلاء بحاجة إلى حماية قانونية وثقافية للقيام بدوره على هذا الصعيد.. وبذلك يعتمد وجود الاستقرار وصلابة الوحدة الداخلية على العلاقات بين الأفراد والتعبيرات المتنوعة التي يتشكل منها المجتمع.

من هنا فإن تجديد المشروع الوطني يقتضي إعادة صياغة العلاقة بين مكونات المجتمع والوطن الواحد على أسس العدالة والمساواة واحترام الخصوصيات الثقافية لكل مكون وتعبير اجتماعي. فالوحدة ليست فرضاً وقهراً بل هي تعبير عميق عن مشاركة الجميع في صنع الحقائق والمنجز الوطني.. وكل الوحدات التي بنيت بالقهر وتغييب إرادة المجتمع بكل تنوعاته، كان مآلها الفشل والتشظي..

لذلك فإن تجديد المشروع الوطني يبدأ بإعادة صياغة الوعي الوطني تجاه ذاته ووحدته.. فالوعي الذي ينبذ التعددية ويحارب التنوع ويتوجس خيفة من الاختلاف، لا يخلق وحدة صلبة في المجتمع الواحد. لأنه وعي يشرع للقهر والتغييب والعمل بعيداً عن إرادة المجتمع وطموحاته وحقائقه.

أما الوعي الذي يتشكل من خلال الحوار والتبادل المعرفي والاحترام المتبادل بين كل المكونات، فإنه قادر على نحت ونسج علاقة جديدة بين مكونات المجتمع والوطن.. هذه العلاقة التي تدفع بجميع التعبيرات للمساهمة الفعالة في بناء الوحدة وصيانة المنجز والمكاسب.

فالوحدة الصلبة والحقيقية هي ناتج مجموع إرادة الجميع وكفاحهم وسعيهم المتواصل لبناء واقعهم ومستقبلهم.. فالوحدة ليست مقولة مفرغة من مضمونها الإنساني والحضاري، بل هي عنوان لتآخي وتكاتف وتفاعل كل التعدديات والتنوعات الموجودة في المجتمع والوطن.. فالوحدة في المجتمع والوطن، لا تبنى بسياسات التغييب والإقصاء والتهميش، بل بإفساح المجال لكل المكونات للمساهمة في الشأن العام..

وسرطان الإرهاب الذي يجتاح المعمورة اليوم، لا يواجه إلا بالمزيد من التلاحم والتآخي والتفاهم بين مختلف المكونات الاجتماعية والثقافية.

فاللحظة الراهنة حساسة وخطيرة، وتتطلب منا جميعاً العمل على إنهاء ثغرات واقعنا وترميم علاقاتنا الداخلية وصولاً إلى مستوى من العلاقات الداخلية القائمة على مبادئ العدالة والاحترام المتبادل..

وعليه فإن تجديد المشروع الوطني في هذه اللحظة التاريخية الهامة، يقتضي الالتزام بالعناصر التالية:

1- تجديد الوعي الوطني بحيث لا يكون المختلف موضوعاً للنبذ والكراهية والعداء، بل هو فضاء للحوار والتفاهم والاحترام.. كما أن العلاقات الداخلية بين مكونات المجتمع، بحاجة أن تقوم على أسس المعرفة المتبادلة التي تقود إلى توسيع المشتركات وضبط الاختلافات في حدود لا تضر بمفهوم الاستقرار والسلم الاجتماعي.. لذلك كله فإن الخطوة الأولى في مشروع التجديد الوطني، هو في تجديد رؤيتنا جميعاً لذواتنا ولمكونات الوطن الثقافية والاجتماعية. بحيث تقودنا هذه الرؤية إلى المزيد من التعارف والتواصل ونسج العلاقات والتعاون على قاعدة التفاهم والاحترام المتبادل..

2- إن الوحدات الداخلية والوطنية في كل دول المنطقة، لا تبنى بسياسات القمع والإقصاء ونهج التغييب وإفناء أو محاصرة الحقائق الثقافية والاجتماعية. بل على العكس من ذلك تماماً.. إذ إن الوحدة لا تبنى إلا بصيانة حقائق التعددية في المجتمع.. ومن يبحث عن الوحدة بعيداً عن مقتضيات احترام التعددية والتنوع الموجود في المجتمع، فإنه لن يحصد إلا المزيد من التفتت والتشظي الكامن والصريح.. لذلك فإن تجديد المشروع الوطني، يقتضي العمل على تعزيز وبناء الوحدة الداخلية لكل مجتمعاتنا على قاعدة احترام التعددية وإفساح المجال القانوني لكل المكونات للتعبير عن ذاتها وثقافتها ومساهمتها في الحياة العامة.

فطريق الوحدة هو تعزيز خيار الحرية والديمقراطية في المجتمع.. ولا يمكن بناء حقائق وحدوية صلبة ومتينة بعيداً عن الحرية وصيانة حقوق الإنسان.. فالتنكيل بحقائق المجتمع العميقة، لا يفضي إلى استقرار ووحدة، بل إلى انهيار في أسس الاستقرار وعوامل الائتلاف والوحدة. من هنا وفي ظل هذه الظروف والتطورات الخطيرة، نتطلع إلى الوحدة والاستقرار، ولا سبيل أمامنا لذلك إلا بإصلاح أوضاعنا وأحوالنا، وإطلاق الحرية لكل مكونات المجتمع لكي تعبر عن ذاتها بحرية وشفافية وتبدأ على هذه القاعدة بإنجاز دورها ووظيفتها في الوحدة والاستقرار..

وهذا بطبيعة الحال يتطلب السعي الجاد نحو تفعيل الجوامع المشتركة بين أبناء الوطن الواحد. وذلك من أجل المزيد من المعرفة المتبادلة، وتوفير المناخ النفسي والثقافي الملائم للحوار والتفاهم.

3-  من الطبيعي القول: إن تجديد المشروع الوطني لا يتحقق في الواقع الخارجي دفعة واحدة، وإنما هو بحاجة إلى مدى زمني، حتى يتحول هذا المشروع من القوة إلى الفعل ومن النظرية إلى التطبيق.. إلا أن الشيء المهم والذي نشعر بأهميته وضرورته على هذا الصعيد، هو وجود جدول زمني يحدد نقطة الانطلاق والبداية في مشروع التجديد والتطوير..

فلا يكفي اليوم أن يتم الحديث المجرد عن التجديد والتطوير، وإنما هناك حاجة ماسة إلى تحديد مدى زمني لعملية التجديد والتطوير.. وبدون هذا الجدول الزمني وتحديد نقطة الانطلاق، سيتم التعامل مع شعارات التجديد والتطوير كمحاولة لكسب الوقت وتمييع القضية.

ولا ريب أن تأجيل قضية تجديد المشروع الوطني سيفاقم من المشكلات والتحديات، وسيدخل المجتمع في أتون مرحلة وظروف صعبة وشائكة على مختلف المستويات..

وإن تجديد المشروع الوطني هو قبل كل شيء موقف جديد من المواطن.

موقف يحول دون الاستمرار في تهميشه، فهو قادر على المشاركة في صياغة حاضره وبناء مستقبله، وهو الأنسب للتعبير عن حاجاته وطموحاته، لهذا فإن إعادة الاعتبار للمواطن على مختلف المستويات، هو حجر الزاوية في مشروع تجديد المشروع الوطني..

وعليه وعلى ضوء تطورات المنطقة المتسارعة وأحداثها الخطيرة، نحن بحاجة اليوم في كل دول المنطقة إلى تجديد مشروعنا الوطني وتعزيز وحدتنا الداخلية، من أجل استيعاب تطورات الساحة ومجابهة الأحداث التي تعصف بالمنطقة وتقودها إلى مناطق ومجالات مجهولة.

***

محمد محفوظ

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5721 المصادف: 2022-05-05 02:02:40


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5827 المصادف: الجمعة 19 - 08 - 2022م