آراء

في تعليب الوعي

درصاف بندحرفيتنام الشمالية وفيتنام الجنوبية كانتا الطرفين الرسميين للحرب في الفيتنام التي امتدت من سنة 1955 حتى سنة 1975.

 تلقى الجيش الفيتنامي الشمالي الشيوعي الدعم من الاتحاد السوفياتي، والصين، وحلفاء شيوعيين آخرين، أما الجيش الفيتنامي الجنوبي الموالي لأمريكيا فقد تلقى الدعم من الولايات المتحدة، وكوريا الجنوبية، وأستراليا، وتايلاند وحلفاء آخرين مناهضين للشيوعية.

في هذه الحرب الشهيرة، انقلب السحر على الساحر، تولى الفيتناميون سياسة "اضرب واهرب" داخل التضاريس الوعرة للفيتنام واستماتوا في الدفاع عن أرضهم.

 خسرت أمريكا، برغم قوة عدتها وعتادها.

ترجع خسارتها بالدرجة الأولى إلى تكتيك حرب الميليشات بقيادة الجنرال "فو نجوين جياب" (1911-2013)1

 ركزت تلك التكتيكات على ضرورة الحصول على الدعم الشعبي وأهمية الكر والفر وتوفر العزيمة التي لا تقهر لخوض حرب طويلة.

كتب "جياب" في إحدى مذكراته العديدة أن " حرب العصابات هي حرب الجماهير العريضة في بلد متخلف اقتصاديا ضد جيش عدواني جيد التدريب". وقال "كل واحد من السكان هو جندي، وكل قرية هي حصن".

لكن ما ساهم في خسارة أمريكا بدرجة ثانية هو سلاح تجيد استعماله، لكنه هذه المرة استعمل ضدها، هو سلاح الإعلام.

بشيء من المبالغة، يُشار إلى الصراع في فيتنام على أنه "حرب التلفزيون الأولى"، إذ كانت الأفلام تصور وتتنقل إلى طوكيو ومنها إلى الولايات المتحدة عبر الأقمار الصناعية مباشرة إلى داخل المنازل الأميركية ليكشف التلفزيون ضراوة المعارك واستبسال الجيش الفيتنامي.

أصبحت وسائل الإعلام في حرب فيتنام موضع جدل مستمر واعتقد الكثيرون أن الإعلام لعب دوراً كبيراً في هزيمة الولايات المتحدة عبر نشره للتقارير السلبية. قيل أن هذا ما ساعد على تقويض الدعم للحرب في الداخل الأميركي وتقديم معلومات قيّمة للعدو في فيتنام.

خلص خبراء كثر إلى أنه قبل عام 1968، كانت معظم التقارير داعمة للجهود الأميركية في فيتنام، إلى أن صدر "تقييم فبراير " من ذلك العام . تقرير أعده الصحفي الأمريكي "والتر كرونكايت"2، مذيع أخبار شبكة "سي بي أس" المعروف باسم "الرجل الأكثر ثقة في أميركا".

جاء في تقريره أن الصراع كان غارقاً في طريق مسدود. هذا ما جعل ألرئيس الأمريكي "ليندون جونسون"3يقول:

"إذا خسرت تأييد كرونكايت، فقد خسرت قطاعاً واسعاً من الأميركيين".

وفعلا انتفض الشعب الأمريكي ضد حكومته وطالب بإنهاء الحرب.

يفهم من هذا أن الحرب لم تعد بالضرورة حرب من يملك القوة العسكرية بل هي حرب من يمتلك المعلومات ويحسن صياغتها وتصديرها للعموم.

في هذا تحدث "هربرت شيللر"4 في كتابه " المتلاعبون بالعقول" عن تقنيات التضليل وتعليب الوعي والتحكم بالرأي العام في الولايات المتحدة الأمريكية.

واكب الكتاب أهم فترة من فترات الدعاية الإعلامية في أمريكا حيث الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي وتداعيات حرب الفيتنام.

بين شيللر كيف تلعب وكالات الإعلام والاستعلام دورا كبيرا في صناعة الاهتمامات والمواقف وذلك من خلال تقديمه صورة مفصلة وواضحة عن أسس ومبادئ حرب المعلومات والاختراق الفكري.

 مطالعة ما يتضمنه الكتاب يفضي بنا إلى خلاصات عميقة في التأثير البالغ للدعاية وحرب المصطلحات وقدرتهما على تزييف الواقع وطمس الحقيقة.

يقول الكاتب أن هذه الحرب المعلوماتية تهدف إلى “قلب هرم القيم”. ويوضح أن الأسئلة الحقيقية التي يجب أن نسألها ونحن نتلقى ما يقدم لنا من معلومات هو كيف؟ ولأي هدف؟ وعن طريق من؟ وماهي النتائج المترتبة عما يراد له أن يصل إلينا من أخبار ومعلومات؟

 في تعاطينا مع ما يدور حولنا ونحن نطالع هذا الكم الهائل من الأخبار التي تتناقلها وسائل الإعلام يصبح من الضروري أن نعي حجم هذه الحرب المعلوماتية التي كثيرا ما نكون ضحاياها حين نكتفي بتلقيها دون التمعن في ما تخفيه من حقائق.

ربما السلاح الوحيد الممكن إزاء هذا هو أن نفكر بعيدا عن الردود الانفعالية. أن نبني مواقفنا بعيدا عن التعصب والولاء المطلق.

يقول الصحفي والروائي البريطاني جورج أرويل (1903-1950) في هذا السياق: " الولاء يعني إنعدام التفكير، بل إنعدام الحاجة للتفكير، الولاء هو عدم الوعي."

 حاجتنا كبيرة أمام هذه الحرب المعلوماتية إلى التمعن والتفكير. إعمال العقل وحده من يقود إلى الوعي واكتناه الغث من السمين فيما يعرض علينا من المعلومات.

 أن نعي هو أن نفوت الفرصة على الذين يريدون القتال، لا بأنفسهم، بل باستعمال غيرهم كأدوات يحركونها حيث يشاؤون وحيث تقتضيه مصلحتهم.

***

درصاف بندحر – تونس

..........................

المرجع: " المتلاعبون بالعقول" - هربرت شيللر. ترجمة عبد السلام رضوان.

الهوامش:

1- الجنرال فو نجوين جياب ( 1911 - 2013) هو عسكري وسياسي فيتنامي وضابط سابق في الجيش الشعبي الفيتنامي، يُعد من أهم شخصيات حرب فيتنام، وهو أيضاً صاحب خطة معركة ديان بيان فو التي هزمت فيها فرنسا في 7 يونيو سنة 1954. وكذلك تمكن من هزيمة القوات الأمريكية وقد تولى بعد ذلك منصب وزير الدفاع في بلاده.

2- "ليندون جونسون" هو الرئيس الـ36 للولايات المتحدة الأميركية، تولى مقاليد السلطة بعد اغتيال الرئيس جون كينيدي سنة 1963، كان داعما لإسرائيل بشكل مطلق، واتخذ موقفا متشددا خلال الحرب الأميركية في فيتنام فضاعف فيها عدد قوات بلاده.

3- "والتر كرونكايت" واحد من أكثر الصحفيين الإذاعيين الموثوقين في أمريكا ، والذي اشتهر بنشر "شبكة أخبار سي بي إس" من الستينيات إلى أوائل الثمانينيات. أثبت نفسه كواحد من أفضل مراسلي الحرب الأمريكيين خلال الحرب العالمية الثانية. انضم إلى "سي بي إس نيوز" كمذيع للبرنامج الإخباري المسائي ليوم الأحد بعنوان "حتى اللحظة" وغطى معظم الأنشطة السياسية المهمة في الولايات المتحدة خلال الستينيات والسبعينيات

4- هربرت شيللر (بالإنجليزية: Herbert Schiller)‏ (5 نوفمبر 1919 - 29 يناير 2000)، عالم اجتماع ومؤلف وناقد وباحث، حصل على الدكتوراة من جامعة نيويورك عام 1960.

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5809 المصادف: 2022-08-01 01:31:16


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5926 المصادف: السبت 26 - 11 - 2022م