آراء

آراء

كريم المظفرسنوات من المحاولات لإيجاد حل دبلوماسي للأزمة في دونباس وعدم إحراز أي تقدم في عملية مينسك، ما جعله السبب الرئيس للعملية الروسية في أوكرانيا، ومع تطور الاحداث العالمية، والحشد الغربي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا، المناهض لروسيا، وتقديم الدعم العسكري (بهووس كبير) لأوكرانيا، فإن التوقعات تؤكد بان التصعيد في المنطقة المجاورة مباشرة لحدود الاتحاد الأوروبي قد زاد من درجة التوتر في المنطقة، وقد يصبح حافزًا لنزاعات إقليمية أخرى مجمدة مؤقتًا، سواء فيما يخص تايوان أو شبه الجزيرة الكورية المسلحة نوويًا، وكذلك أزمة كشمير الهندية الباكستانية وكوسوفو الصربية والتي لازالت حتى يومنا هذا بؤر للتوتر، وتبدو فرصة تسوية هذه المناطق المؤلمة مرة وإلى الأبد مغرية للغاية، خصوصا الآن، حيث ينشغل العالم كله بمحاولة احتواء روسيا، والسؤال المهم اليوم هو كيف أثرت العملية الخاصة في أوكرانيا على تكثيف المواجهات السياسية والعسكرية في مناطق أخرى؟ .

فمثلا أدت العملية الروسية الخاصة إلى ظهور العديد من النظريات القائلة بأن الصراع في أوكرانيا قد يدفع الصين إلى الاستيلاء بالقوة على جزيرة تايوان المتمردة، وبطبيعة الحال، فإن مقارنة الأزمة الأوكرانية بمشكلة وجود دولتين صينيتين هو تدريب مثير للجدل إلى حد ما، لكن "تايبيه" ما زالت ترى في السيناريو العسكري الروسي براعم التهديد الذي يأتي من جمهورية الصين الشعبية، حتى أن وسائل الإعلام الغربية نشرت رواية مفادها أن الصين، وبموافقة ضمنية، هي التي دفعت روسيا لبدء عملية خاصة من أجل البدء في عمليات عسكرية مماثلة تحت ستار استعادة وحدة أراضيها والاستيلاء على تايوان على ضمانات المساعدة العسكرية والاقتصادية الصينية. إلى موسكو.

وغذت هذه الرواية شائعات حول طلب الرئيس الصيني شي جين بينغ من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ووفقًا لبلومبرغ، في أوائل فبراير، وأثناء زيارة الرئيس الروسي إلى بكين لافتتاح الأولمبياد، يُزعم أنه طُلب من الرئيس الروسي الانتظار حتى نهاية الألعاب وعدم بدء العملية المخطط لها، حتى لا يضر، بسلطة الرئيس الصيني عشية ولاية جديدة كرئيس، ويرى ميخائيل كاربوف، الأستاذ المساعد في كلية الدراسات الشرقية في المدرسة العليا للاقتصاد، أن "البناء التخميني" الذي يمكن للصين دفع روسيا عمدًا لحل المشكلة في أوكرانيا بالقوة أو كان على علم بذلك هو أمر غير واقعي، وبحسب التصريحات الرسمية، فقد جاء إجراء العملية الروسية الخاصة في أوكرانيا بمثابة مفاجأة كاملة لبكين.

ويؤكد المراقبون الروس أن بكين تراقب الموقف لكنها ليست في المقدمة بل من وراء الكواليس، لذلك فإن الوضع المتوتر الحالي لا يتعلق بالتأكيد بتايوان، على الأقل لغاية الآن، ويشدد ميخائيل كاربوف - أستاذ مشارك، كلية الدراسات الشرقية، الجامعة الوطنية للبحوث المدرسة العليا للاقتصاد، ان هذا ما تؤكده تصريحات الحكومة الصينية ووزارة الخارجية الصينية بشأن دعمهما للتسوية السلمية بين روسيا وأوكرانيا، علاوة على ذلك، مباشرة وبعد بدء العملية الخاصة، خرجت وزارة الخارجية الصينية لدعم السيادة الأوكرانية، ومع ذلك، فإن مخاوف تايوان لها ما يبررها، فخلال السنوات العشر من حكم شي جين بينغ، تم إصلاح وتعزيز القوات البرية والجوية والبحرية لجيش التحرير الشعبي (PLA) بشكل جدي، والقوات الصينية تجري بانتظام تدريبات أسلحة مشتركة، سيناريوها هو الاستيلاء على الدولة الجزيرة، وتقوم القوات الجوية لجيش التحرير الشعبي بطلعات استفزازية في منطقة الدفاع الجوي التايوانية.

ومع ذلك، يعرب آخرون عن اعتقادهم أنه في سياق الأزمة الأمنية في أوروبا والتفشي الجديد لعدوى COVID-19، فإن غزو تايوان ليس في مصلحة الرئيس الصيني، ففي عام 2022، سيكون هناك مؤتمر للحزب الشيوعي الصيني، وسيترشح شي لولاية ثالثة (للمنصب)، وإن الوضع هناك صعب للغاية ويحتاج إلى استقرار مطلق داخل البلاد وخارجها، لذلك فأن الصين غير مهتمة في الوقت الحالي بمواجهة مباشرة مع حلفاء "تايبيه" وإجراء عملية للم شمل تايوان، لأن هذا سيضع حداً لخطط بكين لاتخاذ جانب محايد نسبيًا والتعاون مع كل من الغرب وروسيا، لذلك، في هذه الحالة، ليست هناك حاجة للحديث عن التأثير الخطير للعملية الخاصة الروسية على تطور الوضع.

كما وتميزت بداية عام 2022 بزيادة ملموسة في عدد تجارب الصواريخ الكورية الشمالية، فمنذ بداية العام، أطلقت كوريا الشمالية 12 صاروخًا من مختلف الأنواع، من بينها صواريخ كروز طويلة ومتوسطة المدى يمكنها الوصول إلى قاعدة البحرية الأمريكية في غوام، وحتى أسلحة تفوق سرعتها سرعة الصوت، وفي الوقت نفسه، اتخذت بيونغ يانغ قرارًا باختبار الصواريخ الباليستية العابرة للقارات (ICBMs) بعد بدء العملية الروسية الخاصة في أوكرانيا، تم إطلاق الصواريخ، التي كانت تهدف في الأصل إلى إطلاق أقمار صناعية للاستطلاع، في 27 فبراير و5 مارس، وتم إجراء محاولة إطلاق أخرى في 16 مارس، لكن تم الإعلان عن فشلها - بسبب الأعطال في محركات المرحلة الأولى، وانفجر الصاروخ، وفي 24 مارس، قامت بيونغ يانغ بمحاولة أخرى لإطلاق صاروخ هواسونغ -17 الباليستي عابر للقارات تكريما لاختبارات الصواريخ، تم تصوير فيديو ترويجي كامل بمشاركة Kim Jong-un، وأصبحت لقطات لزعيم كوريا الشمالية مرتديًا سترة جلدية وبنطالًا واسع الساق ونظارة شمسية سوداء، وهو يعطي أمرًا شخصيًا لإطلاق صاروخ بأسلوب هوليوود، وبات موضوع نقاش كبير على الإنترنت.

وعلى الرغم من أن الموقف الرسمي لكوريا الديمقراطية هو أن تجارب الصواريخ ليست موجهة ضد دول أخرى، فإن انسحاب بيونغ يانغ الفعلي من الوقف الاختياري لإطلاق الصواريخ بعيدة المدى والتجارب النووية يساهم في زيادة التوتر في العالم، وعلى وجه الخصوص، في شبه الجزيرة الكورية، وأعلنت بيونغ يانغ وقفًا اختياريًا للتجارب النووية والصواريخ الباليستية العابرة للقارات في أبريل 2018 كبادرة لتحسين العلاقات الدبلوماسية مع كوريا الجنوبية والولايات المتحدة، وعلاوة على ذلك، وفي بداية عام 2019، أعاد كيم جونغ أون تأكيد التزامه "بالتوقف عن تطوير أو اختبار أو استخدام أو انتشار الأسلحة النووية" و"التحرك نحو نزع السلاح النووي الكامل"، ومع ذلك، الآن، وبسبب فشل عملية التفاوض مع الولايات المتحدة، أعلنت بيونغ يانغ الانتقال إلى المرحلة التالية من تطوير واختبار صواريخ باليستية عابرة للقارات جديدة.

ومع ذلك، فإن المجتمع الدولي الآن ليس لديه سبب للشك في الموقف الرسمي لبيونغ يانغ، كما يعتقد كونستانتين أسمولوف، الباحث الرائد في مركز الدراسات الكورية في IFES RAS، وأشار إلى أنه خلال عمليات الإطلاق التجريبية، ظلت كوريا الديمقراطية تتبع القواعد غير المكتوبة لتجنب التوتر، وكل الصواريخ تحلق على طول مسار عال وليس باتجاه غوام، وأشار أسمولوف أيضًا إلى أن تجارب صاروخ بيونغ يانغ تهدف إلى إنشاء شبكتها الخاصة من الأقمار الصناعية ثنائية الغرض، والتي لا يمكنها فقط تتبع تحركات العدو المحتمل، بل يمكنها أيضًا نقل بيانات الأرصاد الجوية، وخلال الوقت الذي التزمت فيه كوريا الشمالية بالوقف الاختياري، قام مهندسوها، بالطبع، بالكثير من الأشياء المثيرة للاهتمام، وكل هذا يستحق التدقيق فيه عمليًا .

وبالتالي، يمكن للمرء أن يتأكد من أن حرب كورية ثانية كنوع من الإجراءات الواعية من قبل قيادة الشمال أو الجنوب غير مرجح في الوضع الحالي، خاصة أنه في حالة هجوم انتحاري من قبل جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية على كوريا، فإن بيونغ يانغ ستفعل ذلك، يجب أن تتعامل ليس فقط مع جارتها الجنوبية، ولكن أيضًا مع الولايات المتحدة وحلفائها.

أما الهند فقد اتخذت بدورها موقفًا محايدًا مشابهًا للصين، حيث لم تنضم إلى العقوبات واسعة النطاق التي فرضتها الدول الغربية، ومع ذلك، فإن مثال أوكرانيا وفكرة أنه في حالة التصعيد العسكري، فإن الأسلحة النووية هي الدفاع الرئيسي والوحيد عن سيادة الدولة، والتي أصبحت واضحة ليس فقط للهند، ولكن أيضًا لباكستان، التي تمتلك أيضًا أسلحة دمار شامل، ونجحت نيودلهي وإسلام أباد في عدم حدوث توترات واسعة النطاق وخطيرة على الحدود منذ نزاع كارجيل في عام 1999، مما أدى في الوقت نفسه إلى زيادة عدد القوات في المناطق الحدودية طوال فترة السلام.

من الأمثلة الأخيرة على حدوث تغيير جاد في ميزان القوى على الحدود مع باكستان، وقرار نيودلهي بنشر فوج دفاع جوي في يناير 2022 في ولاية البنجاب (فرقتان من ثماني قاذفات)، وهي عبارة عن - أنظمة الصواريخ المضادة للطائرات من طراز S-400 Triumph الروسية، وربما عندما تنشر الهند جميع الأفواج الخمسة المتطابقة بحلول بداية عام 2023، قد يصبح هذا سببًا لتدهور خطير في الوضع، ولكن من الواضح أنه ليس الآن، ويتفق أليكسي كوبريانوف، مرشح العلوم التاريخية، باحث أول في IMEMO RAS، مع هذا الرأي، ويقول إن عدم وجود بوادر واضحة لتصعيد محتمل يمكن أن يكون "الهدوء الذي يسبق العاصفة" كما كان عام 1999، واستبعد في الوقت نفسه سيناريو تقرر فيه واشنطن استئناف التعاون العسكري مع إسلام أباد على خلفية رفض الهند الانضمام إلى العقوبات المفروضة على روسيا، وبرأيه، لن تجرؤ الولايات المتحدة على دعم باكستان على حساب العلاقات مع نيودلهي، والآن فان الرعاة الرئيسيون لباكستان هم الصين ودول الخليج، وإن محاولة الضغط على الهند بضخ أسلحة إلى باكستان تعني تعزيز الموقف الصيني في المنطقة، وبشكل عام، من الممكن أن تحاول الولايات المتحدة تطبيع العلاقات مع باكستان، لكن ليس على حساب تدهور العلاقات مع الهند، ومن الواضح أن كشمير ليست على جدول الأعمال " .

وبعد تصاعد المواجهة بين صربيا وجمهورية كوسوفو المعلنة ذاتياً في سبتمبر 2021، قررت بريشتينا أخيرًا انتهاكًا مباشرًا لاتفاقيات بروكسل، التي تم إبرامها في عام 2013 وحافظت على السلام في الأراضي المتنازع عليها لفترة طويلة، وكان السبب هو اجتماع رئيس المحكمة الرئيسية في ميتروفيتشا (التي تعتبر إقليم كوسوفو) ليليانا ستيفانوفيتش مع الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش، لهذا، قام المجلس القضائي في بريشتينا بإقالتها من منصبها.

وبعد إزالة ستيفانوفيتش وحظر آخر على إجراء الانتخابات الصربية في كوسوفو، أعلن فوتشيتش التدمير النهائي للاتفاقيات السابقة، وقال الرئيس الصربي إن الخطوة التالية من جانب بريشتينا يمكن أن تكون إقالة جميع قادة الجيش والشرطة الصربيين الذين حضروا اجتماع مجلس الأمن الصربي، في انتهاك لاتفاقيات بروكسل، ولم تدل قيادة كوسوفو بأي تصريحات رسمية بشأن هذا الأمر، وأضاف فوتشيتش " كل ما كان لدينا في اتفاقيات بروكسل تم تدميره، كل شيء تم تدميره على الإطلاق، من قبل رئيس وزراء كوسوفو ألبينكورتي، ومن المثير للاهتمام، أن نائب رئيس الوزراء السابق لكوسوفو، غوران راكيتش، أيد فوتشيتش، قائلاً إن أفعال كورتي، يظهر فيها عدم رغبته في رؤية الصرب في كوسوفو ويستعد للحرب.

وتعد أحد الأسباب الواضحة لانتقال الصراع إلى مرحلة نشطة وكما تعتقد إيكاترينا إنتينا، الأستاذة في المدرسة الوطنية للبحوث العليا للاقتصاد ورئيس قسم دراسات البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط في معهد أوروبا من الأكاديمية الروسية للعلوم كانت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا،، والتي قالت إن بدء العملية كانت لحظة مناسبة للغاية للحل النهائي للقضايا العرقية والإقليمية في جميع أنحاء يوغوسلافيا السابقة، وليس لصالح صربيا، وأشارت إلى أن رئيس الوزراء كورتي أعلن في وقت سابق عن حاجة بريشتينا للانضمام إلى الناتو والاتحاد الأوروبي في أقرب وقت ممكن .

إن استفزازات ألبان كوسوفو من وجهة نظر الكثيرين هنا، ستهدف إلى جر بلغراد إلى عملية عسكرية لحماية الصرب، من أجل فضح صربيا كمعتدية وطلب المساعدة الدولية لحفظ السلام، وليس لدى بريشتينا ما يكفي من القوات الجاهزة للقتال، على عكس القوات المسلحة الصربية، التي، على الرغم من أنها خفضت أعدادها بشكل كبير (إلى 28 ألف فرد مقابل 4.5 ألف لقوات أمن كوسوفو)، فإنها لا تزال تمثل قوة جادة في البلقان، وستبحث السلطات في بريشتينا عن كل أنواع الذرائع لتنفيذ عملية لطرد الصرب، وبناء على ذلك، سيكون هناك عدد كبير من الاستفزازات من جانب ألبان كوسوفو، لذلك فإن المهمة الرئيسية للقيادة الصربية هي إبقاء الوضع تحت السيطرة والحفاظ على الاتفاقات السابقة ومنع "الوقوع في فخ الاستفزازات" من كوسوفو.

لقد أثرت العملية العسكرية في أوكرانيا بشكل مباشر فقط على الصراع بين صربيا وكوسوفو، واستخدمت سلطات هذه الأخيرة الخطاب حول مقاومة الاستفزازات من بلغراد الصديقة لروسيا كذريعة للانضمام إلى الناتو والاتحاد الأوروبي وإجبار الصرب على الخروج من الأراضي المتنازع عليها، في حين نشأت الصراعات الإقليمية في آسيا عن مجموعة أسبابها الخاصة، والتي اعتمدت جزئيًا فقط على مواضيع السياسة الأوروبية، ولحسن الحظ، ليست هناك حاجة للحديث عن الدور العالمي لتصرفات موسكو كإشارة للتصعيد، لذا فإن مخاطر العسكرة وزعزعة الاستقرار في العالم المهتز العالمي ضئيلة للغاية، على الأقل لغاية الآن.

***

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

جواد بشارةيمكننا القول إن العراق يقف على حافة الهاوية بعد نتائج انتخابات أكتوبر 2021 فالشعب العراقي كان عازفاً عن المشاركة وقاطع الانتخابات بنسبة 80 بالمائة لأنه فقد الثقة بالطبقة السياسية الحاكمة في العراق برمتها منذ عام 2003 وأغلب مكونات هذه الطبقة هي أحزاب وكتل تمتلك فصائل مسلحة وميليشيات مدججة بالسلاح، بعضها خارج على القانون وتتبع دولة أجنبية هي إيران، وتعمل على فرض إرادتها بالقوة والتهديد بالسلاح وكسر إرادة الخصوم وخاصة إرغام الشعب وتركيعه ومحاربته في قوته اليومية ومعيشته. في السنوات السابقة كان هناك لاعب خارجي يتدخل ويوجه دفة السياسة وتمثل بأمريكا وإيران وبعض دول الجوار على درجة أقل مثل تركيا والخليج. أفرزت الانتخابات، وخاصة بعد ثورة أكتوبر الشبابية، ثلاث قوى أساسية وهي التيار الصدري والإطار التنسيقي والمستقلين في الجانب الشيعي والحزبين الكرديين الرئيسيين ومعهم أحزاب كوردية صغيرة والمكون السني الذي اجتمع في تحالف سيادة. بادر مقتدى الصدر بتأسيس تحالف ثلاثي إسمه تحالف إنقاذ وطن من التيار والبارتي وسيادة في مقابل المعترضين على هذا التحالف المكون من اليكتي  الكوردي ومجموعة عزم السنية المنشقة  وجماعة الإطار التنسيقي الشيعية المكونة من دولة القانون وفتح والحكمة وعصائب أهل الحق والفضيلة  وبقية الفصائل المسلحة الولائية التابعة لإيران كحزب الله والنجباء وغيرهم والذين شكلوا ما يسمى بالثلث المعطل  وهو مفهوم مستورد من لبنان وكرسته المحكمة الاتحادية مما خلق حالة من الانسداد السياسي لأن الأغلبية الفائزة في الانتخابات والمتمثلة بالتحالف الثلاثي  تملك بين 180 إلى 200 مقعد نيابي ويحتاج إلى 20 مقعد إضافي لتوفير النصاب القانوني البرلماني  أي 200 نائب، من أجل التصويت على انتخاب رئيس الجمهورية العراقي الجديد خلفاً للرئيس الحالي وهو د. برهم صالح المنتمي للاتحاد الوطني الكردستاني اليكتي المتمسك بترشيحه ومستعد للخروج ومن التحالف الكردي في  حالة تجريده من هذا المنصب وترشيح منافس له من جانب البارتي.

الإطار التنسيقي مصر على المشاركة في الحكومة القادمة وتقاسم الكعكة أي الوزراء والمناصب والامتيازات السياسية والمالية والسلطة والسطوة واستمرار المحاصصة بحجة إن التحالف الثلاثي يجرد المكون الشيعي من استحقاقه الذي تكرس وفق عرف سياسي وليس دستورياً ومع ذلك يفرض نفسه كممثل للمكون الشيعي في حين يرفض مقتدى الصدر هذا الطرح الديماغوجي ويصر على نحو قاطع بأنه لايريد التحالف مع قوى الإطار التنسيقي الذي كرس الفساد والنهب وتسبب بانهيار العراق على كل الصعد على مدى 18 عاماً  وعندما حاول التحالف الثلاثي إيجاد حل مؤقت للانسداد السياسي ومحاولة توفير سبل العيش للشعب العراقي المنغلق حالياً بسبب عدم تشريع الموازنة فاقترح قانون الأمن الغذائي فقام الإطار التنسيقي بتحريك المحكمة الاتحادية لإصدار قرار يمنع الحكومة من تشريع مثل هذا القانون لأنها حكومة تصريف أعمال ومنع البرلمان من تشريع القوانين بغياب حكومة جديدة يقوم الإطار التنسيقي بمنع تشكيلها كثلث معطل وكسر النصاب في البرلمان باستمرار وعناد بطريقة كسر العظم الأمر الذي أثار حفيظة وغضب مقتدى الصدر الذي سبق له أن أعطى فرصة للإطار التنسيقي بتشكيل الحكومة إذا استطاع ذلك وأعطاه فترة 40 يوماً ومنح المستقلين مهلة 15 يوم لتشكيل حكومة وفشل الطرفان ومايزال الإطار التنسيقي مصراً على إجبار  التيار الصدري على التحالف مع الإطار التنسيقي لتشكيل الحكومة إلا أن مقتدى الصدر رفض بشدة مثل هذا الابتزاز فقام بفتح النار إعلامياً وكلاميا على الإطار التنسيقي وحلفاءه وفي نفس الوقت تحضير ميليشياته سرايا السلام لتكون على أهبة الاستعداد والتهديد بتحريك الشارع الذي يستطيع إخراجه بالملايين وقد يقود ذلك إلى مواجهات مسلحة بينه وبين الفصائل والميليشيات المسلحة الخارجة على القانون والمحتمية تحت مظلة الحشد الشعبي. لذلك صرح الصدر بحسم بأن أفعال الثلث المعطل مشينة. وقال لن نتحالف مع الثلث المعطل ولن نعيد العراق إلى المحاصصة والفساد. وأضاف بأن المنتمين للثلث المعطل لا وجود لهم بلا سلطة. فالسلطة اعمت أعين الثلث المعطل امام مصالح الشعب. لأن الشعب فقير بسبب التوافقية والفساد. وأضاف منفعلاً:" هل وصلت بهم الوقاحة لتعطيل القوانين التي تخدم الشعب؟ والله انهم يستهدفون الشعب ويريدون تركعيه. افعالكم لن تجبرنا للتحالف معكم".

والإطار التنسيقي يرد في بيان صدر فجر الإثنين 16 أيار ردًا على خطاب الصدر ووصفه: بخطابات مضللة تصدر من قوى تدعي أنها فائزة وتمثل الأغلبية لكنها فشلت في مشروعها الاستحواذي وتحاول تضليل الرأي العام. في حالة عدم الوصول إلى حل يتنازل الإطار عن مطلبه بالمشاركة في حكومة توافقية مرفوضة صدرياً وذهابه للمعارضة، لن يكون أمام التحالف الثلاثي سوى حل البرلمان وإعادة الانتخابات الأمر الذي لايحظى بموافقة وارتياح البارتي وتحالف سيادة السني فالفوضى أمام الجميع والتوافق القسري خلفهم فكيف الخروج من هذا المأزق؟.

***

د. جواد بشارة

دجلة والفرات اصبحا نهرين دوليينِ عند انهيار الدولة العثمانية التي كانت تحتل العراق وسوريا، يخضع مجراهما لنصوص القانون الدولي، ولمجموعة اتفاقيات دولية ثنائية بين تركيا والعراق، وبين تركيا وسوريا، باعتبار ان تركيا دولة المنبع وسوريا والعراق دول المجرى والمصب. ومن هذه الاتفاقيات معاهدة (لوزان) ممثلة بفرنسا عن سوريا، وببريطانيا عن العراق، التي قررت تشكيل لجنة تتكون من تركيا مع العراق وسوريا لمناقشة مشاكل المياه، وتلزمها باطلاع البلدين على اية مشاريع هيدروليكية او بنى تحتية تريد الدولة التركية اقامتها على النهرين. وكذلك بروتوكول (الصداقة وحسن الجوار 1945 م) الذي الزم تركيا بتنظيم استخدام المياه في النهرين. لكنّ الحكومات التركية المتعاقبة لم تلتزم بنصوص تلك الاتفاقات، وخضع سلوكها لنظرتها تجاه قوة العراق العسكرية والدولية. فبدأت نواياها لبناء السدود على النهرين منذ العام 1936م، لكنها تحركت جدياً لإقامتها عام 1980م، من خلال مخطط شامل باسم (مشروع جنوب شرق الاناضول الكبير GAP). فوصل عدد السدود التركية على النهرين منذ ذلك الحين الى اكثر من 22 سداً و 19 محطة كهرومائية. (كما بُني على نهر دجلة ضمن مشروع Gap ثمانية سدود، وفي عام 2006 وُضع حجر الأساس لأكبر مشروع في تركيا وثالث أكبر مشروع من نوعه في العالم، وهو سد "إليسو" الأكبر على الإطلاق في حجم تهديده لمستقبل العراق. وفي الأول من يونيو 2018 أعلنت تركيا عن بدء عملية ملء خزان السد ومنذ ذلك الحين، بدأت المخاوف تتحول إلى واقع وكارثة بدأت تتكشف ملامحها في مختلف أنحاء العراق من الشمال إلى الجنوب. وفي تقرير نشرته وكالة الأناضول في الشهر الخامس مايو من العام الحالي عرضت فيه بعض التصريحات التي تضمنتها كلمة الرئيس التركي في مراسم تفعيل التوربين الأول - واحد من ستة توربينات - في محطة الطاقة الكهرومائية على سد "إليسو"، قال أردوغان إن بلاده "كانت تملك 276 سداً حتى عام 2002 وإن إجمالي عدد السدود ارتفع إلى 585 في غضون السنوات الـ 18 الماضية - منذ تولي حزب العدالة والتنمية السلطة في البلاد - "، خاتماً "سنفتح 17 سداً إضافياً أيضاً، يفصل بين افتتاح كل منهم شهر أو أقل من ذلك). ومن ثم فإن 47% من مياه العراق اختفت فعلياً عند بدء تشغيل سد (اليسو) التركي، واصبح 80% من سكان العراق مهددين في حضارتهم وحياتهم واقتصادهم وامنهم القومي. و (بلغت المخاوف ذروتها حول استخدام مياه الفرات عام 1990، بخاصة عندما قامت السلطات التركية بحبس مياه نهر الفرات لملء خزان أتاتورك - أحد مشاريع Gap - أكبر سدود تركيا، وتحويل مجرى النهر وإعاقة تدفق مياهه طيلة شهر كامل. أثناء هذه الفترة كان الجريان إلى سوريا شديد الانخفاض لا يتجاوز 45 متراً مكعباً في الثانية مما أثر في محطات المياه والزراعة والاستعمالات المنزلية، الأمر الذي دفع سوريا والعراق إلى الاحتجاج على الضرر الذي نزل باقتصادهما، بينما قالت تركيا إن السدود التي أقامتها وسوف تقيمها على نهري دجلة والفرات، لن تسهم بتلبية احتياجاتها من الطاقة ومياه الري فحسب، بل ستوفر أيضاً إمدادات منتظمة من المياه إلى جيرانها).

ورغم وجود اتفاقية ثنائية بين تركيا وسوريا حول مياه الفرات، لا يوافق عليها العراق، الا ان تركيا خفضت الاطلاقات المائية – بحسب المرصد السوري – من 500 متر مكعب في الثانية الى 200 متر مكعب، مما تسبب بانخفاض مناسيب نهر الفرات في سوريا بمستوى 5 امتار. فيما قامت (الإدارة الذاتية الكردية لشمال سوريا) من جانبها بخفض حصة العراق التي كان من المقرر ان تتجاوز 52% مما تطلقه تركيا. حيث استغلت تركيا الازمة السياسية السورية لخرق اتفاقية 1989م، وهو امر معهود ومعروف عن الاتراك. كما توقف انتاج الكهرباء في بعض السدود السورية على نهر الفرات للمحافظة على منسوب مياه الشرب. وأدت المشاريع التركية إلى تراجع حصة العراق من النهرين بنسبة 80 في المئة حتى قبل الأزمة الحالية بينما حصة سوريا انخفضت بنسبة 40 في المئة. وهجّر الجفاف المزارعين السوريين من أراضيهم منذ العام 2006م.

وجرى تمويل (مشروع جنوب شرق الاناضول) المتوحش بمبلغ 30 مليار دولار، من خلال الخزينة التركية، وتسهيلات القروض الأوروبية (إيطاليا، النمسا، المانيا، بريطانيا، سويسرا، الولايات المتحدة الامريكية، البنك الدولي). وتبلغ المساحة التي يغطيها المشروع اكثر من 73 الف كيلومتر مربع، أي عُشر مساحة تركيا، ويروي ما يقارب 2 مليون هكتار، أي اكثر من 7 مليون دونم. ومن السدود التركية الواقعة ضمن هذا المشروع القاتل للحضارات على نهر الفرات: سد (كيبان) 1974م بسعة خزنية 30 مليار متر مكعب وطاقة إنتاجية 1240 ميغاواط، وسد (قره قاية) 1987م بسعة خزنية 9 مليار متر مكعب وطاقة إنتاجية 1800 ميغاواط، وسد (قرقاميش) 1999م بطاقة إنتاجية 650 كيلو واط في الساعة، وسد (بيرجيك) 2000م بطاقة إنتاجية تبلغ 3168 كيلوواط في الساعة، وسد (أتاتورك) 1990م وهو واحد من اكبر سدود العالم ببحيرة صناعية مساحتها 817 كيلومتر مربع وسعة خزنية 48 مليار متر مكعب وطاقة إنتاجية تبلغ 2520 ميغاواط، وتتفرع عن سد (أتاتورك) قنوات تسرق المياه الى خارج مجرى النهر مثل قناة (اورفة)، التي هي من اكبر الانفاق الاروائية في العالم، وتنقل المياه عبر قناتين متوازيتين بطول 26 كيلومتر الى سهول (اورفة) و (حران)، لتروي مساحة تبلغ اكثر من 141 الف هكتار، بتصريف يبلغ 328 متر مكعب في الثانية. اما المشاريع التركية على نهر دجلة فهي: مشروع (دجلة كيرل كيزي) 1997م بسعة خزنية 595 مليون متر مكعب وطاقة إنتاجية 110 ميغاواط ويروي مساحة زراعية تبلغ اكثر من 126 الف هكتار، ومشروع (باطمان) 1998م بسعة خزنية تقارب 2 مليار متر مكعب وطاقة إنتاجية 198 ميغاواط ويروي مساحة زراعية تتجاوز 377 الف هكتار، ومشروع (باطمان – سلفان) 1998م بسعة خزنية تقارب 9 مليار متر مكعب وطاقة إنتاجية تقارب 250 ميغاواط ويروي ما يقارب 257 الف هكتار من الأراضي الزراعية، ومشروع (كرزان) بسعة خزنية تقارب 450 مليون متر مكعب وطاقة إنتاجية 90 ميغاواط ويروي 60 الف هكتار، ومشروع (جزره) بسعة خزنية 360 مليون متر مكعب وطاقة إنتاجية 240 ميغاواط ويروي أراضي زراعية بمساحة 121 الف هكتار، وسد (ديوه كيجيدي) الذي يروي مساحة 36 الف دونم، وسد (كوك صو) الذي يروي مساحة 16 الف دونم. وبالتالي تستحوذ تركيا على 100 مليار متر مكعب من مياه نهري دجلة والفرات، فيما لن تطلق سوى ما يقارب 27 مليار متر مكعب من المياه فقط لسوريا والعراق معا، وهذا يعني انها تتحكم بما نسبته 80% من مياه النهرين عند إتمام مشروع جنوب شرق الاناضول. بالإضافة الى رفع مستوى الملوحة في مجرى النهرين في العراق وسوريا، لاسيما في العراق، لتتجاوز خمسة اضعاف مستوى الملوحة المقبول في المياه الاروائية، وكذلك انخفاض نسبة (الغرين = الطين الأحمر) مما يتسبب بانخفاض خصوبة الأراضي الزراعية العراقية، وانتشار التصحر، وزيادة تلوث مياه النهرين بسبب مرتجعات مياه المشاريع التركية غير المعالجة، واغلاق مشاريع توليد الكهرباء المائية في العراق، ويعني تفضيل الحكومات التركية لمصلحة 15% من سكانها الواقعين ضمن حوض مشاريعها على مصلحة 100% من سكان العراق و 20% من سكان سوريا.

ومشروع سد (اليسو) 2018م على نهر دجلة، بسعة خزنية اكثر من 10 مليار متر مكعب وطاقة إنتاجية تبلغ 1200 ميغاواط ويروي ما يقارب 4 آلاف هكتار، بارتفاع يقارب 527 متر، ومساحة بحيرة السد بحدود 300 كيلو متر، وقد استطاع العراق في حكومات سابقة اقناع دول مثل المانيا وإيطاليا والصين بوقف تمويله بعد عرض الكوارث التي سيتسبب بها للزراعة العراقية وكيف سيحول العراق الى صحراء، حيث سيخفض الوارد المائي الى العراق من 20 مليار متر مكعب الى 9 مليار متر مكعب، مما يعني تصحر ومعاناة ما يقارب 700 الف هكتار من اجود الأراضي الزراعية العراقية، فيما تسبب تشغيله في انخفاض خزين سد (الموصل) العراقي بعد ثلاثة اشهر فقط بنسبة 50%، ثم سيقوم السد بخفض واردات مياه نهر دجلة بحدود 60%.

فيما هناك القناة المائية التركية من الاناضول (نهر الخابور) – احد روافد الفرات على الحدود التركية السورية - الى شمال قبرص، بعنوان "مياه السلام". حيث سيؤدي خط الأنابيب وثراء المياه إلى زيادة قيمة العقارات في جمهورية شمال قبرص التركية، وعندما يأتي يوم حل مشكلة الملكية مع جنوب القبارصة اليونانيين، عن طريق التبادل، ستكون القضية في صالح القبارصة الأتراك. ومعظم القبارصة الأتراك سعداء للغاية وراضون عن نتيجة "مياه السلام". ويعتقد بعض السياسيين والأكاديميين والناس أن وجود مياه إضافية في أراضي جمهورية شمال قبرص التركية، وسد Geçitköy، ونظام توزيع المياه الجوفية، وجمع مياه الصرف الصحي وتحويلها إلى شبكة مياه صالحة للاستعمال، سيعزز أيدي الجانب القبرصي التركي على طاولة المفاوضات. بينما يوجد نقص في مياه الشرب الصالحة للأكل والصحية والزراعية والمياه الصالحة للاستخدام في جنوب قبرص اليوناني. و "مياه السلام" سوف يتم تصديرها ايضاً إلى (إسرائيل) من شمال قبرص بنفس التكنولوجيا، عن طريق خطوط الأنابيب 250 مترًا تحت مستوى سطح البحر، اذ منذ استيطان اليهود في أرض فلسطين في الربع الثاني من القرن العشرين، شعرت إسرائيل دائمًا بنقص المياه من أجل البقاء وظروف المعيشة الأفضل والزراعة والمعيشة الصناعية، وسيؤدي تحقيق إمدادات المياه من تركيا إلى إسرائيل عبر شمال قبرص إلى تحسين العلاقات الإنسانية والاقتصادية والسياسية بين تركيا والجمهورية التركية لشمال قبرص وإسرائيل. وبدأت دراسات القناة عام 1999م، وصدر تقرير المشروع عام 2002م، بكلفة تقديرية 500 مليون دولار، وبدأ العمل عام 2005م، بفترة زمنية مقدرة بعشرة سنوات (الانتهاء 2015م)، بطول بري 80 كيلومتراً، وطول بحري تحت الماء 250 كيلومتراً، لديها القدرة على إيصال حوالي 75 مليون طن من المياه سنويًا إلى قبرص من الأناضول، ويلبي جميع متطلبات المياه العذبة على مدى الثلاثين عامًا القادمة. سيكون لكل خط أنابيب إضافي مبني على نفس البنية التحتية القدرة على توصيل 75 مليون طن من المياه سنويًا. البنية التحتية لديها القدرة على حمل 5 خطوط أنابيب في نفس الوقت، وترتفع السعة من 75 مليون طن إلى 275 مليون طن في اتجاه واحد و 550 مليون طن في كلا الطرفين. تفتح هذه القدرة الطريق أمام تصدير مياه السلام من شمال قبرص إلى جنوب قبرص وإسرائيل أيضًا.

وتركيا لا تعتبر نهري دجلة والفرات نهرين دوليينِ، فهي ترى انهما يخضعان لسلطتها منذ الدولة العثمانية، وان لها حق التصرف في مياههما، متجاهلة كل المطالب العراقية، ومتغاضية عن الضرر الاقتصادي والديموغرافي والبيئي لجفاف نهري دجلة والفرات في العراق. ومتناسية انها في الأصل قوة غريبة جاءت من أواسط اسيا واحتلت شمال العراق وابادت القبائل العربية والاشورية العراقية فيه، لتقيم دولتها الطائفية هناك، والتي قامت على تكفير العراقيين، واهمالهم، وامتصاص ثرواتهم ونقلها الى إسطنبول، كما انها تسببت بالفتن الدموية بين الاكراد الذين كانت تستخدمهم والعرب الذين كانت تقتلهم وتسرقهم في العراق، وانها منذ وصلت الى (بلاد الرافدين = العراق) تسببت بسقوط دوله المتحضرة.

واما كل هذه الكوارث الناشئة عن السدود التركية العملاقة المتوحشة يكتفي الناطق باسم وزارة الموارد المائية العراقية (عون ذياب) بالإعراب عن قلقه.

بل تسعى الحكومة العراقية الى تنفيذ المشروع السعودي لاستثمار بوادي الانبار والنجف والمثنى زراعيا، بما يتجاوز المليون هكتار، وهو مشروع يحتاج بحسب التقديرات السعودية الى استدامة مائية تصل الى 50 سنة، بينما صرحت وازرة الموارد المائية العراقية ان الخزين المائي الجوفي العراقي لا يسد الحاجة القومية لخمس سنوات قادمة. وبالتالي بعد ان تمتص الشركات الأجنبية نفط العراق، والسدود التركية مياه العراق النهرية، والمشروع السعودي مياهه الجوفية، سيتركون العراق عبارة عن صخرة كبيرة بلا سوائل ولا روح، لا لشيء الا لوجود أحزاب سياسية كردية عنصرية اعتادت التبعية التاريخية للأتراك العثمانيين وتسعى للانفصال عن العراق، وأحزاب سنية طائفية تشعر بالأمن المائي بسبب وجود السدود التي انشأها نظام صدام الطائفي في مناطقها الشمالية والغربية وبسبب رعاية تركيا الحديثة لها، وتيار شيعي استحوذ على السلطة منفرداً وكان جاهزاً دائماً للايجار الدولي مقابل المال.

ويتحفنا الاعلام الحكومي العراقي المنسجم مع توجهات كل حاكم بالمزيد من البرامج والتقارير السمجة التي تريد افهام المواطن العراقي بالخديعة ان المشكلة المائية مصدرها ايران الإسلامية، وكأننا نعيش في زمان دعاية (القائد الضرورة حامي البوابة الشرقية للامة العربية).

يردفه الاعلام (الغربي – العربي الخليجي) المشترك بأخبار ملفقة مساندة لدعم وحدة الحضن العربي في عدائه الطائفي التاريخي لكل ما هو شيعي يوالي علي بن ابي طالب، رغم ان قناة غير مهنية تتبع هذه المنظومة تنشر بشماتة صبيانية خبراً عنوانه (الإفلاس المائي في ايران)، وتتحدث عن جفاف أصابها بكل اعراض الشماتة المرضية، في تناقض بين الطالب والمطلوب.

ولا نستبعد ابداً ان هذا الجفاف الذي يصيب ايران بصنع صانع، كما هو الجفاف في العراق كان بفعل الفاعل التركي. فمشروع هارب الأمريكي المؤثر في المناخ بيد دولة لن تكون يوماً أخلاقية. وحين كان الكثير من العراقيين يرون ان لهكذا مشروع دخالة في ارتفاع درجات الحرارة غير العادية وغير المنطقية في العراق في السنين السابقة، كانت ابواق الغرب في بلادنا تجد المبررات لهذا الارتفاع. فهي في ضربة طائفية مزدوجة نسبته الى الرياح القادمة من ايران حين تحتك بالجبال الحدودية الازلية فترتفع حرارتها، في اغرب تصريح لراصد جوي لديه ميول سياسية معادية للدين اكثر من ميوله المناخية. لكننا اليوم نعيش في العراق انخفاضاً غير معهود في درجات الحرارة، يذكرنا بالسنين الخوالي، تواءم مع بدء الحرب (الاوكرا..نية – الرو..سية)، والتي قد تكون عرقلت تأثيرات هارب مالياً، او انه تم توجيهه باتجاه (رو..سيا) ذاتها، لننعم نحن مؤقتاً بدرجات حرارة متزنة.

وفي الوقت الذي تصدر (وازرة) الكهرباء العراقية بكل بهجة بيان توقيع مذكرة ربط كهربائي مع الغول التركي الذي يمتص مياه العراق، يخفت كل صوت رسمي عن ذكر مصيبة السدود التركية التي لا تعني باللغة السياسية الا الحرب المعلنة من جانب واحد. فسد واحد كاد يثير الحرب بين مصر وجيرانها، فكيف بوكر وحوش من السدود المجحفة.

فيما تركّز الصفحات السياسية والموجهة في مواقع التواصل الاجتماعي على تحويل انظار العراقيين، لا سيما الشيعة المتضررين منهم، باتجاه ايران، لبدء فتنة شيعية – شيعية شبيهة بما جرى في الأعوام 1980-1988 م من طحن وقتل للشيعة في البلدين، بخديعة طائفية قادها حزب (البعث) الطائفي العنصري والحضن العربي.

وتتغاضى الحكومة العراقية كلياً عن انهيار حضارة وادي الرافدين وجفاف أراضيها (جنة عدن)، لان هذه الحكومة اليوم مملوكة كلياً لتركيا، التي يزورها (خميس الخنجر) و (محمد الحلبوسي) لمناقشة اختيار وزير الدفاع العراقي مع رئيس الحكومة التركية، ويفتح اكراد العراق لشركاتها الباب واسعاً لتتجاوز الالاف في العراق، فيما يمكن ايجار انصار السيد (مقتدى الصدر) بالمال.

ولهذا كله فدعوة تشكيل لجنة (صدرية) لمعالجة (الفساد) في قضية جفاف (شط آل إبراهيم \ قضاء سيد دخيل \ محافظة ذي قار) ما هي الا خطوة اقرب للتهكم منها الى معالجة واقع الجفاف في العراق، فالسيد مقتدى الصدر حليف للبارزاني والحلبوسي اهم حلفاء تركيا التي تتسبب بجفاف العراق.

بينما تعيش القبائل الشيعية في الوسط والجنوب العراقي غفلة مطبقة وجهل عما يجري ويراد لها من هلاك، في ظل غياب دور (المرجعية الدينية) وعجزها عن ممارسة دور الإمام المعصوم في رعاية (ايتام آل محمد) من الشيعة.

***

علي الابراهيمي

علاء اللاميلذكرى شهيدة فلسطين شيرين أبو عاقلة

بعد اغتيال المراسلة الصحافية الفلسطينية الشهيدة شيرين أبو عاقلة بساعات قليلة، اشتغلت الماكينة الإعلامية والتواصلية المعادية على خطين؛ الأول هو التشكيك بحيثيات جريمة الاغتيال، والتي هي في واقع الأمر عملية تنفيذ إعدام ميداني واضحة الأركان والحيثيات، في محاولة لتبرئة الجيش الصهيوني من تبعاتها، وكأنها جريمة القتل الأولى بحق الصحافيين الفلسطينيين. أما المعلومات الموثقة فتقول إن القوات الإسرائيلية قتلت منذ انتفاضة الأقصى سنة 2000 أربعة وخمسين صحافياً، ويقبع في سجون الاحتلال، حسب نادي الأسير الفلسطيني، ستة عشر صحفيا، من بينهم الصحفي محمود عيسى المعتقل منذ عام 1993، والصحفية بشرى الطويل من مدينة البيرة التي اعتقلت خلال السنوات الماضية ست مرات، كما ورد على لسان الإعلامي الفلسطيني وليد العمري في مؤتمر صحافي عقده في مدينة نابلس بعد الجريمة الجديدة بساعات.

لقد تراجعت المؤسسة الصهيونية العسكرية والإعلامية عن رواياتها الثلاث الكاذبة التي قدمتها تباعاً، بعد أن تآكلت تلك الروايات بسرعة، وشكك فيها حتى بعض الأطراف الإعلامية داخل الكيان، واستقرت الرواية الصهيونية الرسمية أخيرا عند القول بعدم إمكانية تحديد القاتل الذي أطلق النار على الشهيدة. والخط الثاني، وقد تولاها الذباب الإلكتروني وساهم فيه المضللون والمغرر بهم والجهلة ويستهدف التشويش على بعض التفاصيل ذات العلاقة كوصف القتيلة بأنها شهيدة، ورفض الترحم عليها لأنها مسيحية وليست مسلمة. وقد دارت جدالات واسعة بين تيارين؛ المحافظ المشدد، والآخر المستنير التقدمي حول الموضوع. هنا معلومات تراثية حول مصطلحيِّ الشهيد والاستشهاد في السردية الإسلامية، إضافة إلى رصد وتحليل بعض أصداء تلك الجدالات:

وردت كلمة "شهيد" في القرآن الكريم بمعنيين؛ مرة بمعنى الشاهد والمراقب الحاضر، كما في الآية 33 من سورة النساء (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً) كما وردت بهذا المعنى في الآية 72 من سورة النساء والتي تقول ("وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله عليَّ إذ لم أكن معهم شهيداً" وقد فسر الفقيه الحسين بن منصور البغوي - من أهل القرن الحادي عشر الميلادي، في كتابه "معالم التنزيل" كلمة "شهيدا" الواردة في الآية المذكورة بقوله " أَيْ: حَاضِراً فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ فَيُصِيبُنِي مَا أَصَابَهُمْ". ووردت بمعنى ثانٍ كوصف لمن يقتل في سبيل الله والدين حسب بعض المفسرين في الآية 69 من سورة النساء (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقا). أما في عصرنا الحاضر، فالسلفيون الإسلاميون لا يستعملونها إلا بعد مقدمات حذرة ومترددة، لأنهم يعتقدون - وهم على صواب هنا - أن اعتبار القتيل شهيداً لا يكون إلا بمشيئة الله وبأمره، فهو الذي يقرر إنْ كان هذا القتيل شهيداً أو لا، فلا يكفي أن يُقْتَل المسلم في الحرب ليكون شهيدا، لذلك يكررون عبارة (نحتسبه عند الله شهيداً وليس لنا على الله تعالى مِنَّة).

وهناك أيضاً حادثة مشهورة وقريبة مما نحن بصدده في التراث الإسلامي، كنت قد تطرقتُ إليها في مقالة بعنوان "التتريس والانغماس لدى السلفيين الانتحاريين" نُشرت في الأخبار بتاريخ 23 تشرين الأول 2013، وتتعلق تلك الحادثة بخلاف نشب بين المسلمين حول مقتل أحد الصحابة؛ فمنهم من شكك بأنه شهيد ولكن النبي تدخل وحسم الجدل باعتباره شهيدا. والصحابي المقصود هو عامر بن الأكوع، ومفاد هذه الحادثة هو أن هذا الصحابي شارك في غزوة خيبر، واشتبك مع أحد المقاتلين اليهود في مبارزة ثنائية بالسيف، وخلال المبارزة ارتد سيف عامر عليه فبتر ساقه ومات متأثراً بجرحه، فقال بعض الصحابة "بَطَلَ جهادُهُ"، وقال آخرون "حُبِطَ عمله"، ومعنى كلامهم أنه منتحر وليس مجاهداً أو شهيداً، فكان رد النبي العربي الكريم عليهم معاكساً؛ فقد قال: "مَن قال ذلك أشكل عليه الأمرُ... إنه جاهد مجاهد، وإنه ليعومُ في الجنة عَوْمَ الدعموس" كما ورد هذا الحديث في "الطبقات الكبرى" لابن سعد – ج4 – ص 304. وفي رواية أخرى: "إنَّ لَه لَأَجْرَينِ- وجمَعَ بينَ إصبَعَيْهِ- إنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا مِثْلُهُ"؛ وفي رواية ثالثة لهذا الحديث، سُئل النبي عن الصحابي عامر بن الأكوع: «يا رسول الله: أ شهيد هو؟ قال: نعم، وأنا له شهيد». وأرجحُ صيغة الرواية الأولى والثانية للحديث على الثالثة، لأن مفردة "شهيد" بمعناها المحدد، لم تكن قد تكرَّست بعد كاصطلاح قائم بذاته ومعناه في زمن النبي رغم وجودها ككلمة واصفة للحال، وربما كان قد تكرس أو بدأ تكرسه كمصطلح في أواخر العهد الأموي تقريباً.

وبصدد موضوع الترحم على غير المسلمين، كان الباحث الإسلامي المستنير محمد الصياد قد نشر مقالة، بعد استشهاد السيدة أبو عاقلة، ومع تصاعد الجدل حول موضوع اعتبارها شهيدة أم لا. أورد الصياد كلاماً لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي يجيز فيه الترحم على غير المسلمين، فجاء اقتباسه في وقته المناسب تماما، وهذا نصه: "يقولُ الحُجّة الغزاليّ (ت: 505 هـ) رحمه الله في كتابه الماتع (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة): "بل أقولُ: أكثرُ نصارى الروم والتركِ في هذا الزمان تشملُهم الرحمةُ؛ أعني: الذين هم في أقاصي الرومِ والتركِ، ولم تبلغهُمُ الدعوةُ.

وأمّا الذين بلغهم اسمُ محمد صلى الله عليه وسلّم، ولم يبلغهم بعثه وصفته، بل سمعوا منذ الصِّبا أنّ كذاباً مُلْبّساً اسمُه محمّد ادّعى النبوّة، فهؤلاء عندي تشملهم الرحمة أيضاً؛ فإنّهم مع أنهم لم يسمعوا صفته، سمعوا ضدَّ أوصافِهِ، وهذا لا يُحَرّكُ داعيةَ النَّظرِ والطلبِ". انتهى.  وبنحو ذلك قال الإمام الكبير العزّ بن عبد السلام (ت: 660هـ)، بل وزاد على ذلك أنّ غير المسلم في زماننا إذا اجتهد ونظَر وطلب، ثمّ مات قبل إكمال النظر من غير تقصير: "فلا معصية ولا عذاب..، إذ لا عذاب إلا مع العصيان، هذا هو الذي أراه، وأصول الشرع تتقاضاه، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولا يُحمّلها ما يضيق به ذرعها". انتهى الاقتباس.

وقد يعترض البعض على مبدأ الاستشهاد بكلام الغزالي، على اعتبار أنه صدر داخل دائرة التشدد الديني الذي عرف به الغزالي. والواقع فلا أحد يجهل تراث الغزالي ومواقفه المحافظة والمناهضة للعقلانية وللفلسفة. فهو صاحب كتاب "تهافت الفلاسفة" وقد رد عليه الفيلسوف العقلاني ابن رشد بكتاب مضاد هو "تهافت التهافت"، غير أن من السليم والمنطقي أن نركز على أن في قول الغزالي هذا شيئاً لا ينكر من السماحة والتعايش، وإشارة واضحة تهدف إلى توسيع دائرة الاستثناء والتساهل الفقهي مع غير المسلمين وتضييق دائرة التكفير والتشدد. وحين تأتي هذه الإشارة من فقيه محافظ ومتشدد فهي تكون أقوى في مغزاها منها لو جاءت من فقيه عقلاني مستنير؛ وبها يمكن الرد على المتشددين والتكفيريين المعاصرين بالقول: هاكم كيف كان أسلافنا وأسلافكم أقرب الى السماحة والإنسانية منكم، حتى إنْ كانوا محافظين ومتشددين كهذا الفقيه. كما أن هذا المقتبس من كلام الغزالي يدحض أيضا مزاعم العلمانيين المتطرفين في عصرنا، من أولئك الذين يعتبرون الإسلام والمسلمين ككل ظاهرة تكفيرية رجعية ولا علاج لها إلا بالاستئصال والقمع العميم، وفي هذا المنطق العلماني القشري منتهى اللاعقلانية والتطرف، ثم ما رد هؤلاء العلمانيين المتطرفين على ما ورد في القرآن ذاته في الآية 62 من سورة البقرة والتي تقول (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)؟

وضمن هذه الأجواء التي أعقبت الجريمة الصهيونية بإعدام المراسلة الصحافية الفلسطينية شرين أبو عاقلة انتشرت مداخلة بالفيديو على موقع يوتيوب للشيخ الأزهري عصام تليمة، وفيها قدم الشيخ موقفاً جريئاً موثقاً من موضوع الترحم على الشهيدة الفلسطينية ووصفها بالشهيدة، تقارب ما عبرنا عنه في هذه المقالة ومن ذلك قول الشيخ:

-حين نصف المتوفى، أيا كان، بالشهيد أو المرحوم أو المغفور له، فنحن لا نقرر له صفة مجزوم بها هي الشهادة والرحمة والغفران بل ندعو الله أن يعتبره شهيدا وأن يرحمه وأن يغفر له.

-الشهادة أنواع منها شهيد الدنيا وشهيد الآخرة، ومن الشهداء؛ المقتول ظلما، وهناك شهيد الوطن وشهيد الواجب وشهيد المروءة، وحتى الميت غرقاً والمرأة التي تتوفى عند الولادة تعتبر شهيدة، وحتى عند الملحدين هناك شهيد الواجب.

-الشهادة موجودة في الديانات الأخرى كاليهودية والمسيحية فحين تكون القتيلة شهيدة في دينها فهي شهيدة، ولا ضير من أن نعتبرها نحن كذلك، فهذا لا يتعارض مع أحكام الإسلام.

***

علاء اللامي - كاتب عراقي

.................

-إن موضوع الترحم على غير المسلم فقهيا هو موضوع خلاف معقد وواسع بين الفقهاء المسلمين القدماء فمنهم من يجيزه كبعض فقهاء الشافعية ويأتي بأمثلة موثقة على ذلك ومنهم من لا يجيزه.

-إن هذه القضية فيها سعة وفيها بحبوحة، وعليه، يقول الشيخ: لا مانع شرعاً من أن أقول: الأخت الشهيدة شيرين أبو عاقلة رحمها الله وغفر لها، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وبهذا يكون الشيخ تليمة وزملاؤه قد قالوا في هذا السجال ما يجب قوله من وجهة نظر الإسلام المستنير، المتحضر، الحي، والمقاوم للصهيونية وجرائمها المستمرة، وقد ساهموا عمليا في إحباط المخطط الصهيوني الإعلامي والسياسي.

اياد الزهيريمن الواضح أن أحد أسباب الصراع السياسي بين الأسلاميين والعلمانيين هو الأختلاف العقائدي بينهم، وهو بالحقيقة أختلاف حاد، حتى أن هذا الأختلاف تحول الى خلاف أمتد لفترة طويلة من الزمن، ويمكننا تحديد بداياته في الوطن العربي منذ خمسينات القرن الماضي ولايزال ليومنا هذا، وهذا الأختلاف الذي تطور الى خلاف أتخذ أشكال مختلفة، يتراوح بين الحرب الأعلامية التي لا هواده فيها، والتي تضمنت التشهير والتسقيط والتدليس وتزوير المواقف، مما ساهم بحدوث فجوة واسعة بين طرفين كبيرين في الساحة السياسية في عالمنا العربي والأسلامي، والذي أدى الى نشوب صراعات ومناكفات وصلت في بعض الأحيان الى الصدام الدموي بين أبناء الشعب الواحد والذي أدى الى أنقسام شعبي أنعكس على السلام المجتمعي سوءً، هذا الصراع الأيديولوجي كلف شعوبنا الكثير، وهنا أود أن أقدم مقترح قد يساهم في فك هذا الأشتباك المزمن بين الطرفين، والذي يمكن أن يوفر فرص كبيرة من التعاون بينهم لصالح بلدانهم، وهذا المقترح يتلخص بفك أرتباط هذه الاحزاب العلمانية مابين برامجها السياسية والأقتصادية وبين تصوراتها الأعتقادية والكف عن مهاجمة عقائد الناس وتسفيهها والنيل منها، حيث أن موقف العلمانيين هذا لا يقل خطورة عن موقف المتشددين الدينيين، الذين ينطلقون من أطلاقية أفكارهم، وهو لا شك موقف متعصب وغير حضاري . هذا التغير أن حصل فسوف يساهم بتقريب وجهات النظر بين الأحزاب الأسلامية وبين الأحزاب ذات الطابع العلماني، كما يمكن أذا خف التوتر بينهم  أن تتوفر فرصة للحوار البناّء بينهم،وقيام شراكات جبهوية لأدارة البلد،وخلق فرص للوئام الوطني الذي هو ركيزة لوحدة البلد وزيادة قوته، أذن فلتكن هناك حكومات خدمات وتنافس برامج خدمية تركز على خدمة المواطن وحماية البلد، وأن يحتفظ كل حزب بمعتقده ويعتبره خصوصية فردية لا أحد له سلطان عليها، حيث تعتبر العقائد والتصورات الفكرية من أبواب الحرية الشخصية، كما أن الأسلام أحترم هذه الخصوصية العقدية،وقد بينتها آيات القرآن الكريم (لكم دينكم ولي ديني) و(لا أكراه في الدين) و(لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد…)، فالتنافس في أختيار الأحزاب سيكون على أساس ما يقدمه ذلك الحزب من خدمة للمجتمع، كما يمكن للمرء أن  يختار عقيدته التي تلبي قناعاته الفكرية والعقائدية في جهة أخرى حزبيه أو غير حزبيه، ومن هنا سيتفكك الأشتباك بين ما هو عقائدي وما هو سياسي، ويخلص الفرد والمجتمع من معانات طالما أتعبت الأشخاص كما أتعبت الأحزاب لفترة غير قصيرة من الزمن، وستكون الأحزاب التي أتسم فكرها بالكفر والألحاد،سيكون لها مقبولية على مستوى الشارع، وأن تبنى جسور الثقة والود والصداقة مع  التيارات والأحزاب والمؤسسات الدينية وأن لا تنبذ حتى من فقهاء الدين نتيجة فض هذا التشابك بين ما هو أعتقادي،وبين ما هو سياسي وأقتصادي . أن هذا الأقتراح يمكن أن يجد فرص نجاح كبيرة بالنظر لتوفر الأرضية التي تسمح لهذا التوافق بين العلمانين والأسلاميين والذي يمكن تلمسه في النصوص المقدسة، من أمثال ( ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات) و(ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة) و(فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر ...) . من خلال هذه الآيات القرآنية نرى أن الذات الألهية منحت الأنسان الأرادة الكاملة في أختيار نوع أيمانه، وأن عاقبة هذا الأيمان ستكون بين الله والأنسان في يوم الحساب، ويحق لمخلوق أن يُحاسب مخلوق آخر على أعتقاده ومتبنياته الفكرية، وأن  الأنسان هو الكائن الوحيد الذي يمتلك هذا التفويض، ولعل سائل يسأل لماذا أمر الله المسلمين في بداية الدعوة الأسلامية بمقاتلة الكفار كما في الآية الكريمة (فأذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم وأقعدوا لهم كل مرصدفأن تابوا وأقاموا الصلاةوآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ان الله غفور رحيم)، هذه اية لا تتعارض مع ماذكرنا أعلاه، لأن مقصد هذه الآية وقتي ولحالة معينة حصلت بعد الفتح مباشرة وهو أجراء أحترازي لظروف أستثنائية، كما أنها نزلت لمعالجة أمر خطير يهدد الثورة الفكرية الجديدة، خاصة وهي محاطة بمجاميع عدوانية من اليهود وقريش وبقية القبائل العربية في الجزيرة العربية، وهي قبائل بدوية متخلفة وتمتاز بالشراسة والعنجهية، وبعيدة عن المراكز الحضارية المجاورة لها، مما جعلها أقرب للتوحش، وهي قبائل ذات طابع وثني، ومشبع بالخرافة، لذا بات لزاماً على الدين الجديد أن يستعمل ما يُعرف اليوم بمصطلح العنف الثوري، وهو أسلوب تتجه له بعض الثورات لأقامة عهد جديد على أنقاض عهد قديم يكون من الصعب تغيره الا بأسلوب العنف الثوري الذي ذكره نص الآية، خاصة وأن هذه المجاميع القبلية هي من تتربص بالمسلمين، وهم من يتخذون موقف الهجوم أتجاه المسلمين . فمهمة بنار الأنسان الجديد تتطلب عملية أنقلاب أجتماعي لا تخلوا من الغلظة والشدة، خاصة وأنهم يمثلون خطر على الجبهة الداخلية لدولة فتية وحديثة التكوين . أذن الأمر هو معالجة أستثنائية، ولم يكن قاعدة لحكم شرعي والدليل أن هناك الكثير من الآيات يكون منطوقها النصي يتسم بالتسامح، وأن الأنسان مفوض وحر بأتخاذ قراراته في تشكيل أعتقاداته، وخير مثال الآية الكريمة (لست عليهم بمسيطر) و(ما على الرسول الا البلاغ المبين)، وفي هذا الصدد كذلك يمكننا أن نورد بعض المقتطفات للأراء بعض الفقهاء والمفكريين السياسيين المحسوبين على الأسلام السياسي والتي تنحو منحى التوافق والرغبة في مد الجسور مع العلمانيين وغيرهم من غير الأسلامين، فمثلاً يقول الفقيه الشيرازي في شأن تكفير الآخر المختلف والذي أنضم الى حزب غير أسلامي أجاب: (مجرد الأنضمام لا يوجب الكفر، وأن كان حراماً)، كما هناك رأي للقيه بحر العلوم يقول فيه ( واذا كلنا نؤمن بالتعددية السياسية، فمن مظاهرها الأساس حرية تأسيس الأحزاب...بصفتها مظهراً من مظاهر التعبير والرأي التي يجب أن يتمتع بها كل المواطنين على أختلاف أديانهم ومذاهبهم وأيديولوجياتهم- بشرط أن تخدم الوطن، وتدعم وحدة الأمة) ولم يتوقف الأمر على بعض فقهاء الشيعة بل حتى الشيخ القرضاوي وهو فقيه سني حيث يقول (انه لا يوجد مانع شرعي من وجود أكثر من حزب سياسي داخل الدولة الأسلامية، أذ أن المنع الشرعي يحتاج الى نص، ولا نص، بل ان هذا التعدد قد يكون ضرورة في عصرنا الراهي، لأنه يمثل صمام أمان من استبداد فرد أو فئة بالحكم، وتسلطها على سائر الناس)، كما يمكنني أن أذكر رأي للدكتور العوا وهو من منظري الأسلام السياسي حيث يذكر في هذا الصدد أنه لا تثريب اليوم على دولة أسلامية (ان هي سمحت بتعدد الأحزاب فيها، وأنها يجوز لها، بل يجب عليها، أن تشترط على هذه الأحزاب الالتزام بقيم الأسلام وأحكامة، ثم تدعها بعد ذلك وما تدعو اليه منبرامج سياسية واقتصادية واجتماعية أو غيرها، وليس هذا ما يخالف أحكام الأسلام أو نصوصه القطعية) . فالأجتهادت في هذا المضمار كثيرة وأكثر مما يمكن جمعها في هذا المقال، وأخيراً وليس آخراص يمكنني أن أنقل رأي أكبر تيار أسلامي في الساحة الأسلامية وهو المرشد العام للأخوان المسلمين السيد محمد حامد أبو المصر بقوله( نحن نعتقد أن الحكم الأسلامي لابد أن يسمح بتعدد الأحزاب السيلسية لأنه كلما كثرت الآراء وتنوعت كلما كثرت الفتئدة، ونحن نعتقد أيضاً أنه لابد أن يمنح الحكم الأسلامي حرية تشكيل الأحزاب حتى للتيارات التي قلت عنها أنها تصطدم بالأسلام كالشيوعية والعلمانية....)، كما يمكننا أن نأخذ بتجربة عملية حدثت بالساحة العراقية، عندما تحالف التيار الصدري، وهو تيار محسوب على الأسلام السياسي مع الحزب الشيوعي العراقي. يتضح من كل ذلك أن النصى الديني (الأسلامي9 مع الأجتهاد الصادر من العلماء والمفكرين الأسلاميين يصب في امكانية وجود أفق للتعاون والتحالف والتحاور، والتنافس مع الأحزاب العلمانية بكل تشكيلاتها من أقصى اليمن الى أقصى اليسار ولكن بشروط ذكرنا أعلاه، والتي منها احترام ثوابت الشريعة والنساق القيمية للأمة، وهنا فأن الأسلاميين، وقد رموا الكرة في ساحة الأحزاب العلمانية، والتي ينبغي عليها أن تترك المنهج العدائي واللاسلمي أتجاه الأديان عامة والأسلام خاصة، وأن يركزوا على برامجهم السياسية والأقتصادية بعيداً عن العقائد المتصلة  بالغيبيات والقيم الدينية، وأن يبحثوا عن المشتركات التي تربطهم بواقعهم الأجتماعي، وأن يفهموا جيداً أن لواقعهم المحلي خصوصيةً، وأن ليس دائماً الأفكار التي منبعها الغرب هي صالحة لكل البئات والظروف، فهي لا شك نتاج ظروف وردة فعل لمشاكل مختلفة عما يحصل في بلادنا، كما هي نتاج طريقة تفكير بعيدة عنا، وما يصلح لشعوبهم ليس بالضروة يصلح لنا كمسلمين، وشعوب شرق أوسطيه، لها ظروفها ومشاكلها وحاجاتها الخاصة بها.

***

أياد الزهيري

ابراهيم أبراشمنذ النكبة في مثل هذا الشهر قبل 74 عاماً بل قبل ذلك منذ صدور وعد بلفور 1917 و الفلسطينيون مسلمون ومسيحيون يدافعون عن القدس والمسجد الأقصى كمكان عبادة يخص جميع المسلمين ويستشهدون ويعانون وحدهم. 

ما يسمى العالم الإسلامي والعالم العربي لم يتحرك عندما أعلن الكيان الصهيوني القدس عاصمة له ولم يتحرك عندما قررت واشنطن نقل سفارتها إلى القدس، ولم يتحرك وهما يشاهدان المستوطنين وجنود الاحتلال يقتحمون المسجد الأقصى ويمارسون طقوسهم الدينية فيه، ولم يتحرك ولا يبدو أنه سيتحرك والحكومة الإسرائيلية الحالية تعلن رسمياً تبنيها لمخطط تقسيم المسجد الأقصى وتشجع المستوطنين على اقتحامه لبناء هيكلهم مكانه.

لم نسمع من العالم الإسلامي والعربي الرسمي سوى كلمات شجب وتنديد خجولة وتهديدات جوفاء وفارغة بالرد إذا ما تمادى العدو في عدوانه على القدس والأقصى ! ولا ندري ماذا ينتظرون وما مفهوم التمادي؟ فهل هناك عدوان وانتهاك للمقدسات أكثر مما جرى ويجري في القدس والأقصى وقبلهم في الحرم الإبراهيمي في الخليل؟ وما جدوى الدعوة لتشكيل (جيش الأقصى) وهناك جيوش 57 دولة إسلامية وعربية، وقد سبق وأن شكلت إيران جيش القدس بالإضافة إلى مئات آلاف المقاتلين في الجماعات الإسلاموية؟ وأين سيرابط هذا الجيش ومن سيقوده؟ وما هي مصداقية دعوات التهديد والوعيد لإسرائيل بينما غالبية الدول الإسلامية لها علاقات دبلوماسية معها وبينهم اتفاقات أمنية وتعاون عسكري، بل لم تفكر دولة واحدة من هذه الدول بقطع علاقتها مع إسرائيل أو سحب سفيرها من تل أبيب؟ حتى منظمة التعاون الإسلامي التي تأسست عام 1969 للدفاع عن القدس وحماية المقدسات الإسلامية لم تدعو حتى لمؤتمر لمناقشة ما يجري في القدس والأقصى! وكذلك الحال مع جامعة الدول العربية.

ولماذا يسمح الفلسطينيون للكيان الصهيوني أن يوظف محاولات تهويد القدس واقتحام الأقصى للتغطية على أصل القضية والصراع وهو الاحتلال لكل فلسطين ومشاريع الاستيطان المتواصلة في كل ربوع الضفة، كما جرى ويجري من تحويل التصعيد العسكري على غزة للفت الأنظار والتغطية على جوهر القضية وعلى ما يجري في الضفة والقدس؟.

نعم، على الفلسطينيين الدفاع عن القدس والمسجد الأقصى في قلبه لأنه جزء من فلسطين والواجب الوطني يحتم عليهم الدفاع عنه كما يدافعون عن أي جزء من وطنهم المحتل، ولكن المسجد الأقصى يخص كل المسلمين وإن كان مقدساً بالفعل عندهم فعليهم حمايته أو يتوقفوا عن الحديث عن قدسية القدس والأقصى ويعيدوا النظر في نصوصهم وروايتهم الدينية التي تتحدث عنهما، و يتوقفوا عن لوم الفلسطينيين وانتقادهم وتوجيه الاتهامات لهم بالتقصير والتخلي عن حقوقهم وأراضيهم.

 لا نروم مما سبق تحويل الصراع مع الكيان الصهيوني إلى صراع بين الديانتين الإسلامية واليهودية وقد حذرنا من هذا الأمر لأنه يخدم العدو أكثر مما يخدم القضية الفلسطينية وقضية القدس والأقصى، كما لا نقصد الاستبعاد الكلي لخيار العسكرية مع الاحتلال.

لا نُنكر وجود جانب ديني للصراع ولا نتجاهل أهمية توظيف البعد الديني لصراعنا مع الاحتلال في سياق مشروعنا الوطني التحرري، ولكن ما نرمي إليه من هذا المقال ومقالات سابقة هو كشف زيف أصحاب الخطاب الديني المتباكين على القدس والأقصى الذين يوظفون موضوع القدس والأقصى والقضية الفلسطينية بشكل عام لخدمة مصالحهم ومشاريعهم الخاصة بل بعضهم يتواطأ مع إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، كما نحذر من توظيف المقاومة والجهاد بدون رؤية واستراتيجية وطنية.

  إن فشِل الفلسطينيون في منع الصهاينة من تهويد القدس وتحويل المسجد الأقصى لمكان عبادة لليهود فلا يلامون على ذلك والمسؤولية تقع على العالمين العربي والإسلامي وعلى من تقع الأماكن المقدسة تحت رعايتهم وخصوصاً المملكة الأردنية ومنظمة التعاون الإسلامي ولجنة القدس. 

كل التحية والاحترام لأهلنا في القدس و المدافعين عن المسجد الأقصى بصدورهم العارية مسلمين ومسيحيين وكل التقدير والاحترام للشعوب العربية التي لم تتخلى عن شعب فلسطين ولم تبخل عليه بالمساعدة قدر استطاعتها، وبئس من يتحدثون باسم (الأمة العربية) و (الأمة الإسلامية) من أمراء ورؤساء وقادة وأحزاب، الشيعة منهم والسنة، الذين ينطبق على موقفهم من إسرائيل وما يجري في القدس المثل العربي: (أشبعتهم شتماً وفازوا بالإبل).

***

إبراهيم أبراش

 

بقلم: ديفيد هيرست

ترجمة: علاء اللامي

بينما تسارع إسرائيل لتبرير أفعالها، ستبقى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة صامتتين بشكل مخجل، لكن الفلسطينيين لن يسكتوا.

طَوال شهور مضت، كان ثمة تمرد يختمر في الضفة الغربية المحتلة. وقد فقدت السلطة الفلسطينية سيطرتها على مدينة جنين، حيث توحَّدت فصائل المقاومة ضد التوغلات الإسرائيلية الليلية، كافة الفصائل.

الشاباك، جهاز المخابرات الإسرائيلي المحلي، مرتبك هو الآخر؛ فالهجمات بالأسلحة النارية على الإسرائيليين هي من عمل فلسطينيين لا تربطهم صلة تذكر ببعضهم، ولا بالجماعات المسلحة.

ولا يوجد دليل على أن هذه الهجمات منظمة أو منسقة، ويبدو أن القاسم المشترك بين المنفذين هو الرفض المتزايد للاحتلال.

هذه ليست جولة قتال دورية تنتهي عندما تشتعل معركة ما، أو عندما يُصدر الإسرائيليون المزيد من تصاريح العمل للعمال الفلسطينيين، ثم تعود الحياة إلى مجراها الطبيعي في هذا الجزء من العالم.

إنه جيل جديد من الفلسطينيين، كثير منهم لم يولدوا عندما اندلعت الانتفاضة الأولى أو الثانية، وهو يقف على أهبة الاستعداد للتصعيد للقتال، إنهم لا يعرفون الخوف ولا زعيم لهم.

لكن حتى اليوم، لم يكن لهذا الجيل اسم أو وجه أو أيقونة لقيادته. أما الآن فقد صار لهم ذلك؛ إنها سيدة فلسطينية تدعى شيرين أبو عاقلة.

المكان الذي حدث فيه إطلاق النار مهم. كان الصحفيون يقفون عند منعطف لا يجرؤ المقاتلون الفلسطينيون على المجازفة بالوجود فيه، لأنهم سيكونون في العراء ويفتقرون إلى الحماية. يقول العديد من الشهود إن تبادل إطلاق النار في الأزقة كان بعيدا من مكان تجمع الصحفيين.

رواية شاهد عيان:

أوضحت رواية شاهد عيان قدمتها الصحافية شذى حنيشة، التي كانت بجانب أبو عاقلة عندما أصيبت بالرصاص، أن مجموعة الصحفيين أبلغت القوات الإسرائيلية عن وجودهم قبل عشر دقائق من تحركها صعودا نحو مخيم جنين. لم يتم إطلاق أية طلقات تحذيرية من الجانب الإسرائيلي. وقد أصيب زميلها، منتج الجزيرة علي السمودي، برصاصة أولى في ظهره. حوصرت أبو عاقلة وحنيشة على الجانب الآخر من الشارع وظهرهما إلى الحائط.

قالت حنيشة: "في ذلك الوقت، اخترقت رصاصة أخرى رقبة شيرين، وسقطت على الأرض بجواري". "ناديتها باسمها لكنها لم تتحرك. عندما حاولت مد ذراعي للوصول إليها، أطلقت نحونا رصاصة أخرى، واضطررتُ للبقاء مختبئة خلف شجرة. تلك الشجرة أنقذت حياتي، لأنها كانت الشيء الوحيد الذي كان يعيق رؤية الجنود لي ".

لاحقا، أقرَّ الجيش الإسرائيلي أن جنوده كانوا ينفذون عملية في المنطقة في ذلك الوقت، وسرعان ما حاولوا إلصاق إطلاق النار بالمقاتلين الفلسطينيين. وأضافت -مصادر الجيش الإسرائيلي - أن تبادل إطلاق النار وقع بين قواتها ومقاتلين فلسطينيين وإنها تحقق في ما إذا كان "صحفيون قد أصيبوا، ربما بنيران فلسطينية".

لإثبات هذه النقطة، قام كل من الجيش والسفارة الأمريكية بنشر مقطع فيديو لمسلحين فلسطينيين في جنين وهم يطلقون النار في زقاق، في إشارة إلى أنهم مسؤولون. ولكن منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية غير الحكومية زارت المكان الذي التقطت فيه تلك اللقطات الفيديوية وقالت إنه من المستحيل إصابة أبو عاقلة من هناك. ولقد اندفعت السفارة الأمريكية بقوة لدعم رواية الجيش الإسرائيلي للأحداث وهذا أمر مهم أيضًا.

"لا حاجة للاعتذار":

لا يعني ذلك أن الإسرائيليين يعتقدون أن لديهم أي شيء للاعتذار عنه. وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي ران كوخاف لراديو الجيش إنه "حتى لو أطلق الجنود النار على - أو، لا سمح الله، أصابوا - شخصا غير مشارك، فقد حدث هذا في معركة، أثناء تبادل لإطلاق النار، حيث كان هناك فلسطيني مع الرماة. لذلك يمكن أن يحدث هذا الشيء ".

ووصف كوخاف السيدة أبو عاقلة بأنها "تصور وتعمل لمصلحة وسيلة إعلامية وسط فلسطينيين مسلحين. إنهم مسلحون بالكاميرات، إذا سمحت لي أن أقول ذلك".

يتفق زملاء كوخاف مع هذا الرأي. وقال الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي السابق آفي بينياهو: "لنفترض أن شيرين أبو عاقلة قتلت برصاص الجيش. لا داعي للاعتذار عن ذلك ".

عضو الكنيست الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير كان أقل تثبيطًا، حيث غرد: "أنا أؤيد الجنود الإسرائيليين بشكل كامل، لأن مراسلي الجزيرة غالبًا ما يعرقلون عملهم من خلال الوقوف عمداً في منتصف ساحة المعركة".

من الواضح أن الإجابة هي: "حتى لو قتلها قناص إسرائيلي، ما هي مشكلة إطلاق النار على الصحفيين؟" رد لا يختلف عن الرد الذي قدمه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بشأن مقتل خاشقجي.

أبو عاقلة ليس أول صحفي يقتل برصاص قناص إسرائيلي. قبل أسبوعين فقط، قُدمت مذكرات قانونية إلى المحكمة الجنائية الدولية تزعم الاستهداف الممنهج للصحفيين العاملين في فلسطين. تم رفعها من قبل الاتحاد الدولي للصحفيين، ونقابة الصحفيين الفلسطينيين (PJS) ومركز العدل الدولي للفلسطينيين، نيابة عن أربعة صحفيين هم أحمد أبو حسين، ياسر مرتجى، معاذ عمارنة ونضال اشتية، هؤلاء الصحافيون الفلسطينيون قُتلوا أو تعرضوا للتشويه، أثناء تغطية المظاهرات في غزة.

وقالت نقابة الصحفيين الفلسطينيين في عام 2020 إن ما لا يقل عن 46 صحفياً قتلوا في فلسطين منذ عام 2000، ولم تتم محاسبة أي جندي أو ضابط إسرائيلي واحد. هذه الحوادث، حسب الادعاء القانوني، قد ترقى إلى جرائم حرب.

شهيدة من أجل فلسطين:

يمكننا أن نكون على يقين من شيء واحد هو أن البلدان نفسها التي تتعامل مع جرائم الحرب الروسية في أوكرانيا، ستكون صامتة تماما حول وفاة الفلسطيني الثامن والخمسين الذي يُقتل هذا العام، كما حدث مع كل القتلى الآخرين.

لكن لن يكون هناك صمت تام من الجانب الفلسطيني. في غضون دقائق من وفاتها في المستشفى، حمل جثمان شيرين أبو عاقلة من قبل جميل الفصائل الفلسطينية في شوارع جنين. الدين هنا لا يهم. صلى لها المقاتلون المسلمون في احتفال مسيحي.

فلسطينية مسيحية ومقدسية استشهدت اليوم هي شيرين أبو عاقلة في سبيل القضية الفلسطينية. كانت معروفة منذ زمن بعيد لملايين الفلسطينيين في جميع أنحاء العالم بأنها وجه الانتفاضة الثانية. صحفية مخضرمة، غير مرتبطة بأي فصيل سياسي، غطت كل حدث منذ ذلك الحين بنفس المهنية التي دفعتها إلى التواجد في ذلك الدوار في جنين صباح الأربعاء.

كانت أبو عاقلة هناك منذ بداية عمل قناة الجزيرة. في مقطع فيديو بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيسها، أوضحت دوافعها للاستمرار: "لن أنسى أبداً مقدار الدمار أو الشعور بأن الموت كان قريباً جداً منا. بالكاد كنا نرى منازلنا. كنا نحمل كاميراتنا ونتحرك عبر نقاط التفتيش العسكرية والطرق غير المستوية. كنا نقضي ليالينا في المستشفيات أو مع أشخاص لا نعرفهم. وعلى الرغم من المخاطر، كنا مصرين على مواصلة عملنا.

وتابعت: "كان ذلك في عام 2002، عندما شهدت الضفة الغربية غزواً لم تشهده منذ الاحتلال عام 1967". "في اللحظات الصعبة، تغلبت على خوفي لأنني اخترت الصحافة لأكون قريبة من الناس. ربما ليس من السهل بالنسبة لي تغيير الواقع، لكنني على الأقل كنت قادرةً على إيصال هذا الصوت إلى العالم ".

بهذه الطريقة، هناك حقيقة واحدة تظهر من عمليات مثل تلك التي حدثت في جنين: حقيقتهم. وهم مصممون بشكل متزايد على الاحتفاظ بها على هذا النحو. كان وجود أبو عاقلة يوقف ذلك، فقتلوها.

صمت ساخر:

لكن إسرائيل بحاجة إلى غطاء دولي لمواصلة القيام بأفعالها هذه، ويتم توفيره عن طيب خاطر من قبل نفس الدول التي تحارب روسيا بمثل هذا "اليقين" الأخلاقي في صواب أفعالها.

وتشمل هذه الدول الولايات المتحدة وبريطانيا، اللتين أعلنتا قبل 24 ساعة فقط عن نيتها خلال خطاب الملكة لتمرير تشريع يحظر المجالس المحلية والهيئات العامة الأخرى من المشاركة في حملات المقاطعة "لإسرائيل" وسحب الاستثمارات - الهدف الرئيسي منها هو حركة المقاطعة الفلسطينية.

لذلك نحن نحظر المقاطعة، ونحظر العمل اللاعنفي، ونوفر الغطاء عندما يقتل القناصة الإسرائيليون الصحفيين عمدا. لا يمكن أن يكون هناك ضوء أخضر أكثر سطوعاً لإسرائيل لمواصلة ما تفعله.

وقبل أسبوع، قضت المحكمة الإسرائيلية العليا بإمكانية طرد 1000 فلسطيني من منطقة بالضفة الغربية المحتلة والأراضي المخصصة للاستخدام العسكري - وهي واحدة من أكبر عمليات طرد الفلسطينيين منذ بدء الاحتلال في عام 1967.

لقد ضحت أبو عاقلة بحياتها لتُظهر للعالم حقيقة ما يجري، وهي ليست وحدها بأي حال من الأحوال. هناك نساء فلسطينيات شجاعات يقمن بالشيء نفسه. عملهم هو وصمة عار على ضمير العالم الغربي الذي يعتنق القيم الأخلاقية عندما يناسبه ذلك، ويتخلص منها في سلة النفايات الجماعية عندما لا يناسبه ذلك.

إنها دول تدعي الدفاع عن الديمقراطية وحرية التعبير في معاركها مع الأعداء ولكنها صامتة بشكل يثير السخرية عن تجاوزات حلفائها.

لكن اللطخة التي تنشأ من النظر إلى الاتجاه الآخر لن تزول بمرور الوقت. إنه شيء لا يمحى. وزراء الخارجية الأميركيون، واحدا تلو الآخر، سواء أكانوا يمينيين فظًين أم ليبراليين، هم مذنبون في مقتل أبو عاقلة تماما مثل هو مذنب القناص الذي كان إصبعه على الزناد.

***

........................

* العناوين الفرعية من وضع الكاتب ديفيد هيرست.

* ديفيد هيرست هو مؤسس ورئيس تحرير صحيفة وموقع Middle East Eye. وهو محلل سياسي متخصص بمنطقة الشرق الأوسط. كان كبير كتاب صحيفة The Guardian، ومراسلاً صحفيا في روسيا وأوروبا وبلفاست.

* تمت الترجمة عن نسخة المقالة التي نشرت في موقع: middleeasteye.net

علجية عيشالمثقفون الفرنسيون وحركة 13 ماي 1958

تعود جذور جركة 13 ماي 1958 إلى موعد دفن الجنود الفرنسيين الذين أعدموا من طرف جبهة التحرير الوطني وهو اليوم التي تتم فيه مناقشة برنامج حكومة فليملان P .flimlin، كانت الإنقسامات في الرأي حول جبهة مواصلة الحرب في الجزائر بين مؤيد ومعارض، أدت إلى وقوع حركة 13 ماي 1958.

 هذا ما جاء في تقرير الدكتور أحمد منغول، حيث دارت المعركة بين اليمين المتطرف المرتبط وجوده بالمصالح التجارية مع الجزائر والجانب الديني الكاثوليكي المهتم بنشر المسيحية في الجزائر والإتجاه الجمهوري المتمسك بالدفاع عن الطابع الفرنسي للجزائر عن طريق سياسة الإدماج ومن الوسط الحزب الراديكالي المتمسك بالنظرة الكولونيالية الي بواسطتها يتم تحضير الشعوب ونشر الحصارة الفرنسية وقد طرح هذا الإتجاه المشروع الإصلاحي في الجزائر ووقف إلى جامبه المنتخبون الأوروبيون من الجزائر وإلى اليسار الحزب الإشتراكي المدافع عن الجزائر الفرنسية من خلال الإنجازات التي حققتها الحضارة الفرنسية في الجزائر ويطالب بمنح للجزائر نوعا من السيادة، أما الحزب الشيوعي المعادي للكولونيالية والإستعمار فموقف كان مع إبقاء الجزائر ذات الطابع العربي والإسلامي ضمن المجموعة الفرنسية بواسطة وحدة وطنية فرنسية حقيقية تعترف بالشخصية الجزائرية.

أما المخبة المثقفة الفرنسية كانت هي الأخرى تناضل ايضا من أجل الجزائر الفرنسية في إطار سياسة الأخوة في الجزلئر ومن المثقفين الفرنسيين ريمون بورجين raymond bourgine أحد زعماء تيار اليمين المحافظ الذي اعتبر حركة 13 ماي 1958 محاولة لإنقاذ الجزائر الفرنسية، وفق ما جاء في تقرير أحمد منغول كان ريمون بورجين يعتقد أن الدفاع عن الجزائر الفرنسية من أجل البترول الذي سوف يضمن لها التطور الصناعي والإقتصادي ويعكيها المنافسة الفعالة للمنافسة العالمية لأن منابع النفط في العالم غير مضمونة بالنسبة لفرنسا، وذكر التقرير موقف الأديب الكبير ألبير كامو alber kamu صاحب جائزة نوبل للأداب، وهو يعتبر واحد من الأقدام السوداء ومن أنصار مواصلة الحرب في الجزائر، ففي بداية الأمر بدأ موقف ألبير كامو في الفترة التي كان فيها في الجزائر متذبذبا، ثم ما فتئ أن يغير موقفه بعد عزدته إلى فرنسا فقد خرج عن صمته وقال لا توجد أمة جزائرية ورغم أنه شخصية يسارية فقد عرف ألبير كامو بمقولته الشهيرة : "لو خيرت بين أمي والقانون لأخترت أمي"، وكان كامو يرى أن حل المشكلة الجزائرية مرهون بجعلها تحت حكم فدرالي مرتبط بفرنسا بدلا من ارتباطها بإمبراطورية إسلامية لا تزيد الشعوب إلا فقرا وبؤسا.

أما الذين كانوا معارضين الحرب في الجزائر من المثقفين الفرنسيين تم تصنيفهم ضمن اليسار الفرنسي وخاصة الشيوعيون الذين خالفو نهج الحزب الشيوعي الفرنسي، ومن هؤلاء جون بول سارتر وشارل أندري جوليان وسيمون دي بوفوار وجونسون وغيرهم، كان جون بول يارتر من ابرز الوجوه الفكرة في تلك الفترة وكان متمسكا بفكرة الحرية من هنا أظهر مناهضته من الإستعمار ورفضع مصادرة حرية الشعوب والأمم، كانت له مشاركات عديدة في التظاهرات والمظاهرات المؤيدة لحرية الشعب الجزائر وحقه في تقرير مصيره، بالإضافة إلى ما كان ينشره في الصحف وكان من الوقعين على البيان 121 تعبيرا عن رفضه للحرب في الجزائر وتأييده لجبهة التحرير الوطني حيث اشتهر بمقولته الشهيرة " عارنا في الجزائر" عندما وصف الإستعمار الفرنسي بأنه يهدم نفسه وأن ما يحدث في الجزائر عمل نازي، وعكس رفقاءه من الكمثقفين بأن الحرب من أجل الجزائر الفرنسية كان سارتر يرى أن الثورة لابد منها من أجل التخلص من الإستعمار، أما شارل أندري فقد ذهل عكس ما ذهب إليه ألبير كامو، حيث اعترف أندري بوجود أمة جزائرية تكافح لتحرير أرضها، وكان ينادي بضرورة الإبتعاد عن أطروحة الجزائر الفرنسية، ولاشك أن بيان 121 كان مرتبطا أكثر بموقف المثقفين الفنسيين المعارضن لفكرة الحرب في الجزائر، وتاثيرهم القوي في الرأي العام الفرنسي، وكان البيان يحمل دعوة رفض الحرب في الجزائر وحمل السلاح ضد ابشعب الجزائري وقعت عليه مجموعة كبيرة من المثقفين من أدباء ومفكين وصحافيين وكان التوقيت المناسب لنشر هذا البيان وتوزيعه هو محاكمة دعم الثورة المعروفة بشبكة جونسون، التي دذبت اهتمام الرأي العام الفرنسي، كان هذا البيان بمثابة جبهة ضد الجيش الفرنسي وضد الحرب في الجزائر.

كما أنن بيان 121 كان دافعا قويا في إجهاض مشروع جبهة مواصلة الحرب في الجزائر وذلك بمجبئ ديغول إلى الحكم ومشروعه المتمثقل في سياسة الحكم الذاتي، حيث رأى ديغول أن الحكم العسكري وحده الذي بإمكانه إنقاذ الجزائر الفرنسية،، ولتوحيد المواقف قام التحالف الجمهوري بعقد جمعية وطنية انتهت بسقوط الجمهورية الرابعة في منتصف 1958، حيث استمرت الجمهورية الخامسة في دعم جبهة مواصلة الحرب في الجزائر وعكس الجمهورية الرابعة عملت الجمهورية الخامسة دمج الشرطة في الجزائر في الجيش وتعيين شخصيات عرفت بجرمها من أجل القضاء على الثورة على راس الواية العامة ي الجزائر من بين هذه الشخصيات جاك سوستال و روبار لاكوست واعتبرت هاتين الشخصيتين أن ما يحدث في الجزائر قضية داخلية ولا دخل لأي طرف في الشؤون الداخلية الفرنسية،  لقد تميزت سياسة ديغول بنصرة مواصلة الحرب في الجزائر وإرضاء المستوطنين الذين أيدوا حركة 13 ماي 1958، هذه الحركة التي أعادته إلى سدة الحكم، وتعيينه ميشال دوبري رئيسا للحكومة بحكم أن هذا الأخير كان من دعاة مواصلة الحرب في الجزائر وجعلها فرنسية، وقد قرر ميشال ديبري تدمير جبهة التحرير الوطني نهائيا في فرنسا.

***

قراءة علجية عيش

عباس علي مرادإن وأد فكرة الوطن وبناء الدولة ترتكزعلى إعادة الشعوب إلى غرائزها وهوياتها الأولية من قبلية، مناطقية، جهوية، طائفية ومذهبية الخ ، وهذا ما نراها في الخطاب الانتخابي للقبائل والشعوب اللبنانية التي تتبارز في هذا السباق.

لقد كانت الحرب الأهلية التي بدات عام 1975 ولم تتوقف حيث أخذت اشكالاً مختلفة بعد اتفاق الطائف، والتي لم تنتج أي خير لهذا الشعب الا التدمير الذاتي الممنهج للمجتمع، الذي وصل إلى الدرك الاسفل مالياً، اقتصادياً، ثقافيا وإجتماعياً…

إن الحروب الإهلية على مرّ التاريخ وفي كل الدول لا تنتج منتصراً، وهناك دول غادرت تاريخ حروبها الأهلية المظلم من أجل بناء مستقبل أفضل لشعوبها، ونجحت في بناء دول وديمقراطيات، على سبيل المثال اسبانيا وجنوب أفريقيا حتى راعية الفوضى الهدامة والتي تسميها الفوضى البناءة أي الولايات المتحدة الأميركية نفسها تعتبر أحد الأمثلة التي وقعت فيها حرب اهلية وتجاوزتها لبناء واحدة من اقوى الدول.

لا شكّ أن القوى الدولية أو دول المركز المهيمنة تستثمر في الفتن في دول الأطراف وبعدة طرق، سواء بالعنف والعدوان أو بالحصار والتضييق وبالتعاون مع شرائح من أبناء تلك البلاد التي تجد أن مصلحتها الشخصية الضيقة مقدمة على المصلحة الوطنية العليا، علماً أن ذلك يصب في خدمة مصلحة الدول المهيمنة التي تموّل وتغذّي هذه الصراعات من أجل تثبيت وتعزيز مصالحها على حساب شعوب الدول المستهدفة.

بالعودة إلى لبنان، فمهما كانت نتيجة الإنتخابات اللبنانية التي يلعب بها المال الإنتخابي دورا بارزاً وأساسياً إلى جانب حركة بعض السفراء الذين يدخلون في تفاصيل الحملة الإنتخابية واللوائح لفريق من اللبنانيين يرفعون شعار السيادة الوطنية. وهذا ما يذكرنا بزمن الوصاية السورية، حتى أن الامر قد وصل إلى الإغتيال المعنوي للرئيس سعد الحريري أحد حلفاء الأمس او رأس حربتها من خلال أبلسته وتياره السياسي عبر حملة إعلامية تشنها صحف سعودية أو صحفيين لبنانيين مقربين من المملكة وذلك بسبب عزوفه عن المشاركة في الإنتخابات أوعبر الإيعاز إلى مناصريه بدعم اللوائح التي تزكيها تلك السفارات.

عملية التجييش المذهبي أو الطائفي لا تعكس حالة صحية مطلقاً لما يسمى الديمقراطية اللبنانية، والتي بالأصل تعتبر ديمقراطية عرجاء، تحمل عدة تسميات منها التوافقية، هذه الديمقراطية التي ينتهي دورها قبل ان يبدأ فرز الأصوات أو بعده،  حيث الأعراف الطائفية والمذهبية او "الميثاقية" التي تتجاوز الدستور والمؤسسات لها الغلبة والقرار النهائي.

 وقد برزت أخيراً مقولة الأقوى في طائفته لتزيد طين الديمقراطية بلة، وبدأ الصراع القبليّ يأخذ بعداً آخر ويكرّس فكرة التقسيم الممنهج تحت تسميات وشعارات منها المضمر ومنها المعلن ولا علاقة لها من قريب أو من بعيد ببناء الدولة، لا بل انها تساهم في ضرب وتعطيل فكرة الوطن والمواطنة.

ان لبنان الواقع على خط الزلازل الجيوسية يخضع اليوم للعبة التجاذبات الإقليمية والدولية، والأخطر في الموضوع أن الفريق الذي أوصل البلد إلى الإنهيارخلال الثلاثين عاماً الماضية يحاول ركوب موجة الإصلاح والثورة وجر البلد إلى تحالفات وتبعيات تجعل لبنان لقمة سائغة في فم المتربصين بالثروات اللبنانية المائية والنفطية وغيرها بعدما افلست البلد ولم توفر حتى الودائع الشخصية للمواطنين.

إن الطائفية والمذهبية السياسية بنسختها المارونية او السنية او الشيعية او الدرزية فشلت فشلاً ذريعا، ولم يعد هناك من مجال للمكابرة والترقيع، لذلك فان المصارحة هي الطريق الأقصر إلى المصالحة بين القبائل والشعوب اللبنانية التي تتوارث الزعامة من الأب إلى الإبن ثم الحفيد لتتداور على حكم الشعوب التي تتفاعل مع عصبياتها حتى على حساب عيشها ومستقبلها ومستقبل البلد.

لذلك، إننا في لبنان بحاجة ماسة إلى عقد إجتماعي جديد يعيد بعث الروح في فكرة الوطن التي اصيبت بمرض النفاق الوطني العضال، وتثبيت القيم والهوية الوطنية حتى تكون سفينة النجاة وعدم الوقوع في المجهول.

***

عباس علي مراد

محمد محفوظلو تأملنا في طبيعة التطورات والأحداث والتحولات التي تجري في العالم العربي على أكثر من صعيد، نكتشف أن هناك قوتين أساسيتين تتحكمان في مسار الأحداث، وتساهمان بطريقة أو بأخرى في دفع التطورات نحو مآلات محددة.

و يبدو أن فهم ميكانيزمات عمل هذه القوى، يجعلنا نفهم بشكل عميق طبيعة التطورات واتجاهاتها المستقبلية. وهذه القوى هي الآتي:

القوى الأولى يمكن تسميتها بقوى التنابذ في العالم العربي. وهي القوى التي لا تفكر إلا في ذاتها ومصالحها الضيقة، وهي القوى التي تسعى نحو تضييق مسار المشاركة في الشأن العام، وهي التي تبحث عن الفروقات مع غيرها دون المشتركات، وهي التي تبحث عن وطن ومجتمع على مقاسها، وتسعى بكل إمكاناتها وقواتها صوب أن يكون العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه وفق رؤية أحادية ضيقة.

و يمكن أن نحدد سمات هذه القوى النابذة في السمات التالية:

1ـ إن هذه القوى سواء كانت دينية أم سياسية، لا تعترف بالتعدد والتنوع في المجتمع الإنساني، وتعمل على طمس كل معالم وحقائق التعدد، وتحارب كل أشكال التنوع. وترى أن قوة المجتمع في قسره على رأي واحد، ومنهج واحد..

ولا شك أن هناك قوى دينية وثقافية تحارب التعدد وتنبذ التنوع، وتستخدم كل إمكاناتها في سبيل دحر الخصوصيات المذهبية والثقافية لصالح خصوصية غالبة واحدة.

كما أن هناك قوى سياسية تؤمن بذات الخيار وتستخدم جميع قدراتها بحيث لا يكون في المشهد العام إلا رأيها وخيارها الوحيد.

و حينما تتكاتف القوى الدينية مع القوى السياسية في قسر الناس على رأي واحد وقناعة واحدة، تصبح هذه القوى النابذة مؤثرة على راهن العرب ومستقبلهم.

و على ضوء هذا فإن هذه القوى لا تحفل بالتنوع، ولا تعمل على حماية التعدد، وتكافح بكل جهدها صوب تصحير المجتمعات العربية.

و لعل السمة الثانية لهذه القوى أنها تستخدم العنف المادي أو المعنوي لفرض قناعاتها وخياراتها. فكل من يختلف معهم هو خارج نطاق الطريق المستقيم، وبه عيوب دينية وثقافية، وأنه بفعل هذه العيوب اتخذ موقفا مضادا لها. ولا تتورع هذه القوى عن استخدام العنف ببعديه المادي والمعنوي ضد من يختلف معها.

لذلك فإننا نحمل في هذا السياق الكثير من ظواهر العنف التي تشهدها العديد من البلدان العربية هذه القوى النابذة، لأنها تستسهل اللجوء إلى العنف لإنهاء خلافاتها مع الآخرين وفرص خياراتها الدينية والسياسية على مجتمعها. كما أن هذه القوى تساهم في تنمية نزعة التوحش في العمل السياسي والعام.

كما أن من سمات هذه القوى أنها لا تعترف بحقيقة الأوطان المعاصرة. فهي مع أوطانها ما دامت تسير في كنفها، أما إذا أصبحت خيارات الأوطان بعيدة عن خياراتها، فهي تتحول إلى قوة غاشمة ضد الوطن والمواطنين.

فقوى التنابذ والمفاصلة الشعورية، بصرف النظر عن أيدلوجيتها وخطابها الشعبوي ويافطات تعبئتها الداخلية، لا تفكر إلا في مصالحها الضيقة، وهي على استعداد تام للتضحية بكل شيء في سبيل مصالحها الخاصة.

و بفعل هذا السلوك نستطيع القول: أن من أبرز الأخطار التي تواجه العالم العربي في أمنه واستقراره، هو في تمكن قوى التنابذ من السيطرة على مقاليد الأمور والتحكم في مسار الأحداث الكبرى في العالم العربي. وفي مقابل هذه القوى التي أسميناها مع اختلاف أيدلوجياتها بقوى التنابذ، هناك قوى أخرى نسميها بقوى الاستقطاب والتجاذب، وهي مجموع المشاريع والجماعات التي تعمل انطلاقا من رؤيتها الفكرية والسياسية، إلى توحيد جهود العالم العربي، وتربأ بنفسها في كل اللحظات أن تكون مساهمة في تأزيم الأوضاع في العالم العربي، أو توتير العلاقة الداخلية بين مختلف أطياف العالم العربي. فهي قوى توحيدية ووحدوية، ترفض الوقوع في مهاوي النزاعات الطائفية والمذهبية، وتعمل باستمرار لتجاوز هذه المحن الداخلية التي تواجه العرب والمسلمين.

و لعل من أهم سمات قوى التجاذب في العالم العربي أنها قوى تحترم حقائق التعدد والتنوع في الاجتماع العربي، وتعمل من أجل صياغة نظام سياسي واجتماعي قادر على إدارة التنوع على نحو حضاري، بعيدا عن نزعات الاستئصال أو طموحات التوحيد القسري للناس..

فالتعدد والتنوع في العالم العربي، ليس عيبا يجب إخفاؤه، وإنما هو مصدر قوة وثراء إذا أحسن الجميع إدارته والتعامل معه بعقلية استيعابية.

و قوى التجاذب لا تنظر إلى الوحدة بعيدا عن احترام حقائق التعدد، بل ترى أن طريق بناء وحدة وطنية واجتماعية صلبة، هو في صياغة علاقة إيجابية بين جميع مكونات الوطن والمجتمع. كما أن من سمات القوى الجاذبة أنها قوى سلمية، تنبذ العنف وتراه من المخاطر التي تهدد أمن واستقرار الأوطان والمجتمعات.

و تدعو هذه القوى جميع الأطراف في العالم العربي، إلى رفع الغطاء الديني والسياسي والاجتماعي عن كل نزعات العنف. لأنها من النزعات التي تهدد الجميع، وعلى الجميع أن يتخذ موقفا صريحا وواضحا منها.. فالعنف لا يحقق الأهداف السياسية والاجتماعية، وإنما يدشن إلى مرحلة السقوط السريع في مهاوي الفوضى والاحتراب الداخلي. وإن الجهات التي تتوسل العنف بوصفه أحد وسائل تغيير المعادلات، فإن هذه الجهات ستدخل العالم العربي في أتون الفوضى التي تدمر كل شيء. لذلك فإن قوى الجذب والاستقطاب تقف موقفا مضادا من خيارات العنف، وتدعو الجميع إلى نبذ هذا الخيار وتجفيف منابعه وعدم توفير غطاء إليه.

و من سمات هذه القوى أنها تشاركية وترفض نزعات الاستحواذ، لإيمانها العميق أن أوضاع العالم العربي، تحتاج إلى جميع الجهود والطاقات، وأن الساحة تسع جميع القوى والمكونات.

و على ضوء هذا الإيمان فهي باستمرار تعمل  من أجل خلق توافقات وتحالفات عميقة بين تعبيرات الوطن والمجتمع، وصولا لبناء كتلة متجانسة تعمل من اجل معالجة مشاكل العالم العربي الجوهرية، وتؤسس لوقائع وحقائق جديدة، تخرج العالم العربي من أتون الصراعات العبثية وجمود أوضاعها السياسية والاجتماعية.

وما يعيشه العالم العربي اليوم، هو في أحد صوره وأشكاله، صراع بين قوى النبذ وقوى الجذب، وتتوسل هذه القوى بجميع إمكاناتها وقدراتها لحسم الصراع لصالحها.

و إن سيطرة قوى النبذ على الأمور، يعني خضوع العالم العربي لموجة جديدة من الجمود والإحباط، الذي يخرج مساحات اجتماعية واسعة من العالم العربي من الفعل التاريخي ـ الايجابي، كما أن هذه السيطرة ستؤبد المشكلات المزمنة التي يعاني منها العالم العربي.

لذلك فإن المستقبل العربي المنظور، مرهون إلى حد بعيد على طبيعة اتجاهات الصراع بين هاتين القوتين.

و كلنا أمل أن يخرج العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه من جموده ووهدته وينطلق في رحاب البناء والتنمية وفق رؤية حضارية تحترم التعدد وتحميه، وتوجه جميع القدرات صوب البناء بعيدا عن نزعات الهدم والتدمير، وتؤسس لعلاقة متكافئة بين دول الإقليم والعالم.

فاللحظة التاريخية التي يعيشها العالم العربي اليوم حساسة ومليئة بالكثير من التحديات، ولا يمكن مواجهة هذه التحديات ومقتضيات اللحظة التاريخية، إلا بإعادة تصويب بوصلة العالم العربي نحو الشراكة والتنمية وبناء القوة العربية على أسس أكثر صلابة وقدرة على الاستمرار والإبداع.   

***

محمد محفوظ

 

ثامر عباسلطالما أوحت فكرة نشوء دول العالم الثالث الحديثة، وما تمخض عنها من إشكاليات تتعلق؛ بتداعيات نمذجة سلطاتها، وتبعات تأطير صلاحياتها، وملابسات إضفاء شرعيتها، بارتباط هذه التكوينات المؤسسية بمصالح ومخططات القوى الكولنيالية، التي هيضت ظاهرة الاستعمار الغربي لمجتمعات الشرق، فضلا"عما ترشح عن هذه الواقعة اللاانسانية من افرازات ليس أقلها؛ الارتهان السياسي والاستتباع الاقتصادي والاحتواء الإيديولوجي والانخلاع القيمي . وهو الأمر الذي اعتبر بمثابة (كعب أخيل) تلك الدول ونقطة الضعف في بنيتها المؤسسية، التي سوف لن تلبث طويلا"حتى تتحول إلى أحد أبرز عوامل انخفاض شعبيتها وتردي سمعتها، ومن ثم، ترهلها الأمني وتوحشها البوليسي، بحيث استدعت هذه الحالة إن تكون الدولة مستنفرة لحد الهوس ومستثارة لحد الهلع، خشية التآكل في سلطتها والتصدع في كيانها . وعليه فقد لاحظ الباحث اللبناني (وضّاح شرارة) إن ظهور الدولة الحديثة (لم يكن نتاجا"لتفاعل التناقضات الاجتماعية وتطورها في صور تجميعية جديدة، بل كان ظهورا"مصطنعا"وهامشيا"، أي ولدت هذه الدولة، بنمط سلطتها (الخارجية) وطاقمها وأجهزتها ومثقفيها، هامشية بالمعنى الحرفي، ولم تنجح في كسر هامشيتها حتى في أوج سلطتها، عندما بدأ أنها أمسكت في قبضتها مقاليد الحكم والتنظيم السياسي ووسائل الإنتاج الرئيسية والإيديولوجية الرسمية) .

وإذا كانت الدولة العراقية المفككة لم تبرح حاضرة في معظم الدراسات الاستراتيجية، ومطروحة ضمن أغلب التحليلات السوسيولوجية، ومتداولة في جميع النقاشات الإعلامية، فلأن الحصيلة الوافرة التي أفرزنها – ولا تزال – تجربتها الدراماتيكية، تشكل النموذج الحيّ والمعيار المتجسّد لسائر أنماط المجتمعات، التي خضعت لأنظمة سياسية طالما حكمت شعوبها بدافع الخوف منها لا بوازع الحرص عليها، وتحكمت بمواطنيها سعيا"لاخصاء شخصيتهم وليس لإنماء وعيهم، سواء أكان ذلك على صعيد العالم العربي وما يعانيه من تناقضات وصراعات، أو على مستوى العالمثالثي وما يكتنفه من تمزقات وانشطارات .

وخلافا"لاهتمامات دول العالم الغربي / المتقدم، التي وضعت المسائل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية على سلم أولوياتها السياسية، بعد أن حسمت - منذ زمن بعيد - قضايا وحدتها الجغرافية ومركزيتها السيادية وهويتها الوطنية ورمزيتها التاريخية . فان انشغالات دول العالمثالث / المتخلف لم تبرح اشكاليات شغالة في ماهية؛ شمولية الدولة ودكتاتورية النظام واستبدادية السلطة، تحتل الصدارة في أجندة سياساتها وملف تصوراتها .

ومن جملة المفارقات التي استوطنت حقل التجارب السياسية لبلدان هذا الشطر من العالم، حصول توافق ضمني غير معلن أو غير مصرّح به، بين مصالح الحكومات الاستعمارية السابقة من جهة، وبين مآرب القوى السياسية المحلية (أحزاب وجماعات ضغط) اللاحقة من جهة أخرى . لاسيما حيال نمط الدولة الوطنية المزمع فرضها على؛ أنقاض المجتمع وحطام الاقتصاد وخراب الثقافة وتمزّق الجغرافيا وتهتك التاريخ ودمار الشخصية وانحسار الهوية . بحيث أريد لها أن تبقى على صعيد النظرية فكرة هلامية – وان شأت زئبقية – بتعذر توطينها في وعي المواطن العادي من جهة، وتستمر على مستوى التطبيق مؤسسة كسيحة وطنيا"– وان بلغت ذروة التوحش -  وضعيفة دوليا"من جهة أخرى .

ولعل حيثيات تشكيل الدولة العراقية إبان مراحلها الأولى، وتداعيات تكوين مؤسساتها في المراحل التالية، قمينة بتسليط الضوء على هذا النمط الشائه من الدول، التي ليس فقط أبصرت النور من خارج بيئتها الاجتماعية فحسب، بل وقبل استكمال عناصرها المادية ونضوج مكوناتها الرمزية أيضا". ولهذا فكلما تعرض المجتمع الذي تقوده إلى أزمة سياسية أو محنة اجتماعية أو نكبة طبيعية، كلما كانت تلك الدولة مدعوة لمواجهة الكثير من الأسئلة المحرجة، التي تنطوي على تحديات مصيرية جمة تتعلق بالشرعية الوطنية والمشروعية الأخلاقية، لا بل حتى بالجدوى السياسية والمؤسسية لها كذلك .

واللافت إن هذه الحالة المأزقية تركت، بالنسبة لكيان الدولة العراقية، ندوب دائمة وعيوب مستعصية، قلما استطاعت البراء منها أو التسامي عليها على الأقل، خصوصا"لجهة الارتباك الكائن في صميم العلاقة الجدلية؛ ما بين نمط السلطة التي تمارسها من جهة، وفضاء السيادة الذي تستطيع فرضه من جهة أخرى . ولما كانت السلطة تتمظهر باستخدام القوة الشرعية والإكراه العرفي، مثلما إن السيادة تتجسّد باستعراض الهيبة الاعتبارية والرمزية السيميائية، فقد لبتث هذه الدولة تعاني الأمرين، جراء فقدانها لمزّية الولاء الوطني الواجب ايلائها إياه من لدن مواطنيها، بسبب تعاكس آليات اشتغال كل من عناصر السلطة ومقومات السيادة، ومن ثم نفي كل منها لضرورة حضور الآخر في سيرورة عمل الدولة . باعتبار إن أية دولة لن تتمكن من البقاء – ناهيك عن التطور – دون أن ترتكز على معطيات تلك الوحدة الجيوبولوتيكية، القائمة على ممارسة فعل السلطة في الواقع السوسيولوجي من جانب، وفرض سلطان السيادة على الوازع السيكولوجي من جانب ثان . والا فأنها ستتحول من مؤسسة للجم التوترات السياسية، وكبح النزعات الفوضوية، ومنع التهتكات القيمية، وردع التهديدات الأمنية، إلى مصدر خطير يفضي إلى تعاظم الأزمات وتفاقم الصراعات واستفحال الانتهاكات . إن لم تكن هي أساسا"طرفا"فاعلا"في تأجيج الخلافات بكل أنواعها، وتسويغ الاستقطابات بكل أشكالها، وتبرير التناحرات بكل مستوياتها . بحيث لم تعد تستمد عناصر قوتها من فكرة (القدرة) الكامنة في صلبها، بل باللجوء إلى قوة هذا الطرف أو ذاك . ولم يعد في مقدورها استحضار مقومات هيبتها من وحي (الطاعة) المتأصلة في ذاتها، إنما بالاعتماد على سطوة هذه الفئة أو تلك . وحينذاك تغدو دولة نافلة ومؤسسة عاقرة وفكرة عقيمة، بعد إن تنفرط جديلة عقدها الاجتماعي، وتتحلل سبيكة سلطانها الشرعي .

وإذا ما ناقشنا هذه المسألة من منظور المبادئ العامة للسياسة، أو لامسناها من زاوية السياقات المعيارية للاجتماع، فإننا نستطيع الجزم بان معظم هذه الملاحظات / المآخذ، لن تؤشر فقط لحالة الدولة العراقية موضوع هذا المقال وحسب - التي تعد في العرف السياسي خارجة عن مألوف التجربة، وبعيدة عن معروف الممارسة – إنما تسري وبالقدر ذاته على جميع تلك الدول، التي كان للعامل الخارجي / الاستعماري دورا"في وجودها، سواء أكان ذلك الدور مباشر أم غير مباشر، كلي أو جزئي، فعلي أو نظري، عسكري أم دبلوماسي . إلاّ إن بيت القصيد هنا والآن، هو إن بعضها استطاع – ولعوامل ذاتية بالدرجة الأساس – التخلص من تبعات ذلك الإرث المزري، وتخطي ترسبات تلك المرحلة المخجلة . ليس بالرهان على زيادة مقدار التبعية والاستتباع، لمن أسهم في تكوينها واشترك في تشكيلها، إنما بالاعتماد على تقوية ركائزها الاستقلالية، وتمتين أواصرها الاجتماعية، وتوحيد عناصرها السلطوية، وتوطين رموزها الوطنية، وترسيخ قواعدها الشرعية . للحدّ الذي أصبحت معه ندا"لا يستهان بمكانته في محيط الأسرة الدولية، كما أضحت شريكا"لا يمكن الاستغناء عن دوره في مجال الشؤون الإنسانية .

هذا في حين استمر بعضها الآخر – والدولة العراقية من هذا البعض بالطبع – يتخبط في تناقضاته ويتمرغ في مفارقاته، دون أن تهتدي إلى آفاق خلاصها وتخوم نجاتها من دائها العضال، الذي لم ينفك ينخر بكيانها ويفتك بشعوبها . ولكي لا نطنب بالعموميات ونسهب بالخصوصيات نختصر القول بالآتي : انه لكي تستعيد الدولة العراقية وحدتها الجيوبولتيكية المنتهكة على صعيد مجالها الداخلي / الوطني، وتسترجع سلطانها الجيواستراتيجي المغيب على مستوى فضائها الخارجي / الدولي، وبالتالي تحافظ على مكانتها وتمارس دورها وتفرض حضورها، لا يكفيها مجرد استعراض قوتها المادية / القسرية ضمن نطاق المجتمع الذي تحكمه، بحجة ضبط صراعاته وتصريف أزماته وتقنين خلافاته . مثلما لا يجديها نفعا"المراهنة على قدرتها المعنوية / الناعمة لاحتواء وعي أفراده وجماعاته، بزعم استخلاص الطاعة وانتزاع الامتثال واستدرار الشرعية . فليس مثل الدول التوتاليتارية من برع في توظيف تلك المعطيات، بأمل الحصول على الرضى الكلي ونيل الموافقة الشاملة، إلاّ أنها لم تحصد، في المحصلة النهائية، سوى الفشل في الحالة الأولى والخسارة في الحالة الثانية . بحيث لم تلبث الجغرافيا التي تتغنى بقدمها أن تشظّت إلى أقاليم متنازعة، والتاريخ الذي تدعي استلهام ميراثه أن تصدع إلى أساطير مجيشة، والاجتماع الذي تتبجح بوحدته أن تمزق إلى أقوام متصارعة، والثقافة التي تزعم استيحاء قيمها أن تذررت إلى هويات متعصبة، والحضارة التي تتباهى بعراقتها أن تفككت إلى أثريات متنابذة .

وإذا ما وضعنا تاريخ الدولة العراقية بالاعتبار، من خلال تقييم تجاربها المتنوعة مع أنظمة الحكم الملكية والجمهورية، التي تعاقبت على إدارة دفتها وقيادة سلطتها وبسط سيادتها، فأنها ستكون أمام خيارين لا ثالث بينهما؛ إما أن تكون بؤرة التقاء عناصر السلطة الشرعية ومقومات السيادة الوطنية، وتحقق بالتالي وحدتها الجيوبولتيكية على صعيد الاجتماع السياسي، وإما أن تتحول إلى مؤسسة بروتوكولية لا حول لها ولا قوة، تستجدي حقها المستباح في السلطة وهيبتها المهدورة في السيادة، لتنقلب بالتالي إلى مصدر سخي لإشاعة العنف السياسي وتعميم الفوضى الاجتماعية . ولقد سبق للمفكر السوري (برهان غليون) أن أشار إلى هذه الحقيقة بالقول (لا تنجح الدولة في الاستقرار والاكتمال إلاّ بقدر ما تنجح ممارستها في تحقيق مفهومها أو برامجها والقيم التي ألهمتها، سواء أكانت وطنية أو دينية . ففي هذه الحالة يتحول خضوع الأفراد بالقوة للجهاز إلى ولاء للدولة كسلطة شرعية ومقبولة . ومصدر هذا الولاء هو حصول الانتماء إلى الدولة كمصدر لقيم اجتماعية، أي كمركز لمشروع جماعي ممكن ومقبول) .

***

ثامر عباس

 

محمود محمد عليتعد الانتهازية الوصولية من السياسات والممارسات الواعية للاستفادة الأنانية من الظروف – مع الاهتمام الضئيل بالمبادئ أو العواقب التي ستعود على الآخرين. وأفعال الشخص الانتهازي هي أفعال نفعية تحركها بشكل أساسي دوافع المصلحة الشخصية. وينطبق المصطلح على البشر والكائنات الحية والجماعات والمؤسسات والأساليب والسلوكيات والتوجهات، والوصولي: هو الإنسان الذي يسعى لتحقيق أهدافه، والوصول لغاياته ومصالحه، ولو كانت على حساب الآخرين، باستخدام جميع الوسائل القذرة والمنحطة والدنيئة، حتى لو وضع يده بيد الشيطان، وشعاره دائما: الإطراء والمبالغة بالمدح بما لا يستحق أحد صفات الشخص الوصولي، وانتقاص الآخرين وخصومتهم وبغضهم، والتحريض ضدهم والاستعلاء عليهم، والغاية تبرر الوسيلة.

هذا المبدأ سواء قبلنا به أم رفضناه، يُعاش في كل لحظة وفي كل ظرف، ويُستخدم لكل هدف، مع اختلاف جوهري وأساسي هو أن الوسيلة تؤثّر بشكل كبير على الغاية وتنحي بها باتجاه سلبي أو إيجابي، والانتهازي يخطّط بشكل جيد لهدفه وينتهز الفرص المناسبة للمباشرة بتنفيذ مخططاته ثمّ يقوم بإضعاف الذين ساعدوه من خلال الضغط عليه لتقليص دورهم لئلاّ يبقى رهينة لهم، علاوة على استفادته من الفرص المتاحة له أو يخلقها بغض النظر عما إذا كانت تؤذي الآخرين .

ولهذا فالإنسان الانتهازي هو شخصية وصولية، وهذه الشخصية هي أحد الشخصيات الغير محببة والتي ظهرت في مجتمعاتنا العربية خلال السنوات الماضية، فهي تعتبر أحد الشخصيات التي تبدو في ظاهرها كشخصية محبة وودودة ولكن في باطنها بداخلها الكثير من المكر و النفاق، وفي الغالب يتم كشف تلك الشخصية بعد أن تكون وصلت إلى أهدافها من أخذ دون عطاء .

ويتسم أصحاب الشخصية الوصولية بأنهم يبيحون لأنفسهم استخدام جميع الوسائل من أجل اعتلاء أعلى المراكز، وان كان ذلك على حساب الآخرين، ويتسم هؤلاء الأشخاص في البداية بالظهور بمظهر الطيبة والاحترام بقدر كبير حتى يتم الوثوق بهم، فتجعلنا نتساهل معهم في الكثير من الأمور ونمنحهم كل ما لدينا، وفي الغالب تبدأ هذه الشخصية بالضعف حتى تقوى مع مرور الوقت.

وفي علم النفس تم تعريف الشخص الوصولي على أنه الشخص الذي يضع نفسه في المقدمة دون تردد أو شعور بالذنب، كما يقوم بالتملق الدائم من أجل الوصول إلى أهدافه، وقد حذرنا القران الكريم من هذا المرض الخطير، وخصص للمنافقين سورة كاملة هي سورة المنافقون أن عبارات المديح قد تفقد مصداقيتها وبالتالي فعاليتها إذا تكررت بشكل مبالغ فيه حتى لو قيلت لشخص تميز في عمله بالفعل وبذلك تختل معايير الإثابة والعقاب بشكل عام.

كذلك الإنسان الوصولي هو ذلك الشخص الذي يسعى للتعرف على الأشخاص الذين يتمتعون بمزيد من القوة والعلاقات المؤثرة، أو أشخاص يعرفون أو لديهم إمكانية الوصول إلى العديد من مجالات العمل ذات الإمكانات العالية؛ علاوة على أن الإنسان الوصولي يكرس جل وقته للوصول إلى مآربه الشخصية، وإن كان على حساب الآخرين.

وعلى الرغم من محدودية كفاءته إلا أنه لا يجد في نفسه الرغبة في تنفيذ متطلبات ما يبتغيه من منصب أو مكانة. فهو يفكر فقط في نفسه وهو عين الأنانية في أبشع صورها، وهذا الانتهازي مستعد للتزلف والتملق ويحاول الوجود في دائرة أصحاب القرار بأي ثمن ولو كان على حساب كرامته.

لذا فإن النسخة المتطرفة منه تشبه "البولدوزر" الذي يمكن أن يسحق أي جسم أو شخص يقف في طريقه، وفي حين أن الآخرين يرونه شخصاً وضيعاً، إلا أنه يعتبر سلوكه أرفع أنواع الذكاء! فهو استطاع أن يحقق مبتغياته بأقصر الطرق. وربما هذا ما دفع رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرتشل إلى القول بأن «كثيرين ارتقوا سلم المجد، إما على أكتاف أصدقائهم أو على جماجم أعدائهم».

ولهذا يُمكن وصف الإنسان الوصولي على لسان الكاتب الإيطالي الشهير نيكولو ماكيافيلي الذي ذكر في كتابه عن وصفات الشخصيات أن " الغاية تبرر الوسيلة" هو هدف كل شخصية وصولية تهدف دوماً إلى تحقيق طموحها بطرق غير شرعية بعيدة كل البعد عن الأخلاق والقيم والمبادئ التي يجب أن تنغرس في نفوس الكثير من الأشخاص، حيث إنه يضع النجاح نصب عينيه والوصول إلى مقاليد الحكم سواءً في مجال العمل أو محيط الأسرة بل ومع الأصدقاء مهما كلفه الأمر، حتى ولو كان ذلك يؤذي الآخرين من حوله ويُسبب لهم مشاكل نفسية أو مادية أو اجتماعية فيما بعد.

وقد أشار بعض العلماء أن ذلك السلوك الغير سوي يدفع الإنسان إلى الخيانة أو السرقة والغش ومختلف الرذائل الأخرى لكي يُحقق ما يصبو إليه بدون أن يمنعه ضميره من ذلك، بل على العكس يشعر بشيء ما داخله يدفعه لذلك ويبرر لنفسه دوماً تلك الأفعال لكي يقنع الآخرين بها إذا ما تم توجيه أي لوم أو نقد.

كما تُعدّ الأنانية من أهم الصفات التي يتسم بها الإنسان الوصولي حيث تظهر في كافة معاملاته واختياراته في الحياة، فهو يُكرس حياته بالكامل من أجل تحقيق نجاحاته وأهدافه بطريقة غير شرعية أو بدون الاكتراث بمشاعر الآخرين، حيث أن تحقيق الأهداف والتطور شيء سامي للغاية ولكنه يُصبح فعل مشين إذا اقترن ببعض الأحقاد وتحقيق الغايات على حساب الغير، أيضًا يعد التملق أو النفاق ضمن أبرز سمات الشخصية الوصولية، حيث يمدح دوماً الرؤساء أو المدراء في العمل أو أي شخص آخر أعلى منه في المكانة لكي يشعر بأهميت،ه حيث يستمد ثقته بنفسه من آراء الآخرين، فضلاً عن الاعتماد على ابتزاز الشخصيات الضعيفة عاطفياً من أجل الحصول على منفعة ما أو التقرب لشخص آخر يُساعده على تولي بعض المناصب.

ولذلك كثيرًا ما نجد أن تلك الشخصية الوصولية مُحاطة دوماً بأشخاص معدومي الثقة بالنفس وليس لديهم أي طموح أو أهداف لكي يُساعده ذلك على الشعور بمكانته وفرض سيطرته الكاملة عليهم، وغالباً ما نجد ذلك الشخص مهتم بمظهره الخارجي بصورة مُبالغ بها ويقتني أفخم الماركات من أجل التفاخر فقط والشعور بالثقة ويتحدث دوماً عن إنجازاته الواهية التي وصل إليها عن طريق الغش والتدليس والخداع.

وينقسم الأشخاص الأصوليون إلى مراتب. فمنهم العجول الذي يدرك بأن منصب من يحاول التزلف إليهم زائل. فهو يسعى بخطى حثيثة نحو أن يظفر بأكبر قدر من الغنائم ولو على حساب غيره. فهو أشد حدة عندما يتعلق الأمر في مصالحه الشخصية، ومستعد لأن يضرب مصالح المؤسسة التي أؤتمن عليها بعرض الحائط في سبيل أن ينال مطلبه بأسرع وقت ممكن.

وهناك الإنسان الوصولي «بعيد النظر» فهو أرفع منزلة من العجول، لأنه مستعد للانتظار لشهور وربما لسنوات طويلة في دائرة أصحاب القرار في منظمته، ويسعى إلى تنفيذ أجندة لا تتماشى مع القيم النبيلة في سبيل أن يثمر تزلفه «لاحقاً» بمنصب أو حفنة مكافآت لا يستحقها، وهناك أيضا "الوصولي التائه" فهو لديه الاستعداد الذاتي لأن يدوس على كل القيم واللوائح والأعراف في سبيل تحقيق مراده، لكنه لا يعرف كيف! فيبقى في حالة ترقب لجوقة الوصوليين من حوله ثم لا يملك سوى تقليدهم. بعضهم ينجح لكنهم أقرب إلى الوقوع في أخطاء فادحة لأنهم «لا يعرفون من أين تؤكل الكتف» حسب قاموس الانتهازيين. وما أكثرهم في بيئات العمل.

وللإنسان الوصولي العديد من المظاهر والأشكال والهيئات والتوصيفات، تختلف من بيئة لبيئة، ومن زمن لآخر، وبحسب الأحوال والمعطيات، واقتناص الفرص والمتغيرات، وقد يشترك بأكثر من مظهر ويفترق مع غيره بهيئات أخرى، يحدد ذلك طبيعة الوسائل والمصالح والمطامع المنشودة، وبحسب الطموحات وتسلق المناصب والوجاهات.

علاوة علي أصحاب الشخصية الوصولية يتسمون بأنهم يبيحون لأنفسهم استخدام جميع الوسائل من أجل اعتلاء أعلى المراكز، وان كان ذلك على حساب الآخرين، ويتسم هؤلاء الأشخاص في البداية بالظهور بمظهر الطيبة والاحترام بقدر كبير حتى يتم الوثوق بهم، فتجعلنا نتساهل معهم في الكثير من الأمور ونمنحهم كل ما لدينا، وفي الغالب تبدأ هذه الشخصية بالضعف حتى تقوى مع مرور الوقت.

ولذلك يقال تتمتع تلك الشخصية عادة بذكاء خارق وهي تحسن اختيار ضحاياها من الضعفاء الذين يخافون المنافسة والتحدي فيفضلون الإنسحاب، تلك الشخصية عادة ما تقترب منك لكي تدخل إلى قلبك وتوهمك بأنها الأفضل، معتمده على أسلوب المنافق رغبة في استمالتك إلى جانبها والأخذ منك وليس إعطائك، ولو داست على الأخلاق والمبادئ،

في النهاية أرجو أن نكون قد قدمنا عرضا جيدا فيما يتعلق بصفات الشخص الوصولي سواءً من حيث التعريف أو الأسباب التي دفعته لذلك مع شرح سمات تلك الشخصية وطرق التعامل الصحيح معها سواءً كانوا زملاء في العمل أو أحد أفراد الأسرة وكذلك الأصدقاء المقربين، لكي يُسهل التعامل معهم وتفادي حدوث أي آثار سلبية على النفس.

***

د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

المراجع:

1-أمل اللقاني: الشخصية الإنتهازية الوصولية، مقال منشور في 6-5-2022.

2- حنين محمد: كيف تتعامل مع الشخص الوصولي الذي لا يهتم إلا بأهدافه الضيقة؟، تسعة، يوليو 3, 2019.

3- د. محمد النغيمش: مراتب الوصوليين، البيان، مقال منشور في 10 أكتوبر 2019.

4- رساله الحسن: الإنسان الإنتهازي الوصولي، الزمان، مقال منشور في 6-7-2021.

مسيرة الأول من أيار وشعارات معارضة الانضمام لحلف الناتو

يجمع الكثير من المراقبين على ان اعلان فنلندا، لطلبها الانضمام الى حلف الناتو أصبح وشيكا وأمرا واقعا، وانه يخضع للمسات الأخيرة، فالجميع في البلاد يتحدث الان عن التغيير الكبير في البيئة الأمنية في أوروبا واستطلاعات الراي تعكس ميل الشارع الفنلندي لطلب الانضمام. والمتابع يلاحظ كيف راحت الدبلوماسية الفنلندية تنشط، سواء عن طريق وزير خارجيتها بيكا هافستو(الخضر) أو رئيسة الوزراء سانا مارين (الاشتراكي الديمقراطي)، لإجراء اللقاءات مع قادة دول العالم للحصول على ضمانات امنية دولية للفترة الحرجة، من تاريخ تقديم الطلب المتوقع في مؤتمر الحلف في مدريد نهاية حزيران القادم، حتى نيل العضوية، والتي عادة تستغرق ثلاث شهور حتى 12 شهرا، وذلك تحسبا من إجراءات انتقامية ما من الجانب الروسي، سواء بالهجوم العسكري المباشر، او هجوم اليكتروني، او اعمال تخريبية.

النقاشات في مجلس النواب الفنلندي، مستعرة، من يوم بدء الهجوم الروسي على أوكرانيا، وزادت حدتها، بعد تقديم وزارة الخارجية الفنلندية، كتابها الأبيض، الذي احتوى تقييم الوضع الأمني واحتمالات الانضمام لحلف الناتو. وحسمت غالبية الاحزاب الفنلندية، في الحكومة والمعارضة موقفها في اعلان دعمها طلب عضوية الناتو لو تم تقديمه رسميا. واعلن ساولي نينستو رئيس الجمهورية (الاتحاد الوطني الفنلندي)، بانه سيعلن موقفه قريبا، وينتظر المراقبون الأيام القادمة اعلان موقف حزب اتحاد اليسار ورئيسة الوزراء سانا مارين وحزبها الحزب الاشتراكي الديمقراطي (يسار)، وسبق لحزب الائتلاف الوطني  المعارض (يمين تقليدي)  ان دعا للانضمام إلى الناتو منذ عام 2006 ، وفي نيسان أعلن حزب الفنلنديين الحقيقيين المعارض ( يمين متطرف) دعمه لطلب الانضمام إلى الناتو، وقالت رئيسة الحزب الفنلنديين ريكا بيرا إن مجلس حزبها صوت بـ 61 مقابل 3 لصالح العضوية.وفي الشهر الماضي أيضًا ، اعلن حزب الوسط (وسط)، الذي عرف عنه دعمه لسياسة عدم الانحياز العسكري ، إنه سيدعم انضمام فنلندا إلى حلف الناتو، كذلك حزب الخضر(يسار) ، وأيضا التحق بركب المؤيدين اصغر أحزاب المعارضة ، حزب الديمقراطيين المسيحيين (يمين الوسط )،  إذ اعلن  مجلس الحزب تأييده بأغلبية ساحقة.

ورغم ان حزب اتحاد اليسار يعتبر تقليديًا من أكثر الأحزاب الفنلندية المناهضة لحلف الناتو داخل مجلس النواب، وهو أساسا انضم إلى الحكومة الائتلافية بقيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي قبل ثلاث سنوات بشرط ألا يقود البلاد نحو أي تحالف عسكري، الا ان الحزب يخوض الان صراعا فكريا شديدا بين صفوف قيادته، فقد أعلن فقط تسعة من أصل 16 نائبا من نوابه معارضتهم انضمام فنلندا إلى حلف الناتو.

وتبدو الأمور مقلقة جدا، لان المتوقع انسحاب حزب اتحاد اليسار من الحكومة الائتلافية، فيما إذا قرر مجلس الحزب معارضة الانضمام الى حلف الناتو، فهذا سيدخل البلاد في ازمة وزارية،  * خصوصا ان الحكومة الائتلافية الحالية (حكومة يسار ـ الوسط) تواجه الان حركة إضرابات مستعرة ومستمرة، من قبل العاملين في الصحة والتعليم، وبمساندة العديد من النقابات تطالب برفع الاجور وتحسين ظروف العمل.

وواصل الحزب الشيوعي الفنلندي، وهو خارج مجلس النواب، حملته المضادة للانضمام الى حلف الناتو، متعاونا مع مجموعة منظمات يسارية أخرى، منها جمعيات فنانين وكتاب تنخرط فيما بينها بمجلس تنسيقي، وتدير محاضرات وندوات واشتركت بتظاهرات الأول من أيار تحت شعارات معارضة لحلف الناتو.

من جانبه قال الأمين العام لحلف الناتو، ينس ستولتنبرغ، إنه إذا قررت فنلندا الانضمام إلى التحالف العسكري، فإن عملية الانضمام ستكون (سلسة وسريعة)، فوفقا لتصريحاته بمجرد أن يتم الاتفاق على بروتوكول الانضمام، ستشارك فنلندا فعليًا في اجتماعات وأنشطة الناتو على جميع المستويات، بصفة (المدعو)، بعدها تكون مرحلة التصديق في 30 برلمانًا في 30 دولة من أعضاء الحلف، وأشار الى ان هناك إشارات ورسائل من جميع الحلفاء تشير الى انهم سيحاولون القيام بذلك في أسرع وقت ممكن.

من جانبها واصلت الصين، الحليف القوي لروسيا، خلال هذه الازمة، تحذيراتها من قرارات توسع الناتو نحو الشرق، وقال مؤخرا نائب وزير الخارجية الصيني لو يو تشنغ، إن ذلك سيكون خطأ آخر سيؤدي إلى كارثة. واضاف بإن (استغلال النزاع الروسي الأوكراني لإثبات ضرورة توسع حلف الناتو تجاه الشرق هو مثال على تبديل الأماكن بين السبب والعواقب). وفي الوقت الذي تتواصل به المعارك العسكرية بين الجانب الروسي والأوكراني على الأرض وتبادل الاتهامات الاعلامية، يكرر الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، إن أي اتفاق سلام مع روسيا يجب أن يكون قائما على عودة القوات الروسية إلى المواقع التي كانت تتمركز فيها قبل بدء غزو بلاده في فبراير/شباط الماضي، وتواصل الماكنة الإعلامية الروسية التأكيد بأن (العملية الخاصة) لروسيا في أوكرانيا ليست عدوانا عسكرياً، ولكنها صراع لاستئصال النازية .

***

يوسف أبو الفوز

 هلسنكي ـ 7 أيار 2022

.................

* يوم 8 أيار، أعلن حزب اتحاد اليسار عن استمرار بقاءه في الحكومة بمعزل عن الموقف من انضمام فنلندا لحلف الناتو.

 

قاسم حسين صالحمهداة للتيار والأطار والمستقلين

توطئة: كان السيد رئيس الوزراء الأسبق الدكتور حيدر العبادي قد واجه مهمة غاية في الصعوبة والتعقيد تمثلت بتشكيل حكومة جديدة تتمتع بالقوة والكفاءة والنزاهة والمواطنة والانسجام.. والمشكلة ذاتها تواجه الان كل الأطراف في العملية السياسية بين حكومة أغلبية وحكومة توافقية.. وهذه المقالة مهداة لثلاثة أطراف: التيار الصدري والأطار التنسيقي والنواب الثلاثة والأربعين المستقلين.

عــقد مزمنــة

قبل ان نتحدث عن التفاوض الذي اصبح الان علما له نظرياته واساليبه، والمواصفات والمهارات الخاصة بقائد التفاوض، نشير الى ان تتابع الاحداث اثبت لنا نحن المهتمين بعلم النفس والاجتماع السياسي ان حكومات ما بعد التغيير، كانت منتجة للأزمات، وانها برمجت العقل السياسي العراقي على ان يتفنن او (يتذاكى) في خلق الآزمة للآخر.. نجم عنها ان جرى تفعيل لخلايا الدماغ والمراكز الخاصة بالكراهية والخوف والشك بالآخر، وسبات للخلايا والمراكز الدماغية الخاصة بحسن الظن بالشريك.ولأن هذا الحال استمر اكثر من (18)سنة، فان العقل السياسي العراقي ادمن على هذا الايقاع، وحصل ان شاع لدى الجميع أفكار غير عقلانية.. اخطرها فكرة (الغالب والملغوب).. بمعنى أن التنافس او الصراع السياسي صار في عرفهم ان ينتهي (بانتصارك) وهزيمة خصمك.

تلك عقد سيكولوجية تحكمت في العقل السياسي العراقي، أخطرها وجود عقول ما تزال تتحكم بها افكار غير عقلانية تعتمد تكتيك (علّي سقف المطالب) لتحصل على ما تريد.. التي هي بالضد من عملية التفاوض التي تقوم على مبدأ التنازلات المتبادلة.. فضلا عن تعصب عشائري، قومي، طائفي، حزبي.. وعقول مصابة بحول عقلي، ترى فقط ما هو ايجابي في الطائفة التي تمثلها، وترى فقط ما هو سلبي في الطائفة الأخرى.. وتحمّلها مسؤولية الأزمة وتبّرأ نفسها منها مع انها شريك فيها.

ان التفاوض، ايها الأخوة، هو ان تدخل في حوار مع طرف او اطراف بهدف الوصول الى اتفاق يرضي الاطراف المتفاوضة ويضمن لها الحد الادنى المقبول من المكاسب .هذا يعني ان تكتيك (علّي السقف) يجب ان يلغى من حسابات الطرف المفاوض وان يكون لديه استعداد نفسي للتنازل المتبادل.. بعيدا عن روح التعصب والتصلب والالتزام الشديد بالمواقف، وان تكون لديه الرغبة في التراخي.. لأن احد اهم شروط التفاوض الناجح هو وجود قدر من المرونة من الاطراف المعنية، بما يعني ان يراعي كل طرف حقوق الطرف الاخر، وان لا يكون هدفه هو الكاسب الأكبر.

صفات المفاوض الناجح

يحتاج التفاوض من المفاوض ان يتمتع بالقدرة على تغيير اتجاهات الطرف الآخر وصولا الى الاقناع.وهذا يتطلب ان يكون اسلوب المفاوض مؤثرا، اذ لا يكفي ان يكون الحق معه حتى يكون مقنعا للطرف الاخر وانما لابد ان يكون قادرا على تفنيد حجج الطرف الاخر باسلوب موضوعي يتناسب مع طريقة تفكير هذا الطرف وقدراته الادراكية وخلفياته الثقافية، وان يعي نقاطا جديدة بصورة سريعة، وان يستجيب لها باسلوب مناسب.. ولن يحصل هذا الا حين تكون رسالة المفاوض واضحة تحمل معنى واحدا محددا وفهما مشتركا.

وينبغي في المفاوض الجيد ان يتمتع بالقوة التي لا تنفر الاخرين من التفاوض معه وانما عليه توظيف قوته في دعم حججه. والقوة وحدها لا تكون كافية في قيادة عملية التفاوض بمهارة وانما ينبغي ان يكون هنالك طموح عال في الوصول الى الهدف مع استخدام المهارات الاتصالية والاقناعية.واللافت ان العراقيين عموما لا يتمتعون بتلك الصفات، ولهذا تراهم يختلفون على ما كانوا دعوا اليه.. مثال ذلك ان السيد نوري المالكي كان قد دعى الى تشكيل حكومة أغلبية فيما الآن يعارضها بشدة.

استراتجية الانهاك

كل الأطراف في العملية السياسية العراقية كانت قد قامت بمفاوضات لكنها اعتمدت استراتيجية الانهاك واستنزاف الطرف الاخر سواء بتطويل فترة التفاوض او بخلق العقبات القانونية (والدستور العراقي حمّال أوجه) التي يمكن وصفها باستراتيجية الخداع والتمويه، وعلى الجميع ان يغادروا هذه المواقف، ويتخلصوا من (حولهم العقلي) الذي يري كل طرف بأنه على حق والآخر على باطل.

ان كلامنا هذا قد يبدو خياليا للبعض او غير ممكن عمليا في ضوء (مخلفات) استراتيجيات التفاوض الفاشلة وما افرزته الاحداث من تعميق للصراع.غير ان واقع الحال يفرض على الاطراف المفاوضة ان لا طريق امامها سوى اعتماد منهج المصالح المشتركة القائم على استراتيجيتي (التكامل والتعاون). صحيح انهم لن يبلغوا الحالة المثالية، لكنها ستشكل البداية شرط توفر حسن الظن وصدق النوايا التي تفضي سيكولوجيا الى المرونة في تقديم التنازلات المتبادلة التي تضمن ان تكون المصالح متوازنه بين اطراف التفاوض، وهذا يتطلب ان يتوافر الاقتناع بالرأي لدى المفاوض، قبل اقناع الآخرين به.

ان الاجواء النفسية قبيل واثناء التفاوض عامل مهم في عملية التفاوض، ليس فقط في اسلوب الكلام الذي ينبغي ان يكون مرنا.. بل ولغة الجسد التي يفوق تاثيرها لغة الكلام احيانا.وليسمح لنا السياسييون بالقول انهم جميعا يمتلكون لغة جسد خشنة ترسل اشارات صريحة للمقابل بان هذا الشخص يصعب او لا يمكن التفاهم معه.فمعظمهم يمتلكون وجوها مسطحة، مكفهرة، متشنجة، غاضبة، وكأن بينها وبين الابتسامة.. خصومة مستديمة.

وساطة

بوصفنا نمتلك الخبرة في التفاوض والقدرة على تغيير الاتجاهات وتقريب المواقف، ولأن الوساطة الخارجية من طرف غير سياسي ومحايد تكون مقبولة من الجميع، فاننا نعرض استعدادنا للتوسط بين الأطراف الثلاثة:التيار والأطار والمستقلين.. ولهم نقول:

جرّبوا، فأن لم تربحوا الوطن وشعبكم وأنفسكم.. فأنكم لن تخسروا.

***

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

زكي رضا"إنه الاقتصاد يا غبي"، جملة صاغها الكاتب والخبير الأستراتيجي جيمس كارفيل لحملة بيل كلينتون عام 1992، وقالها الرئيس الأمريكي الأسبق وهو يخوض وقتها غمار حملته الأنتخابية التي أوصلته الى البيت الأبيض بعد فشل جورج بوش الأب في معالجة المشاكل الأقتصادية في امريكا، لأنّ الأقتصاد القوي في الدول الديموقراطية يعني في وجهه الآخر علاوة على أمور كثيرة تحقيق نظام عدالة أجتماعية متين وقوي. هذه الجملة كافية في أن تعي الشعوب الأوربية خطر زوال أو أنحسار ما حققته خلال عقود من نضالاتها في سبيل تحقيق ما حققته لليوم من مستوى معاشي لائق ونظام عدالة أجتماعية عادل لحدود كبيرة خصوصا في البلدان الأسكندنافية، هذه البلدان التي حققت بالفعل مجتمعات الرفاهية لشعوبها.

لقد عانت اوربا في العام 2009 من أزمة أقتصادية القت بظلالها على النمو الأقتصادي لبلدان القارّة، وأحتاجت لفترة غير قصيرة للعودة الى معدلات نمو ما قبل الأزمة، وكانت اكبر التحديات التي تواجه معدلات نمو الأقتصاد الأوربي ومنه الأقتصادات الكبرى فيها، هي توفير الطاقة الرخيصة والمستدامة التي تعمل على كبح جماح التضخم وارتفاع الاسعار والبطالة، والتي تساهم مساهمة فاعلة في استمرار انظمة الرعاية الأجتماعية وتطورّها وديمومتها كنتيجة لها. وما أن تعافى الأقتصاد العالمي ومنه الأوربي، حتى ظهرت جائحة كورونا لتوجّه لطمة قويّة للأقتصاد العالمي الذي بدأ يلتقط قليلا من أنفاسه حينها.

جاء في تقرير لصندوق النقد الدولي تحت عنوان (إصابات متزايدة بالفيروس وتعاف معطَّل وتضخم مرتفع) نُشر في كانون ثاني 2022، أي قبل أندلاع الحرب في أوكرانيا بشهرين تقريبا. في أنّ "الأقتصاد العالمي يستهل عام 2022، وهو في وضع أضعف مما ورد في التوقعات السابقة. فمع انتشار سلالة "أوميكرون" الجديدة المتحورة من فيروس كوفيد-19، عادت البلدان إلى فرض قيود على الحركة. وأدى تصاعد أسعار الطاقة والانقطاعات في سلاسل الإمداد إلى ارتفاع التضخم واتساع نطاقه عن المستويات المنتظرة، ولا سيما في الولايات المتحدة وكثير من اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية. وباتت آفاق النمو محدودة أيضا في الصين من جراء الانكماش الجاري في قطاع العقارات وبطء تعافي الاستهلاك الخاص مقارنة بالتوقعات". ويستمر التقرير في نظرته التشاؤمية ليقول "ومن المتوقع أن يستمر التضخم المرتفع لفترة أطول من المتصور في عدد أكتوبر من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، مع استمرار الانقطاعات في سلاسل الإمداد وكذلك أسعار الطاقة المرتفعة في عام 2022". "وبافتراض بقاء توقعات التضخم على مستوى جيد من الثبات حول الركيزة المستهدفة، فمن المتوقع أن ينخفض معدله تدريجيا مع انحسار الاختلالات بين العرض والطلب في عام 2022 واستجابة السياسة النقدية في الاقتصادات الكبرى". ويضيف التقرير من أنّ "انقطاعات سلاسل الإمداد، وتقلب أسعار الطاقة، وتركز ضغوط الأجور في أماكن معينة، كلها يعني ارتفاع عدم اليقين بشأن التضخم ومسارات السياسات"، وقد أشار التقرير كذلك أنّ رفع أسعار الفائدة في الأقتصادات المتقدمة كأمريكا ستسبب مخاطر على الأستقرار المالي في الأقتصادات النامية والعملات. وقد تتحقق "مخاطر عالمية أخرى في ظل استمرار التوترات الجغرافية - السياسية على ارتفاعها، كما أن الطوارئ المناخية الراهنة تعني أن احتمالات حدوث الكوارث الطبيعية الكبرى لا تزال مرتفعة"!!

كيف سيكون شكل تقرير صندوق النقد الدولي القادم، ومتحورّات كورونا مستمرة في جنوب أفريقيا والتي وصلت الى العديد من البلدان الأوربية، مع أستمرار غلق المدن في الصين نتيجة فشلها في تصفير الأصابات؟ وما هي نسب المخاطر على الأقتصاد العالمي وأمريكا ترفع نسبة الفائدة نصف نقطة لليوم، وما هي المخاطر الحقيقية في أنهيار الأستقرار المالي للبلدان النامية والفقيرة، في ظل أستمرار الحرب الروسية الأوكرانيّة وتأثيراتها الكبيرة على سوق الطاقة والغذاء والسلم العالمي، وأستمرار الجفاف ككارثة طبيعية محتملة وتأثيرها على الزراعة في ظل شحّة المياة؟

أندلعت الحرب العالميّة الأولى في أوربا لأسباب عدّة منها التنافس بين الدول الأستعمارية على اسواق جديدة لتصريف بضائعها، والبحث عن مواد خام رخيصة لأستمرار عجلة صناعاتها، وهذا يعني أنّ الأقتصاد هو المحرّك الرئيسي لأندلاع الحرب والتي راح ضحيتها ما يقارب الـ 17 مليون قتيل وملايين الجرحى وخراب كبير طال المدن الأوربية وبناها التحتية. وأندلعت الحرب العالمية الثانية هي الأخرى لأسباب عديدة ومنها الكساد والأزمة الأقتصادية العالمية، والتي راح ضحيتها ما يقارب السبعين مليون أنسان ودمار فاق دمار الحرب الأولى لتطور الأسلحة المستخدمة خلالها، وهذا يعني من جديد، أنّ الأقتصاد هو محرّك آلة الحرب العالمية الثانيّة.

الدولة الكبرى الوحيدة التي خرجت منتصرة وذات أقتصاد قوي مع محافظتها على بناها التحتية، هي أمريكا. أمّا أوربا التي كانت مسرحا مباشرا للحربين، فقد خسرت الكثير فيهما وأحتاجت لعقود كي تعيد تنظيم أقتصاداتها التي أنهارت أثناء الحربين. وهنا تكون مقولة كلينتون "إنه الاقتصاد يا غبي" سابقة لساعة قولها ولازالت، لأنّ البلدان الأوربية وهي تجرّب حربا غير معروفة العواقب على أرضها من أجل توسيع حلف الناتو خدمة للمصالح الأمريكية لم تعي معنى هذه الجملة وتداعياتها على ما يبدو. فالشعوب الأوربية وهي تعيش لحظات تاريخية دقيقة للغاية، بدأت تخسر الكثير من أمنها ورفاهها اللذان ناضلت من أجلهما طيلة سبعة عقود على الأقل أي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية لليوم. ومستقبل الأستقرار السياسي والأقتصادي والأجتماعي معرّض لخطر كبير في حالة أستمرار الحرب، وعدم الوصول الى وقف القتال عن طريق الديبلوماسية مع أخذ مصالح جميع الدول بما فيها اوكرانيا وروسيا بنظر الأعتبار.

في الأوّل من آيار الجاري، تناولت رئيسة وزراء الدنمارك السيدة ميتا فريذريكسون في كلمتها بمناسبة الأول من آيار في مقر حزبها وبحضور جمهور من أعضاء حزبها - الحزب الأشتراكي الديموقراطي، الحرب الروسية الأوكرانية وآثارها وقالت: أنّ الدنمارك حققت خلال العام 2021 أقل نسبة بطالة خلال 27 عاما، وأدنى نسبة دين عام،. لكنّ الحرب في أوربا لها ثمن غال، علينا أن ننتظر وللأسف الشديد أزدياد نسبة الفائدة وأرتفاع نسبة البطالة. وأعطت بعض الوعود والتطمينات للفئات الأجتماعية الأكثر عرضة لتقلبات الأوضاع الأقتصادية كالمتقاعدين وذوي الدخل المحدود والطلبة والعاطلين عن العمل في مساعدتهم عبر حزمات مالية، على أن تكون مؤقتة وضمن أطر معينة. لو كان مجتمع الرفاهية الدنماركي مهدد بالشكل الذي أشارت اليه السيدة ميتا فريذريكسون بهذه السوداوية، فكيف سيكون حال المجتمعات الأوربية الفقيرة مقارنة بالدنمارك الغنية، كالبرتغال واسبانيا واليونان وبلدان اوربا الشرقية، وكيف ستكون حياة الناس في افريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية الأكثر فقرا.

في هذه الحرب ستخرج أمريكا وهي بعيدة عن مسرحها كما كانت دوما "منتصرة" وهي تبيع أسلحتها الفتاكة للشعوب الأوربية التي زادت من أنفاقها العسكري، ولتحتكر أمدادت الطاقة لأوربا بنسب مؤثرة. وبدلا من محاولات الدول الأوربية كي لا تخرج خاسرة من هذه الحرب كما اللواتي سبقتها، من خلال أيجاد حلول لأصل المشكلة التي تهدد أمن قارّتهم بشكل مباشر، وأولّها ألتزامها بوعودها في عدم توسع الناتو شرقا أكثر ممّا هو عليه الآن، وضمان عدم قبول اوكرانيا في حلف الناتو كبداية لأنهاء الحرب والأزمة. نراها تتحرك تبعا لسياسات الولايات المتحدة وبريطانيا في توسيع رقعة الحرب التي تهدد كل ما حققته شعوبها خلال عقود من خلال زيادة الأنفاق العسكري وأرتفاع نسب البطالة وقضم تدريجي لما حققّته من أنجازات على صعيد العدالة الأجتماعية ومجتمعات الرفاهيّة، هذه الحرب التي لا تهدد أوربا وحدها بل تمتد لتهدد السلم العالمي والجنس البشري بشكل عام.

الملفت للنظر هو غياب اليسار ومنظمات المجتمع المدني والرأي العام الجماهيري الأوربي عن دورهم في التظاهر والتجمّع للضغط من أجل وقف الحرب التي تجري في عقر دارهم، هذا اليسار الذي لعب دورا بارزا في دعمه للسلام العالمي ومناهضة الحروب في كل أرجاء المعمورة. فهل وصل الشحن الأعلامي لأستمرار الحرب تحت أية حجج كانت الى تغييب القوى الخيّرة والمحبّة للسلام ونبذ الحروب كوسيلة لفضّ النزاعات عن ساحتها!؟

"لا بوصة واحدة شرقا" جيمس بيكر مخاطبا غورباتشوف حول عدم توسع الناتو شرقا.

***

زكي رضا - الدنمارك

 

عبد الجبار العبيديعندما يكون الفقيه جاهلا ًبعلمه.. تراه متلجلجاً دائراً في محورٍ عقيم، فلا هو يعي معنى النص المقدس.. ولا يقول الصدق فيما يفسر ويقول.. بل يغالبه الأفراط بما يدعي ويقول، حتى حولوا لقب الفقيه الى عالم وهذا خلاف الاصول، فيكتب في الباطل حقاً، وفي المقدس وهماً، ظاناً ان الحاكم لا يريد الا بما يوافق رغبة السلطة في القبول.. وهنا يفقد الفقيه بما تعهد به امام الله من قولٍ رصين في"أمانة الدين".. أما القارىء والمواطن المسلم فهو يقبل بالمتلقي ما دام يسمع ممن اعتمد عليه في صدق المعرفة والقول، فيخضع خضوع العاجز للمستبد.. وهنا ساد الباطل بين القائل والمتلقي بمنطق المداهنة والمناورة.. لكن حبل الكذب والأفتراء قصير.هكذا كان فقهانا ولا زالوا الى اليوم في معظمهم يعلموننا الخطأ..حتى أفسدوا الأسلام كدين عندما علمونا ان اسلامنا هو الأخرة وجنات النعيم..

أقولها بصراحة دون تردد، صامتاً مذهولاً، حين اصبح يصعب عليَ ان أصدق ما كنت أقرأه في الدراسات العليا وأسمعه عن الاسلام السياسي من مفارقات عند فقهاء وحكام الامويين والعباسيين وكيفية تحويل القضاء والقدر الى أتكالية دينية مزقت الاسلام الى معتقدات خرافية وابعدته عن القانون، لكنني لم أستطع أنكاره أو تجاهله او التصديق به فهو يحتاج الى بينات للاثبات.. لكن الواقع المنهجي لا يسمح الا بقبول النص وان كان مفبركا،جريمة ان نعلم هذا الخطأ المقصود لطلبتنا اليوم ليتعلموا كل باطل منا دون تأكيد..

حتى اصبحنا نؤمن بالخطأ رغما عنا دون أمل في أصلاح.. فكم هي الصعوبة حين كنت مؤمنا بمبادىء ثم وجدتها مجرد اوهام فقهية بلا قيم ولا دليل ولا اثبات، يرددها الناس دون معرفة من أصل.. كما يقولون ان في رمضان الدعاء يعتق من النار..؟ أي اقتل،أنهب،أفسد، خون الوطن،انتظر رمضان فأدعوا تعتق من النار.. يا لمهزلة أحاديث الفقهاء في نشر النص المكذوب على الناس.. ويالمهزلة فقهاء دين يؤمنون بخُرافات النار.. فلو كانواحقا صادقين ويعتقدون لما دونوا خرافة اللامعقول.. والقصد واضح ومعروف هو أستبدال النص المقدس بالحديث المُنتحل لتشتيت عقيدتهم في الدين..

سؤال يحيرني لا بل يقتل اعصابي وهو مكون من ثلاث كلمات "من هو الاسلام" سؤال يُطرح في غالبية جلساتنا المعتادة.. والكل يعتقد ويجيب حسب رأيه وما قرأه من كتب الفقهاء ومرجعيات الدين التي جاءت بأراءٍ متعارضة وبلا اثبات.. هذه المرجعيات التي أفسدت الدين وافكار الأنسان وخربت الأوطان،وسرقت اموال المواطنين بدجلها المعهود "قدس سره" في وقت ان الغالبية منا لم يكن لديه أدنى معرفة صحيحة عن الذي به يعتقد سوى مجرد ما تتكلم به الآلسن وتسمعه الاذان، لذا أصبح همهم اليوم هو الأكثار من مدارس التخريف لننفض أيدينا من العلم والعلماء وطرد الكفاءة والأكفاء من جامعاتنا ومعاهدنا العلمية.. وها هو الواقع المزري اليوم الذي نعانية من ايمان بلا أثبات.. ودين بلا تطبيق، وتراث بلا قانون، ومؤسسات بلا خبرة، بعد ان اصبح المذهب بديلا عن الفكر والدين.. لا بل الدين تحول الى آديان.. حتى اصبحنا لا ندري اين الدين الصحيح..؟

.. كارثة ان تتحدث عن شيء وتصر عليه وانت والغالبية تجهله لكننا مشينا عليه واعتبرناه حقيقة وان كان وهماً.. لا شك ان الحقيقة هنا ما هي الا الوهم والتخمين الذي أعتدنا عليه دون تحقيق.. أنه خواء روحي سيبقى يلازمنا ابدا حتى نكتشف حقيقة عقيدة الدين.. فرق بين الدين الفقهي وعقيدة الدين.. هذا الدين الفقهي الذي وضع العرب والمسلمين في أخر الأمم تقدما وحضارةً.. فنشئنا خطئاً في خطأ منذ بداية التكوين.. في السياسة والدين حتى اصبح ديننا اديان، ووحدتنا احزاب وشريعتنا أراء، وقرآننا قرائين أحاد.. وسياستنا دجل، فماذا لو كنا بلادين..؟ أما كان لنا الاحسن في ظل الدساتير والقوانين كما هو العالم المتحضر اليوم مثلما في اليابان والصين ً، بعد ان ضاعت اوطاننا وحقوقنا دون نصير، ونحن نُحكم من قادة بلا اخلاق ولا دين.. فبيقينا نهرول خلفهم لنستجير من ظلم الدين الشخصي والمتدينين؟

فبأسم العقل والأرادة الحرة نكتب بحيادية الكلمة دون طعناً من كره.. ولا محبة في عقيدة.. بل باسم الحق الذي طالبت به العقيدة والطبيعة الأنسانية وورد في الوصايا الأنسانية والدينية تطبيقه في المجتمعات كي تسود العدالة بلا أمر من احد بين الناس بغض النظر عما تعتقد به من دين..

ان الذين يؤمنون بحقوق الاوطان والشعوب عليهم ان يقولوا الحقيقة لا المواربة من اجل  الحاكم البغيض، السارق لحقوق الناس الذي قتلنا حتى العظم.. فيا ليتنا كنا ندرك..وياليتنا كنا نفهم.. وياليتنا كنا نعلم..حقيقتهم وحقيقة دينهم الفقهي المفبرك، الذي أنتج لنا خطأ السنين.. فضاعت الاوطان والأنسان والدين معاً.

ديننا جاء مكتملاً خاتما رسائل السماء التي سبقه من نوح الى محمد (ص) راضيالنا ان الاسلام هودين كل العالمين "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الأسلام دينا".وحين العودة للتوراة والأنجيل نرى ان الوصايا العشر لا تختلف في الديانات كلها.. لأنها الحق.. لكننا لانجد فيها ما نجده في القرآن من تطرف في القتل والتعذيب "أقتلوهم حيث ثقفتموهم" وجهنم من وعد ووعيد.. نقلة فيها من المفارقات الكثير لمن لايؤمن بما انزل على محمد الامين.والقرآن يقول لكم دينكم ولي دين.. ألم يكن هذا تناقضا في التطبيق.. فأين مرجعيات الصمت في التوضيح..

جاء في القرآن لفظة الكافرين والظالمين.. فمن هم..؟ المعتدون على الأوطان والناس أم الناكرون للنص،والقرآن يقول:" ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين.. لا خوف عليهم ولاهم يحزنون.. " فكيف يدعي الفقه الاسلامي انهم كافرون ولهم جهنم وبئس المهاد.. ألم يكن ذلك تناقضا بين النص والتفسير..؟

لم ترتضي الحركة الفقهية بهذا فقط.. بل جاءتنا بأطاريح أخرى يرافقها الشك في المضمون وهي: آلوا الأمر منكم،وآلوا ليس الحاكم بل عامة الناس، وقدس الله سره، وعذابات القبور، والمرأة ناقصة عقل ودين، والحجاب والنقاب،واللحية العفنة، وتقديس المراقد،والرجم.. لكن الخنجر المسموم يرافقها في التنفيذ.. وما هي في غالبيتها الا وهم التاريخ.. أمن هذه الدراسات الوهمية سنقدم منهجا لثقافة وطن وما يقولون به دون تحقيق؟.. حتى اذا ما جاؤا وتمكنوا من السلطة اكتشفنا انها ما هي الا أوهام لفتح ابواب التخلف والسيطرة على الفكر والسلطة والمال بالخرافات وسرقة العقول والقيم وتخريب البلدان وبيعها للأخرين، وهم لا يؤمنون بدين.. كما نراهم اليوم.. في وطننا العراق المسروق كلية منهم..

فاذا بقينا على هذا الحال هل سنلمس منهم ان يفتحوا لنا بابا لدراسة المعرفة والعرفان والحكم الرشيد.. وهي القيم والمبادىء والعدالة الاجتماعية وحكم القانون سواءً كانت دينية او أنسانية، وهي المعايير او المقاييس التي نحكم بها على الشيء ماضيا وحاضراً.. وليست هي القيم الدينية وحدها التي قالوا لنا لولاها لما وجدت قيم على الارض حتى أكتشفنا أنهم كاذبون بلا دين،لان المبادىء الدينية الحقة ما هي الا وسيلة لمعرفة القيم والعدل والقانون عند الأنسان وهم عنها بعيدون..والا لماذا تقدمت الدول التي هي بلا دين كاليابان والصين.. ونحن تأخرنا عنهم.. ألم يكن هذا هو عكس ما كانوا ولا زالوا يدعون.. ولكن اين من يفهمون..؟.

ان مبادىء علم الدراسات العليا التي تجبرنا على التثبيت للقيم والمبادىء التي يتفق عليها الجميع في التطبيق.. وهي ".. الحق والخير والجمال.. "وهذه هي التي وجدناها في القديم اوقل مع فجر الضميرحين اهتدى الأنسان بعقله لها حتى أعتبر العلماء ان العقل هو أول مكتشفات الأنسان في التطبيق..فلماذا يصرون اصحاب القيم الدينية اليوم على احتكارها دون الأخرين وهم من اساؤا لها وللأخرين.. قتلاً وتخريباً ونهباً لاوطان المواطنين؟

أليس من حقنا ان نتعرض لدراسة أسباب عجز الاسلام السياسي من تكوين دولة القانون العادلة منذ البداية رغم المبادىء المقدسة التي جاء بها والتضحيات الجسام التي قدمتها الدعوة.. اذن لابد من ان نوطن أنفسنا على مواجهة حشد كبيرمن المشاكل والصعوبات قبل ان ننتهي الى رأي يمكن الاعتماد عليه،شأننا في ذلك شأن كل الموضوعات الخاصة بالدولة الدينية الأسلامية على مدى تاريخها،لأن هذه الدولة وكل ما يتصل بها وما وقع لمعتقديها خلال مدة حكمها يتعذر على الدارس ان يقول قولا ثتابتا فيها،الا بعد الجهد البالغ،لأن الاصول التي تبنى عليها الدراسة واسعة ومختلفة ومتضاربة وغالبيتها مصطنعة منهم لكون أصولها جاءت اليهم ناقصة بعد ان حرقوا الأصول الأولى للنص القرآني بدعوى ان لا يكون سببا مفرقا للمسلمين.. لكن دون تثبيت..

علينا ان نعترف امام الحقيقة والتاريخ،ان الدولة الاسلامية نشأت على غير الأصول الدستورية والقانونية والتشريعية التي اتفقت كتب السماء المقدسة عليها بعد ان عتموا حتى على وثيقة المدينة.. لكنهم شطار في قراءة الايات مقطوعة التفصيل،واحياء السنة والشيعة باطلة الاصل في التطبيق..وعداوة اهل البيت و زوجة الرسول الأمين -ان كانوا يؤمنون بالتنزيل - والا اين التشابه بين التوراة والانجيل والقرآن الكريم اذا كان متمما لها دون تزويروفي حكم تطبيقها.ناهيك اننا لم نكن نملك المؤسسات العامة، والرقابة وحكم القانون وحرية الرأي في التطبيق بل جملة حكام همهم المال والسلطة والجنس على طريقة من سبقهم من الأولين، فكان التشتت والتخلف والسيف بدلا من الرأي والقلم.. حتى شعاراتهم زينوها بالسيف والى اليوم.. فما لم نعيد صياغة المنهج المدرسي ونفصل الدين عن الدولة، سنبقى ننفخ في قربة مقطوعة دون تغيير.

من هنا علينا ان ندرس الظاهرة الدينية الاسلامية في أنقى اشكالها وفي أكثر أوضاعها تحررا من أي تشويش عاطفي، كما يفعل العالم الطبيعي.. ليكون التطبيق لهذه الحركة الدينية التي غلفت المجتمع بنصوصها الاجبارية مكانة المثل والأسوة.. ليبقى هدى الانبياء والرسل قدوة دون نظرية السيف المسلطة على الأعناق.. عنوة.. واذا بقينا نصدقهم فنحن الى زوال.

التاريخ في حاجة دائمة الى اعادة نظر..والنظرة النقدية للنص تحتم على الباحث ان يتفحص الثوابت حتى في مواجهة الشخصيات الكبيرة كالخلفاء الراشدين والفترة التي عاشوا فيها،وهذا ليس تقليلا من شان هذا أو ذاك بقدر ما يهدف الى أعادة ترتيب سطور التاريخ وقراءة ما خلف السطور،لنميز بين ما كتبه الكاتبون مخلصين، وبين ما دسه الدساسون مفترين.

من هنا انبرى الفقهاء والمفسرين للنص على كتابة ما شاء لهم من تفسير في القرون الهجرية الأولى حين لم تكن الفاظ اللغة قد وصلت الى التعبيرعن التفكير القائم على ادراك المشخص، ولم تكن فيها التسميات الحسية للغة العربية قد استكملت بعد تركيزها في تجريدات، ولم تكن قد تخلصت من الترادف اللغوي الذي لا وجود له في القرآن لاحلال المنهج التاريخي العلمي في الدراسات اللغوية. هذا الارتباك في التفسير للنص المقدس أدى الى ظاهرة اختراع المذاهب الشخصية التي لا علاقة لها بالدين.. لتكون السلطة ملكا عضوضا للأمويين والعباسيين دون الأخرين.. فصارالتاريخ يُقرأ ويدرس على عكس ما جاء به النص، وقيادته الرشيدة.. رغم اعتقادي الشخصي ان الدين لا يُكون دولة بل مبادىء اخلاقية وعدالة لمراقية تحقيق العدالة في سلطة الدولة؟ والقرآن نفسه لم يسميها دولة بل جماعة أو أمة"هذه امتكم أمة واحدة وانا ربكم فأعبدون،الانبياء92".. أنظر وثيقة المدينة المغيبة اليوم عن العرب والمسلمين..

هنا طمست فضائل،وأخترعت فضائل من قبل اصحاب الحديث الوهميين الذي ابدلوه بالنص القرآني المكين لمصلحة السلطة.. فمشى الناس على أخذ ما وجدوا.. فعتم على الحقيقة بالغموض والبهتان، فوقعنا في محنة الزمن وحتى اصبحت اليوم حقيقة وهي مجرد وَهَم.. فِرقُ ومذاهبُ ونحلُ وتشتتُ وتباعدُ وتباغض وتفَرق.. والكل يدعي الاسلام.. كما هم اليوم هوالحاكم وهوالمعارض.. حتى وصلنا الى ما نحن عليه اليوم من ضياع وبهتان" ولا ندري ما هو الاسلام"ومن هوالحاكم ومن هو المعارض المصلح للأخطاء والتجاوزات.. لذاضمن هذا المنطق لم يتم تعريف الاسلام الى اليوم.، ولا ندري اين الاسلام الصحيح في بغداد او في المدينة او في طهران.. أنه مشهد يكاد ينطق بصوت الكارثة القادمة من وراء حجب الغيب الرهيب.

الأصول والمراجع كثيرة جدا اليوم، لكن غالبيتها يفتقر الى الأصالة والمنهجية التاريخية،ولا نبالغ اذا قلنا ان الكثير منها يوصف بالزيف وخاصة كتب الحديث التي شاعت كما في مسلم والبخاري وبحار الأنوار.. وفقهاء القرن الرابع والخامس الهجريين كالماوردي وابن تيمية والغزالي وفقهاء الفرس كالكليني وابن بابويه والطوسي وغيرهم كثير.. حتى اتخذت وسيلة لتثبيت سلطة ولي الامر لا العقيدة، بعد ان تعذر عليهم تفسير كلمة "آلوا الامر" التي عدوها ولي الامر بينما هي المقدمون من الجماعة وليسوا على.. ولا في الجماعة. والموضوعات التي كتبوا فيها يدخلها الهوى من كل جانب،مما يحتم على الباحث المحايد التدقيق وأعادة النظر فيها بعيدا عن التـاثيرات المثيولوجية أو الأهواء الشخصية.. والدليل ان كل هذا الزمن الطويل ظلت الدولة والعقيدة تتأرجح بين الصعود والنزول دون ان تستطيع بناء دولة القانون والمواطنة والحقوق.. حتى اصبح المسلم هو الوحيد المتخلف حضارياً وبلا حقوق..

لقد كان اهتمام الدعوة هو اهتمام المطلق والشريعة تعطي امتداد الزمان والمكان لتكوين المجتمع الجديد على اساس مفهومية العدالة بين الناس وانتهاء عهد الظالمين وهذا يعني حلول عهد القانون بدلا من العادة والتقليد وخزعبلات مؤسسة الدين التي لم يعترف بها القرآن ولم يخولها حق الفتوى على الناس، همها الأنفراد بالحقوق دون الناس ولا عودة للمعارضين" والعودة عبر الزمن مستحيلة"، وما الدولة من وجهة نظرها الخاطئة الا مال سائب لها لا للمواطنين كما تفعل اليوم في عراق العراقيين.. لذا اضافت على نفسها القدسية المستمدة من النص والاحتفاظ بالأسرار الآلهية دون الناس لتعطي لنفسها حصانة البقاء والاستمرار دون اعتراض من الأخرين.. فأخترعت لفظة،"قدس سرها" والقرآن يرفض التقديس أنظر الآية 174 من سورة البقرة..وهنا كان توقف الدعوة او قل بداية الموت البطيء لها.. لكن الشورى ظلت برأي العامة هي الأساس لمن يحكمون.. ولكن دون تطبيق.

فهل تريد ايها المواطن ان تثق بمن يريد قتلك..؟

الذي حدث ان بعض المسلمين تصور ان العقيدة الدينية هي عقيدة دينية فحسب،بينما هي في ذاتها قواعد سياسية،فالدين معناه منهج الحياة المتكامل عقيدة وشريعة وأسلوب حياة،يقوم على المساواة،فلا يتميز حاكم على محكوم،الا بما يقتضي به الشرع وهذا مايسمى بالتقوى،"الحجرات آية 13" والشريعة تساوي بين الحاكم والمحكوم في سريان القانون،وفي مسئولية الجميع عن التصرف اياً كان نوعه،ومن أجل ذلك ان الحاكم لا يتمتع بصفة القداسة ولا يمتاز على غيره واذا ارتكب مخالفة يعاقب عليها كما يعاقب اي فرد أخر"الماوردي الاحكام السلطانية ص 20"،اذا ما خرج على الشريعة يجب على جماعة الممسلمين الوقوف في وجهه وعزله عن السلطة.. لا ان يكون له جيشا يحميه من المواطنين كما نراهم اليوم.

والسبب الاخر ان طبيعة نظام الامة قد تغيرت،فأستتبع ذلك ان تغيرت كل التفاصيل تبعا لذلك..فالخليفة اصبح ملكاً، والامة لم تعد متعاونة فيما بينها، والجيش اصبح جندا للخليفة وليس للامة، والمال اصبح مشاعا بين الملك ورجال الدولة دون الشعب كما نحن اليوم حين عدوه ملكا لهم.. وهذا يصور لنا بأختصار اسباب الضعف والانهيار والسقوط.. فأين منهج الدراسة الذي يضعه المؤرخون خلافا للتاريخ..

وهذا الذي يحدث اليوم في غالبية دول المسلمين.

أخي المواطن الساكن في دولة الظلم والأحتكار.. انتبه لوطنك الذي يريد له مستهتري السلطة اضعافه حتى لايقوى على النهوض حين مزقوه الى كيانات هزيلة بدلا من الوطنية الموحدة القوية فاصبحنا لا نملك شعبا ولا وطن، ولا قيماً ولا اخلاق،بل كيانات ومحاصصة باطلة لذا لم تهزهم الشتيمة أوالنقيصة او في كل ما يقال في حقهم من مساوىء، ولا العمل الفاضح او السرقة اوالخيانة او التزوير، فعليك.. حتى ماتت الرقابة على المخطئين والقتلة والمخربين بعد ان جمدت غالبية نصوص الدستور.. طالب بدستور مدني لا يرتبط بشريعة الدين.. فأين النواب المستقلين الذين يدعون بدماء تشرين لماذا لا نراهم مساندين ضد.. هؤلاء الذين يستميتون اليوم على السلطة كي لا تفلت منهم وتنكشف الأسارير.. والذين اليوم يرفعون الشعار "التوافق السياسي الكاذب من اجل الوطن"والا اين هم من 19 سنة سابقة خانوا وسرقوا وقتلوا وأستغلوا كل ما في الوطن منموارد وحكموا الغريب فينا دون وازع من ضمير..  وهم لا زالوا موغلين في التدمير حتى بقينا بلا صحة ولا تربية ولا تعليم.. وهذاهو المهم بالنسبة لهم ليبقى الوطن في بطن الجهالة غاطسا حتى الرؤوس..

نحن نحترم شجاعة من يقول الحقيقة او بعضها ففيها عز الوطن والمواطنين.. كن ايها المخلص شجاعا مطالبا بالحقوق فلا تترد.. امام الجبناء الخائفين من المصير.. فلا مستحيل لمن يحاول..ولا أمل اليوم بمن يحكمون..؟

***

د.عبد الجبار العبيدي

 

علاء اللاميالصحافة الإسرائيلية ومجلات الدراسات الأوروبية من حقها أن تناقش روايات يهودية هتلر ولكن ليس من حق أحد آخر في العالم فعل ذلك لأنه سيتهم فورا بـ "معاداة للسامية"، يا للنفاق!

كما قلت في منشور سابق، فبغض النظر عن صحة وأهمية الروايات حول يهودية هتلر أو "ربع يهوديته" كما يقول البعض، وهما صحة وأهمية موضوع جدل وتشكيك، فإن مغزى الضجة الصهيونية الراهنة ضد روسيا وعلى لسان وزير خارجيتها ليس هنا، بل في أن روسيا تحاول فتح جبهة سياسية مؤثرة ضد الغرب، وهذه الجبهة هي استعمال الحزم ضد "إسرائيل مدللة الغرب" ووقف استراتيجية التسامح الروسية معها.

والواقع فثمة عدة روايات مختلفة ولا يمكن الجزم بصحة أي منها بشكل نهائي لتعتمد كحقيقة ثابتة بخصوص يهودية الزعيم النازي الألماني هتلر. وقد خضعت هذه الروايات لنقد وتشكيك متبادل وربما كانت أقواها هي "شهادة محامي هتلر هانز فرانك في محاكمات نورنمبرغ في عامي 1945 و1946 أنه سمع من هتلر نفسه عام 1930 حديثا عن جذوره اليهودية". ورواية أخرى للكاتب ديفيد غرين الذي قال في مقالة له نشرها قبل وصول هتلر الى الحكم إن هناك رواية ثالثة عن يهودي يدعى ليوبولد فرانكنبرغ وهو بحسب محامي هتلر الشخصي الأبن الأصغر لأسرة يهودية وظفت جدة هتلر ماريا كطباخة في الوقت الذي حملت فيه بألويس.

وقال ديفيد غرين في مقالته "كانت هناك شائعات أنه من أصول يهودية، وهو جانب في تاريخه العائلي تعرض للكثير من التشويه. وأضاف غرين قائلا إن والده ألويس هتلر كان طفلاً غير شرعيا. فرغم أن جدته ماريا آنا شيكلغروبر تزوجت في النهاية يوهان غورغ هايدلر وحملت اسمه إلا أن ألويس كان يبلغ من العمر 5 سنوات بالفعل لدى زواج أمه، وهي لم تكشف أبدا عن هوية الأب الحقيقي". وهناك روايات أخرى بمضامين متقاربة وأحيانا متضاربة. ولكن دراسة جديدة تدعم الرواية المنسوبة لهانز فرانك الذي كان محامي هتلر. صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية تناقش هذه الدراسة بحرية ودون اتهامات بالعداء للسامية كما اعتدنا أن نسمع.

أدناه ترجمة سريعة لفقرات من مقالة لكاتب الإسرائيلي إلانيت شرنيك بعنوان "دراسة تشير إلى أن جد هتلر لأبيه كان يهوديًا...وقد ادعى هانز فرانك، اليد اليمنى لهتلر، أنه اكتشف أن جد الفوهرر كان يهوديا فعلا "نشرت المقالة سنة 2019" والدراسة والمقالة تنتهيان إلى تأكيد الأصول اليهودية لهتلر عن طريق جده:

*هل كان جد هتلر من جهة أبيه يهوديا؟ لقد ناقش المؤرخون هذه النظرية المثيرة للجدل لعقود من الزمن، واتفق الكثيرون على أن هتلر لم يكن جزءاً من "القبيلة/ أسباط بني إسرائيل"، حيث لم يكن هناك دليل يدعم هذا الادعاء. ورغم ذلك، ألقت دراسة جديدة أجراها الطبيب النفسي - اليهودي الأميركي - ليونارد ساكس ضوءاً جديداً يدعم الادعاء بأن والد هتلر له جذور يهودية.

الدراسة، التي تحمل عنوان باللغة الألمانية (Aus den Gemeinden von Burgenland) أعادت النظر في مسألة الجد الأب لأدولف هتلر"، ونُشرت في العدد الحالي من مجلة "الدراسات الأوروبية". المقالة تبحث في ادعاءات محامي هتلر هانز فرانك، الذي يُقال إنه اكتشف الحقيقة.

*طلب هتلر من فرانك النظر في هذا الادعاء في عام 1930، بعد أن هدد ابن أخيه ويليام باتريك هتلر بفضح أن جد الزعيم كان يهوديًا.

وفي مذكراته عام 1946، والتي نُشرت بعد سبع سنوات من إعدامه أثناء محاكمات نورمبرغ، "ادعى هانز فرانك - محامي هتلر الذي أصبح فرانك الحاكم العام لإقليم في بولندا المحتلة وأعدم بعد الحرب. ع.ل - أنه كشف في عام 1930 دليلا على أن جد هتلر لأبيه كان رجلًا يهوديًا يعيش في غراتس، النمسا، في المنزل الذي كانت تعمل فيه جدة هتلر."، وفي عام 1836 حملت ماريا آنا شيكلجروبر جدة هتلر، كما أوضح الطبيب ساكس.

*كتب فرانك في مذكراته أنه أجرى تحقيقاً كما طلب هتلر، وأنه اكتشف وجود مراسلات بين ماريا آنا شيكلجروبر - جدة هتلر - ويهودي اسمه فرانكنبرغر يعيش في مدينة غراتس. وبحسب فرانك، ألمحت الرسائل إلى أن الطفل هو ابن فرانكنبرغر وقد بلغ من العمر 19 عاماً، حملت به ماريا آنا أثناء عملها في منزل فرانكنبرغر. وإن الطفل غير الشرعي من شيكلغروبر [كذا] قد حدث ذلك في ظل ظروف توجب على فرانكنبرغر أن يدفع مبلغ النفقة المقرر.

*ومع ذلك، أشار الطبيب ليونارد ساكس إلى أن دقة ادعاءات فرانك ومذكراته "موضع تساؤل". وأضاف أن "الدراسات المعاصرة قد استبعدت إلى حد كبير مزاعم فرانك بشأن جد يهودي محتمل لأدولف هتلر". وفي الخمسينيات من القرن الماضي، قال المؤلف الألماني نيكولاس فون بريرادوفيتش إنه أثبت أنه "لم يكن هناك يهود في غراتس قبل عام 1856"، رافضاً رواية فرانك. ولكن ساكس أثبت في دراسته الجديدة أنه وجد دليلاً على عكس ذلك في المحفوظات النمساوية، وأن هناك جالية يهودية في البلدة النمساوية قبل عام 1850 وسلط الضوء على أن بريرادوفيتش كان من المتعاطفين مع النازية، "الذي شعر بالإهانة من رواية "فيرتلجود الذي يعتبر أن هتلر ربع يهودي."

* يشير ساكس أيضًا إلى إيمانويل مندل بومغارتن، الذي تم انتخابه لعضوية مجلس بلدية فيينا عام 1861، "من أوائل اليهود الذين حصلوا على هذا الشرف. وفي عام 1884، كتب كتاباً بعنوان "اليهود في ستيريا: مخطط تاريخي"، ذكر فيه أنه "في سبتمبر 1856، التقى هو والعديد من زملائه اليهود مع مايكل جراف فون ستراسولدو، الذي كان في ذلك الوقت حاكم مقاطعة ستيريا.

* وبحسب الدراسة المذكورة "يقدم ساكس [أيضاً] دليلًا دامغاً على أن المؤلف الألماني بريرادوفيتش - الذي نفى يهودية هتلر - كان من المتعاطفين مع النازية. ويضيف "تظهر ورقة ساكس أن الإجماع الحالي قائم على كذبة"، كما جاء في التقرير. وأن "فرانك، وليس بريرادوفيتش، كان يقول الحقيقة. لقد كان جد أدولف هتلر يهوديا.

*رابط المقالة باللغة الإنكليزية: "دراسة تشير إلى أن جد هتلر لأبيه كان يهوديًا...ادعى هانز فرانك، اليد اليمنى لهتلر، أنه اكتشف أن جد الفوهرر هتلر كان يهودياً بالفعل"

***

علاء اللامي

.........................

https://www.jpost.com/diaspora/study-suggests-adolf-hitler-was-a-quarter-jewish-597966?fbclid=IwAR0fDTRmfP4JYI-ZaoYBU5Pia0-SKKoYbVLzy20DTSDXIufZZ76WALJrEOw

محمد محفوظمقدمة: عديدة هي التطورات والتحولات التي تشهدها  المنطقة، في هذه اللحظة التاريخية الهامة والحساسة، والتي تثير الأسئلة والهواجس على أكثر من صعيد. وذلك لأن بعض هذه التطورات أشبه ما تكون بالانهيارات السياسية والاجتماعية الضخمة، التي تنقل بلدانا ومجتمعات من حالة لأخرى سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. فما يجري اليوم في العراق من أحداث وفتن وقتل يومي لأسباب متفاوتة، هي صورة إلى تلك الانهيارات المجتمعية التي نشير إليها.

وكأن المنطقة بأسرها بين خيارين: إما استمرار حالة الاستبداد والديكتاتورية السياسية، التي تسيطر على كل المقاليد والأمور، وتلغي حركة المجتمع بكل عناوينه ويافطاته، أو الدخول في نفق الفوضى والفتن الطائفية والقومية وما أشبه ذلك. وهي فضاء مفتوح للقتل والتدمير والحروب المفتوحة التي تدمر كل شيء في الدولة والمجتمع .

لذلك من الضروري في هذا السياق القول: أن خيار الاستبداد والاستئثار والاستفراد بالقرار والقدرات، هو الذي أوصل العراق إلى ما وصل إليه اليوم. فالاحتلال الأجنبي للعراق، هو نتاج ووليد حالة الديكتاتورية المتغولة والسائدة في العراق على كل المستويات. لأن هذه الحالة ساوت بين استمرارها وبين العراق دولة وحرية واستقلالا. فكانت النتيجة سقوط الديكتاتور، واحتلال العراق، ودخول الشعب العراقي بكل فئاته وشرائحه في فتن وحروب عبثية لا زال الشعب العراقي المظلوم يدفع ثمنها ويرزح تحت أعبائها المختلفة.

فحينما تكون المعادلة إما استمرار المستبد والاستبداد أو الفوضى وبروز كل التناقضات الاجتماعية. حينذاك ندرك أن هذه الانهيارات لا يمكن إيقاف زحفها، إلا بصياغة معادلة جديدة في طبيعة العلاقة بين مختلف مكونات وتعبيرات المجتمع والوطن الواحد.

فكل القوى والمكونات تحمل طموحات وتطلعات، وكلها وبنسب متفاوتة بطبيعة الحال غير راضية على السائد وتتوسل بوسائل عديدة لنيل حقوقها الواقعية أو المفترضة والوصول إلى أهدافها.

ولكن ومن خلال التجارب السياسية والثقافية العديدة والماثلة أمامنا، نستطيع القول: أن أوطاننا كلها لا تتحمل كل أهداف وغايات وطموحات كل مكوناتها وقواها الاجتماعية والسياسية. والعراق كنموذج على ذلك، لا يمكنه أن يتحمل طموحات وأهداف كل أبناءه ومكوناته. وإن إصرار كل طرف على أقصى غاياته وأهدافه، يعني على الصعيد الفعلي الانخراط في حروب التصفية المادية والمعنوية. واستخدام القوة العارية والوحشية في هذا الإطار، يعني أن غايات وأهداف ومصالح مستخدم القوة، لا يمكن الوصول إليها بالوسائل السلمية والديمقراطية، فيتوسل بالقوة الغاشمة، ظنا منه أن هذه الوسيلة ستوصله إلى غاياته.

ولكن علمتنا التجارب أن هذه الوسيلة لا توصل أي طرف إلى أهدافه، ولا تصون استقرار أي بلد ومجتمع. وإنما على العكس من ذلك تماما، فحروب التهجير والتصفية الطائفية والقومية، تعمق التناقضات، وتهدم كل جسور التواصل والثقة، ولا توصل إلى الأمن والاستقرار.

من هنا فإننا وفي كل مجتمعاتنا وأوطاننا، بحاجة إلى بلورة خيار آخر، تشترك جميع الشرائح والفئات في إنضاجه وبلورته على الصعيد الاجتماعي والثقافي والسياسي. فأوطاننا ليست مزرعة خاصة بأحد، وإنما هي لجميع المواطنين بصرف النظر عن أصولهم ومعتقداتهم وأفكارهم. ومجتمعاتنا لا يمكن أن تدار بالهيمنة المطلقة للون واحد على حساب بقية الألوان أو لطيف واحد على حساب بقية الأطياف، وإنما تدار بعقلية المشاركة التي تحتضن كل الأطياف، وتنظم اختلافاتهم وتبايناتهم بوسائل حضارية، تصون أمن الجميع، وتحافظ على مكاسب واستقرار الجميع.

لهذا كله فإننا أحوج ما نكون في هذه اللحظة التاريخية إلى نبذ ثقافة التطرف بكل اتجاهاتها، وتعميق ثقافة التسامح ومقتضيات العيش المشترك. ولعلنا لا نبالغ حين القول: أن هذه الثقافة هي أمضى الأسلحة وأقواها للحفاظ على الأمن والاستقرار.

وفي سياق العمل على بلورة خيار التسامح والاعتدال في الفضاء الاجتماعي والوطني، من الضروري التطرق إلى العناوين الفرعية التالية:

أولا: ضـــد الـتــطـرف:

ثمة مفارقات عديدة، يشهدها الواقع الدولي بكل مستوياته وحقوله.. حيث التطورات العلمية والتكنولوجية المذهلة، والتي أنهت الكثير من المشكلات، وألغت الفواصل الجوهرية بين الزمان والمكان، ووفرت إمكانات نوعية للإنسان على مختلف الصعد. ولكن في مقابل هذا التطور العلمي المذهل والمتسارع، تبرز على السطح وفي الواقع الدولي برمته مشكلة وأزمة التطرف والإرهاب، حيث عمليات القتل والتدمير على أسس الهوية أو الانتماء الأيدلوجي أو العرقي أو القومي أو ما أشبه.

حيث أننا نرى في هذا العالم، تطورت عملية يومية، وتتقدم بمتواليات هندسية، كما نشهد حركة تطرف وتعصب تجتاح مناطق العالم، وتهدد استقرار وأمن الإنسانية كلها. حيث أن الكثير من الصراعات والمواجهات العسكرية والسياسية والاقتصادية، هي في أحد أبعادها من جراء هذه الظاهرة التي أضحت اليوم تهدد واقع السلم والتعايش الإنساني.

لذلك فإننا نقف ضد التطرف الذي يمارس الإرهاب والقتل والتصفية المعنوية والمادية ضد الآخرين من أي جهة صدر، أو تحت أي يافطة تم القيام به. فالتطرف والإرهاب من الجرائم الكبرى التي تتعرض إليها اليوم العديد من الأمم والشعوب.

وإن كل الشرائح السماوية والمواثيق الإنسانية، تقف موقفا سلبيا من هذه الظاهرة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقبل بخيار العنف والتطرف والإرهاب لإنجاز أهدافها ونيل حقوقها. وذلك لأنها ظاهرة ضد الحياة والإنسان، ولا تنسجم ومبادئ الشرائع السماوية والمواثيق الإنسانية. كما أنها ليست علاجا لأي مشكلة، بل على العكس من ذلك تماما، حيث أن التطرف والإرهاب يفاقم المشكلات ويزيد من الإرباك والتدهور. لذلك فإننا على المستوى المبدئي والأخلاقي والسياسي، نقف ضد ظاهرة التطرف والإرهاب، وتعتبر هذه الظاهرة من المخاطر الجدية التي تواجه راهننا، وتهدد الكثير من منجزاتنا واستقرارنا. ودائماً التطرف في كلا الاتجاهين (الحب والبغض)، يصادر الحقيقة، ويشرع للإقصاء والاستبداد.. هذا تطرف يدعي لصاحبه من حيث يشعر أو لا يشعر أنه الناطق الأوحد باسم القيم والدين.

فالتطرف يحرم الناس المشاركة في صنع الحقيقة والمعرفة، ويصادر منهم الحق في الاختلاف.

له وحده (المتطرف) الحق في أن يخالفهم، وليس لهم أي حق في إبداء رأي مخالف له. فليس من حق أحد (كما يعبر الأستاذ فهمي هويدي) أن يقف أمام الملأ ويقول: أنا الإسلام! ليس من حق أحد أن يتحصن بكتاب الله، ثم يعلن علينا من ورائه أن من نصره وأيده فقد دخل في زمرة المؤمنين الصالحين، ومن خذله أو عارضه فقد خرج على كتاب الله، وصار من أعداء الله المارقين!، ليس من حق أحد أن يزعم بأنه يتمتع بحصانة إسلامية خصته بها السماء من دون كل المسلمين، فرفعته فوق كل الرؤوس، ونزهته عن النقد والسؤال، وأحاطته بسياج من العصمة والقداسة.

إن التطرف يؤدي بصاحبه إلى الشدة، وتستولي عليه روح الضيق بالمخالفين، ويسارع إلى اتهامهم في أفكارهم ونياتهم وأخذهم بالشبهة وسوء الظن. وحين يسود التطرف تستباح الحقيقة، ويزيف الواقع، وتنتهك السمعة والكرامة، ويرجم أصحاب الرأي المخالف.

لأن التطرف في العلاقات الإنسانية يجعل صاحبه منفصلا بشكل دائم عن الذات ومبررا لكل ما يصدر عنها، منتقدا غيره متهما إياه جارحا لكل ما يصدر عنه. وادعاء اليقين والإمساك بالحق والحقيقة، لا يبرران بأي حال من الأحوال، فرض قناعاتك ويقينك على الآخرين. إن الإنسان لا يمتلك تجاه يقينه وقناعاته إلا الدعوة لها والتبشير بها، ولكن بدون افتئات وتعسف. فالالتزام الأيدلوجي ليس مبررا حقيقيا لممارسة القهر والاضطهاد والقوة تجاه الآخرين والمغايرين.

فالتطرف لا يقود إلى نتائج إيجابية على الصعيدين الفردي والجماعي. ولم يسجل لنا التاريخ تجربة تمكن التطرف أن يوصل صاحبه إلى الغاية المنشودة. بل إننا نمتلك العديد من النماذج التاريخية المعاكسة، حيث أن التطرف فاقم من الأزمات والمشكلات، وأدى إلى استفحال الأوضاع سوءًا. فالتطرف وإن استطاع في بعض النماذج والأماكن، أن يحقق بعض المكاسب المرحلية، إلا أنه سرعان ما تحولت هذه المكاسب إلى هزيمة وانتكاسة استراتيجية.

فالإصلاح والتطوير في الواقع الاجتماعي والإنساني، لا يتحقق عبر العنف والتطرف والإرهاب. بل على العكس من ذلك، حيث أن الإرهاب يساهم بشكل أو بآخر في قضم مكاسب الراهن بدل أن يضيف لها. فلا يكفي إذن أن نلعن التطرف، ونبين مساوئه، وإنما من المهم أن نعمق في نفوسنا ومحيطنا الاجتماعي وفضائنا الثقافي أسس وحقائق الاعتدال والتسامح. وذلك لأن بعضاً من الناس الذين يلعنون التطرف هم يمارسونه في دوائرهم المتعددة، وذلك لأن حقائق الاعتدال والتسامح لم تتمكن من نفوسهم، ولم تكن جزءا من نسيجهم الثقافي والاجتماعي.

فالمعتزلة في التاريخ كانوا أصحاب نظر عقلي، وقد حاولوا إقامة معارفهم وأفكارهم على أسس عقلية، لكنهم حينما استلموا الأمور، انقلبوا إلى أناس متشددين متطرفين، فسجنوا من لم يؤمن بخلق القرآن كالإمام أحمد بن حنبل، وعذبوه، وعرّفوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأن من واجبهم قهر كافة المسلمين بقوة السيف، والإكراه على الإيمان بأصول الاعتزال الخمسة، لذلك فإن العبرة بالممارسة والسلوك العملي الخاص والعام.

وبدون تزكية النفس وبناء حقائق الاعتدال والتسامح، لن نتمكن من التخلص من ربقة التطرف وآسار الإرهاب. والاحترام العميق للآخر وجودا ورأياً، هو أحد المعايير الأساسية لعملية التخلص من ربقة التطرف ومتوالياته النفسية والسلوكية.

وإذا كنت جازما من قناعاتك، فإن طريقك لدعوة الآخرين إليها، هو التسامح واحترام حريات الآخرين.

وليس ممارسة الفرض والتطرف تجاههم. وذلك لأن التطرف ينفر الناس ويبعدهم عن قناعاتك وأفكارك. والتسامح واحترام الآخرين، يقربهم إليك، ويوفر مناخا نفسيا واجتماعيا لاكتشاف إيجابيات أفكارك وآفاقها الإنسانية.

فالتعدد والتنوع والاجتهادات المتواصلة، هو الذي يمكننا من إدراك عمق الأشياء، ويخرجنا جميعا من الرؤية النمطية والجامدة للذات والآخر.

وهنا من الضروري أن نوضح حقيقة أساسية وهي: أن التسامح لا يعني بأي حال من الأحوال التفلت من القيم أو الميوعة في الالتزام بمقتضياتها، وإنما يعني أننا في مقام العمل والتطبيق في الحياة، نرى في رؤية الآخرين تتميما وتعميقا لرؤية الذات وقناعاتها. وبذلك نتجاوز حالة ادعاء امتلاك واحتكار الحقيقة، كما لا نمارس تجاه الآخر أي عملية إقصائية. بل إننا نرى ذاتنا في مرآة الآخر، ولا يمكن فهم الذات بشكل عميق إلا من خلال فهم الآخر وإدراك أفكاره وقناعاته، وبالتالي فلا بديل أمامنا إلا التسامح تجاه بعضنا البعض وتنمية أنماط التواصل والتعايش فيما بين المجموعات البشرية.

وعلى هدى هذا نقول: إن التطرف الفكري والغلو الأيدلوجي، يناقض في ذاته ومتوالياته حقيقة الذات والتحامها بالآخر. لذلك فإننا نرفض هذه المظاهر، ونعتبرها من الظواهر الشاذة، والتي تعبر عن خلل نظري أو واقعي أدى إلى تبني هذه الخيارات العنفية والمتطرفة، والتي لا تفضي إلا إلى المزيد من الانحدار والتراجع والانهيار.

وإننا وحتى ننسجم ومتطلبات قيمنا، ونصل إلى تطلعاتنا وأهدافنا المشروعة، بحاجة إلى الالتزام بمقتضيات الوسطية والاعتدال، والتي تنبذ التشدد والغلو كما لا تخضع لحالات الجهود والترهل والكسل الفكري والاجتماعي.

فالدعوة إلى الإسلام، لا يمكن أن تكون عبر إلغاء قيمة في العدالة والوسطية. وإنما عبر الالتزام الخاص والعام بقيم الإسلام ومثله العليا.

والإسلام في كل أحواله وأوضاعه، لم يشرع للإنسان قتل الأبرياء والنساء والأطفال باسم الدين. وذلك لأن نفس الإنسان مصانة ومعصومة، ولا يجوز التعدي عليها تحت أي مبرر كان.

لذلك فإن الخطوة الأولى في مشروع نقد التطرف وتجاوز مخاطره، هو مواجهة النزعة الآحادية - الإقصائية، وذلك عبر إرساء معالم حياة ثقافية - اجتماعية تهتم باكتشاف الآخر، ومعرفة أفكاره ومقولاته بعيداً عن المسبقات الأيدلوجية والفكرية.

ولنتذكر جميعاً، أن صدر الإسلام يتسع لاختلاف الآراء والاجتهادات، فلا نضيقه بأهوائنا ونوازعنا الذاتية السيئة. فلابد لنا أن ندير اختلافاتنا بصفاء قلب وعفة لسان وحرص متبادل على صون الكرامات وحفظ المودات، وأن نبتعد عن قوارص الكلم وفنون التجريح والتشهير والإسقاط وكل ما يسبب ويؤدي إلى شحن النفوس بالضغينة والبغضاء.

ثانيا: العراق ووحدتنا الوطنية:

ثمة إشكاليات وتحديات كبرى يثيرها الحدث العراقي، ويدفع بها إلى الواجهة طبيعة الأحداث الدامية التي تجري في العراق بشكل يومي.. ولعل من أهم هذه الإشكاليات والتحديات، هي المرتبطة بمسألة الوحدة الوطنية.. فلماذا بعد عقود طويلة من تأسيس الدولة الحديثة في العراق، تهدد هذه الأحداث وحدته وتلاحمه الداخلي.. فهل كانت وحدته هشة، بحيث انه مع أي حدث سياسي أو عسكري تبرز إلى الواجهة مخاطر التقسيم، وتنبري قوى دينية وسياسية واجتماعية للتحذير من هذه المخاطر وتؤكد على ثوابت الوحدة والتلاحم الوطني.

إننا اليوم بحاجة أن نتساءل وبشكل صريح ولا مواربة فيه. لماذا وبعد كل هذه السنين، لم تترسخ الوحدة الوطنية في الكثير من الدول والبلدان العربية والإسلامية. ولماذا يهدد العراق في وحدته، وهو دولة عربية مركزية وله ثقله الاستراتيجي والتاريخي، وهو أحد أعمدة التجربة القومية في العالم العربي في العصر الحديث..

إننا جميعاً معنيون بإثارة هذه الأسئلة، والبحث عن إجابات دقيقة وصريحة لهذه الأسئلة، وممارسة النقد المطلوب لكل التجارب السياسية، التي لم تثبت بشكل أو بآخر وحدتها الوطنية، ولم تعمق وتجذر عوامل الائتلاف الوطني..

لاشك أن أعداء الأمة من مصلحتهم تفتيت مجتمعاتنا وتدمير وحدتنا الوطنية، ولكن من الخطأ المميت أن نحمل أعداء الأمة كل الثغرات ونقاط الضعف في مشروع البناء الداخلي للكثير من تجاربنا ودولنا.. لذلك وانطلاقاً من طبيعة الأحداث والتطورات الموجودة في العراق، من الضروري أن نعتني بمسائل الوحدة الوطنية، ونعمل عبر وسائل ومبادرات متعددة لتحصين الجبهة الداخلية لمجتمعاتنا العربية والإسلامية..

وهذا التحصين لا يعني الإصرار على تلك الأخطاء السياسية والثقافية التي كانت تمارس باسم الوحدة، وهي في حقيقة الأمر تنتج كل أشكال وحقائق التفتت والتشظي.. فمجتمعاتنا ليست واحدة في قوميتها أو دينها أو مذهبها، ولا يمكن أن يكون معنى الوحدة هو نفي بعض القوميات أو الأديان أو المذاهب. فكيف نخلق وحدة وطنية في ظل هذه التعدديات والتنوعات..

فكل التعدديات في العراق، تعتز بعراقها، ولها رؤيتها للوحدة الوطنية في العراق.. ولعل من الأخطاء الكبرى التي ارتكبت في العراق ولسنين طويلة، هو ممارسة القهر والاستبداد والقمع لتعميم رؤية واحدة وضيقة للوحدة في العراق.. ولقد رأينا جميعاً نتيجة هذه الرؤية وهذا الخيار، حيث أن العراق اليوم مهدد في وحدته وتلاحمه الوطني.. والحل ليس في استبداد الدولة وتغولها، لأن هذا الاستبداد والتغول ومفاعيلهما، هو الذي ينتج بشكل دائم الحقائق المضادة للوحدة بكل مستوياتها.

من هنا تنبع ضرورة العمل على صوغ علاقة ثقافية وسياسية بين مختلف المدارس والتعدديات الفكرية والقومية والمذهبية الموجودة في المجتمع والوطن.. ولعلنا لا نأتي بجديد حين القول: أن التعدد بكل مستوياته وأشكاله في الوطن الواحد ينبغي أن لا يشرع بأي حال من الأحوال إلى ممارسة الطائفية أو العنصرية ضد بعضنا البعض، بحيث يكون الانتماء القومي أو المذهبي، هو الذي يحدد مستقبل المواطن..

فالممارسات الطائفية أو العنصرية في أي تجربة اجتماعية، هي التي تدق إسفيناً عميقاً في مشروع البناء الوطني، حيث أنها تساهم مساهمة كبرى في تفتيت المجتمع وخلق الإحن والأحقاد بين أبناء الوطن الواحد. لذلك فإن فريضة الوحدة الاجتماعية والوطنية، بحاجة مُلحة اليوم، إلى الوقوف بحزم ضد كل أشكال التمييز وبث الكراهية بين أبناء المجتمع الواحد.. فالكراهية لا تفضي إلى الاستقرار، بل إلى التفتت والتشظي، والاصطفاء لاعتبارات آنية لا يؤدي إلى الوحدة، بل على العكس من ذلك تماماً، حيث انه يهيئ المناخ لبروز كل العوامل المضادة لها..

ولا يمكن أن نبني علاقة سوية بين أبناء الوطن الواحد، إلا بنقد ومنع كل أشكال التفاضل والتمييز بين أبناء هذا الوطن. وبصرف النظر عن عوامل التفاضل وموضوعاته، لا يصح أن نمارس التمييز المقيت ضد بعضنا البعض، لأن هذا التمييز هو الذي يدخلنا في أتون الضياع والصراع المفتوح على كل الاحتمالات والمخاطر.

ولعلنا لا نبالغ حين القول: أن الشعب العراقي اليوم، يدفع ثمن تلك الرؤية والنظرية القومية الشوفينية، التي تعاملت مع تعددية المجتمع العراقي بعقلية الإقصاء والقمع.. فالوحدة في العراق وغيرها من البلدان، لا تصان بالنظريات الشوفينية أو تصورات الاصطفاء لاعتبارات ترابية، وإنما تصان باحترام هذه التعدديات، وصياغة نظام علاقة بين مختلف التعبيرات والمكونات قائمة على الوحدة والحوار والتفاهم وتنمية المساحات المشتركة.. والوفاق الوطني يتطلب دائماً العمل على إنهاء كل العناصر والمفردات الثقافية والدينية والإعلامية، التي تؤسس للكراهية، وتشجع على عملية التهميش على قاعدة قومية أو دينية أو مذهبية..

وعلماء المسلمين (كما يعبر عن ذلك أحدهم) يدركون بعمق وهم يسعون للتقريب بين المذاهب، أن المذهب في الإسلام لم يكن في نشأته الأولى مظهراً لانقسام المسلمين وتوزعهم، وإنما كان تعبيراً عن حيوية عقلية وعملية، أدت إلى تشعب الآراء ونشوء التيارات المنهجية في استنباط الأحكام الشرعية ودلالات النصوص، على النحو الذي أغنى الإسلام عقيدة وشريعة، وأتاح للمسلمين أن يمارسوا أعمق أشكال الحوار المستند إلى المنطق والعلم.. فسجلوا في تاريخ الفكر الإنساني وتطوره مأثرة الاستماع للرأي الآخر واحترامه..

لذلك فإن احترام هذا التعدد يعني فيما يعني حمايته. لأنه نتاج الحوار والبحث المضني والمتواصل عن الحقيقة. وحينما نطالب بحماية التعدد والتنوع في الدائرة الوطنية، فإننا نقصد حماية تلك القيم والمبادئ التي أنتجت ثراءً فقهياً وفكرياً وعلمياً في التجربة التاريخية الإسلامية.. فلا يمكن أن نفصل ظاهرة تعدد المدارس الاجتهادية والفقهية في تجربتنا التاريخية عن قيم الحوار والاعتراف بالآخر وجوداً ورأياً، ووجود المناخ الاجتماعي المؤاتي للاجتهاد بعيداً عن ضغوطات السياسة أو مسبقات التاريخ..

وإن دعوتنا الراهنة إلى حماية هذا المنجز التاريخي، تستدعي إحياء هذه القيم والمبادئ وإطلاقها على مستوى حياتنا كلها، حتى نتمكن من إنجاز فرادتنا التاريخية والحضارية. وهذا بطبيعة الحال، يقتضي انفتاح المذاهب الإسلامية على بعضها في مختلف المستويات، وإزالة كل الحواجز والعوامل التي تحول دون التواصل الفعال بين مختلف المدارس الفقهية والمذهبية..

فالمواطنة لا تقتضي بأي حال من الأحوال أن تندثر خصوصيات الأفراد، بل إنها تقتضي صياغة منظومة قانونية وسياسية لجميع المواطنين على قاعدة الاعتراف بتلك الخصوصيات، والتعامل الايجابي والحضاري مع متطلبات التعدد والتنوع بمختلف أشكاله ومستوياته. فالتعدد المذهبي أو القومي ليس حالة مضادة للمواطنة، بل هو الجذر الثقافي والاجتماعي لبناء مواطنة حقيقية بعيداً عن الشعارات الشوفينية واليافطات الشعبوية والعدمية. فاحترام التعدد المذهبي وحمايته القانونية والسياسية، هو الذي يوجد الشروط المجتمعية الحقيقية لبناء مواطنة متساوية في مجتمع متعدد مذهبياً وثقافياً..

والأحداث في الساحة العراقية، ينبغي أن لا تدفعنا إلى الانكفاء والتمترس الضيق ضمن أطر ويافطات خاصة. بل إنها أي الأحداث في العراق تحملنا مسؤولية العمل على صيانة وحدتنا الوطنية، وتدفعنا إلى المزيد من الانفتاح والتواصل بين مختلف مكونات الوطن والمجتمع، وذلك من أجل تحصين وضعنا الداخلي وتصليب وحدتنا الوطنية وإفشال كل المخططات والمؤامرات التي تستهدف وحدتنا ومنجزنا الوطني..

إننا نؤكد وفي ظل هذه الظروف الحساسة، على ضرورة الخروج من دوائر الانتماء الضيقة إلى رحاب الوطن والمواطنة.. ونعمل كل من موقعه وامكاناته لتعزيز الوحدة الوطنية، وتجاوز كل ما يعكر صفو الوئام الداخلي..

فالوحدة الوطنية القائمة، هي مكسب الجميع، وعلى الجميع أن يحافظوا عليها بالمزيد من العمل والتوافق والتفاهم والبناء..

ثالثا: تجديد المشروع الوطني:

من الطبيعي القول: إن وحدة المجتمعات والأوطان قبل أن تكون شعاراً هي مشروع متكامل ينبغي أن تتوفر فيه مجموعة من الخصائص والعوامل والمبادئ، التي تساهم في تعزيز هذا الخيار، ومجابهة كل من شأنه تخريب مشروع الوحدة والألفة بين أبناء الوطن والمجتمع الواحد..

وإن السماح بتصدع هذا المشروع أو ضرب بنيته الأصلية، يعد جرماً خطيراً بحق الأمة والمجتمع حاضراً ومستقبلاً.. لهذا فإن الوحدة الاجتماعية والوطنية وضروراتهما ومتطلباتهما ينبغي أن تتصدر الأولويات والهموم.. وبوصف الوحدة مشروعاً ينبغي تعزيزه وحمايته، هو بحاجة إلى آليات متقنة وأدوات فاعلة وإجراءات تفصيلية متواصلة. كما أنه بحاجة إلى مراجعات فكرية وأيدلوجية، تزيل من الأنظمة المعرفية ما يحول دون تعزيز هذا المشروع.

فاليوم كل بلدان المنطقة مهددة في وحدتها الداخلية والوطنية، حيث تواجه تحديات ومخاطر تستهدف كيانها ووحدتها.. ولا يمكننا أمام هذا الزحف التقسيمي الذي يتغذى من عوامل وروافد عديدة، أن نبقى مكتوفي الأيدي، وإنما نحن بحاجة إلى منظومة مواجهة تمكننا من إحباط هذه المخططات وصيانة وحدتنا الداخلية بالمزيد من التلاحم والانسجام..

فالإرادات السياسية التي تستهدف بشكل أو بآخر التفتيت والتشظي، لا يمكن مواجهتها بالخطب البلاغية والرغبات المفتوحة التي لا تستند إلى إرادة وفعل متواصلين..

إن هذه الإرادات بكل أدواتها وآليات عملها، بحاجة إلى إرادة سياسية داخلية تعقد العزم على الصمود والحماية وتعمل على سد الثغرات وبناء الحياة السياسية والثقافية في هذه المنطقة على أسس جديدة، تنهي عقود الفجوة والانفصال بين السلطة والمجتمع، وتعمل على توفير البيئة المناسبة والحاضنة لمشاركة جميع قوى وتعبيرات المجتمع في الحياة العامة.

.. وحدها الحياة السياسية الجديدة، التي تتجاوز حالات الاستئثار والاستفراد، هي القادرة على إحباط مخططات التفتيت والتشظي ومواجهة المخاطر والتحديات التي تستهدف وحدتنا واستقرارنا الداخلي.. لهذا كله فإننا نشعر اليوم بأهمية تجديد مشروع الوحدة الداخلية والوطنية في كل بلدان المنطقة، التجديد الذي يحمي المكاسب ويواجه الثغرات. التجديد الذي يقبض على حقيقة الوحدة دون أن يضحي بالخصوصيات الثقافية والاجتماعية. التجديد الذي يعيد صياغة واقعه الداخلي كوسيلة حضارية لمواجهة كل التحديات والمخاطر..

فالتحولات المتسارعة والتي تجري على أكثر من صعيد ومستوى، تفرض على الجميع أهمية تجديد مشروع وحداتنا الوطنية، التجديد الذي يزيل نقاط القصور ويعالج الثغرات ويفتح المجال القانوني والسياسي والثقافي لكل التعبيرات والمكونات للمشاركة بفعالية في البناء وصيانة المكاسب.. إن الوحدة كما الاستقرار حقائق ووجود يصنعه المجتمع بأفراده وجماعاته وتعبيراته، وكل من هؤلاء بحاجة إلى حماية قانونية وثقافية للقيام بدوره على هذا الصعيد.. وبذلك يعتمد وجود الاستقرار وصلابة الوحدة الداخلية على العلاقات بين الأفراد والتعبيرات المتنوعة التي يتشكل منها المجتمع.

من هنا فإن تجديد المشروع الوطني يقتضي إعادة صياغة العلاقة بين مكونات المجتمع والوطن الواحد على أسس العدالة والمساواة واحترام الخصوصيات الثقافية لكل مكون وتعبير اجتماعي. فالوحدة ليست فرضاً وقهراً بل هي تعبير عميق عن مشاركة الجميع في صنع الحقائق والمنجز الوطني.. وكل الوحدات التي بنيت بالقهر وتغييب إرادة المجتمع بكل تنوعاته، كان مآلها الفشل والتشظي..

لذلك فإن تجديد المشروع الوطني يبدأ بإعادة صياغة الوعي الوطني تجاه ذاته ووحدته.. فالوعي الذي ينبذ التعددية ويحارب التنوع ويتوجس خيفة من الاختلاف، لا يخلق وحدة صلبة في المجتمع الواحد. لأنه وعي يشرع للقهر والتغييب والعمل بعيداً عن إرادة المجتمع وطموحاته وحقائقه.

أما الوعي الذي يتشكل من خلال الحوار والتبادل المعرفي والاحترام المتبادل بين كل المكونات، فإنه قادر على نحت ونسج علاقة جديدة بين مكونات المجتمع والوطن.. هذه العلاقة التي تدفع بجميع التعبيرات للمساهمة الفعالة في بناء الوحدة وصيانة المنجز والمكاسب.

فالوحدة الصلبة والحقيقية هي ناتج مجموع إرادة الجميع وكفاحهم وسعيهم المتواصل لبناء واقعهم ومستقبلهم.. فالوحدة ليست مقولة مفرغة من مضمونها الإنساني والحضاري، بل هي عنوان لتآخي وتكاتف وتفاعل كل التعدديات والتنوعات الموجودة في المجتمع والوطن.. فالوحدة في المجتمع والوطن، لا تبنى بسياسات التغييب والإقصاء والتهميش، بل بإفساح المجال لكل المكونات للمساهمة في الشأن العام..

وسرطان الإرهاب الذي يجتاح المعمورة اليوم، لا يواجه إلا بالمزيد من التلاحم والتآخي والتفاهم بين مختلف المكونات الاجتماعية والثقافية.

فاللحظة الراهنة حساسة وخطيرة، وتتطلب منا جميعاً العمل على إنهاء ثغرات واقعنا وترميم علاقاتنا الداخلية وصولاً إلى مستوى من العلاقات الداخلية القائمة على مبادئ العدالة والاحترام المتبادل..

وعليه فإن تجديد المشروع الوطني في هذه اللحظة التاريخية الهامة، يقتضي الالتزام بالعناصر التالية:

1- تجديد الوعي الوطني بحيث لا يكون المختلف موضوعاً للنبذ والكراهية والعداء، بل هو فضاء للحوار والتفاهم والاحترام.. كما أن العلاقات الداخلية بين مكونات المجتمع، بحاجة أن تقوم على أسس المعرفة المتبادلة التي تقود إلى توسيع المشتركات وضبط الاختلافات في حدود لا تضر بمفهوم الاستقرار والسلم الاجتماعي.. لذلك كله فإن الخطوة الأولى في مشروع التجديد الوطني، هو في تجديد رؤيتنا جميعاً لذواتنا ولمكونات الوطن الثقافية والاجتماعية. بحيث تقودنا هذه الرؤية إلى المزيد من التعارف والتواصل ونسج العلاقات والتعاون على قاعدة التفاهم والاحترام المتبادل..

2- إن الوحدات الداخلية والوطنية في كل دول المنطقة، لا تبنى بسياسات القمع والإقصاء ونهج التغييب وإفناء أو محاصرة الحقائق الثقافية والاجتماعية. بل على العكس من ذلك تماماً.. إذ إن الوحدة لا تبنى إلا بصيانة حقائق التعددية في المجتمع.. ومن يبحث عن الوحدة بعيداً عن مقتضيات احترام التعددية والتنوع الموجود في المجتمع، فإنه لن يحصد إلا المزيد من التفتت والتشظي الكامن والصريح.. لذلك فإن تجديد المشروع الوطني، يقتضي العمل على تعزيز وبناء الوحدة الداخلية لكل مجتمعاتنا على قاعدة احترام التعددية وإفساح المجال القانوني لكل المكونات للتعبير عن ذاتها وثقافتها ومساهمتها في الحياة العامة.

فطريق الوحدة هو تعزيز خيار الحرية والديمقراطية في المجتمع.. ولا يمكن بناء حقائق وحدوية صلبة ومتينة بعيداً عن الحرية وصيانة حقوق الإنسان.. فالتنكيل بحقائق المجتمع العميقة، لا يفضي إلى استقرار ووحدة، بل إلى انهيار في أسس الاستقرار وعوامل الائتلاف والوحدة. من هنا وفي ظل هذه الظروف والتطورات الخطيرة، نتطلع إلى الوحدة والاستقرار، ولا سبيل أمامنا لذلك إلا بإصلاح أوضاعنا وأحوالنا، وإطلاق الحرية لكل مكونات المجتمع لكي تعبر عن ذاتها بحرية وشفافية وتبدأ على هذه القاعدة بإنجاز دورها ووظيفتها في الوحدة والاستقرار..

وهذا بطبيعة الحال يتطلب السعي الجاد نحو تفعيل الجوامع المشتركة بين أبناء الوطن الواحد. وذلك من أجل المزيد من المعرفة المتبادلة، وتوفير المناخ النفسي والثقافي الملائم للحوار والتفاهم.

3-  من الطبيعي القول: إن تجديد المشروع الوطني لا يتحقق في الواقع الخارجي دفعة واحدة، وإنما هو بحاجة إلى مدى زمني، حتى يتحول هذا المشروع من القوة إلى الفعل ومن النظرية إلى التطبيق.. إلا أن الشيء المهم والذي نشعر بأهميته وضرورته على هذا الصعيد، هو وجود جدول زمني يحدد نقطة الانطلاق والبداية في مشروع التجديد والتطوير..

فلا يكفي اليوم أن يتم الحديث المجرد عن التجديد والتطوير، وإنما هناك حاجة ماسة إلى تحديد مدى زمني لعملية التجديد والتطوير.. وبدون هذا الجدول الزمني وتحديد نقطة الانطلاق، سيتم التعامل مع شعارات التجديد والتطوير كمحاولة لكسب الوقت وتمييع القضية.

ولا ريب أن تأجيل قضية تجديد المشروع الوطني سيفاقم من المشكلات والتحديات، وسيدخل المجتمع في أتون مرحلة وظروف صعبة وشائكة على مختلف المستويات..

وإن تجديد المشروع الوطني هو قبل كل شيء موقف جديد من المواطن.

موقف يحول دون الاستمرار في تهميشه، فهو قادر على المشاركة في صياغة حاضره وبناء مستقبله، وهو الأنسب للتعبير عن حاجاته وطموحاته، لهذا فإن إعادة الاعتبار للمواطن على مختلف المستويات، هو حجر الزاوية في مشروع تجديد المشروع الوطني..

وعليه وعلى ضوء تطورات المنطقة المتسارعة وأحداثها الخطيرة، نحن بحاجة اليوم في كل دول المنطقة إلى تجديد مشروعنا الوطني وتعزيز وحدتنا الداخلية، من أجل استيعاب تطورات الساحة ومجابهة الأحداث التي تعصف بالمنطقة وتقودها إلى مناطق ومجالات مجهولة.

***

محمد محفوظ

محمود محمد عليقديما قيل كلاما منسوبا للرسول الأعظم صلي الله عليه وسلم: "لا تعلموا أولاد السِّفْلة العلم فإن علمتموهم فلا تولوهم القضاء والولاية"... كما أن ابن خلدون قال في مقدمته "لا تعلموا أبناء السفهاء منكم وإن علمتموهم لا تولوهم شئون الجند ولا القضاء".. لأنهم إذا تعلموا" ، أي اصبحوا ذوو نفوذ ومناصب نتيجة لهذا التعلم" اجتهدوا في إذلال الشرفاء ، كما أورد ابن منظور من كتابه "لسان العرب" أن (السفلة).. (السِّفْلة نقيضُ العِلْية).. أي أن البشر يتدرجون من طبقات عليا لها كل الحقوق ثم تظل تفقد حقوقها كلما تدنت حتي نصل إلي الطبقات السفلي ذات الصفات التي لا تؤهلها أو أبناءها لتلقي العلم أو القضاء أو الولاية بمعني رئاسة أي عمل يسمح لهم بأن يتحكمون في الناس أو يذلونهم .

والسؤال: لماذا القول:" لا تعلموا أولاد السِّفْلة العلم"؟.. والإجابة، لأن النسبة الأكبر من مشكلاتنا نتيجة أن أبناء السفلة وغير ذوى الأهلية تعلموا بسهولة وانحرفوا بما تعلموا للإفساد في الأرض، وفى مقدمتهم أساتذة جامعات شعارهم النفاق والوقاحة والتلون ، مثل الأفاعي التي تغير باستمرار جلودهم ووجوهها يوميا ليظلوا طافين على السطح من خلال المحلسة والفجور في الخصومة وتقديم الخدمات المجانية إلى السلطة، أي سلطة كانت.

وللأسف أسافل المتعالمين الذين ابتلينا بهم في جامعاتنا المصرية لا تعرف لهم اتجاها وطنيا واضحا، ولا قدرة على الفهم لأولويات المرحلة ولا التحديات التي نواجهها والحروب والمؤامرات التي تحاك لتركيع البلد لا قدر الله، ومع ذلك لا يضعون ألسنتهم في أفواههم، لا، يتسلطون على أدمغتنا ويصدعوننا على مدار الساعة في بالوعات تويتر وفيس بوك وكأنهم امتلكوا الحقيقة المطلقة، وعباراتهم تنضح بالجهل المطبق والمراهقة الفكرية وتكشف إلى أى حد وصل انهيار التعليم والتربية في مصر المحروسة.

ولهذا أقول بأنه إذا قيل "لا تعلموا أبناء السفلة العلم" ، فأنا أقول أيضا "لا تمنحوا أسافل المتعالمين السلطة" ، فلا تولوهم حسب كلام ابن خلدون قيادة الجنود ومناصب القضاء وشؤون العامة، لأنهم إذا أصبحوا من ذوي المناصب اجتهدوا في ظلم الأبرياء وأبناء الشرفاء وإذلالهم بشكلِ متعمد، نظراً لشعورهم المستمر بعقدة النقص والدونية التي تلازمهم وترفض مغادرة نفوسهم، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى سقوط العروش ونهاية الدول.

وأكاد أجزم في غالبية جامعاتنا المصرية ظهرت على سدة قيادتها (من وكلاء وعمداء.. الخ) أغلبهم مجاميع من الفاسدين واللصوص حولت جامعاتهم إلى صالة قمار كبيرة ومعتقل مرعب لكل الكفاءات الخالصة والمتميزة، ودفعت إلى مفاصل التحكم بالمال والسلطة أفواج من النكرات والتافهين لتنفيذ برامجها في الفساد والإفساد بدلا من التفنن في جودة التعليم وتقديم خريجين أكفاء صالحين للخوض عقب تخرجهم إلى نهضة وتقدم الدولة..

ولذلك أقول وأكرر بأن "أسافل المتعالمين" هم "سفلة" .. سفلة لأنهم حسب فهم كلام ابن خلدون السابق، هو أنهم عاشوا تاريخا من الذل والقمع والمهانة .. عاشوه فتشربت نفوسهم تلك المذلة وصارت نفوسهم لا تستقيم بغير قوة من خارجهم تقوّم سلوكياتهم بالعصا والجزرة .. ولأن تاريخا طويلا لهم فى أحضان الهوان .. خلق نفسا مكظومة.. هشة.. تتحين الفرصة لإظهار شئ من قوة عاشت ردحا من الدهر محرومة منها لتظهرها فى حين غفلة من الأقوياء الحقيقيين لتثبت أن لها شرفا.. في حين أنها الأكثر إيمانا بضعتها.. ألم يعبد بنى إسرائيل العجل لما منحوا حرية وقوة بعد طول ذلة تمردا على المانح المنعم.

ولهذا السبب قال ابن خلدون:" لا يلى هؤلاء السفلة شؤن الجند والقضاء... لأن السافل وضيع في ذاته يستشعر تلك الضعة أمام شرف غيره فيتكون لديه شعورا بالدونية يحاول إخفاءه تحت دعاوى مختلفة من تعالى الأخرين عليه أو تكبرهم فإذا ولى أمراً فمع إيمانه بضعته وصغر نفسه وإدراكه بكبر الأمر عليه تتضخم نفسه الحقيرة لتزدري الآخرين، فيتهم الأخرين بالدناءة التي يعلم أنها من صفاته هو فيسقطها عليهم ويرمى الآخرين بما يراه في نفسه من نقائص وعيوب .

وهنا يستحضرني قول أخي وصديقي الدكتور عصمت نصار، والذي قال في مقالة رائعة له نشرت منذ زمن بجريدة رزوال يوسف:"  لقد توقفت كثيراً أمام محاورات أفلاطون وشذرات بوذا التي تحذر من إعطاء العلم لغير مستحقيه، ورحت أتساءل: من أولئك الذين ينبغي علينا أن نمنع نور المعرفة من أن يبدد ظلمات عقولهم ويحررها من سجن الجهل والفقر وقيود الحمق وأوهام الخرافة وعبث الأضاليل؟.. وزاد عجبي وحيرتي الكثير من الأقوال المنسوبة للسيد المسيح عليه السلام والمصطفى صلَّ الله غليه وسلم وأكابر الفقهاء والفلاسفة والصوفية المسلمين (للحكمة أهل فإياك أن تضعها في غيرهم فيضيعوها) .. (من العبث الاعتقاد بأن تطويق عنق الخنزير باللؤلؤ وتتويج رأسه بالياقوت يجمله، فمن جبل على الوضاعة وفطر على القبح لا يدرك إلا ما كان من جنسه، ولا يفعل سوى ما يأتلف مع طبعه).. (لا تمنعوا العلم أهله فتظلموا، ولا تضعوه في غير أهله فتأثموا).. (لا تعلموا أولاد السفلة العلم فإن علمتموهم فلا تولوهم القضاء والولاية)

ثم يستطرد عصمت نصار فيقول:" ولم أتوقف عن البحث فوجدتني أطالع مقولات لمالك والشافعي وإخوان الصفا والماوردي والغزالي وابن القيم، وجميعها يؤكد على ضرورة إقصاء السفلة وإبعادهم عن حضرة العلماء (ذُلُّ وإهانة للعلم أن تتكلم به عند من يضيعه).. (من منح الجهال علما أضاعه  ومن منع المستوجبين فقد ظلم، فالعلم كالسيف إن أعطيته لتقىٍّ قاتل به في سبيل الله، وإن ألقيته لشقى قطع به الطريق وأضل عباد الله)

ويؤكد عصمت نصار أن مصطلح السفلة، هو مرادف للأنفس الحاقدة التي قبض على زمامها التعصب والحمق والجحود والشر، ويأكلون الدنيا بدينهم،  فباءوا بغضب الله لضلالهم وتجديفهم واتخاذهم مما تعلموه أداة للإفساد والتخريب، والتكسب والتعريض والخداع والمراوغة ونشر الفتن.

ثم يخلص عصمت نصار فيقول:" وأدركت أن مثل هؤلاء لا يصلحون لحمل الأمانة، فالكلمة والحكمة والعلم من المنن التي لا ينبغي أن ينعم بها غير المحبين والأتقياء والرحماء، ومن ثم يجب علينا أن نؤدب أبناءنا بجميل الخصال والطباع وحسن الفضائل قبل أن نهذب عقولهم بالعلم، ومن الواجب علينا أيضاً تقويم الأسافل الذين تطاولوا على أساتذتهم فأهانوهم، وتجرأوا على دور العلم فخربوها، ووجهوا معارفهم لصناعة الدمار وترويع الآمنين، فقبحوا صورة الدين والعلم في عيون طلابه وراغبيه.. وإذا سأل سائل: كيف نقوم المتعالمين الذين لم يطهر العلم أنفسهم النجسة؟.. أقول بآلية دفع المنكر، فمن لم تهذبه النصائح تردعه الصفائح، فالأمم لا تنهض إلا بكثرة علمائها، وتسقط إذا استحال طلاب العلم فيها إلى حمير يحملون أسفارا، وشياطين يضلون بالدين ويتخذون منه ستارا.

***

د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.........................

المراجع:

1- محمد حسين يونس: حجب العلم عن أبناء السفلة، الحوار المتمدن-العدد: 3584 - 2011 / 12 / 22 - 20:34

2-د. شريف درويش اللبان: معا ضد الاتجار بالبشر، الأربعاء 15/يناير/2014 - 04:26 م

3-د. عصمت نصار: أسافل المتعالمين، مقال بجريدة رزوال يوسف 12:00 ص - السبت 4 يناير 2014

4- كريم عبد السلام: لا تعلموا أبناء السفلة، اليوم السابع ، الجمعة، 05 ديسمبر 2014 11:47 ص

كريم المظفرتصاعد الخلاف الدبلوماسي بين موسكو و" تل أبيب "، اندلع على خلفية تصريحات لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في حواره مع شبكة Mediaset الإعلامية الإيطالية، والتي أكد فيها إن الأصول اليهودية للرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي لا تضمن عدم وجود النازية في بلده ، وأشارته في هذا الحوار إلى أن "أشد معادي السامية كانوا عادة هم من اليهود أنفسهم"، ورجح إمكانية أن تكون لدى الزعيم النازي أدولف هتلر أصول يهودية ، هذا التصريح أدخل المسئولين الإسرائيليين في " هستيريا " كبيرة، ووصفه وزير الخارجية الإسرائيلي، يائير لابيد، بأنه "تصريح مشين لا يغتفر"، وقال إن اتهامات اليهود أنفسهم بمعاداة السامية هي "أدنى مستوى من العنصرية"، مطالبا روسيا بالاعتذار، لترد وزارة الخارجية الروسية في المقابل على مطالب يائير لابيد " بالاعتذار "، بان تصريحاته "مناقضة للتاريخ"، " وتفسر إلى حد كبير مسار سلطات البلاد في دعم نظام النازيين الجدد في كييف".

كما وأثار كلام لافروف بهذا الشأن ضجة واسعة في "إسرائيل"، التي استدعت سفير روسيا، بينما وصف وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد تصريحات نظيره الروسي بأنها "غير مقبولة وتمثل خطأ مروعا في التاريخ" ، واولت وزارة الخارجية الروسية اهتماما للتصريحات المناقضة للتاريخ لوزير الخارجية الإسرائيلي، والتي تفسر كما تقول الوزارة الروسية إلى حد كبير نهج الحكومة الإسرائيلية الحالية الداعم لنظام النازيين الجدد في كييف، وشددت في الوقت نفسه على ان الحكومة الإسرائيلية بدعم النازيين الجدد في كييف.

الدبلوماسية الروسية ترى ان لسبب ما، لا تزال الصحافة الغربية (وبعض ليبيرالييها) يتجادلون حول ما إذا كان هناك نازيون جدد في أوكرانيا، كواحدة من الحجج الخرسانية، ويستشهدون بالأصل اليهودي لفلاديمير زيلينسكي، والحجة ليست فقط غير مقبولة، ولكنها أيضا خبيثة، فالتاريخ، للأسف، وفقا لماريا زاخاروفا- المتحدثة باسم الخارجية الروسية، شهد أمثلة مأساوية للتعاون بين اليهود والنازيين في بولندا ودول أخرى في أوروبا الشرقية، "عين الألمان الصناعيين اليهود كرؤساء للأحياء اليهودية(ghetto) والمجالس اليهودية، وبعضهم يُذكر بأعمالهم الوحشية للغاية"، وكأمثلة على ذلك قام جاكوب ليكين (يهودي) في وارسو بمراقبة اليهود وأبلاغ إدارة الاحتلال الألماني بكل شيء، وحكم على مواطنيه بالموت المؤكد، وأحيانا المؤلم، وعرض حاييم رومكوفسكي (يهودي) عموما على يهود لودز إعطاء أطفالهم للنازيين مقابل إنقاذ حياة البالغين من سكان الحي اليهودي، وهناك أدلة كثيرة على كلماته.

كما أن الأصل اليهودي للرئيس الأوكراني ليس ضمانة للحماية من تفشي النازية الجديدة في أوكرانيا، وأن أوكرانيا ليست الوحيدة بمثل هذه الآن ، فرئيس لاتفيا، إيغليس ليفيتس، له جذور يهودية أيضا، وهو أيضا يتستر "بنجاح" على إعادة تأهيل فافن إس إس (Waffen SS) )، الجناح العسكري للحزب النازي) في بلاده ، وتساءلت الخارجية الروسية كيف أن وزير الخارجية الإسرائيلي لابيد وحكومته لا يرون هذا ؟، كما أنهم يتجاهلون بسخرية وباء تدمير وتدنيس الآثار لأناس صالحين حقيقيين في العالم، جنود الجيش الأحمر الذين أوقفوا الهولوكوست وأنقذوا العالم اليهودي.

التوتر الدبلوماسي بين موسكو و" تل ابيب " حث وكما أفاد موقع "أكسيوس" الأمريكي الذي نشر تقريرا نقلا عن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين ، حث إدارة رئيس الولايات المتحدة جو بايدن بطلب من حكومة إسرائيل الأسبوع الماضي لدراسة إمكانية توسيع مساعداتها العسكرية إلى أوكرانيا ، وذكّر "أكسيوس" بأن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت أوفدت الأسبوع الماضي رئيس الشعبة السياسية والعسكرية في وزارة الدفاع، درور شالوم، إلى اجتماع دولي نظمته الولايات المتحدة في قاعدة رامشتاين العسكرية في ألمانيا لمناقشة صادرات الأسلحة إلى حكومة كييف على خلفية استمرار العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا.

إدارة بايدن، أوضحت وفقا لما قال مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون للموقع، أنها تتفهم الوضع المعقد والحساس الذي تواجهه "إسرائيل" في علاقاتها مع روسيا، وتثمن ما قدمته " إسرائيل" حتى الآن لمساعدة أوكرانيا، معربة في الوقت نفسه عن أمل واشنطن في أن تفعل "إسرائيل" المزيد من الخطوات في سبيل إمداد كييف بمعدات عسكرية، كما أن إدارة بايدن سلمت هذا الطلب إلى حكومة بينيت خلال اجتماع بين مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك ساليفان ونظيره الإسرائيلي إيال حولاتا وفي اتصالات بين وزارتي دفاع الدولتين.

ونقل الموقع عن مسؤول إسرائيلي بارز تأكيده أن بلده يدرس إمكانية زيادة مساعداته العسكرية إلى أوكرانيا ومن المرجح أن تتخذ خطوات في هذا السبيل على خلفية إطالة أمد النزاع، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن هذه المساعدات ستضم معدات عسكرية غير فتاكة حصرا، في حين ذكر مسؤول أوكراني بارز للموقع ، بدوره أن كييف لا تتوقع من "إسرائيل "إمدادها بأسلحة فتاكة غير أنها تأمل في الاستفادة من عدة تراخيص تصدير صدرت مسبقا عن وزارة الدفاع الإسرائيلية، وهي تخص أجهزة اتصال ومنظومات مضادة للطائرات المسيرة.

وكما هو معروف حاولت " إسرائيل " إضفاء صفة " الحيادية " لنفسها في هذه الازمة وحاولت اتخاذ منذ البداية موقفا متحفظا إزاء النزاع في أوكرانيا ولم توافق على طلبات كييف لإمداد قواتها بأسلحة متطورة، بينما حاول بينيت أداء دور الوسيط بين طرفي الصراع، لكنها عادت ( إسرائيل) ووافقت الشهر الماضي على تصدير آلاف الخوذ والسترات الواقية إلى الكوادر الطبية وعناصر الخدمات الطارئة في أوكرانيا ، بعدها شددت " إسرائيل " في الفترة الأخيرة من حدة نبرتها إزاء روسيا على خلفية تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من إن "أشد معادي السامية كانوا عادة هم من اليهود أنفسهم"، ورجح إمكانية أن تكون لدى الزعيم النازي أدولف هتلر أصول يهودية.

ويرى الخبراء السياسيون الروس ان " إسرائيل " لم تكتف باستخدام، وإنما أساءت استخدام سياسة تبرير التمييز ضد الفلسطينيين استنادا إلى اضطهاد النظام النازي لليهود خلال الحرب العالمية الثانية، ووفقا للمنطق الإسرائيلي، فإن جرائم النازيين ضد اليهود في ذلك الوقت تعطي إسرائيل الحق في الوصول إلى مصالحها بأي ثمن، بما في ذلك إنكار حقوق الشعوب الأخرى والطبيعة غير المتكافئة والتمييزية لدولة إسرائيل الحديثة، وفي فترة تاريخية قصيرة من أحادية القطبية التي تنتهي أمام أعيننا، تمكنت الولايات المتحدة وفقا للمحل السياسي الكسندر نازاروف، من فرض رفض مثل هذه النظرة للأساس الأيديولوجي للدولة الإسرائيلية ، وأن الهستيريا الإسرائيلية بشأن تصريحات وزير الخارجية الروسي ترتبط إلى حد كبير تحديدا بذلك، فعصر التساهل الذي تضمنه الولايات المتحدة الأمريكية لإسرائيل عن أي تعسف للأخيرة ضد الشعوب الأخرى يقترب من نهايته، لأنه بمجرد أن يعترف العالم أن اليهود يمكن أن يكونوا أنفسهم نازيين، سيتم الاعتراف مرة أخرى بأن الدولة اليهودية يمكن أن تكون هي الأخرى نازية

واحتدت العلاقات بين روسيا وإسرائيل بوضوح بعد بدء "العملية الروسية الخاصة" في أوكرانيا، فتصريحات يائير لابيد حول بوتشا، وكلماته بأن "الغزو الروسي لأوكرانيا لا يمكن تبريره"، لم تمر مرور الكرام في وزارة الخارجية الروسية، كما تسبب كل هذا بحسب الكاتبة السياسية الروسية ماريانا بيلينكايا ، في سلسلة من المقالات في وسائل الإعلام العربية حول احتمال تشديد موسكو موقفها من" إسرائيل " وأفعالها في النزاعات الإقليمية، ومع ذلك، فحتى الآن، باستثناء تبادل الملاحظات اللاذعة، لا توجد علامات أخرى على تدهور العلاقات بين البلدين، على الرغم من أن الوضع متوتر وقد يتفاقم مع تطور الصراع في أوكرانيا.

والسؤال هو: هل ان هتلر يهوديا؟ والجواب، يستند على النظرية القائلة بأن لأدولف هتلر كان له جذور يهودية، على حقيقة أن والده ولد خارج إطار الزواج وأن هوية جد هتلر لم يتم الكشف عنها مطلقًا، وهكذا بقيت احتمالية أن يكون يهوديًا، ومن ثم أصبح هتلر ربعًا يهوديًا، في الوقت نفسه، ووفقًا للتقاليد اليهودية، تنتقل الجنسية من خلال خط الأم، والمعلومات التي تفيد بأن جد هتلر كان يهوديًا تم تقديمها لأول مرة من قبل الحاكم النازي العام لبولندا، هانز فرانك، خلال محاكمات نورمبرغ، ثم تكرر في مذكراته "في وجه المشنقة"، التي نُشرت عام 1953، بعد سبع سنوات من الحكم، ومحاكمات نورمبرغ حكمت عليه المحكمة بالإعدام.

ووفقًا لفرانك، (والذي من المفترض أن فرانك، الذي كان في أواخر العشرينات من القرن الماضي محاميًا لـ NSDAP ومثل هتلر في المحاكمات، اكتشف شجرة عائلة هتلر الحقيقية في عام 1930 )، فقد كان جد هتلر لأبيه يهوديًا من مدينة غراتس النمساوية ، وكدليل، استشهد فرانك بمراسلات بين جدة هتلر، ماريا آنا شيكلغروبر، ورجل يهودي يدعى فرانكنبرغر، عملت لديه، ووفقًا للمراسلات، يُزعم أن شيكلغروبر حملت من ابنه البالغ من العمر 19 عامًا، وأجبرت عائلته على دفع إعالة الطفل.

إذن فإن تصريحات الوزير لافروف الذي اعتبرته " إسرائيل " بأنه «خطأ تاريخي فادح"، ولم يقتل اليهود أنفسهم أثناء الهولوكوست، وإن اتهام اليهود أنفسهم بمعاداة السامية هو أدنى مستوى من العنصرية ضد اليهود، ووصف كلام لافروف بأنه "لا يغتفر"، وبـأنه يبرئ أعداء "إسرائيل " من المساءلة "، يعكس بما لا يقبل الشك، أنه وبمجرد أن يعترف العالم أن اليهود يمكن أن يكونوا أنفسهم نازيين، سيتم الاعتراف مرة أخرى بأن الدولة اليهودية يمكن أن تكون هي الأخرى نازية، وهذا هو ما تخافه "إسرائيل".

***

بقلم الدكتور كريم المظفر

كريم المظفرمع بداية العمليات العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا، أمطرت أوربا والحلف الانغلوسكسوني عقوبات اقتصادية وسياسية وثقافية، تنم عن " حقد " دفين على روسيا طبقا لطبيعتها وعددها والتي وصلت اعدادها بالألاف، وفي نظرة بسيطة لعدد العقوبات التي تم فرضها خلال فترة ثلاثة رؤساء للولايات المتحدة، فقد كانت 555 قرارا في عهد باراك أوباما، وفي فترة دونالد ترامب، فكانت 293 قرارا، في حين حصل الرئيس الحالي جو بايدن على فرصة فرض 66 قرارا حتى الان والماكنة لازالت " شغالة " لإصدار جملة جديدة من حزم العقوبات.

ووفقًا لقاعدة بيانات Castellum، فقد فرضت سويسرا معظم العقوبات - 1103، والمملكة المتحدة - 1098، الاتحاد الأوروبي - 940، فرنسا - 931، وفي المجموع، حوالي 6901 من دول مختلفة، وتجدر الإشارة إلى أن معظمها شملت (5،963) تم فرضها على أفراد معينين، تعمل القيود المتبقية ضد صناعات وقطاعات محددة، وبذلك على ما نعتقد فقد دخلت روسيا موسوعة " جينيز " للأرقام القياسية، كأثر دولة في العالم وعلى مر تاريخ البشرية تصدر ضدها العقوبات بمختلف اشكالها وانواعها، الاقتصادية والعسكرية والسياسية وحتى الثقافية.

مع هذه المقدمة، بالتأكيد يبرز سؤال مهم، يتعلق بتاريخ العلاقات بين روسيا وهذه الطغمة الاستعمارية المعروفة، ومن خلال مراجعتنا لعدد من الاحداث التاريخية، وجدنا شيء لا يصدقه العقل، من التطابق " الرهيب" في الاحداث منذ القرن السادس عشر وحتى الان، وكأننا أمام سيناريو واحد، يقف خلفه جهة واحدة واختلفت بعض فقراته، وحاولنا في هذه المقالة أختيار بعض النقاط المهمة وليس جميعها من تاريخ هذه العلاقات، عسى ان نكون قد وفقنا في اختياراتنا.

وفي استعراض لتاريخ العقوبات، فقد تم تحديد العقوبات المناهضة لروسيا بشكل أوضح لأول مرة في فترة أواخر العصور الوسطى، وعلى وجه الخصوص، في عام 1548، نيابة عن إيفان الرهيب، قام التاجر السكسوني جي شليت بتعيين 123 أستاذًا في مهن مختلفة في مدن مختلفة من أوروبا، وعلى الرغم من إذن الإمبراطور الألماني تشارلز الخامس، لم يصل الحرفيون إلى روسيا أبدًا، وتم القبض عليهم جميعًا من قبل سلطات لوبيك بناءً على طلب قيادة النظام الليفوني - دولة الصليبيين على أراضي إستونيا ولاتفيا الحديثة.

وتخشى سلطات النظام ومدن البلطيق من تقوية روسيا عسكريا واقتصاديا، ففي أرشيف لوبيك، وعلى وجه الخصوص، عثروا على رسالة من قاضي التحقيق في ريفال بتاريخ 19 يوليو 1548، حيث تم تقديم طلب لفعل كل ما هو ممكن حتى لا يسمح جي شليت ورفاقه بدخول موسكو، وفي الوقت نفسه، تم في الرسالة رسم صورة مروعة للكوارث التي ستحل بـ "ليفونيا والأمة الألمانية بأكملها إذا أصبح سكان موسكو على دراية بالفن العسكري للغرب"، وكان هذا الإجراء، على الرغم من خلفيته السياسية، تمييزيًا بصراحة فيما يتعلق بالمصالح الاقتصادية لروسيا، وخلال هذه الفترة، كان على التجار الأوروبيين إجراء جميع عمليات التبادل التجاري معها عبر موانئ ريغا وريفيل ونارفا الليفونية، وكان يتم نقل البضائع فقط على متن السفن الهانزية، من أجل عدم فقدان احتكار التجارة مع روسيا، اتبع تجار الرابطة الهانزية سياسة منسقة مع سلطات المدن الليفونية لمنع الحرفيين من الدول الأوروبية من دخول روسيا.

وتسبب تقوية مملكة موسكو خلال فترة إيفان الرهيب في قلق خطير حقًا في عدد من الدول الأوروبية، واتضح هذا، على وجه الخصوص، من حقيقة أنه في عام 1570، في الوفد الألماني بالكامل في فرانكفورت، أعرب دوق ألبا (نائب الملك للإمبراطور تشارلز الخامس في هولندا) عن فكرة "عدم إرسال مدفعية إلى موسكوفي، حتى لا يصبح عدوًا هائلاً ليس فقط للإمبراطورية بل للغرب بأسره، وفي نفس الفترة، بدأت حملة إعلامية واسعة النطاق لتشويه سمعة روسيا، لذلك، في عدد من المدن الأوروبية الكبرى، تم نشر "الملاءات الطائرة" على نطاق واسع، والتي قالت: "موسكوفي بلد الظلام"، "... الروس متوحشون، برابرة وقيصرهم مروع للغاية... لديه ما لا يقل عن 50 زوجة، كما هو الحال في الحريم التركي، الأتراك ليسوا التهديد الأكثر فظاعة لأوروبا مقارنة بالروس ”، وبالمناسبة فأن هذا النوع من قصص الرعب منتشر الآن في كل من أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

في الوقت نفسه، هدأت أوروبا فيما يتعلق بروسيا فقط خلال فترة الاضطرابات الروسية في بداية القرن السابع عشر، في الوقت نفسه، شاركت فيها بعض الدول الأكثر نشاطًا في هذه الفترة (بولندا والسويد)، وكأن التاريخ يعيد نفسه اليوم، في الوقت نفسه، لم يسعوا فقط إلى هزيمة روسيا، ولكن أيضًا إلى إذلالها، ووضعوا على رأس الدولة في البداية محتالو "دميتريس المزيفون"، ثم نجل الملك البولندي فلاديسلاف، و في الواقع، كان السؤال هو ما إذا كان ينبغي أن تكون روسيا دولة مستقلة أو ضواحي استعمارية لبولندا والسويد، كانت نتيجة تنفيذ هذه الخطط الطموحة، كما يلاحظ المؤرخ الإنجليزي أ. توينبي، "الضغط على روسيا من بولندا والسويد في القرن السابع عشر... سيؤدي حتما إلى رد "، وتسبب الوجود المؤقت للحامية البولندية في موسكو والوجود المستمر للجيش السويدي على ضفاف نهري نارفا ونيفا بصدمة مستمرة للروس، وهذه الصدمة الداخلية دفعتهم إلى اتخاذ إجراءات عملية.. استغرق الأمر أكثر من قرن بقليل عد من مآثر بيتر، أن تخسر السويد كل ممتلكاتها على الضفة الشرقية لبحار البلطيق، بما في ذلك أراضي أجدادهم في فنلندا، أما بولندا فقد تم محوها من الخريطة السياسية، وبعد أن "قطع بطرس الأكبر نافذة" على أوروبا على نهر نيفا وآسيا - في بحر قزوين، فقد الحصار الاقتصادي الذي تم فرضه ضد روسيا لقرون أهميته.

ومن الواضح أن فئة العقوبات الأكثر شهرة في ذلك الوقت يجب أن تشمل الحظر على امتلاك روسيا لأسطول في البحر الأسود، والذي أدخلته شروط معاهدة باريس (1856) في نهاية حرب القرم، ونتيجة لذلك، كانت روسيا محاصرة في البحر الأسود، وتجارتها مع العالم الخارجي عبر مضيق البوسفور والدردنيل على البحر الأسود لم تكن تحت سيطرة تركيا، التي كانت تمتلك هذه المضائق، بل كانت تسيطر عليها بريطانيا العظمى، ونتيجة لاتفاقية التجارة الحرة الموقعة عام 1838، والتي منحت بريطانيا العظمى معاملة الدولة الأولى بالرعاية، كانت تركيا تعتمد عليها اقتصاديًا وسياسيًا، وفي ذلك الوقت، سُمع لأول مرة عبارة "روسيا ليست غاضبة، روسيا تركز"، وفي عام 1860، انسحبت روسيا من معاهدة باريس المفروضة عليها وركزت لاحقًا على تحقيق مصالحها الوطنية الحيوية، ونتيجة لذلك، أصبحت واحدة من أكثر الدول نفوذاً وأكثرها ديناميكية، وسمح هذا للإسكندر الثالث بنطق العبارة التاريخية "أوروبا ستنتظر حتى يصطاد القيصر الروسي"، وفي ظل هذه الظروف، بالطبع، لا يمكن الحديث عن أي عقوبات ضد روسيا، لذلك، فإن كل ما يمكن أن يتحمله الشركاء الغربيون للإمبراطورية الروسية هو الدعاية الجامحة المعادية لروسيا التي تصور روسيا على أنها معتد محتمل، وعلى استعداد لابتلاع أوروبا "المتحضرة" في أي لحظة.

وهنا، على سبيل المثال، كيف صور البريطانيون روسيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأول من رسم روسيا على شكل أخطبوط كان الرسام الإنجليزي ف. روز على "الخريطة العسكرية المرحة للغاية لعام 1877"، وبعد ذلك، تم نسخ هذه الصورة، علاوة على ذلك، فإن صورة روسيا على الخرائط الجغرافية في شكل هذا الوحش أو ذاك بالنسبة للأوروبيين أصبحت علامة على الذوق الرفيع.

مرة أخرى، تم فرض العقوبات على روسيا خلال "الاضطرابات الروسية" التالية - ثورات عام 1917 والحرب الأهلية التي أعقبتها، في ذروتها (10 أكتوبر 1919)، تم فرض العقوبات على روسيا بمبادرة من وزير الخارجية الأمريكي آر لانسينغ من كل من الولايات المتحدة ودول الوفاق (بريطانيا العظمى وفرنسا)، وقد سبق ذلك تدخلهم، وكذلك اندلاع الحرب البولندية السوفيتية، وكان سبب فرض العقوبات خيبة أمل زعماء الدول الغربية من إمكانية الإطاحة بالسلطة السوفيتية بالقوة، لذلك، على وجه الخصوص، صرح رئيس وزراء بريطانيا العظمى آنذاك د. لويد جورج، الذي يبرر ملاءمة فرض عقوبات ضد روسيا السوفيتية، أن: "فكرة قمع البلشفية بالقوة العسكرية هي جنون محض... والاعتماد على هم (دينيكين، كولتشاك، التشيك والبولنديون) تعني البناء على الرمال الرخوة "، ولهذا السبب، وفي ظروف بداية المجاعة، كان الرهان على وقف الإمدادات الغذائية لروسيا السوفياتية، وأستمر الحصار الاقتصادي حتى 16 يناير 1920، عندما قرر السوفييت الأعلى للحلفاء تخفيف العقوبات والسماح بعمليات تجارية مع "الشعب الروسي" (المنظمات التعاونية)، وتم رفع العقوبات أخيرًا في عام 1925، وفي الوقت نفسه، تلقت الولايات المتحدة الفائدة الرئيسية من العقوبات، وهكذا، كان استيراد البضائع الأمريكية في عام 1925 هو الأكثر ضخامة وتجاوز بكثير الواردات الأوروبية، وبحلول نهاية العشرينات من القرن الماضي، كانت حوالي 800 شركة أمريكية كبيرة بالفعل موردة للمنتجات.

وفي نفس العام 1925، تم فرض عقوبات جديدة على روسيا السوفيتية - ما يسمى بـ "الحصار الذهبي"، والسبب الرسمي لذلك هو اتهامات بتأميم ممتلكات أجنبية وتقليص السياسة الاقتصادية الجديدة وانهيار اتفاقيات الامتياز القائمة، ونتيجة لذلك، رفضت الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى وفرنسا وعدد من الدول الغربية الأخرى التجارة مع الاتحاد السوفيتي مقابل الذهب وطالبت روسيا بدفع ثمن المعدات المباعة بالنفط والحبوب والأخشاب، ومنذ عام 1930، لا يمكن شراء التكنولوجيا والمعدات إلا بالحبوب.

ووفقًا لعدد من المؤرخين والمعلمين، تم كل هذا من أجل تحفيز المزاج الاحتجاجي بين سكان الاتحاد السوفيتي، وأدى جفاف عام 1931 إلى تفاقم الوضع، مما أدى إلى تدمير جزء كبير من المحصول، ولم يكن هناك شيء لشراء الطعام في الغرب بسبب حصار الذهب ونقص العملة نتيجة للحظر، وكانت نتيجة سياسة العقوبات هذه المجاعة في الاتحاد السوفياتي في 1932-1933، والتي سُجلت في التاريخ باسم "المجاعة الكبرى"، والتي كان ضحيتها ما لا يقل عن 7 ملايين شخص، في عام 1932، فرضت الولايات المتحدة حظراً كاملاً على استيراد البضائع من الاتحاد السوفياتي، فقط بعد عام 1934 بدأ قبول الذهب مرة أخرى كوسيلة للدفع.

في 2 ديسمبر 1939، أعلنت الولايات المتحدة ما يسمى بـ "الحظر المعنوي" على التجارة مع الاتحاد السوفيتي، كجزء من هذا الحظر، فُرض حظر على توريد الطائرات إلى الاتحاد السوفيتي، وكذلك المواد اللازمة لصناعة الطيران، مثل الألمنيوم والموليبدينوم وبنزين الطائرات، في الوقت نفسه، لم يكن للحظر أي تأثير على علاقات التجارة الخارجية لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، بما في ذلك العلاقات مع الولايات المتحدة، وهكذا، بلغ حجم التجارة مع الولايات المتحدة في عام 1939 إلى 66.1 مليون روبل، وفي عام 1940 ارتفع إلى 95.3 مليون روبل. كما زاد إجمالي حجم التجارة الخارجية السوفيتية - من 271.4 مليون روبل. في عام 1939 إلى 485.2 مليون روبل. في عام 1940، وفي عام 1947، تبنت القيادة الأمريكية ما يسمى بـ "عقيدة ترومان"، والمعنى الرئيسي لها هو احتواء الاتحاد السوفيتي في جميع مجالات الحياة.

وتحقيقًا لهذه الغاية، في مارس 1948، فرضت وزارة التجارة الأمريكية قيودًا على تصدير المواد والمعدات والأسلحة الاستراتيجية إلى الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية في أوروبا الشرقية، وفي عام 1949، تم تكريس هذه القيود في قانون مراقبة الصادرات، في الوقت نفسه، وبمبادرة من الولايات المتحدة، تم إنشاء لجنة تنسيق مراقبة الصادرات (COCOM) للإشراف على توريد السلع والتقنيات من الدول الغربية في الاتحاد السوفياتي وحلفائه، ووضعت اللجنة إستراتيجية "التخلف التكنولوجي الخاضع للرقابة"، والتي بموجبها يمكن بيع المعدات والتقنيات للدول الاشتراكية في موعد لا يتجاوز أربع سنوات بعد إنتاجها التسلسلي، بالإضافة إلى ذلك، تم تقديم ثلاث قوائم للسلع والتقنيات، كان دخولها محدودًا في الاتحاد السوفيتي: الأول مع حظر كامل على الصادرات، والثاني مع صادرات محدودة، والثالث بدون قيود على التصدير، ولكن مع السيطرة على نهايتها.

ومنذ بداية أنشطة COCOM، بدأت ملحمة استمرت 70 عامًا تقريبًا من العقوبات ضد السوفييت ثم ضد روسيا، والتي لم تنتهِ حتى الوقت الحاضر، وفي الوقت نفسه، كانت العقوبات ذات طبيعة معقدة ونظامية واستُكملت باستمرار بقيود جديدة على التجارة مع الاتحاد السوفيتي، لذلك، في عام 1962، فرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها حظرًا على بيع الأنابيب ذات القطر الكبير إلى الاتحاد السوفيتي، مما أدى إلى تأخير بناء خط أنابيب دروجبا، وفي وقت لاحق، وتحت ضغط من المصنعين الأوروبيين، تم رفع الحظر عن توريد الأنابيب ذات القطر الكبير إلى الاتحاد السوفياتي، وفي عام 1974، تبنى الكونجرس الأمريكي تعديل جاكسون-فانيك سيئ السمعة، والذي استند إلى قرار الحكومة السوفيتية بتعويض المهاجرين الذين تلقوا تعليمًا عاليًا عن نفقات الدولة لتعليمهم في الجامعات، قلل هذا بشكل كبير من فرص المهاجرين المحتملين للسفر إلى الخارج، وشعرت قيادة إسرائيل والولايات المتحدة بالغضب من مثل هذا "التعدي على الحقوق"، لأنه حد بشكل كبير من "تدفق العقول" إلى هذه البلدان.

وحظر تعديل جاكسون-فانيك منح تجارة الدولة الأكثر تفضيلاً، والقروض الحكومية، وضمانات القروض للدول التي تنتهك أو تقيد بشدة حق مواطنيها في الهجرة، فضلاً عن حقوق الإنسان الأخرى، كما نص التعديل على تطبيق التعريفات والرسوم التمييزية على السلع المستوردة إلى الولايات المتحدة من البلدان ذات الاقتصادات غير السوقي، ولم يتم إلغاء التعديل حتى بعد إدخال حرية الهجرة في الاتحاد السوفياتي في عام 1987، ولكن تم تعليقه فقط، واستمرت حالة مماثلة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وفقط في عام 2012 تم إلغاء التعديل رسميًا، ومع وصول الإدارة الأمريكية للرئيس ريغان إلى السلطة، واكتسبت سياسة "الاختناق" الاقتصادي لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية زخمًا جديدًا، واستندت استراتيجيتها على خطة من ثلاث نقاط:تقويض نظام السلطة والإدارة (بما في ذلك من خلال الدمقرطة من خلال "التضامن" البولندي) ؛واستنفاد سباق التسلح على الموارد ودعم المجاهدين في أفغانستان ؛ ويصاحب ذلك انهيار في أسعار السلع (النفط بشكل رئيسي).

وكان أحد الإجراءات الأولى من هذا القبيل هو فرض حظر في عام 1981 على إمداد الاتحاد السوفياتي بمعدات لبناء خطوط أنابيب النفط والغاز، المصممة لربط سيبيريا بأوروبا الغربية وتصبح أول طريق سريع لتصديرها إلى الخارج، بالإضافة إلى الولايات المتحدة، يمكن لشركات ألمانيا الغربية فقط أن تكون مورِّدًا لأنابيب ذات قطر كبير لخط أنابيب الغاز هذا، الأمر الذي أدى "مع الأخذ في الاعتبار المخاطر المحتملة غير المتوقعة" إلى رفع أسعار منتجاتها على الفور، ومن أجل مواصلة بناء خط أنابيب الغاز، اضطر الاتحاد السوفياتي إلى زيادة تصدير الذهب من 90 إلى 250 طنًا سنويًا، وليس من الإنتاج الحالي بل من الاحتياطيات.، ومع ذلك، فشلت الولايات المتحدة في تعطيل بناء خطوط الأنابيب بشكل كامل، بما في ذلك بسبب رفض الشركات الأوروبية واليابانية المشاركة في العقوبات الأمريكية، لبناء خط الأنابيب، تم الحصول على قرض بقيمة 3.4 مليار مارك ألماني لبناء محطات ضغط من مجموعة من البنوك الألمانية بقيادة دويتشه بنك، وتم التوصل إلى اتفاقيات مماثلة مع مجموعة من البنوك في فرنسا وبنك التصدير والاستيراد الياباني، كما حصل الاتحاد السوفيتي على المعدات اللازمة من شركات أوروبية وغربية ويابانية، مثل: Creusot-Loire، و John Brown Engineering، و Japan Steel Works، إلخ، ونتيجة لذلك، فإن خط الأنابيب، الذي يصدر الغاز حاليًا إلى أوروبا، قد اكتمل مع ذلك ودخل حيز التشغيل في عام 1984.

لذلك بالفعل في سبتمبر 1983، كان الحدث الأكثر صدى هو حادثة طائرة ركاب تابعة لشركة الخطوط الجوية الكورية، والتي انتهكت المجال الجوي لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية في 1 سبتمبر، وحلقت فوق الأراضي السوفيتية لأكثر من 500 كيلومتر وحلقت فوق أشياء مهمة استراتيجيًا، فقد تم اعتماد الخطوط الملاحية المنتظمة من قبل قيادة الدفاع الجوي السوفيتي كطائرة تجسس، ونتيجة لذلك أسقطتها الطائرة السوفيتية Su-15. 269 شخصًا أصبحوا ضحايا، وتشهد عدد من الحقائق على حقيقة أن رحلة الطائرة الكورية الجنوبية لم تكن استفزازية فحسب، بل استطلاعية أيضًا، وتمت تغطية الموقف مع الطائرة التي تم إسقاطها بشكل شامل من قبل المسؤول الرفيع المستوى السابق في المخابرات العسكرية اليابانية، آي تاناكا، الذي نشر في عام 1997 كتاب "الحقيقة حول رحلة KAL-007". .

ويدعي أ. تاناكا في كتابه، أن وكالة المخابرات المركزية أرسلت عمدا طائرة ركاب كورية جنوبية إلى المجال الجوي السوفيتي من أجل إحداث ضجة في نظام الدفاع الجوي السوفيتي والكشف عن منشآته السرية والصامتة في العادة، ووفقًا له، بذلت الولايات المتحدة في ذلك الوقت قصارى جهدها لجمع المعلومات حول الدفاع الجوي السوفيتي في الشرق الأقصى، والذي تم تحديثه في عام 1982 وتعزيزه بشكل كبير، ويؤكد بشكل غير مباشر صحة I Tanaka وحقيقة أن المواد المتعلقة بهذه الحالة من قبل الولايات المتحدة تظل سرية تمامًا حتى الآن، وفي هذه الأثناء، أصبح الحادث نفسه أساسًا لإطلاق حملة أخرى مناهضة للسوفييت، حيث فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية أخرى ضد الاتحاد السوفيتي، لذلك، في 2 سبتمبر 1983، منعت إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية الاتصالات الجوية مع الاتحاد السوفيتي، ونتيجة لذلك، تم إغلاق المجال الجوي بين البلدين، ولكن بعد شهرين، في نوفمبر 1983، بسبب خسائر شركات الطيران الأمريكية الكبرى التي فقدت طريقًا مناسبًا إلى آسيا، تم رفع العقوبات.

في النصف الثاني من الثمانينيات، أدركت القيادة الأمريكية أن الجزء الأكثر ضعفًا في السياسة الاقتصادية لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية كان اعتماده على تصدير الهيدروكربونات، وفي هذه المنطقة تقرر إلحاق أكبر قدر من الضرر، وتحقيقا لهذه الغاية، بدأ انهيار في أسعار النفط، في عام 1986، أجبرت الولايات المتحدة قيادة المملكة العربية السعودية، التي كانت تهيمن على منظمة أوبك، على زيادة أحجام النفط بشكل حاد، نتيجة لذلك، انخفض سعر النفط من أكثر من 30 دولارًا للبرميل في نوفمبر 1985 إلى ما يقرب من 10 دولارات بحلول يوليو 1986، وأصبح تصدير النفط، الذي أصبح بحلول ذلك الوقت المصدر الرئيسي لعائدات النقد الأجنبي لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، غير مربح تقريبًا، كل هذا أثار أزمة واسعة النطاق، والتي تحولت لاحقًا تحت تأثير عدد من العوامل السلبية الأخرى إلى أزمة سياسية داخلية منهجية.

حتى عام 1994، كانت العقوبات سارية المفعول، وتم تحديدها في إطار عمل COCOM، ولكن حتى بعد إلغائها، ظلت الإجراءات التحريمية التي تم إدخالها في سبتمبر 1991 بشأن توريد الأنظمة الإلكترونية والألياف الضوئية ومعدات الاتصالات والمعدات البحرية والجوية والمحركات النفاثة وما إلى ذلك سارية إلى روسيا، وفي عام 1998، اكتسبت سياسة العقوبات محتوى جديدًا – علميًا، وهكذا، أدرجت الولايات المتحدة 10 مؤسسات علمية روسية في "القائمة السوداء" (للاشتباه في تعاونها مع إيران في مجالي الصواريخ والنووية، ووفقا لعقوبات القيادة الأمريكية، مُنعت الشركات الأمريكية من تلقي أي سلع أو تقنيات أو خدمات بشكل مباشر أو غير مباشر من هذه المنظمات الروسية، بحلول عام 2004، تم رفع العقوبات عن خمس منظمات، وفي فبراير 2010 تم رفع القيود المفروضة على التعاون مع فوينمخ.

وتميز عام 2012 بحدثين في مجال العقوبات الأمريكية ضد روسيا، من ناحية، تم إلغاء تعديل جاكسون-فانيك سيئ السمعة، ومن ناحية أخرى، اعتمد الكونغرس الأمريكي قانون ماغنتسكي، الذي سمي على اسم محام كان شاهدًا ومشتبهًا في جرائم اقتصادية كبرى لصندوق هيرميتاج كابيتال مانجمنت، وفي ظل ظروف غامضة، قامت S.L. توفي Magnitsky في مركز الاحتجاز السابق للمحاكمة ماتروسكايا تيشينا، والذي أصبح أساسًا للحملة المناهضة لروسيا في الولايات المتحدة وفرض عقوبات على عدد من المسؤولين الروس المتورطين أو حتى المرتبطين (وفقًا للولايات المتحدة) وفاته، وفي الواقع، أصبح قانون ماغنتسكي هذا أحد أدوات الضغط الرئيسية على الولايات المتحدة من أجل شيطنة روسيا وتشويه سمعة قيادتها السياسية، وإطلاق حملة إعلامية أخرى مناهضة لروسيا.

ونظرًا للتطور الإضافي للوضع في هذا المجال، هناك كل الأسباب للاعتقاد بأن قانون Magnitsky نفسه كان بمثابة إجراء تحضيري لتنفيذ سياسة عقوبات أكبر بدأت مع "ثورة الكرامة" سيئة السمعة في ميدان في كييف، واحتاجت الولايات المتحدة إلى إعداد الرأي العام لشعبها والدول التي تسيطر عليها من أجل قبول ودعم العقوبات المفروضة على روسيا منذ عام 2014.

***

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

كريم المظفرفي خطوة فاجأت أسواق البورصات والمال العالمية، قلص البنك المركزي الروسي، في بيان له  الجمعة، سعر الفائدة الرئيسي بواقع 3 نقاط مئوية إلى مستوى 14% سنويا، وجاء القرار مفاجئا للأسواق التي توقعت خفضا إلى مستوى 15% - 15.5%،  وقال المركزي، في بيان عقب اجتماع مجلس إدارته، إن قرار المنظم بشأن سعر الفائدة الرئيسي وحول البرنامج الحكومي للإقراض الميسر سيحد من حجم التراجع في النشاط الاقتصادي، وألمح المركزي الروسي في الوقت نفسه  لتنفيذ تخفيضات أخرى لسعر الفائدة الرئيسي خلال العام الجاري، وجاء في البيان "يرى بنك روسيا (المركزي) أن هناك مجالا لخفض سعر الفائدة الرئيسي في عام 2022، وسيكون السعر الرئيسي في المتوسط لعام 2022 في حدود 12.5% - 14%". .

وكان البنك المركزي قد تحدث عن إمكانية إجراء مزيد من التخفيضات على أسعار الفائدة. في 20 أبريل، قال نائب رئيس البنك المركزي أليكسي زابوتكين في مجلس الدوما أن المنظم مستعد لخفض المعدل إلى 7-7.5٪ سنويًا عندما يعود التضخم إلى المستوى المستهدف البالغ 4٪، وبحسب زابوتكين، فإن السعر سيتحرك "على طول مسار الجاذبية الكافية للودائع بالنسبة للروس"، وذكر تقرير الهيئة الرقابية لعام 2021 أن البنك المركزي يتوقع تحقيق هدف التضخم البالغ 4٪ بحلول عام 2024.

ومن المتوقع أن يكون التضخم في روسيا خلال العام الجاري في نطاق يتراوح ما بين 18% و 23%.  ، كذلك انخفاض الاقتصاد الروسي في العام الجاري وفقا لمعطيات البنك المركزي  بنسبة 8% - 10%، وفي العام المقبل 2023 في حدود 3%، على أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي لروسيا في العام 2024 بنسبة 2.5% - 3.5%. ، وسيتخذ البنك المركزي قرارات أخرى بشأن السعر الرئيسي، مع الأخذ في الاعتبار ديناميكيات التضخم الفعلية والمتوقعة بالنسبة إلى الهدف، وعملية إعادة الهيكلة الاقتصادية، وكذلك تقييم المخاطر من الظروف الداخلية والخارجية ورد فعل الأسواق المالية عليها، إذا تطور الوضع وفقًا لتوقعات خط الأساس، يرى المنظم مجالًا لخفض سعر الفائدة الرئيسي في عام 2022.

وسينخفض الناتج المحلي الإجمالي، وفقًا للتنبؤات الأساسية لبنك روسيا، بنسبة 8.0-10.0٪ في عام 2022، وسيعزى الانخفاض بشكل أساسي إلى عوامل جانب العرض،  وفي عام 2023، سينتقل الاقتصاد الروسي إلى النمو التدريجي في سياق التعديل الهيكلي،  وسيكون الناتج في الربع الرابع من عام 2023 أعلى بنسبة 4.0-5.5٪ من مستوى نفس الفترة في عام 2022. وفي الوقت نفسه، سيكون التغيير في الناتج المحلي الإجمالي بشكل عام لعام 2023 في نطاق (-3.0) -0.0٪ بسبب التأثير الأساسي في الربع الأول من عام 2022. في عام 2024، سينمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.5 - 3.5٪.

وتأتي خطوة تقليص سعر الفائدة في وقت يواصل فيه الروبل الروسي تعزيز مواقعه أمام الدولار واليورو،، وجرى تداول العملة الأمريكية يوم الجمعة دون مستوى 71 روبلا للمرة الأولى منذ 8 أبريل الجاري،  وتراجع سعر صرف الدولار بنسبة 1.5% إلى 70.99 روبل، فيما تراجع سعر صرف اليورو بنسبة 0.67% إلى 74.87 روبل، وفقا لبيانات بورصة موسكو.

والخط التصاعدي للعملة المحلية الروسية، جاء بعد تراجع حاد سجلته في مارس الماضي، إذ تجاوزت مستوى 140 روبلا للدولار، لكنها عادت للتعافي في ظل إجراءات أعلن عنها البنك المركزي الروسي الشهر الماضي لتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي في روسيا، ومن أبرز الإجراءات، التي أطلقها المركزي الروسي، هو إلزام المصدرين في روسيا بيع 80% من عائدات النقد الأجنبي في بورصة موسكو، كذلك رفع سعر الفائدة الرئيسي إلى مستويات قياسية.

يذكر انه على خلفية عملية خاصة في أوكرانيا وفرض عقوبات غربية، رفع البنك المركزي سعر الفائدة الرئيسي بشكل مفاجئ من 9.5٪ إلى 20٪. وأوضح البنك المركزي في ذلك الوقت أن "قرار اليوم يعكس تغييراً في ميزان مخاطر تسارع نمو أسعار المستهلك وتباطؤ النشاط الاقتصادي ومخاطر على الاستقرار المالي" في 18 مارس، تركت الهيئة التنظيمية السعر دون تغيير، بينما خفضته في 11 أبريل إلى 17٪.

وعلى صعيد تداولات الأسهم، ارتفع مؤشر بورصة موسكو للأسهم المقومة بالروبل MICEX بنسبة 2% إلى 2431.2 نقطة، فيما صعد المؤشر للأسهم المقومة بالدولار RTS بنسبة 4.25% إلى 1086.15 نقطة ، والارتفاع جاء بعد رسالة الاطمئنان لرئيسة البنك المركزي الروسي، إلفيرا نابيولينا، أسواق المال بشأن وفاء روسيا بالتزاماتها المالية، والتأكيد بأن روسيا لن تتخلف عن سداد التزاماتها المالية، وقالت نابيولينا " ان  وزارة المالية الروسية تمتلك  جميع الموارد (المالية) اللازمة للوفاء بالتزاماتها، لذلك ليس هناك أي شك في أي تقصير (حدوث تخلف عن السداد)"، مشيرة في الوقت نفسه إلى أن المركزي الروسي يدرس تخفيف القيود المفروضة في سوق العملات المحلية قبل الموعد المحدد لانتهائها، وأوضحت أن قرار رفع سعر الفائدة الروسي إلى مستوى 20% كان إجراء اضطراريا لتوفير الاستقرار المالي والاقتصادي في روسيا.

من جهتها أشارت وزارة المالية الروسية في بيان اليوم، إلى أن روسيا أوفت بالتزاماتها المالية بالدولار الأمريكي بموجب سندات دولية "يوروبوند"، إصدار "روسيا 2022" و"روسيا 2042"، وقالت وزارة المالية الروسية، إنها سددت 649.2 مليون دولار بموجب السندات، 564.8 مليون دولار لإصدار "روسيا 2022" و84.4 مليون دولار لإصدار سندات "روسيا 2042".

وتحدثت وسائل إعلام عن احتمال إنشاء مجموعة مصرفية ضخمة في روسيا بالمستقبل القريب، وذلك من خلال اندماج 3 مصارف وهي: "في تي بي" (VTB) وبنك "أوتكريتيا" و"أر كا أن بي"، وذكرت صحيفة "كوميرسانت" الروسية (المقربة من الكريملين)، نقلا عن مصادر، أن أندريه كوستين رئيس مجلس إدارة بنك "في تي بي  (VTB)،  تقدم باقتراح لرئيس الحكومة الروسية ميخائيل ميشوستين بدمج "في تي بي"، الذي تمتلك الحكومة الروسية حصة فيه، وبنك "أوتكريتيا" و"أر كا أن بي" في مجموعة مشتركة.

ووفقا لأحد المصادر فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أيد الخطوة، وأشار إلى أن ذلك سيسمح للبنوك بتقليص التكاليف والنفقات على الأفرع والموظفين، كذلك سيفسح المجال أمام المجموعة المشتركة لبدء العمل في شبه جزيرة القرم الروسية، التي تخضع لعقوبات الغرب   مشيرا إلى أن توحيد الأصول المالية للدولة في لاعب قوي في القطاع المصرفي هو قرار سليم اقتصاديا وسياسيا، والذي سيساعد في تحسين الإنفاق في الميزانية لتحقيق الاستقرار في القطاع المصرفي والحفاظ على سوق خدمات مالية تنافسية، ومن جهته أيد البنك المركزي الروسي خطوة اندماج المصارف الثلاثة في كيان واحد.

وكان لدى "أوتكريتيا"  في نهاية 2020 نحو 3.1 مليون عميل نشط، فيما امتلك "أر كا أن بي" حوالي 2.2 مليون عميل نشط، ووفقا لتقديرات تصنيف لمؤسسة "Interfax-100"  فإن أصول البنوك الثلاث بلغت بحلول 1 يناير 2022 مستوى 22.9 تريليون روبل.

في سياق آخر نفت روسيا ا، أن تكون الحكومة الروسية ناقشت مسألة ربط سعر صرف الروبل بالذهب، وذلك مع انتهاج موسكو سياسة تهدف للابتعاد عن الدولار، وقالت  رئيسة البنك المركزي الروسي إلفيرا نابيولينا عقب اجتماع لمجلس إدارة المركزي الروسي، إنه لم تتم مناقشة مسألة ربط الروبل بالذهب، ويأتي هذا النفي بعد أن أشار سكرتير مجلس الأمن الروسي نيقولاي باتروشيف، إلى أن المجتمع العلمي في روسيا اقترح مشروعا لإنشاء نظام نقدي ومالي في البلاد، والذي من خلاله سيتم دعم الروبل الروسي بالذهب وسلع أخرى، والتأكيد أنه من أجل تحقيق سيادة أي نظام مالي وطني في العالم، يجب أن يكون لأدوات الدفع قيمة جوهرية إلى جانب وجود استقرار في الأسعار، وليس ربط النظام بالدولار.

وعملت روسيا خلال السنوات الماضية على تعزيز احتياطياتها من المعدن النفيس وتقليص الاعتماد على العملة الأمريكية، وتمتلك روسيا خامس أكبر احتياطي من المعدن الأصفر في العالم، ووفقا لبيانات مجلس الذهب العالمي تمتلك موسكو 2298.5 طن (بيانات مارس 2022)، حيث انتقل البنك المركزي الروسي، في العام 2014، إلى سعر صرف عائم للعملة الوطنية، وذلك وفقا لاستراتيجية جديدة تستهدف التضخم، وذلك انطلاقا من أن سياسة تثبيت سعر صرف الروبل تبدد احتياطات البلاد من الذهب والعملات الأجنبية.

أما وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف، فقد أكد بدوره ، إن الأوروبيين لن يتمكنوا من التخلي عن الغاز الروسي بسرعة، ولن يؤثر انخفاض استهلاكهم له على الموازنة الروسية، وستتحول الإمدادات إلى دول أخرى، "إلا أننا سنأخذ في الاعتبار خفض الاستهلاك من قبل الشركاء الأوروبيين عندما نخطط للموازنة المستقبلية، كما نتوقع زيادة الشحنات (من الغاز الروسي) في اتجاهات أخرى"، وأضاف ردا على سؤال بشأن قدرة الموازنة الروسية على تحمل خفض استهلاك الغاز الروسي من قبل الدول الأوروبية "سوف تقدر (الموازنة) بكل تأكيد، وسوف نضع الموازنة مع مراعاة التغيرات في الوضع".

وفي سياق متصل، أكد رئيس الخزانة الفدرالية الروسية، رومان أرتيوخين، بأن الموازنة الفدرالية سيتم تنفيذها هذا العام على أعلى مستوى، وقال بالإمكان القول باطمئنان إنه قد تم تنفيذ الموازنة هذا العام على أعلى مستوى بالمقارنة مع السنوات القليلة الماضية ، وانه وبحلول بداية هذا العام، كان قد تم التعاقد على 70% من الأسقف المتاحة، ويبلغ مستوى التنفيذ، استنادا للخزانة حاليا، أكثر من 30%. ، مشيرا إلى أن الحكومة قد وافقت على خطة لمواجهة الأزمة، حيث تقضي هذه الخطة بتخفيض فترة تحصيل المدفوعات بموجب العقود الحكومية إلى 7 أيام فقط، وذلك بفضل "آلية دعم الخزانة، والأنشطة الإلكترونية المنظمة"، وتابع: "سنبدأ في تنفيذ هذه المهمة مع بعض مناطق رائدة بعينها، حتى تطبيق نظام المعلومات الموحد بالكامل".

ويخطط البنك المركزي للوصول إلى هدف التضخم البالغ 4٪، ولكن، كما لاحظت إلفيرا نابيولينا، رئيس مجلس إدارة بنك روسيا،  لن يحدث هذا حتى عام 2024، وتعرب نابيولينا عن اعتقادها أن الأمر يستحق خفض التضخم بسلاسة، فقط من خلال زيادة إنتاج السلع والخدمات، ولكن إذا كانت المشاكل اللوجستية والإنتاجية بسبب العقوبات، فإن تحفيز الطلب بطرق أخرى سيؤدي إلى زيادات في الأسعار،  ووفقًا لها، ستبني الشركة قنوات وإمدادات جديدة، لكن تكلفة الواردات والخدمات اللوجستية الأكثر تكلفة ستضغط على التكاليف، لذلك سيبقى التضخم فوق هدف البنك المركزي لعدة سنوات أخرى.

***

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

ابراهيم أبراشمقولة (السياسة فن الممكن) ليست صحيحة على الإطلاق، فقد تكون مخادعة ومظللة في حالة توظيفها من طرف أنظمة ونخب سياسية لتبرير عجزها وفسادها والزعم بأنه ليس في الإمكان عمل أكثر مما نقوم به وبالتالي تقطع الطريق على من يطالب بتغيير الواقع أو السعي إلى ما يجب أن يكون. المقولة تكون صحيحة إن كان الممكن مجرد خطوة في الطريق نحو ما يجب أن يكون، وفي الحالة الفلسطينية هناك من يتجاهل الممكن ويريد القفز مباشرة إلى ما يجب أن يكون وهناك من يريد تحويل الممكن إلى نهاية المطاف .

  لأن الوضع الفلسطيني الداخلي متوتر وملتبس والانقسام عم حتى شوه الفكر والتفكير العقلاني وبات الكل يشك بالكل لدرجة إعماء البصر والبصيرة عن رؤية منجزات أو بقعة نور وسط ظلام الواقع يحققها الشعب بصموده وصبره ومواجهته للاحتلال، أو رؤية أعمال إيجابية أو مفيدة يقوم بها المنافس أو الخصم السياسي الداخلي، فالمعارضون للسلطة وفصائل المقاومة لا يرون أي شيء إيجابي فيما تقوم به السلطة، وهذه الأخيرة ومناصروها لا يرون أي شيء إيجابي فيما تقوم به المعارضة والأحزاب وفصائل المقاومة، والجميع يخلطون ما بين الممكن وما يجب أن يكون وما بين الحسابات الحزبية والمصلحة الوطنية العامة بحيث باتت الأولى سابقة في الأهمية للثانية.

مع تأكيدنا على ما سبق وكتبنا وتحدثنا عنه طويلاً عن أزمة النظام السياسي وتَحمُل الأحزاب والسلطتان القائمتان في غزة والضفة جزءا كبيرا من المسؤولية عما وصلت إليه القضية الوطنية من انهيار، إلا أن ذلك يجب ألا يعمي البصيرة لدرجة تجاهل بعض الإيجابيات فيما تقوم به السلطة بكل وزاراتها ومؤسساتها في مجالات التعليم والاقتصاد والثقافة والشؤون الاجتماعية والدبلوماسية الخ، وكذلك ما تقوم به المعارضة من فعاليات وطنية وترويج خطاب المقاومة وتحشيد الرأي العام وتحريضه على الاحتلال الخ، وهذه ليست إنجازات  سلطة وأحزاب بل تحققت بفضل نضالات الشعب ومعاناته، فالشعب دفع ويدفع الكثير من دماء أبنائه ومعاناتهم مقابل هذه (الإنجازات) والبعض يسميها (الانتصارات) . فلماذا لا تُستثمر هذه (الإنجازات) أو (الانتصارات) للبناء عليها من أجل المصلحة الوطنية العامة بدلا من توظيفها لتضخيم الذات الحزبية وتكريس الأمر الواقع؟ وأين تكمن المشكلة؟ .

في اعتقادنا أن هناك خلط ما بين الممكن الحزبي وما يمكن تحقيقه ضمن موازين القوى الراهنة والحالة السائدة من جانب وما يجب أن يكون في حالة التوظيف الجيد لمقدرات الشعب وتغيير الطبقة السياسية النافذة من جانب آخر. يمكن قبول ما تقوم به السلطة والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني في إطار الممكن عمله في ظل الاحتلال وبشروطه أحياناً ومع إدراكنا بالثمن الفادح الذي يتم دفعه مقابلها مثل أن جزءا كبيرا من هذه المهام تقع على عاتق الاحتلال ومن مسؤوليته، ولكن ما هو اخطر من ذلك أن تتوقف الأمور عند هذه (الإنجازات) باعتبارها الممكن الوحيد الآن أو يتصرف البعض وكأن هذا الممكن هو نهاية المطاف وليس في الإمكان خير مما كان ومما هو قائم، وأنه بالممكن الراهن تم إنجاز المهمة الوطنية، وبالتالي تجاهل ما يجب أن يكون وهو إنهاء الاحتلال .

أيضا يمكن قبول ما تقوم به حركة حماس وفصائل المقاومة الأخرى من أعمال حربية انطلاقا من قطاع غزة بانها تندرج في سياق إعمال حق الشعب الفلسطيني بمقاومة الاحتلال، ولكن الخطورة أن تعتبر فصائل المقاومة أن ما تقوم به هو المقاومة الوحيدة الممكنة وأن قطاع غزة يمثل نموذجا للمقاومة الناجحة وانه في كل مواجهاتها مع العدو حققت انتصارات عظيمة، وان الوضع القائم في غزة هو نهاية المطاف و ليس مطلوب منها إعادة النظر في ممارساتها أو التفكير بطرق أخرى للمقاومة، متجاهلة أن المقاومة الفلسطينية كانت قبل وجود حركة حماس والجهاد الإسلامي وأن حالة المقاومة في قطاع غزة وعموم فلسطين كانت افضل وأكثر جدوى مما أصبحت عليه بعد سيطرة حماس على القطاع وصيروتها سلطة بكل ما تعنيه كلمة سلطة، وأنه لا مقاومة من أجل المقاومة فقط بل هي مقاومة من أجل الحرية والاستقلال، والسيطرة على قطاع غزة ليس نهاية المطاف..

 للأسف فإن البعض في السلطة والمعارضة يريد أن يحوِّل ما هو ممكن أو الممكن الذي يسمح به الاحتلال، أي الواقع القائم، إلى انتصارات يتم ترويجها لتصبح بديلاً عما يجب أن يكون وهو الاستقلال التام واستحقاقاته، وبهذا تتحول السلطة إلى نهاية المطاف ويصبح كل من يناضل لتحقيق ما يجب أن يكون أو يطالب بتغيير الواقع من خلال التصدي للاحتلال مخالفا للقانون ومثيرا للفتنة الخ، وفي المقابل تتحول دولة غزة وسيطرة حماس عليها إلى نهاية المطاف ونهاية مشروع المقاومة ويصبح كل من يعارض هذا الواقع أو ينتقد تصفية المقاومة في غزة بالهدنة والتفاهمات السرية وكأنه عدو لحماس بل وعدو للمقاومة.

إن بقيت الأمور عند حدود ما تعتقد السلطتان بأنه الممكن فهذا يعني تصفية القضية الوطنية وخصوصا أن شهية إسرائيل للتوسع لا حدود لها وقد تُعطل أو تلغي هذا الممكن أو (الإنجازات) إن وجدت أن الدور الوظيفي للسلطتين انتهى ، ولذا المطلوب سرعة تحويل هذا الممكن إلى مرتكز يتم البناء عليه للوصول إلى ما يجب أن يكون وهذا يحتاج إلى استراتيجية وطنية شمولية وإلى نخب سياسية جديدة.

إن كانت دواعي الوحدة الوطنية متعددة فإن لقاء النقب يومي 29/30 مارس الذي جمع وزراء خارجية أمريكا وإسرائيل والدول العربية المطبِعة مع إسرائيل، وأحداث المسجد الأقصى في العشرين من هذا الشهر حيث حاول المستوطنون المدعومون من الجيش والحكومة اقتحام المسجد الأقصى وتقسيمه مكانيا وزمانيا وهي أحداث لم تحرك ساكنا عند الأمتين العربية والإسلامية، يُنذر بدخول المنطقة إلى حقبة جديدة تقودها إسرائيل مما يعني القضاء النهائي على المشروع السياسي الوطني الرسمي بشقيه: دعاة المقاوم ودعاة الحل السلمي.  

***

إبراهيم أبراش

محمود محمد عليتمثل قلعة آزوفستال قلعة الرعب أو سرداب الجحيم، أو كنز الأسرار، وهي تقع في مدينة ماريوبول الأوكرانية، وهي عبارة عن قاعدة عسكرية، وصناعية ضخمة تحت الأرض، وتمتد أكثر 12 كم على ساحل بحر أزوف ويوجد معظم مبانيها شديدة التحصين تحت الأرض لأكثر من 10 طوابق وبعمق يتجاوز 30 متر، وهذه القلعة تمثل آخر جيب لكتبة آزوفستال النازية وذلك بعد سقوطها في يد الجيش الروسي، ويتحصن بها حوالى 200 مقاتل تحت الأرض .

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتن قد أمر الجيش الروسي بألا يقتحم القلعة ورفض فكرة قذقها بالطيران أو الصواريخ، وهنا نتساءل: لماذا أمر بوتن الجيش الروسي ألا يقتحم قلعة آزوفستال؟.. وما هي حكاية وأسرار تلك القلعة الغريبة؟ .. وماذا يتوقع المراقبون أن يعثر بداخلها؟ .. ومن هي كتيبة آزوفستال التي تتحصن في القلعة؟

وللإجابة على ذلك نقول: قام الاتحاد السوفيتي ببناء قلعة آزوفستال عام 1930 حينما كانت أوكرانيا جزءً من روسيا، وهي عبارة عن قلعة خراسانية بالغة الضخامة، حيث تمتد على مساحة 12 كم على طول الواجهة البحرية لمدينة ماريوبول، وهي تضم عدد كبير من المباني تحت الأرض المقاومة للقنابل النووية والانفجار، ويصل عمقها إلى حوال 30 متر حيث تصل عدد الطوابق أسفل الأرض في بعض المناطق إلى 10 أدوار، كما أنه يوجد ميناء شحن خاص بها، إضافة إلى قناة تصل بينها وبين ميناء " ماريوبول"، ومنظمة مركبة ومتداخلة من المرافق الجوفية، فضلا عن ملجأ يمتد على عمق 10 أمتار تحت الأرض، وكانت الواجهة التي استخدمها الاتحاد السوفيتي لهذه القلعة الضخمة هي مصانع للحديد والصلب .

ورغم تلك السمعة الأسطورية، إلا أن الألمان عبر خيانة من القوميين الأوكرانيين ، وانحيازهم لبرلين قد نجحوا في السيطرة على قلعة آزوفستال، ولكن الروسي قاموا بتحريرها وباقي أوكرانيا من ألمانيا عام 1944، ومصانع الحديد والصلب بتلك القلعة هي التي بنت قاطرات الاتحاد السوفيتي وقامت على أكتافها صناعة السيارات السوفيتية ؛ إضافة إلى القنابل الجوية المتطورة، والتي تميز بها الاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية.

وعقب استقلال أوكرانيا عن روسيا عام 1991 تمت خصخصة قلعة آزوفستال في أكبر عملية إهدار للأمن القومي في تاريخ الجمهوريات السوفيتية السابقة، حيث تم بيع هذه المنشأة العسكرية الضخمة على اعتبار مصنع للحديد والصلب، وبالطبع فإن من سيطر عليها حتى اليوم هو رجل أعمال مواليا للغرب، وهو يمثل واجهة لهيمنة وسيطرة الغرب على القلعة السوفيتية .

وبعد ذلك تم فتح القلعة لعناصر من المخابرات الأمريكية، والبريطانية، والألمانية، علاوة على أنه قد استوطنها الأمريكيون، والنازيون الجدد، وكتائب آزوف النازية حتى أصحبت حصنا منيعا لهم، وكتائب آزوف هي وحدة يمنية متطرفة من الحرس الوطني الأوكراني، ومقرها كما قلنا مدينة ماريوبول على ساحل بحر آزوف، وتشكلت في البداية كميلشيات متطوعة في مايو 2014 لمحاربة الانفصاليين المتحدثين بالروسية شرق أوكرانيا المدعومين من موسكو، حيث قاتلت ضمن عديد من كتائب المتطوعين في صفوف الجيش الأوكراني. لكن بروز قوة هذه الكتيبة أثار وقتها قلقاً متزايداً لدى الدول الغربية، إذ نشرت صحيفة الغارديان البريطانية في 10 سبتمبر (أيلول) 2014، تحقيقاً ومقابلات مع أعضاء من الكتيبة يثير القلق بشأن الميول المتطرفة لأعضائها الذين ينتمي بعضهم للنازيين الجدد، على الرغم من أنها ربما تكون القوة الأوكرانية الأقوى والأكثر موثوقية في ساحة المعركة ضد الانفصاليين، ما جعل الصحيفة البريطانية تصف الكتيبة بأنها التهديد الأكبر لكييف.

ولفتت "الغارديان"، وقتها، إلى أن شعار الكتيبة المكون من حرفي "أن" و"آي"، وهو اختصار لشعار "الفكرة الوطنية"، يشبه في كتابته شعار النازية "ولفسانجيل"، وانفصل الجناحان السياسي والعسكري لـ"آزوف" عام 2016، عندما تأسس حزب "الفيلق الوطني" اليميني المتطرف كجناح سياسي، وجرى دمج كتيبة "آزوف" في الحرس الوطني الأوكراني منذ ذلك الحين. وتقول شبكة "سي أن أن" الأميركية، إن الكتيبة تتمتع بتاريخ من الميول النازية الجديدة، التي لم يتم إخمادها بالكامل من خلال اندماجها في الجيش الأوكراني.

وتضيف "سي أن أن"، أن كتيبة آزوف ارتبطت بالعنصريين البيض والأيديولوجية النازية الجديدة وشاراتها، وكانت نشطة بشكل خاص في ماريوبول والمناطق المحيطة في عامي 2014 و2015، حيث سجلت فرق المراسلين التابعة للشبكة الأميركية في المنطقة، في ذلك الوقت، تبني "آزوف" لشعارات وأدوات النازيين الجدد.

وقد دعت وزارة الدفاع الروسية، كتائب (آزوف) الأوكرانية في ماريوبول إلى إلقاء السلاح والاستسلام وفق نظام تهدئة، وأنه بالنظر إلى الوضع الكارثي في مصنع آزوف ستال للمعادن، بالإضافة إلى الاسترشاد بالمبادئ الإنسانية البحتة، تدعو القوات المسلحة الروسية مرة أخرى مقاتلي الكتائب القومية والمرتزقة الأجانب من الساعة 12:00 بتوقيت موسكو وقف أي أعمال عدائية والاستسلام وإلقاء أسلحتهم، ونشرت الوزارة، بحسب شبكة (روسيا اليوم) الإخبارية، آلية تنفيذ خروج المسلحين، تتضمن إنشاء اتصال مستمر بين الجانبين الروسي والأوكراني من أجل تبادل المعلومات وإعلان "نظام تهدئة " بين مقاتلي الكتائب والمرتزقة الأجانب وبين القوات المسلحة الروسية وقوات دونيتسك الشعبية والتقيد الصارم من كلا الطرفين.

وأضاف البيان: "ندعو مجددا السلطات الرسمية في كييف إلى التحلي بالحكمة وإعطاء التعليمات المناسبة للمسلحين حول وقف المقاومة العبثية والخروج، ونحث هؤلاء المسلحين على اتخاذ مثل هذا القرار بأنفسهم وإلقاء أسلحتهم".

يأتي ذلك مع بدء عملية من قبل القوات الروسية لاقتحام مصنع آزوف ستال بماريوبول، حيث تتحصن بداخله كتائب أزوف وغيرهم من المسلحين، وعلى صعيد متصل، أعلن المتحدث باسم الشرطة الشعبية في إقليم (دونيتسك) إدوارد باسورين بدء اقتحام مصنع أزوف ستال للمعادن في مدينة ماريوبول .

وبالنسبة لبوتين، الذي زعم أن حكومة أوكرانيا يديرها "مدمنون على المخدرات ونازيون جدد"، فإن "آزوف" تمثل هدفاً واضحاً. وطالما قالت موسكو إن للكتيبة دوراً كبيراً في الصراع، متهمة إياها بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان. وفي 7 مارس الماضي، ألقى سفير روسيا لدى الأمم المتحدة باللوم على "آزوف" لإغلاق ممر إنساني لإجلاء المدنيين في مدينة ماريوبول الساحلية المحاصرة، قائلاً إنهم يستخدمون "المواطنين دروعاً بشرية".

ومع إنزال الستار على معركة ماريوبول، باستثناء المصنع المحاصر، وهو مجرد تفصيل ومسألة استسلام الداخل هو نتيجة مفروضة، وستستمر المرحلة الثانية من هذه الحرب نحو تحرير جميع مناطق دونباس في جمهوريتي لوغانسك ودونيتسك، ثم تنتقل إلى المرحلة الثالثة لتحقيق الأهداف السياسية للعملية، وهو اقتلاع النازيين الجدد من الجيش والقوة الأوكرانيين، وضمان عدم انضمام كييف إلى الناتو وضمان حيادها بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، كما تطالب موسكو.

إن استكمال معركة ماريوبول يعطي بلا شك القوات الروسية وقواتها المتحالفة في دونيتسك ولوهانسك دفعة أخلاقية قوية نحو استكمال مهمتها بالكامل في أوكرانيا، بالإضافة إلى أن ماريوبول يفتح الطريق. لطريق بري يربط روسيا بدونيتسك، وصولاً إلى شبه الجزيرة. القرم وهذا يوفر فرصة للسيطرة الروسية الكاملة والنهائية على بحر آزوف، الذي له أهمية تجارية وعسكرية قصوى.

علاوة على أن السيطرة على ماريوبول قد تكون أهم حدث لروسيا خلال هذه الحرب، التي استمرت أكثر مما يفترض، بالنظر إلى عدم التناسق العسكري بين موسكو وكييف. وهكذا، من خلال هذه الخطوة، ستكون روسيا قد حققت هدف عزل أوكرانيا عن البحر الأسود والسيطرة على معظم الموانئ، وربط شبه جزيرة القرم بماريوبول، ومن ثم تموضع نفسها للسيطرة على منطقة دونباس ككل. لذلك، فإن السيطرة على ماريوبول هي أحد أهم أهداف روسيا على المستوى التشغيلي في أوكرانيا.

وروسيا بلا شك ستعمل بالطبع على تسويق سيطرتها على المدينة على أنه إنجاز كبير ومهم للغاية، والقول إن طول الحرب لم يكن تعبيرا عن تعثر روسي أو تردد في الأوكرانية. وأن موسكو الآن تجني ثمار حربها وهذا ما تحرص على تأكيده في اليوم السابق وهو التاسع من مايو المقبل، المتعلق بانتصارها في الحرب العالمية الثانية، وهذا يقودنا إلى استنتاج أن روسيا بحاجة إلى تسويق مكثف من أجل سيطرتها على ماريوبول والمبالغة في دلالاتها، تعويضًا عن الحرب التي طال أمدها لأننا على وشك الوصول إليها خلال الشهر الثالث.

***

د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..........................

المراجع:

1- أنظر مقال بعنوان: لغز “قلعة” آزوفستال.. لماذا أحجم “الدب الروسي” عن اقتحامها؟، أنستا عربي، الجمعة, أبريل 29 2022.

2- قلعة الرعب في باطن الأرض.. لماذا أمر بوتين عدم اقتحامها أو قصفها؟ ومن هي كتيبة أزوف التي تتحصن بها؟!، يوتيوب.

3- انجي مجدي: ما هي كتيبة "آزوف" ذات الشعار النازي الذي أحرج الناتو؟، الاندبندنت عربي، الجمعة 8 أبريل 2022 16:37

4- أ.ش.أ: الدفاع الروسية تدعو المسلحين بمصنع "أزوف" فى ماريوبول إلى إلقاء أسلحتهمن، اليوم السابع، الثلاثاء، 19 أبريل 2022 01:12 م.

 

عبد الجبار العبيديحفل عصر الرسالة المحمدية بالكُتا ب والمؤرخين المخلصين الذين نقلوا لنا كل خبر بأمانة وصدق المؤمنين من أمثال أبان بن عثمان بن عثمان (ت 95) وهو محدث وكاتب ومؤرخ في المغازي نقل عنه كل صحيح.ويليه عروة بن الزبير (ت94) وهو فقيه ومحدث ومؤرخ ويعتبر من مؤسسي دراسة المغازي، يمتاز بأسلوبه البسيط البعيد عن الانشائية، نظرته واقعية وصريحة وخالية من المبالغات المعروفة عند بعض المؤرخين.ويليه الزهري (ت 124) ويعتبر من طراز المؤرخين الآول لكتاباته الموثقة في روايات المدينة وأحاديثها ويعتبر شاهدا حياً على ما كتب. ان ما كتبه الثلاثة تظهر أهمية التجارب التاريخية التي مرت بها الامة.

ويلي هؤلاء من عمالقة مدرسة المدينة التاريخية هو موسى بن عقبة (ت141)  وقد استفاد من كتابات استاذه الزهري بالاضافة الى الوثائق والروايات الشفهية، لكن ابن اسحاق (ت 151ه) مثلَ الخطوط الجديدة في التطور افي الكتابات التاريخية .وقد وصلنا من ابن اسحاق اقدم سيرة نبوية تكاد تكون محفوظة ومتكاملة، وقد تالفت من ثلاث مباحث هي المبتدأ ما بين التكوين والمبعث، والمبعث لرسول الله (ص) والمغازي. وقد حاول ابن هشام تحريفها عن مسارها الصحيح بدوافع شخصية وسياسية لكنه فشل في ذلك .

وهناك من مدرسة العراق التاريخية التي ضمت جملة من المؤرخين، نبدأ بأبي محنف (ت157هجرية) وهو اخباري كوفي الاصل، له من المؤلفات ما تجاوزت الثلاثين في الردة والفتوح والخوارج والامويين.

استخدم اسلوب الاسناد في ذكر الروايات لكنه كان متسامحا في بعضها دون تدقيق.. كان منحازا لبلده العراق تجاه الشام، واميل للعلويين دون الامويين، وهنا يفقد صفة الاعتدال في نقل الخبر التاريخي، لكن المؤرخين يعدونه غير متحيز بمعنى الكلمة.

ومن مؤرخي العراق عوانة بن الحكم (ت180هجرية) ، متخصص في روايات الشعر والانساب حتى عدوه نساباً.ومن يرغب في معرفة تنازل الامام الحسن بالخلافة لمعاوية يجده في كتابه (كتاب التاريخ) . ويوصف بالاعتدال في نقل الخبر التاريخي.

ومنهم سيف بن عمر (ت180ه) . رواياته معتمدة من قبل الطبري لكنه ركيك ينقل دون سند.واغلب رواياته تميمية الاصول.

ويليه نصر بمن مزاحم (ت212ه) وهو كوفي شيعي النزعة والميول واحسن من كتب عن مقتل حجر بن عدي ورفاقه المناهضين للدولة الاموية.ويوصف بالمؤرخ الذي يعطي نبض الحياة والحيوية للحوادث التاريخية.

لكن المدائني (225ه) يمثل اعلى درجة من اسلافه في البحث والدقة. وفي رواياته الكثير من روايات البصرة وفتوح خراسان وبلاد ما وراء النهر.لكن الذي يميزه هي الدقة في كتابة النص وسند الرواية .

ولمدرسة التاريخ في العراق جذورها العميقة على عهد المؤرخين الاوائل امثال الزهري وابن الكلبي وعوانة بن الحكم واليعقوبي والبلاذري وابن قتيبة وغيرهم، وقد انصب اهتمامهم على العناية بشئون الامة وفكرة الدولة وترابط المصير العربي المشترك، وهي مبادرات سبقت التصور القومي بازمان بعيدة. لكن اهميتها الأكبر انها خرجت من العراق.

كما كان اهتمامهم في فكرة الحوار بين الجبرية كما روجها الامويون وفكرة حرية الارادة كما تراها الاحزاب المعارضة .وكان للصراع بين الشعوبية والتيارات العربية مكانا كبيرا في ذلك التاريخ، كما كان للتفاخر بالانساب وضمن القبيلة الواحدة، فلغة الحوار هي الاخرى خرجت منهم.

لكن احسن ما يميز كتاباتهم في فكرة الاستمرار الثقافي بمفهوم الوحدة الثقافية في تاريخ العرب، ورغم ابتعاد الغالبية عن الميول السياسية، لكن بعضهم كان له نصيب فيها كما في هشام بن الكلبي الذي كانت ميوله علوية واضحة. واهتماماته السياسية بينة بما كان يجري بين العلويين والامويين.

ولن تتخلف المدرسة التاريخية العراقية عن وحدة خبر الامة واتصالها ببعضها البعض والنظرة العالمية للتاريخ وقد ظهرت هذا الاتجاه عند البلاذري في كتابه الفتوح.الذي تكلم عن كل الاصقاع بلغة الاعتدال دون تمييز.

ان ظهور هؤلاء المؤرخين كان بداية لنهاية عهد الاخباريين وبداية ظهور خطوط علم التاريخ عند العراقيين، بعد ان تم تركيز الافكار التاريخية في المدرسة العراقية.

فالمدرسة العراقية لم تكن مدرسة اخبارية عادية، بل كانت مدرسة منهجية تعد لمستقبل التاريخ والمؤرخين، حياتهم، كتاباتهم، مناهجهم، تريدها ان تكون وفق وحدة الهدف للامة الواحدة، فهل اقتفى مؤرخونا اليوم على هديهم ؟

ولو عدنا لمؤرخينا اليوم فهل احتضنوا التاريخ كتابة ومنهجاً على ما بدأت به المدرسة التاريخية العراقية القديمة؟ سؤال بحاجة الى تحقيق؟

فمؤرخينا الكبار الذين أحتضنوا تاريخ الوطن، من امثال عبد الرزاق الحسني وجواد علي وعبد العزيز الدوري وطه باقر وكمال مظهر احمد وفوزي رشيد وحسين امين وفيصل السامر واحمد صالح العلي وسامي سعيد الاحمد وعبد الامير محمد امين وناجي معروف وعبد الجبار الجومرد ومحمود شيت خطاب وكامل مصطفى الشيبي ومحمد باقر الصدرو[جعفر آل ياسين وبدري محمد الفهد وعماد عبد السلام  وعبد الله الفياض وعبد الحسين مهدي الرحيم ومحمد حسين الزبيدي ونبيلة عبدالمنعم داود وعباس عطية وخليل شاكر الزبيدي وجهادية القره غولي وغيرهم كثير .في غالبيتهم كانوا منهم رغم التباين في درجة الالتزام.

ان الذين كتبوا ودونوا اراؤهم في التاريخ الحديث يقف في مقدمتهم الدكتور عبد الرزاق الحسني في سفره الكبير الثبت (تاريخ الوزارات العراقية) والثورة العراقية الكبرى ولم يكتب المؤرخون الا بدوافع قومية ووطنية، حين غابت عن فكره الطائفية والعرقية والنرجسية.ويليهم الدكتور كمل مظهر احمد وطه باقر .

نحن ندعوا كل المؤرخين العراقيين اليوم لينبروا تحت راية الحق والعدل ومصلحة الوطن ليكتبوا تقييماً محايدا عن الفترة العراقية من 1958- 2003 وما بعدها وما حل بالعراقيين من خيانات وطنية ومآسي اجتماعية، لتتصفح الاجيال تاريخ العراق الذي مرغ بالوحل من الغرباء واهل الوطن وحتى نتعرف على المنهج الصحيح الذي يجب ان يكتب بلا طائفية او عنصرية او محاصصة وظيفية يغيضة كبل فيها الوطن من جراء تثبيت المصالح الشخصية واستبعاد المصلحة الوطنية.

نحن اليوم نطالب بانتخابات جديدة لأتحاد المؤرخين العراقيين لعل الاتحاد يحضى بشرعية التمثيل، وان لا يبقى عصا غليضة يتعكز عليها الاخرون..في وقت سادت الطائفية والمذهبية وعنصرية التدوين في عراقنا الحبيب كما سادت في القرن الربع والخامس الهجريين ..والتي ولدت لدينا نكبة السنين.

ان العراق والعراقيين اليوم تعاد عليهم نكبة كربلاء الجديدة، فما ينبغي عليهم ان يحزنوا ويلطموا على الحسين الذي استشهد قبل 1450 سنة وان يعزلوا باسم كربلائي مدمر عقول الشباب بتخريفات المعممين، بل على الف حسين جديد قتل غدرا في شوارع العراق من المفكرين والعلماء، ان يحزنوا ويلطموا على مليون طفل مشرد من الابوين، ان يحزنوا ويلطموا على ملايين النساء المرملات بلا من يحميهن من عاديات الزمن، ان يحزنوا ويلطموا على علمائهم واطبائهم ومفكريهم وضباطهم الذين قتلوا دون سبب وبتدمير من جيش هولاكو الجديد، ان يحزنوا ويلطموا على الاعراض المنتهكة في شوارع عمان ودمشق ودبي والعالم وهي تباع دون رقيب، ان يحزنوا على اموالهم المهدورة عند زنادقة السرقات والتهريب المتسكعين في شوارع عمان ودبي ولندن، ان يحزنوا على  دجلة والفرا ت التي لوثت مياههما بالسموم،  ان يلطموا ويحزنوا على الوطن الذي يباع اليوم في سوق النخاسة بالجملة ، وعلى القضاء الفاسد الذي يترأسه المزورون ..ان يحزنوا على شهداء شبان تشرين الابرار الذي قتلتهم يد الاشرار ولا من يسأل عنهم، ان يحزنوا على المال المهدور في شركات الحماية الوهمية، ان يحزنوا على سفاراتنا المستلمة بيد الضعفاء والمتخلفين والنهابة الذين بيعت فيها وثائق الوطن .

هل سيحزنون على بلدهم الذي اصبح ملكا للاخرين من الغرباء، والذي تنمروا عليه حتى جرابيع العرب، فهل سيتجه العراقيون الى مصيبة الحسين الجديدة ليجعلوا من مصيبة الحسين القديمة تاريخاً لهم؟ ام سيبقون يهرولون وراء السراب واوهام عمائم الدين المزيفة والمخرف الرادود .. ليعرضوا لهم مشاهد مقاتل الحسين الكاذبة في يوم الطف العظيم، وليسخروا الصبية في زناجيلهم وقاماتهم يلطمون، وهم في فجورهم وسرقاتهم يعمهون؟ هؤلاء الذين باعوا الوطن والثوابت الوطنية واليوم يدعون التحرير

من يتبنى مشروعهم الوطني اتحاد المؤرخين الخائب الضالع في انحرافات الزمن ام المؤرخين الذين ايتلاهم الله بالذهب الاصفر فتركوا الله والحسين معاً واتجهوا لحكام الباطل في العصر الجديد؟ والا هل معقولة ان يستبدل محمد باقر الصدر رئيس حزب الدعوة الذي مات الشباب من اجل مبادئه مع زعيمهم ليحكم الدكتاتور السارق للوطن والشعب باسم الدعوويين..؟

هل سيظهر فينا ميرابو الخطيب ليقول لزنادقة العصر الجديد، نحن هنا لن نبرح مكاننا هذا الا على اسنة الحراب؟ هل سيظهر فينا شعب فرنسا الذي تحدى لويس السادس عشر وماري انطوانيت عندما طالبها الشعب بالخبز فردت عيهم فليأكلوا البسكت، لكن الشعب اصر ونفذ حتى ذهب بهما الى مقصلة باريس الشهيرة.فهل التاريخ يعيد نفسه اليوم مع كل من نسى الله والقسم والامانة والضمير؟ ليذهب بهم الى مقصلة الكاظمية مرة اخرى؟نحن لمنتظرون؟

لقد علمنا التاريخ ان الف هولاكو ظهر ..لكن خيول العراق وفرسانها سحقت كل الهولا كيين..فليتعضوا من يسكنوا الخضراء اليوم هم وجيوشهم المرتزقة ذيول الأخرين..فهذه المرة سيكون سحقهم ابديا بلا عودة ولا مناصرين..

***

د.عبد الجبار العبيدي 

 

أتظن أنك عندما احرقتني

ورقصت كالشيطان فوق رفاتي

أتظن أنك طمست هويتي

ومحوت تاريخي ومعتقداتي

عبثا تحاول ...لا فناء ثائر

أنا كالقيامة ذات يوم آت

أنا مثل عيسى عائدو بقوة

من كل عاصفة آلم شتاتي

للشاعر مهذل الصقور

***

 فلسطين كانت دولة عربية احتلت كباقي الدول العربية من قبل الاحتلال العثماني، وبقيت لفترة طويلة تحت الحكم العثماني، لحين انهزام الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى عام 1914، وقعت فلسطين بيد الاحتلال الإنكليزي، وجرى تغير على كيان دولة فلسطين، هذه الدولة التي كان يعيش فيها العرب المسلمين والمسحيين واليهود، أي انها كانت فسيفساء لأصحاب الديانات الثلاث، وكلهم يعشون كمواطنين تحت الاحتلال الإنكليزي، والتاريخ يحدثنا نقلا عن الباحث فاضل الربيعي عن

اليهود اصلهم من اليمن وليسوا من فلسطين، واليهود لم يعيشوا في فلسطين ولا يوم واحد بل آتوها بعد السبي البابلي الذي جرى في نجران باليمن القديم وكانت كل حياتهم باليمن، والتورات والتورات نزلت في اليمن وأنبياؤهم وملوكهم وهيكل سليمان كان موجودا على جبل الهيكل بين تعز وعدن وخربة الرومان ومازال جبل الهيكل باليمن يحمل هذا  الأسم  الان . انتهى الاقتباس من كتاب (إسرائيل المتخيلة)

وهذا ما اردت ان يتعرف القارئ على الحقائق التاريخية التي تفند أكاذيب الصهاينة بدعائهم ان فلسطين هي ارضهم ولهم الحق فيها . وعندما جاء وعد بلفور البريطاني وزير الخارجية برسالة في تشرين ثاني عام 1917 موجه الى روتشيلد واحد ابرز وجه في المجتمع اليهودي البريطاني بمنح اليهود ارض فلسطين وإقامة دولتهم فيها،و شجعت الرسالة يهود الدول الاوربية على الهجرة إلى فلسطين،وفعلا تمت الهجرة بعد انهزمت الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى وجرى تقاسم بلدان السرق الأوسط بين الدولتين الاستعماريتين فرنسا وبريطانيا، وكانت دولة فلسطين من نصيب الاحتلال البريطاني لها وبقيت فلسطين تحت الاحتلال البريطاني، والبريطانيين كانوا يستغلوا ثروات البلد في كل المجالات لصالحهم، وبعد الحرب العالمية الثانية وانتصار أرادة الشعوب في التحرر من النازية المانية والفاشية الإيطالية، ولقد لعب الجيش الأحمر في الاتحاد السوفيتي دورا في تقدم قواته بعد طردها من الأرض السوفيتية، وكان هذ النصر بفضل القيادة الحكيمة بقيادة يوسف ستالين ورفاقه من الجنرالات السوفيتية، وقد كلف هذا النصر 30مليون ممن قتلوا نتيجة هذه الحرب الضروس، في عام 1947 أصدرت الجمعية العامة لهيئة الأمم قرار برقم 181و بتاريخ 29 نوفمبر من العام بعد التصويت خطة تقسيم فلسطين وإنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين وقد حاز هذا القرار على 33 صوت مع و13 ضد و10 ممن امتنعوا على التصويت، وكان القرار يقضي بتقسيم فلسطين الى ثلاث كيانات 1-دولة عربية 2-دولة يهودية 3- القدس وبيت لحم والأراضي المجاورة تحت وصاية دولية، وكانت هذه البداية في تكثيف الهجرة وتسليح المستوطنين وطرد عرب فلسطين من مدنهم وقراهم، وبذلك نجحت بريطانيا بزرع دولة الكيان في المنطقة، وفي عام 1948 بدء الحرب العربية  الإسرائلية بين الجيوش العربية ومسلحي الهكانة الصهاينة  في حرب من أجل طرد المستوطنين وعودة الأراضي العربية إلى أصحبها العرب من المسلمين والمسيحين، وفعلا تقدموا في المعارك وكما هو معروف في معركة جنين التي قادها عمر علي ورفاقه من الحيش العراقي وتشهد مقبرة جنين على رفاة شهداء الجيش العراقي، وكذلك الجيش الأردني والمصري وكل الجيوش العربية ولكن خيانة حكام العرب وبتأثير من المستعمرين لهذه البلدان، أصدروا قرار بالتوقف عن التقدم والانسحاب الى بلدانهم، هذه الخيانة فوت الفرصة امام الجيوش العربية في التحرير، وبعدها شكل الصهاينة ما يسمى بجيش ( الدفاع الإسرائيلي ) وسلحه الغرب الامبريالي،  البريطاني والفرنسي ولأمريكي، وأصبحت دولة الكيان تملك السلاح النووي ومصانع ديمومة خير مثال وأصبحت القوى الوحيدة النوية في المشرق، وأصبحت قوى ضاربة في المنطقة كما شاركت في العدواني الثلاثي على مصر في أزمة قناة السويس عام 1956، وبعدها شنت العدوان على مصر عام 1967 دمرت سلاح الجو المصري في المطارات وشلت حركت جيشه وأصبح بدون غطاء، لولا المساعدات السوفيتية بمده بالسلاح، وبعد ذلك وضحت خيانات في القوات المسلحة المصرية، والجيش المصري يتمتع بجهوزية عالية وشجاعة كما في معركة عبور السويس وتحرير الأراضي التي احتلت، وهنا يجب ان نذكر وبفخر عندما تنادى المخلصون الوطنيون من أبناء فلسطين بتشكيل المقاومة المسلحة، بعنوان (حركة التحرر الوطني الفلسطيني ) فتح وتبعتها فصائل أخرى بتشكيلات مسلحة منها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة  ومنها انشقت الى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية وجبهة التحرير الفلسطينية، انبثقت جبهات آخرى كجبهة النضال الشعبي الفلسطيني وجبهة التحرير العربية وقوات الصاعقة، قوات الأنصار،و ظهرت الحركات الإسلامية المسلحة مثل حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وكذلك حركة الجهاد السلامي في فلسطين وأنحتهم المسلحة سرايا القدس،و كتائب القسام، هذه الجبهات حركة الشارع الفلسطيني واستنهضت الهمم لديه من اجل تحرير ارضه وعودته الى وطنه فلسطين، قامت بعمليات فدائية مستخدمة كل السبل من أجل وقف الاستيطان وتحرير الأرض، ومنها عمليات الطيران الشراعي، وخطف الطائرات، وعمليات استشهادية داخل الأرض المحتلة، وفي الداخل الفلسطيني قامت التظاهرات والاعتصامات ضد العدو ومنها انتفاضة الحجارة وتطورت إلى الطعن للمستوطنين ولجيش الاحتلال حتى أصبحوا يستخدمون السلاح للدفاع عن الأرض والعرض، والعمليات هي الرد السريع على بعض البلدان العربية التي تعمل على التطبيع مع الكيان الصهيوني، الشعوب العربية لم تطبع مع هذا الكيان الصهيوني، وتخرج التظاهرات المستنكرة للتطبيع والداعمة لحق الشعب العربي الفلسطيني، ومن خلال دراسة واقع المجتمع الاسرائيلي اليوم تجد الخوف لدى مواطنيه واضح من خلال تساقط الصواريخ من غزة ومن جنوب لبنان على الجليل ووصولها للعمق الأسرائيلي،مما يدعوا الى التفكير بالعودة الى موطنهم من حيث أتوا، وأمريكا اليوم لا يمكن لها تبني الكيان من الناحية الاقتصادية بسبب المديونية العالية، ومن هنا استنتج ان الكيان الصهيوني زائل لا مجال والاغلب لم يتسنى له الاحتفال بذكرى المئوية، وان النصر ات لا محال وسوف ينتهي اخر كيان استيطاني بعد الجزائر رحلوا المستوطنين الفرنسين، وكذلك جنوب افريقيا رحلوا المستوطنين البيض .                                             

***

محمد جواد فارس - طبيب وكاتب 

رَسَّخَ الاِعلامُ الفلسطينيُّ والعربيُّ تَوصِيفَهُ لقَضِيَّةِ القُدْسِ وفلسطينَ بأَنَّها قَضِيَّةٌ فلَسْطِينِيَّةٌ، وهذِهِ هيَ الدائِرَةُ الأُولى من دَوائِرِ قضِيَّةِ فِلَسطينَ، وهي ليستْ الدائرةُ الأخيرةُ والحَصْرِيَّةُ لقضيَّةِ فلسطين، فهناكَ دَوائِرُ أُخرى. صحيحٌ أَنَّ شَعْبَ فلسطين هوَ رأسُ الحربةِ في هذا الصراع الوجوديِّ المُقَدّسِ. والدائِرَةُ الأُخرى التي رَسَّخَها الأِعلامُ العربيُّ في عقلِ المُواطِنِ العَرَبِيِّ، هي كونُ قَضِيَّةِ فِلَسْطِينَ قَضِيَّةٌ عربِيَّةٌ حصراً، لايحقُ لِأَيٍ كان من غير العربِ التعاطي معها. ولكنَّ كونَ قَضِيَّةِ فلسطينَ قضِيَّةٌ عربيَّةٌ لايعني حَصْرَها في هذا الاطار.

 الامامُ الخميني " رحمهُ اللهُ تعالى" في اعلانِهِ ليومِ القُدسِ في السابع من آب عام 1979، وفي الجُمُعَةِ الأَخيرةِ من شَهرِ رَمضانَ المبارك، أعطى لقضيةِ فلسطينَ والقدس عمقهما الجماهيري والشعبي، وَطَرَحَ للقضيَّةِ دائرتينِ أُخريينِ هما الدائرةُ الاسلاميَّةُ والدائرةُ الانسانيَّةُ،فالقُدسُ في الدائرة الاسلاميّةِ هي مسرى النبي (ص) ومعراجهُ وقبلةُ المسلمينَ الأُولى، وثالثُ الحَرَمينِ الشَّريفينِ. وَضْعُ القُدسِ في الدائرة الاسلاميَّةِ يمنحُها عمقاً اسلاميّاً شعبياً لما يقارب من ملياري مسلم. وكون اعلان يوم القدس في شهرِ رمضانَ المقدس وفي جمعةٍ مقدَّسَةٍ، وهي الجمعة الأخيرةِ من شهر رمضان يجعلُ القدس المقدسة قدسَ الاقداسِ، وكذلك يعطي قداسةً لهذا الصراعِ، وايضاً وضع قضية القدس في شهر رمضان المبارك يوحي لنا بوجوب الصبر والمصابرةِ في هذا الصراع الطويل ؛ لان شهر رمضان يعلمنا الصبر والكفاح، فالمسلمون واجهوا العدو وانتصروا عليه في معركةِ بدر الكبرى والتي كانت معركةً فاصِلَةً.وكذلك الامامُ الخمينيُّ في اعلانهِ ليوم القدس تحدث عن الدائِرَةِ الرابعة وهي الدائرة الانسانيّة فقد جاء في اعلانهِ : " يومُ القدسِ هوَ يومُ المُسْتَضعَفينَ في مُواجَهَةِ المُستَكبرين ". والثورة الاسلامية في ايران لم تتخل عن فلسطين والقدس رغم كل الضغوط التي واجهتها، لان يوم القدسِ لديها هو التزامٌ رساليٌّ ومبدئيٌّ ولس مجرد شعارات ترفع. وتأتي أهَميّةُ يومِ القُدسِ في زمن التطبيع والانكساراتِ العربيّة، ففي الدائرة الفلسطينيّةِ هناك اوسلو وفي الدائرة العربيّة هناكَ تطبيعٌ وتخلي عن كل الالتزامات تجاه فلسطين والقدس. طبعاً الذين فاوضوا هم بعض القادة الفلسطينيين وليس الشعب الفلسطيني الذي يكافح في الضَّفَةِ وغَزَّةَ وجنين والقدس، والذين طَبَّعُوا هم بعض الانطمةِ العربيَّةِ. ايران التي يعتبرونها دولة غير عربيَّةٍ ملتزمةٌ بالقضيَّةِ الفلسطينيّة رغم مواجهتها لكل الضُغوطِ والتحدياتِ، بعضُ العربُ سقطوا في اختبارِ فلسطينَ، وبموجب سُنَّةِ الاستبدالِ القُرآنِيَّةِ لابدَّ ان يستبدلوا بغيرهم، يقولُ الله تعالى :

(وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم ). محمد: الاية:(38).

 وخلاصةُ الكلامِ وضعُ القضيَّةِ الفلسطينيَّةِ في الدائرتينِ الفلسطينيّة والعربية تحجيمٌ للقضيَّةِ وعزلها عن محيطها الاسلامي والعالمي. اما وضعها في الدائرتين الاسلامية والانسانية يمنحها عمقها الاسلامي والانسانيِّ.

***

زعيم الخيرالله 

كريم المظفرأطلق الغرب هذه الأيام، وعلى أعلى المستويات، وعبر الحدود وبطريقة تحويلية، آليات لطروحات جديدة في الفضاء العام، وبقدر ما هي بدائية للغاية، ولكنها في ذات الوقت فضيعة للغاية، فمثلا يرددون " الروس يهددون بحرب نووية، أو الروس يهزون الهراوة النووية "، والسؤال هو كما قدمته المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، هل من الضروري القول أن هذه الأطروحة خاطئة تماما، وخاطئة للغاية؟ ويبدو أنه من الضروري القول انها خاطئة تماما، لكنهم يفرضونها، لأنها تؤثر على مخاوف البشرية الأساسية: سواء على تجربة الجيل الأكبر سناً، الذي توقع طوال النصف الثاني من القرن العشرين الحرب العالمية الثالثة ضد الشيوعية العالمية، وعلى الشباب الغربي، والشباب الغربي، الذين توصلت حكوماتهم إلى آلية جديدة للعمل معها - "ثقافة الإلغاء" (هذه المرة لكل شيء روسي) .

علاوة على ذلك، فإن الغرب لا يهتم إطلاقا بما تقوله موسكو، فمعاني الكلمات مشوهة ومحرفة بشكل مباشر،لآنه وعلى وجه التحديد، قبل عدة أيام، وفي سياق مقابلة صحفية لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، وفي رده على سؤال وجهه دميتري سايمز، أعلن الوزير حرفيًا " لسنوات عديدة، حتى في ظل إدارة الرئيس ترامب، دافعنا على أعلى المستويات عن تأكيد موسكو وواشنطن على تصريح إم إس جورباتشوف ور. ريغان في عام 1987 بأنه لا يمكن أن يكون هناك رابحون في أي حرب نووية، ولا ينبغي أبدا أن يكون غير مقيد، وتم حث فريق ترامب على إعادة إنتاج هذا البيان المهم " لشعوبنا والعالم أجمع "ولسوء الحظ، لم يكن من الممكن إثبات للزملاء ضرورة هذه الخطوة، " وتوصلنا إلى اتفاق مع إدارة جورج بايدن بسرعة"، وفي يونيو 2021، وخلال القمة في جنيف، أدلى رئيسنا ببيان، في يناير من هذا العام، وقد تم تنفيذ مبادرة أخرى في هذا الاتجاه، وفيما يتعلق بالبداية المزمعة للمؤتمر الاستعراضي لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، تبنى الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بيانًا من نفس المحتوى، ووقع الزعماء الخمسة على بيان عدم جواز شن حرب نووية، وهذا هو موقفنا المبدئي، نبدأ منه، والآن المخاطر كبيرة جدا، ولا أريد تضخيمها بشكل مصطنع، فهناك الكثير ممن يرغبون، والخطر جسيم وحقيقي ".

والمهم في هذا الكلام، هو ان روسيا، كانت قد اقنعت وبصعوبة بالغة، الولايات المتحدة وخلال مفاوضات مطولة بإعادة تأكيد صيغة غورباتشوف - ريغان، بأنه لا يمكن أن يكون هناك رابحون في حرب نووية ولا ينبغي إطلاقها مطلقًا، وكانت روسيا هي التي أقنعت " الدول النووية الخمسة" بتبني بيان من نفس المضمون، وان هناك مخاطر، لا ينبغي تضخيمها، لكن لا ينبغي الاستهانة بها أيضًا.

وقد فعلت روسيا كل ما في وسعها لمنع نشوب حرب نووية، وسخرت كل امكانياتها لمنع وقوع حرب نووية، وخلق كل العقبات اللازمة في الطريق إلى مثل هذا السيناريو (وبرروا لأنفسهم في الحرب الباردة ويعملون الآن)، ولأن روسيا وكما يقول الوزير لافروف، تتفهم المخاطر والتهديدات الحقيقية التي يشكلها سلوك غير مسؤول في هذا المجال، لا يمكنها أن تتسامح مع فكرة الحرب النووية ذاتها.

ويقوم المسؤولون الغربيون، في أسوأ تقليد للمعلومات المضللة، بتغذية وسائل الإعلام، ويقومون بذلك بطريقة منسقة، بأخبار كاذبة حول التهديدات النووية لموسكو، وبدأت وزارات خارجية دول الناتو بكل الطرق في إقناع سكان دولهم بأن الروس "يقعقون بأسلحتهم"، وفي الأول ألقت وسائل الإعلام بسؤال لوزير الدفاع الأمريكي ل. أوستن في ألمانيا وقالت إن "الروس يهددون بالقنبلة"، ثم تحدث مدير وكالة المخابرات المركزية دبليو بيرنز حول نفس الموضوع في أتلانتا، وفي الوقت نفسه، وفي موازاة ذلك، تم سحب المتقاعدين من تحت مكعبات النفتالين، بما في ذلك وزير الطاقة الأمريكي الأسبق، إي مونيز من أجل مواصلة ضخ خطاب "التهديد الذري الروسي"، وكل ذلك كان تحضيرا قبل وصف المتحدث باسم الخارجية الأمريكية نيد برايس خلال الإحاطة الإعلامية، كلام الوزير الروسي بـ "التفاخر" وفي نفس الوقت، للمفارقة، بـ "التصعيد النووي المحتمل".

وهنا يلاحظ كيف تم تأطيرها (كلمات الوزير لافروف) بشكل أخرق من حيث العمل الإعلامي، أولاً، كرر الصحفي جميع الاقتباسات المخصصة ضد روسيا، ثم ذكرها نيد برايس مرة أخرى، بأداء مصمم لجمهور غير متطور للغاية، ولم ير أحد من المناسب الالتفات إلى ما قاله وزير الخارجية الروسي عن المخاطر ومحاولات روسيا لمنع ما لا يمكن تصوره، والذي لا يمكن تصوره بالنسبة لروسيا أيضا، ولكن، مع استذكار مصير هيروشيما وناغازاكي، للأسف فهو ممكن وكما يقول الروس " لزملائنا " عبر المحيط.

روسيا التي لا تخفي من أن مخاطر نشوب حرب نووية "كبيرة للغاية"، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن روسيا ملتزمة بفرضية عدم جواز شن حرب نووية، وإن مخاطر الحرب النووية كما يؤكدها أيضا رئيس الدبلوماسية الروسية كبيرة للغاية الآن، ولا ينبغي التقليل من أهمية هذا الخطر، وقال "المخاطر كبيرة جدًا جدًا، ولا أرغب حقًا في تضخيم هذه المخاطر بشكل مصطنع، وهناك الكثير ممن يريدون ذلك، وان الخطر جسيم وحقيقي ولا يمكن الاستهانة به".

ومع تفهم روسيا لهذه المخاطر، فإنها تشدد في الوقت نفسه على انه لا ينبغي بأي حال من الأحوال السماح بحرب عالمية ثالثة، ففي هذا السياق هم (الغرب) يفكرون في استفزاز مستمر لزيلينسكي وفريقه، الذين يطالبون تقريبًا بإدخال قوات الناتو لحماية الحكومة الأوكرانية، والجميع يرددون دائمًا بأنه سيعطونه الأسلحة - والتي، بالطبع، تضيف أيضًا الوقود إلى النار – (على الرغم من ان جميع قادة دول الناتو يستبعدون تورط الحلف في صدام مباشر مع روسيا، باستثناء قيادة بولندا)، ويريدون إجبار الأوكرانيين على القتال مع روسيا حتى آخر جندي بشحنات الأسلحة هذه، ويأملون كما يقول الوزير لافروف، في استمرار هذا الصراع لفترة أطول، كي "تعاني روسيا منه أكثر فأكثر "، وإن الدول الغربية تدفع كييف لمواصلة الأعمال العدائية، وإرهاق الجيش الروسي والمجمع الصناعي العسكري الروسي - وهذا " وهم ".

واستكمالا لهذه الحملة، فقد انضمت إلى حملة معالجة الوعي عبر وسائل الإعلام، الصحف البريطانية (ديلي ميل وغيرها) والصحافة الأمريكية التحليلية ذات القيمة العالي والتلفزيون الفرنسي ومجلات والصحف الشعبية الألمانية، وبشكل مخطط بأن موسكو تهدد بحرب نووية عالمية ثالثة، والآن، يتم الحديث عن هذا بالفعل في أوروبا: كوزير الخارجية الفرنسي ج.ي.لودريان الذي تحدث عن كلام الوزير الروسي على أنه "خطاب ترهيب"، والسؤال هنا للوزير الفرنسي، هل قرأ أو رأى على الأقل ما قاله سيرغي لافروف؟ خلال المقابلة التي تمت ترجمتها الى لغات عدة؟ .

المتحدثة باسم الخارجية الروسية أعادت الى أذهان الغرب، بأن بلادها ضد الحرب النووية، وهذا بالضبط ما يؤكده الوزير لافروف، وهذا ما يوجه به دبلوماسييه في أنشطتهم، ولعل المشكلة أن العواصم الغربية قرأت المقابلات كما قدمتها وسائل الإعلام الغربية؟ هذا هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يبررهم، وببساطة، لم يكن من الضروري إيقاف تشغيل المصادر البديلة للمعلومات في حد ذاته، فعندئذٍ كان من الممكن الاستماع إلى تصريحات روسيا على مقربة من الأصل، وليس في تفسير وسائل إعلامهم التي تفعل ذلك وفق "كتيبات الناتو ".

***

بقلم: الدكتور كريم المظفر

 

هاشم نعمةترجمة: د. هاشم نعمة

يعني استعمار جزر الهند الشرقية الهولندية العنف الهيكلي. ولهذا السبب، فإن اعتذار مارك روته (رئيس الوزراء الهولندي الحالي)(1) غير كاف، وفقا  لغويناوان محمد(2).

لا أتذكر التاريخ بدقة. ولكن بالعودة إلى الوراء، أدرك أنه لا بد أنه كان في وقت ما في شباط/ فبراير 1948. كان عمري سبع سنوات. في الليلة السابقة، كنت قد سمعت الراشدين يتحدثون عن شيء أطلقوا عليه اسم "هدنة". والآن أدرك أنهم لا بد أنهم كانوا يتحدثون عن اتفاق رينفيل، الذي كان يهدف إلى وضع حد للصراع المسلح بين مملكة هولندا وجمهورية إندونيسيا.

كان الجانبان يعلمان أن وقف إطلاق النار هذا لا يمكن أن يدوم أبدا. ولكن على الأقل كان الجو سلميا ليوم واحد. على أي حال، لم يكن هناك إطلاق نار في الليلة السابقة. كان هناك شعور عابر بالارتياح. كان الناس مبتهجين، ولكن كان هناك أيضا شعور غريب بعدم الارتياح.

سار الجنود الهولنديون في الشوارع في سيارات جيب مفتوحة وهم يحملون البنادق. في الوقت نفسه، كان سكان مدينتنا يعلقون بالفعل أعلاما حمراء وبيضاء على أبوابهم. حتى أنهم شعروا بالثقة الكافية للالتقاء في مجال مفتوح. ذهبت إلى هناك مع أمي. لم يبد أحد خائفا. في وقت ما، انطلق الناس معا يغنون أغنية "في 17 أغسطس| آب". كانت تلك أغنية ثورية جديدة، لم يعرفها سوى عدد قليل من الناس. ومع ذلك، رأيت امرأة، صديقة أمي والقادمة من منفاها في ديغول، تغني والدموع في عينيها.

سقوط قتلى

ولكن في النهاية، تبين أن اليوم لم يكن سلميا كما بدا لأول وهلة. عندما عدنا من الاحتفال في الميدان في فترة ما بعد الظهر، سمعنا من مدبرة المنزل سامبيات أن جنودا هولنديين يحملون البنادق جاءوا يقتحمون المنزل. بعد إزالة الأعلام الورقية للجمهورية الجديدة من سياجنا، أجبر جندي سامبيات على ابتلاع اثنين منها. ثم غادروا مرة أخرى.

في المساء، أخبرتني أمي أن الجنود الهولنديين أطلقوا النار على أربعة شبان في حقول الأرز في وقت سابق من بعد ظهر ذلك اليوم. ولم يكن هناك قتال. قالت أمي: "لم يكونوا حتى حزبيين". ومنذ ذلك الحين فصاعدا، أخذت كلمة "هدنة" معنى مختلفا تماما في منزلنا.

بعد قرن كامل تقريبا، في عام 2022، أدلى رئيس الوزراء الهولندي مارك روته ببيان نيابة عن حكومته. قال فيه: "عن العنف المنهجي من جانبنا، وهو عنف لم يتم الاعتراف به بالكامل حتى الآن، أقدم اعتذارا عميقا للشعب الإندونيسي نيابة عن الحكومة الهولندية".

أستطيع أن أفهم لماذا قدم هذا الاعتذار، لكنني لا أعرف ما إذا كان الشخص المناسب لتقديمه. ولد روته في عام 1967، بعد أكثر من عشرين عاما من محاولة هويب فان موك، نائب الحاكم العام لجزر الهند الشرقية الهولندية، خنق قيام الجمهورية الجديدة وممارسة العدوان العسكري ضد السكان. لا أعرف ما إذا كان روته لديه فهم جيد لتاريخ إندونيسيا وتعقيده. وهو ينتمي إلى جيل نشأ بعد سنوات من أمر الكابتن ريموند ويسترلينغ، القائد السيئ السمعة للقوات الخاصة (DST) التي تم نشرها ضد الانتفاضة، بتنفيذ الاعدامات السريعة بمئات الإرهابيين(3) في سولاويزي، والذي حاول القيام بانقلاب عسكري آخر ضد الحكومة الإندونيسية في عام 1950.

أفضل أن لا أرى اعتذار روته على أنه سياسة دون ضمير حي، بل باعتباره عملا سياسيا بالوكالة إذا صح التعبير. إنه ذنب بدون ألم. ففي نهاية المطاف، ليس لحكومته أي دور في هذا الفصل البشع من تاريخ هولندا الاستعماري، ويمكنه أن يقول بحق إن تاريخنا المتشابك، مثل غيره من التواريخ، كان بمثابة مسلخا في استعارة غامضة من هيغل ومن يدري بالضبط أين يقع هذا المسلخ.

عيب أساسي

نحن نصنع التاريخ ونخزن الذكريات الجماعية. لكن التأريخ له عيب أساسي: فهو يتطلب استخدام الكلمات والأسماء. وهو يستند إلى افتراض أن هناك اتفاقا عاما على معنى تلك الكلمات والأسماء: "الهولنديون" و "الإندونيسيون" و العنف".

يقوم المؤرخون بربطها معا لصنع قصص وإعطاء معنى لقيمة حرية الإنسان. إنهم يريدون أن يصدقوا أن الكلمات التي يستخدمونها ستؤدي إلى توافق في الآراء بشأن معناها. لكن اللغة معقدة.

تعني كلمة "هولندي" شيئا ما فقط إذا قارنته بشيء "غير هولندي" - وهذا لا حدود له. لن تتمكن أبدا من تحديد ما قد تعنيه كلمتا "الهولندي" و"الإندونيسي" بشكل كامل. لا يمكنك تعريف كلمة من خلال البحث عنها في القاموس أو في ويكيبيديا. كل كلمة تبقى دائما صعبة المنال. الهويات والأسماء والتسميات هي دائما عملية متحركة.

لذلك لا أقول شيئا جديدا عندما أقول إن كلمة "هولندي" في الأربعينيات من القرن الماضي كانت تعني شيئا مختلفا عما عليه في عام 2020. إن العلاقة بين الحكومة الحالية في لاهاي وويسترلينغ -الذي حاول بالمناسبة أن يصبح مغني أوبرا بعد تركه الجيش -هي تجريد كامل.

سألني أستاذ في جامعة ليدن(4) كان يعرف أن الحكم الاستعماري قد أرسل والدّي إلى المنفى إلى بابوا في الثلاثينيات وأعدم والدي في عام 1947، سألني ذات مرة: "هل ما زلت تكره الهولنديين؟"

"أنا لا أصدق ذلك"، أجبت مندهشا إلى حد ما.

أجاب: "سألتك لأننا نحن الهولنديين ما زلنا نكره الألمان".

كان الأستاذ شخصا مهذبا جدا. كان من غير المألوف بالنسبة له أن يستخدم كلمة “كراهية” للإشارة إلى الألمان. ولكن كيف يمكنني الحكم على مدى شدة الألم والإذلال والصدمة التي يعيشها المرء في ظل القمع النازي؟

"تجاربنا مختلفة"، أجبت.

التجارب دائما شخصية ومختلفة. كلها تتشكل من عالم محدود وغير دائم. لا أعتقد أن هناك شيئا اسمه "ذاكرة جماعية" يسجل فيها التاريخ بطريقة صحيحة. هذا ينطبق بشكل خاص على ما يمكن وصفه بأنه "عنف شديد" في الماضي. كلما سمعت أشخاصا يجلسون لتقييم ما حدث في الماضي، أسمع بيتا من شعر شيريل أنور يتردد في رأسي: "نحن – الكلاب التي يتم اصطيادها – لا نرى سوى أجزاء من القطعة التي نلعب فيها".

لا عشاء

ومع ذلك، عندما يسألني شخص ما عن رأيي في بيان روته، أقول: "نعم، أنا أؤمن بالمغفرة". على الرغم من طبيعة الاعتذار الهولندي بصفته اختراع مفاهيمي، أتذكر دائما ما فعله مونجينسيدي. قائد حرب العصابات الشاب في ماكاسار الذي سامح الجنود الهولنديين قبل أن يعدموه في 5 سبتمبر/ أيلول 1949.

ولكن ماذا تعني عبارة "العنف الهيكلي المتطرف" في الواقع؟ الثورة ليست حفلة عشاء، كما قال ماو تسي تونغ ذات مرة. إنها تنطوي على الطموح والقتل. ينطبق هذا أيضا على سياسة القمع المعادية للثورة. في التاريخ الحديث للصين والجزائر وإندونيسيا، يمتلك الثوار وأعداؤهم مسالخهم الخاصة بهم. هذا لا يعني أن كل شيء غامض ولا يمكن الحكم عليه.

من الواضح بالنسبة لي ما تعنيه عبارة "العنف الهيكلي": فهي تشير إلى الاستعمار نفسه. الاستعمار مؤسسة شريرة، مبنية على الغطرسة والجشع، تستند إلى "أيديولوجية" استخدمت لتبرير معاملة الإندونيسيين (والعديد من الشعوب الأخرى في أماكن أخرى) على أنهم أقل من البشر وكعبيد لا ينتمون إلى البشر.

ولا أستطيع أبدا أن أغفر ذلك.

***

..................

(1) المترجم

(2) غويناوان محمد هو كاتب إندونيسي ومؤسس مشارك لمجلة تيمبو النقدية.

(3)  هم ثوار يناضلون من أجل نيل استقلال بلدهم، ولكن ينعتون بالإرهابيين من قبل القوى الاستعمارية. (المترجم)

(4) ليدن، جامعة عريقة في هولندا عمرها خمسة قرون تهتم بالدراسات العربية والإسلامية. (المترجم)

الترجمة عن: 25 Maart 2022 NRC Handelsblad

 

عبد الحسين شعبانعشية أعياد الميلاد العام 1979 اجتاحت القوات السوفيتية أفغانستان تحت عنوان "النجدة الأممية" لمساعدة الحليف الشيوعي بعد الإطاحة بحكم الرئيس محمد داود خان الذي سبق له أن انقلب على الملك محمد ظاهر شاه العام 1973، وشهدت كابول في الفترة ما بعد العام 1978 ثلاث إنقلابات عسكرية توالى على دستها "الأخوة الأعداء" باستعارة رواية المبدع اليوناني كازانتزاكيس، حيث احتربت القبائل الماركسية فيما بينها.

وخلّف الغزو السوفيتي أكثر من مليون قتيل من الأفغان وما يزيد عن 5 ملايين لاجئ، ناهيك عن تدمير البنية التحتية والهياكل الإرتكازية. وأعادني الغزو الروسي اليوم إلى أوكرانيا إلى ذات المشهد على الرغم من اختلاف طبيعة النظام السياسي (السوفيتي عن الروسي)، لكن المصالح الاستراتيجية تبقى واحدة بغض النظر عن ذلك.

وإذا كانت الورطة الأفغانية التي وقعت فيها موسكو معروفة النتائج، فهل يمكن التكهّن بمآلات الورطة الأوكرانية؟ ويوم اضطّرت القوات السوفيتية للإنسحاب من أفغانستان، كان ثمّة نظام دولي جديد يتكوّن وهو الذي شهد هزيمة موسكو وحلفائها في حرب عالمية لم تطلق فيها رصاصة واحدة، فماذا ستكون نتائج الغزو الروسي لأوكرانيا؟ فهل ثمّة نظام عالمي جديد في الأفق؟ وأين سيكون موقع روسيا فيه، خصوصاً بصعود دور الصين ومنافستها الإقتصادية للولايات المتحدة؟

في اليوم التالي لدخول القوات السوفيتية إلى أفغانستان ترك بريجينسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي رسالة من سطرين على طاولة الرئيس كارتر مفادها أن الإتحاد السوفيتي أصبح على وشك الوصول إلى "المياه الدافئة" وقصد بذلك الخليج العربي بما يملكه من ثروة نفطية، ومن المؤكد إنه قصد بهذا التعبير الرغبة في توريط موسكو بما يشبه ورطة واشنطن وهزيمتها في الفيتنام وبالتالي إجبارها على دفع التكلفة.

اصطدمت القوات السوفيتية بسكان معادين لها، بل مستعدين لخوض قتال لا حدود له معها، حيث اتجهت مجاميع معارضة من الأيام الأولى لخوض حرب عصابات طويلة الأمد، فما بالك حين حصلت على إمدادات ودعم مالي وعسكري من بلدان مختلفة ومتعارضة، سواء الولايات المتحدة أو الصين، إضافة إلى بلدان إسلامية بما فيها عربية، فضلاً عن دول جوار وفي مقدمتها الباكستان.

كان التقدير السوفيتي أن مهمة القوات المسلحة لا تتعدّى أسابيع قليلة، وهو التقدير ذاته الذي كان يعتقد أن تنتهي فيه عملية اجتياح أوكرانيا، لكن القادة العسكريين أيقنوا أنه لا حل عسكري للأزمة الأفغانية ولا حظوظ للنصر، مثلما هو المأزق الأوكراني، فعلى الرغم من تحطيم الجزء الأكبر من القدرات العسكرية الأوكرانية وتدمير العديد من المنشآت والمرافق الحيوية، إضافة إلى الخسائر في الأرواح، فما زال الحل العسكري بعيد المنال، خصوصاً في ظلّ أوضاع دولية مناوئة للتدخّل الروسي وعقوبات شديدة ومقاومة أوكرانية باستثناء المناطق التي تغلب فيها القومية الروسية وهذه إضافة إلى شبه جزيرة القرم التي تم استعادتها بتدخّل عسكري العام 2014 تشكّل نقاط ارتكاز للجيش الروسي، لكنها تبقى غير كافية حتى بدت روسيا في مطالبها "المشروعة"، برفضها نصب صواريخ على حدودها وانخراط أوكرانيا في حلف الناتو، وكأنها تحارب شعباً بكامله.

في أفغانستان تذرّعت موسكو "إذا لم نبادر نحن بالتصرّف سيبادرون هم" (المقصود واشنطن)، وتجد جزءًا من هذه الذريعة في الأزمة الأوكرانية، وحاول الروس استباق واشنطن قبل أن تكمل خططها، فتوغّلوا نحو كييف.

لقد أصبح السوفييت باجتياحهم أفغانستان رهينة لقوى غير ناضجة وفقدت القدرة على السيطرة، وهكذا وقعت موسكو في الفخ، لدرجة أن سوسولوف وبوناماريوف وهما من كبار المفكرين والمسؤولين الحزبيين اعتبرا أفغانستان دولة اشتراكية جديدة على الطريق. وبعد نحو 10 سنوات تراجعت القوات السوفيتية معترفة بعدم الجدوى بعد أن ذاقت المرارة  بفضل قرار غورباتشوف.

وإذا كانت مواقف الدول تتحدّد طبقاً لمصالحها، لذلك فإن موقف الصين وحتى الهند بالنسبة للأزمة الأوكرانية يختلف تماماً عن موقف واشنطن ولندن، الذي يتمايز عن موقف برلين وباريس، ناهيك عن موقف الإتحاد الأوروبي بشكل عام وبعض دوله مثل بولندا التي استقبلت نحو 4 ملايين لاجئ أوكراني، لكن المثير في الأمر مواقف بعض النخب العربية، فبعضها أصبح أكثر روسية من الروس أنفسهم، بل أخذ يكيل للأوكرانيين على الرغم من تعرّضهم إلى مآسي وويلات ودمار لا حصر له.

أما البعض الآخر فقد اندفع على نحو لا مثيل له، وربما أكثر أمريكية من الأمريكان لتبرير إجراءات واشنطن العقابية والتي أصبحت ويا للمفارقة المدافعة عن حقوق الإنسان وحق الشعوب في السيادة، بنسيان ما حدث للعراق وقبل ذلك لأفغانستان بعد احتلالهما.

وإذا كان التاريخ لا يصمت، فهل سيقول كلمته اليوم قبل الغد بشأن حل سريع وعاجل للأزمة الأوكرانية؟ وهل سينسحب الروس من كييف؟ وسيتم التوصل إلى تسوية سياسية تضمن احترام سيادة أوكرانيا من جهة وعدم وقوعها تحت هيمنة الناتو وخططه المعادية لموسكو من جهة أخرى. وهل ثمة ملامح لنظام دولي جديد في طور التكوين!!؟

***

عبد الحسين شعبان 

كريم المظفرصحوة الأمين العام  للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، وجولته التي بدأها في تركيا ومن ثم موسكو، ومحطته الأخيرة التي ستكون  في كييف، أجمع الجميع من المراقبين والسياسيين، على انها جاءت متأخرة بعض الشيء، وان كانت كل الآراء تشدد على ان لا دور للأمم المتحدة في أي مساعي في أي من القضايا الدولية، لأن أمينها العام، شئنا أم أبينا لا يتعدى عن كونه دبلوماسي يعمل في وزارة الخارجية الامريكية، وينفذ ما يملى عليه من قرارات سياسية لإقرارها وتنفيذها لتأخذ الصبغة الدولية، ونحن لسنا بصدد " تعرية " منظمة الأمم المتحدة، لأن مثل هذا الموضوع يحتاج الى كتابة مجلدات، وأن القضايا  التي أخفقت الأمم المتحدة  في معالجتها لا تعد ولا تحصى .

وعلى ما يبدو أن غوتيريش من مشجعي المقولة الشهيرة، " أن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي "، أراد وبشكل " ظاهري " وحسب تصريحاته   المؤكدة على أن منظمته،  تهتم بشكل كبير بخلق ظروف ملائمة لوقف إطلاق النار في أوكرانيا وتسوية الوضع هناك بطرق سلمية، في ذات الوقت الذي يعترف فيه بأنه بسبب الوضع الصعب في أوكرانيا،  توجد بين روسيا والمنظمة الدولية اليوم تفسيرات مختلفة لما يحدث هناك،  لكن هذا لا يحد من إمكانية إجراء حوار جاد للحد من" المعاناة الإنسانية".

المشكلة في " المعاناة الإنسانية "  هي أنها دائما ما يراها الغرب والمنظمة الدولية  من زاوية واحدة، و وفق مفهوم " غوتيريش "، فالمنظمة تحاول مساعدة الأوكران المتواجدين في كييف والمناطق الغربية، متناسية في ذات الوقت هناك مواطنين اوكرانيين، يعيشون في إقليم دونباس (في جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك) المعترف بهما من قبل روسيا،  الذين تعرضوا ويتعرضون للقصف من قبل الجيش الاوكراني والمجاميع اليمينية المتطرفة  وتعرضهم للتهجير أيضا، والتي تتطلب الوقوف معهم وعلى معاناتهم على قدم المساواة، لكن هذا لم يحدث لا من قبل الأمم المتحدة ولا أعضاءها الذين يتبجحون بمبادي حقوق الإنسان، وغيرها من الشعارات " الزائفة "، فازدواجية المعايير " تركبهم " من رأسهم حتى أغمص قدمهم.

روسيا انتهزت فرصة زيارة المسئول الأممي، ليعيد الرئيس فلاديمير بوتين، الى أذهان ضيفه والغرب على حد سواء  "بسابقة كوسوفو"، خلال حديثه عن اعتراف روسيا باستقلال جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين عن أوكرانيا، وبقرار محكمة الأمم المتحدة حول كوسوفو، القاضي بأنه في الحالات المتعلقة بحق تقرير المصير لا يعتبر كيان معين ملتزما بطلب موافقة السلطات المركزية للدولة التي يعلن الانفصال عنها، والأشارة إلى أن الكثير من الدول الغربية اعترفت باستقلال كوسوفو بعد إعلان الإقليم انفصاله عن صربيا في 2008، وأنه كان من حق الجمهوريتين في دونباس إعلان الاستقلال لأن "السابقة القانونية قد نشأت"، وقال الرئيس بوتين  مخاطبا غوتيريش " ونحن عملنا نفس الشيء تجاه جمهوريتي دونباس، وبعد أن قمنا بذلك توجهتا إلينا بطلب تقديم المساعدة العسكرية لهما في التصدي للدولة التي تخوض عملية عسكرية ضدهما"، مضيفا "  " كان من حقنا فعل ذلك بالتوافق التام مع المادة 51 من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة".

روسيا ارادت من زيارة الأمين العام للأمم المتحدة ان توجه رسائل الى أولئك الذين يتعاملون بالمعايير المزدوجة بشكل كبير في جميع القضايا الدولية، وليس فقط مع روسيا، وارادت اسماع من خلالها لمن به صمم، والتأكيد أنه من المفترض ان يكون ميثاق الأمم المتحدة هو الأساس في العلاقات الدولية، والوثائق الأخرى التي اعتمدتها هذه المنظمة، وليس قواعد وأوراق كتبها البعض  كما عبر عنها الرئيس الروسي، خدمة لمصالحه.

الزيارة الى موسكو من وجهة نظر المراقبين جاءت أيضا أمام تطور عسكري خطير، وهو إعلان مجلس الأمن لجمهورية ترانسنيستريا المعلنة من جانب واحد بشرق مولدوفا، عن تعرض وحدة عسكرية قرب العاصمة تيراسبول وهجوم على وزارة أمن الدولة أمس وتفجير هوائيين بمركز إذاعة في وسط الجمهورية، لـ"هجوم إرهابي"، وسط شكوك بحسب مصدر في دوائر حكومة ترانسنيستريا، من أن "كييف تسعى إلى إقحام  مولدوفا و ترانسنيستريا في الصراع،  ومن الواضح أن كييف، من خلال أفعالها، تسعى إلى " جر مولدوفا و ترانسنيستريا إلى الصراع الذي اندلع في أوكرانيا بسبب خطئها، ليضع  وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف،  أمام غوتيريش في مؤتمرهما  الصحفي المشترك، سؤال مهم، يتجسد في إن القضية التي يتم تحديدها الآن هي أن العالم يمر الآن بلحظة الحقيقة التي ستحدد ما إذا كانت البشرية ستعيش على أساس ميثاق الأمم المتحدة أو تستسلم لإملاءات أحد الأطراف وتوابعها؟، ولكن مثل هكذا سؤال تحتاج لرجل شجاع وذو مبادئ مؤمن بها، ونعتقد أن السيد غوتيريش " لا يتمتع بمثلها " .

كما إن هذا التطور الخطير، جاء أيضا متزامنا مع "تلاشي الخطوط وأصبح الخطاب الأمريكي أكثر حدة"، تلك الخطوط التي يزعم فيها  الرئيس الأمريكي، جو بايدن، على أنه لا يريد تحويل هذا النزاع إلى مواجهة بين روسيا والولايات المتحدة، وتصريح وزير الدفاع الأمريكي، لويد أوستن، في بولندا  بعد زيارته إلى كييف، عن نية أمريكيا " إضعاف روسيا يدل على استعداد واشنطن لمواجهة طويلة الأجل مع موسكو من أجل السلطة والنفوذ "،  وان أرتبطت هذه الاستراتيجية " ببعض المخاطر" بالنسبة للولايات المتحدة، وبالتالي أكدت واشنطن بذلك  "تحول النزاع" في أوكرانيا وهو يتميز الآن "بمواجهة أكثر مباشرة بين واشنطن وموسكو".

والحالة هذه باتت مخاطر اندلاع حرب نووية الآن كبيرة جدا ولا يجب الاستهانة بها بحسب رأي الوزير  الروسي، الذي يرى أيضا أن الكثيرين يضخمون هذا التهديد بشكل متعمد، مشيرا الى أنه في يناير الماضي أعادت الدول النووية الخمسة التأكيد على عدم جواز شن حرب نووية، معتبرا ذلك  " هو موقفنا المبدئي الذي ننطلق منه، وأنا حقا لا أحبذ ذلك الآن "، ولكن بالنسبة لعلماء السياسة المرموقين يقول لافروف، عندما تكون المخاطر كبيرة جدا "فأنا لا أرغب في تضخيمها بشكل مصطنع، ولكن هناك الكثيرون ممن يريدون ذلك "، وتابع أنه مع ذلك فإن "الخطر جسيم وحقيقي ولا يجوز الاستهانة به".

وتأكيد الوزير لافروف من  إن بلاده لا تدرس إمكانية استخدام أسلحة نووية في أوكرانيا، وأن أن بلاده كانت مضطرة لبدء عملية عسكرية خاصة في أوكرانيا لحماية دونيتسك ولوغانسك، أنعكس بشكل مباشر على التصريحات الامريكية، حيث أكد المتحدث باسم البنتاغون جون كيربي بأن واشنطن لا ترى أي سبب لتصاعد الأزمة في أوكرانيا كي تصبح صراعا نوويا، مشيرا إلى عدم وجود تغير في مستوى جاهزية قوات الردع الاستراتيجي لديها، وانه  "يتفق مع السيد (وزير الخارجية الروسي سيرغي) لافروف أنه لا يمكن أن يكون هناك رابحون في حرب نووية ويجب ألا تندلع، لا يوجد أسباب لوصول الصراع الحالي في أوكرانيا إلى هذا المستوى".

زيارة الأمين العام المتحدة تأتي أيضا عشية تناقض كبير يعيشه الغرب مع نفسه، والذي اعتبرته المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، وهي تعلق على تسابق الغرب فيما بين اعضاءه  لتزويد أوكرانيا بالأسلحة، وقالت "يبدو لي أن هذه الدول تعض لجامها، وتتدافع ط وان  الذين سيوفرون المزيد من الأسلحة وكل ما يمكن قتله في أوكرانيا، وفي الوقت ذاته يقولون إنهم يسعون من أجل السلام وأن الأعمال "العدائية يجب أن تنتهي"،  في وقت أن الأسلوب الأكثر فعالية لتحقيق السلام هو تحفيز عملية التفاوض.

كما ان التناقض وصل ما بين رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون الذي أكد بأن لندن لا تريد خروج النزاع في أوكرانيا عن حدودها، أنه من حق كييف "الدفاع عن نفسها"،ليتعارض مع وزير دفاعه جيمس هيبي، الذي حث  أوكرانيا على توجيه ضربات إلى أهداف على الأراضي الروسية لمنع تزويد القوات الروسية التي تجري عملية عسكرية في أوكرانيا، لتحذر موسكو  لندن  من تحريض كييف على استهداف روسيا، لأنه  في حال الرد  ستوجيه الضربات الى مقرات صنع القرار الأوكرانية في كييف، وان المستشارين من رعايا إحدى الدول الغربية لن يمثلوا بالضرورة "مشكلة لروسيا"، مستخدمة  عبارة قالها المسؤول البريطاني في تصريحاته،  "لن تكون هناك بالضرورة مشكلة إن تم استخدام الأسلحة التي قدمتها بريطانيا إلى أوكرانيا في ضرب أهداف داخل الأراضي الروسية".

زيارة الأمين الاممي الى موسكو، أنتهت برسالة روسية  اعرب فيها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن أمله في الاتفاق مع أوكرانيا بالطرق الدبلوماسية، رغم استمرار العملية العسكرية الروسية، خصوصا وأن المفاوضات بين الوفدين الروسي والأوكراني في إسطنبول حققت "اختراقا جديا"، لكن  تصرفات الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي، وصفها وزير الخارجية سيرغي لافروف ومواقف زيلينسكي  الأخيرة " بالمتقلبة "، ففي الوقت الذي بادر  زيلينسكي بالدعوة للمفاوضات، لكن موقفه الغير ثابت والمتغير باستمرار،  هو  "مخيب للآمال".

***

بقلم: د. كريم المظفر

محمود محمد عليلقد شكَّل الإعلام على مدى عقود طويلة أداة رئيسة من أدوات إدارة الحروب والصراعات، سواء كوسيلة من وسائل الحشد والتجنيد وبث روح البطولة والتحفيز في جنود وشعب البلد الذي ينتمي إليه، أو كوسيلة للحرب النفسية وتزييف الحقائق وإضعاف الروح المعنوية لجنود وشعب البلد العدو. وزادت أهمية الدور الذي يلعبه الإعلام بصورة كبيرة بعد انتشار الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، حتى أصبح الأداة الأكثر أهمية ضمن ما يُعرف بـ"حروب الجيل الخامس".

وعلى الرغم من كونها ليست المرة الأولى التي تنخرط فيها أدوات الإعلام وكبرى شركات التواصل الاجتماعي في الأزمات والقضايا السياسية والاقتصادية والإنسانية، إلا أن الحرب الروسية - الأوكرانية كشفت عن جانب جديد وأكثر خطورة من توظيف تلك الأدوات، لعبت خلاله وسائل الإعلام التقليدية وغير التقليدية دورًا مؤثرًا وفريدًا في نقل الحرب من الواقع إلي العالم الافتراضي.

وفي هذا السياق نشرت العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية والمحطات التليفزيونية الغربية مقابلات وتحليلات ومقالات رأي للعديد من الكتاب، ركزت أغلبها على تشويه صورة روسيا، والتشكيك في سياساتها الخارجية وأسباب ودوافع "حربها" على أوكرانيا.

وبدت شبكات إعلامية ضخمة مثل "سي. إن. إن" الإخبارية، و"فوكس نيوز"، و"نيويورك تايمز"، و"واشنطن بوست"، وغيرها، كأنها تقود حملة منظمة للنيل من روسيا وشحن الرأي العام العالمي ضدها بما يتجاوز الهدف الخاص بدفعها لوقف الحرب في أوكرانيا أو حتى التعاطف مع أوكرانيا وشعبها في مواجهة ما تصفه بـ"العدوان الروسي" الذي تتعرض له.

وإذا رجعنا إلى نوفمبر 2021 روسيا فجأة أعلنت أنها لا تنوي غزو أوكرانيا إلا إذا تم استفزازاها من جانب أوكرانيا، وهنا رأينا ممثل روسيا "ديمتري بولونسكي" في الأمم المتحدة قال أنه توجد استفزازات أمريكية لتحركات سفن حربية بالبحر الأسود، وهنا رد الإعلام الغربي بتسريبات مخابراتية تقول بأن الرئيس الروسي " فلاديمير بوتن" يخطط للهجوم على أوكرانيا في السادس عشر من فبراير 2022، بينما قالت صحف غربية أخرى أنه يوجد هناك غزو روسي لأوكرانيا وطالبت الدول الأوربية رعاياها أن يغادروا أوكرانيا، وفي الحادي والعشرين من فبراير 2022 وروسيا تبدأ ما أطلقت عليه عملية عسكرية وليس حرب، ثم تعلن الاعتراف بجمهورية دونستيك، وهنا قام الإعلام الغربي أيضا كبداية خلق لنا مناخا تتكون عناصره كالتالي : تنافس يليه التوتر يليه التهديد ثم أزمة، ثم صراع وحرب .

وهنا نتساءل : من الذي صنع هذا المناخ؟ .. إنه الإعلام ومن ثم بدأت تتبارى كل الأطراف بتشويه صورة الطرف الآخر، حتى على ألسنة رؤساء الدول الغربية ومعهم الولايات المتحدة الأمريكية أنفسهم .. إذن الحرب بدأت في الإعلام قبل أن تبدأ على أرض الواقع، وذلك من تمهيدها للعالم كل بمسمي ؛ فمثلا أطلق الإعلام الغربي وصف غزو روسيا لأوكرانيا بأنه عدوان على استقلالية دولة وعلى حدود دولة، في أن الإعلام الروسي قال أنها عملية عسكرية مؤقتة لمنع الانفصاليين من السيطرة على أوكرانيا ..

وهنا ماذا حدث وماذا فعل الإعلام الغربي؟ .. والإجابة أنه قام بتشويه الصورة على ألسنة أكبر المسؤولين وداخل أكبر الصحف والمجلات العالمية الكبرى، كما تم وقف قناة روسيا اليوم وسبوتنك لأي منطقة أوربية، كما حرموا على المواطن الأوربي في أن يعرف وجهة نظر الطرف الآخر، كما قيل بأنه لا بد من طرد الإعلام الروسي على كافة المواقع وكافة القنوات وكافة المنصات، بل لقد وصل الأمر في أنهم أجبروا أصحاب الشركات التي تملك التكنولوجيا العالمية والممثلة في الفيس بوك والتويتر، ففي خطوة أثارت جدلاً واسعًا خلال الأيام القليلة الماضية، صرح آندي ستون الناطق باسم شركة "ميتا" يوم 10 مارس 2022 في بيان له عبر "تويتر"، بأن شركة "ميتا" ستُتيح عبر منصاتها الألكترونية المختلفة استخدام أشكال التعبير السياسي العنيفة التي لطالما كانت تمثل انتهاكًا لقواعدها، وستسمح للمستخدمين بالتعبير عن معارضتهم للهجوم الروسي بكلمات مثل: "موت الغزاة الروس"، و"الدعوة لقتل القادة الروس"، وهو الأمر الذي ندد به الجانب الروسي، حيث جاءت المطالب بتصنيف شركة "ميتا" كـ"منظمة متطرفة"، مع الإعلان عن حجب الوصول إلى موقع "انستجرام" -التابع لشركة "ميتا"- داخل روسيا اعتبارًا من يوم 14 مارس 2022، حيث صرح مكتب المدعي العام الروسي بـأن "مثل هذه التصرفات من قبل إدارة شركة ميتا تهدف إلى التحريض على الكراهية والعداء تجاه مواطني روسيا"، وهنا رأينا الإعلام الغربي يدخل منطقة الحجب والمنع، وقد الهدف من ذلك هو إبراز أن روسيا دولة غازية وعداونية ولديها نزعات تطلعية وتوسعية على حساب استقلالية أوكرانيا وأنها أصبحت تمثل خطرا وتهديدا للمجتمع العالمي ككل .

هذا، فضلاً عن توظيف الغرب للمنصات الرقمية في شن حرب اقتصادية ضد روسيا، من خلال إعلان موقع "يوتيوب" التابع لشركة "جوجل"، وإلى جانبه كل من "فيسبوك" و"تويتر" عن حظر إعلانات وسائل الإعلام التابعة للحكومة الروسية، ومنعها من تحقيق أي أرباح مالية عبر تلك المنصات الرقمية.

ليس هذا فقط بل وصل الأمر من الإعلام الغربي إزاء روسيا أن يبيح استخدام الألعاب والألفاظ العنيفة والتحريضية مثل " أقتلوا فلان"، و" أقبضوا على فلان"، ناهيك عن اللجوء إلى استخدام " العنصرية"، فقد انتشر مقطع فيديو لمراسل شبكة "CBS" الأمريكية وهو يصرح بأن "الهجوم على أوكرانيا لا يمكن مقارنته بالحرب في العراق وأفغانستان لأن الأولى أكثر تحضرًا، ..."، وتم تداول مقطع فيديو آخر لمراسلة قناة "أنبيسي" الأمريكية وهي تعلق على أوضاع اللاجئين الأوكرانيين قائلة: "بصراحة تامة، هؤلاء ليسوا لاجئين من سوريا، هؤلاء لاجئون من أوكرانيا المجاورة، هؤلاء مسيحيون، إنهم بيض". كما انتشر فيديو آخر لمراسل إحدى القنوات البريطانية، ظهر فيه وهو يتساءل ويتعجب كيف يتم قتل الأوكرانيين وهم أوروبيون، بعيون زرقاء، وشعر أشقر. أما رئيس وزراء بلغاريا كيريل بيتكوف فقد صرح قائلاً: "اللاجئون الأوكرانيون ليسوا من اللاجئين الذين اعتدنا عليهم، إنهم أوروبيون مثقفون ومتعلمون".

بل لقد وصل الأمر أيضا من طرف الإعلام الغربي أنهم أنتجوا " لعبة" لكي يرفعوا بها معنويات الشعب الأوكراني من خلال التأثير على الحالة النفسية سواء بالنسبة للجهة الناشرة لشحذ همة شعبها وقواتها العسكرية، أو بالنسبة للخصم لإضعاف روحه القتالية والدفاعية ودفعه للاستسلام. فمن بين أبرز الفيديوهات التي انتشرت في اليوم التالي للعملية العسكرية بهدف منح الجنود الأوكرانيين العزيمة والشجاعة في مواجهة الجنود الروس، كان فيديو لطيار مقاتل أوكراني استثنائي يُدعى "شبح كييف"، يظهر في الفيديو وهو يقوم بإسقاط طائرة روسية من طراز Su-35، ويُقال أنه أسقط بمفرده 6 طائرات روسية منذ بدء الغزو، إلا أنه سرعان ما اتضح أن هذا الفيديو غير حقيقي، ومأخوذ من لعبة World Digital Combat Simulator [6] ومن النماذج الأخرى، التي لاقت رواجًا كبيرًا بشأن استخدام روسيا القوة المفرطة ضد أوكرانيا، فيديو لانفجار كبير أعقبه سحابة من الغبار والحطام، اتهمت فيه روسيا باستخدام قنبلة حرارية ضد قاعدة للجيش الأوكراني، لكن خرجت وكالة "رويترز" لتكذيب الفيديو، وإثبات أنه يعود لعام 2019 لانفجار وقع في سوريا. هذا، فضلاً عن مسألة أعداد القتلى والمصابين وحجم الخسائر الإنسانية التي من الصعب التحقق منها، والتي لطالما استخدمت كأداة للتأثير على الحالة النفسية لطرفي الصراع، وتحديد الطرف الأكثر سيادة على الأرض، وهنا يحاول الإعلام الغربي أن يعطينا رسالة من فعله هذا، وهو أن " الشعوب لا تحركها المعلومات ولكن تحركها الوجدان والحالة المزاجية والناحية النفسية" .

بل لقد وصل الأمر أيضا من طرف الإعلام الغربي إزاء روسيا بوقف تراخيص مواقع أو قنوات لها علاقة بالجانب الروسي، ولو نظرنا في يوم تفجير محطة التلفزيون الأوكراني ماذا حدث؟ ... وهنا رأينا أن BBC أطلقت محطتين راديو على تردد يسمونه بالموجة القصيرة وذلك كي يصلوا للأوكرانيين داخل أوكرانيا .

والسؤال هنا : وماذا فعلت روسيا إزاء هذه الغباوة الإعلامية الغربية؟

أدرك فلاديمير بوتين منذ زمن طويل، أن أمريكا كسبت الحرب الباردة بالدعاية، واكتشف حاجته لأذرع إعلامية دعائية، أو الثورة الدعائية ما بعد الحرب الباردة، وظهرت شبكة روسيا اليوم RT،2005، بكل اللغات الحية والموقع الإخباري "سبوتنيك"، عام 2012، ولعبت دورا في بناء صورة بوتين وتواجه الدعاية المضادة التي أطلقها الإعلام الغربي ضد بوتين على مدى عقدين، ونجح بوتين في بناء دعايته، وصمد في مواجهة آلة إعلامية غربية محترفة، تشن عليه هجوما مستمرا، ويسخر منها بعد أن أصبحت الأجهزة الأمريكية تشكو من الدعاية الروسية، واتهمت قنوات روسيا اليوم بالتدخل في السياسة والانتخابات الأمريكية، ولهذا حرصت الصين على امتلاك أدوات التواصل الاجتماعي الخاصة بها ومحركات البحث، حتى لا تكون تحت رحمة الشركات التي تثبت الحرب أنها تخضع وتنحاز.

لم يكتف بوتن بذلك بل حاول جاهدا خلال الحرب الروسية – الأوكرانية حث الإعلام الروسي على ضرورة " نحت مصطلحات " بمعني أن توصف أن ما تفعله روسيا بأنه " عملية عسكرية خاصة ومعقدة"، أي أنه لا توجد حرب دائمة وطويلة الأمد، ولا مخطط أن تكون حرب ضد المنطقة ككل، وهذا نحت مصطلح، علاوة على نتت مصطلح آخر، وهو إثارة حرب نازية شعارها أن هناك استهداف وتنمر من المواطنين الأوكرانيين من أصول روسية، وهذا معناه هنا " تهييج للعنصرية والمذاهب الدينية والسياسية "، هذا بالإضافة إلى لجوء الإعلام الروسي نحو فرض عقوبات جنائية على أي موقع أو أي مصدر أوربي أو أمريكي يقول كلاما ضد روسيا وضد عمليتها في أوكرانيا، وفي خطوة هي الأولى من نوعها، أقر مجلس الدوما الروسي خلال جلسته العامة يوم 4 مارس 2022، قانونًا جديدًا لتجريم التضليل الإعلامي، ينص على فرض عقوبات جنائية وغرامات مالية على النشر المُتعمد لأى معلومات وبيانات كاذبة خاصة بالقوات المسلحة الروسية، أو تتعارض مع الرواية الحكومية الروسية بكل ما يتعلق بالحرب الأوكرانية. إذ تنص المذكرة التفسيرية لمشروع القانون على أن وسائل الإعلام الأوكرانية تستخدم لقطات للدمار في إقليم دونباس خلال الفترة من 2014 إلى 2015 وتصورها كجرائم ارتكبها الجيش الروسي من أجل خلق صورة سلبية عالمية عن روسيا.

بل لقد وصل الأمر إلى استخدام السخرية من قبل الإعلام الروسي وذلك كي يبرزوا أن رئيس أوكرانيا وهو " فلاديمير زيلنسكي" ما هو إلا مجرد ممثل كوميدي (من على شاكلة باسم يوسف في مصر)، وأنه ألعوبة في يدي الولايات المتحدة يحركونه كما يشاؤون، كذلك ردا على وقف روسيا اليوم RT وسبوتنيك Sputnik قامت روسيا بوقف قنوات أوربية لديها .

وهنا أود أن أقول بأن روسيا قد أوقعت هذا السيناريو قبل غزوها أوكرانيا، فقامت منذ 2021 بعمل شبكة أنترنت موازية اسمها " رونت" Runet  وذلك كي يكون لديها فضاء الكتروني موازي، كما بدأ الإعلام الروسي يطلق ما يسميه بالأكاذيب، أو معلومات مفبركة، مثل فكرة أن " العسكريين الأوكرانيين يغادروا مواقعهم بشكل جماعي"، وأن " حرس الحدود الأوكراني لا يبدي أي مقاومة، وأن كل ما يدعيه الإعلام الغربي والأمريكي إزاء روسيا هو كذب في كذب.

من كل ما سبق يتضح لنا ما قاله " أكرم القصاص" بأن هذه الحرب يصعب الحديث عن إعلام محايد بل هو دائمًا إحدى أدوات الحرب، بل ويمتد الأمر إلى مواقع التواصل التي أصبحت عنصرا فاعلا في هذا الصراع، بل ومتهمة بالانحياز، وروسيا والدول الأوروبية تتبادل إغلاق المواقع والمنصات الإعلامية، وبالتالي لا يمكن تصديق الإعلام الغربي وهو يتهم نظيره الروسي بالانحياز، بينما الإعلام الغربي منحاز تمامًا وغارق في الانحياز، وهو أمر معروف، لكنه ظهر بشكل أكبر في الحرب الأخيرة التي تدور في أوروبا، وبأدوات العصر، لكن من المؤكد أن الحرب الدائرة، سوف يتبعها تغيير في نظام عالمي، وتحولات في مجالات السياسة والنفوذ، وأيضًا في منصات التواصل، وبنية الإعلام ووظائفه، حيث يبدو الإعلام متهمًا وضحية ومعه الحقيقة.

كما أكدت هذه الحرب من جديد حقيقة أن الإعلام بات سلاحاً فعالاً يمكن توظيفه لقلب موازين القوى، وأنه أصبح أحد أهم أدوات الاشتباك الجديد بين الدول، ليتجاوز بكثير دوره التقليدي باعتباره وسيلة لنشر الأخبار أو تسليط الضوء على قضية إنسانية أو أمنية فقط، وإنما هو رأس الحربة في إدارة الحروب والأزمات السياسية بين الدول.. كما كشفت الحرب غياب المصداقية لصالح التهويل والإثارة.

ففي الحروب والصراعات لا تلتزم أغلب وسائل الإعلام، وحتى التي توصف أحياناً بـ"المحايدة"، بالموضوعية، وتقع في دائرة فخ "الكذب الإعلامي"، وهذا يكون مقصوداً في أغلب الأحوال، لأن الإدارة الإعلامية تكون "مسيّسة" وليس أدل على ذلك من الطريقة التي تعاملت بها وسائل الإعلام الغربية والروسية، والتي اعتمدت في كثير من الأحيان على مصادر "مجهولة" في نشر العديد من تقاريرها، متجاوزة في ذلك قواعد وأصول العمل الإعلامي، التي تنحاز دوماً للحقيقة على حساب أي اعتبارات أخرى.

لقد بات الإعلام في عصر الأزمات أهم أدوات إدارة الحروب والخلافات السياسية بين الدول، وتهديد أمنها القومي، لهذا من الضروري أن يلتفت القائمون على الإعلام إلى هذه الحقيقة من خلال الإعلام الخارجي، وبناء كوادر متخصصة فيه تستطيع مخاطبة الخارج والتواصل مع الرأي العام الدولي والتأثير فيه.

***

أ.د محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

........................

المراجع:

1- يوسف جمعة الحداد: الإعلام والحرب الروسية-الأوكرانية، العين الإخبارية، الأربعاء 2022/3/16 12:04 ص بتوقيت أبوظبي.

2- أكرم القصاص: الإعلام وشبكات التواصل متهم أم ضحية فى حرب أوكرانيا؟، اليوم السابع، السبت، 19 مارس 2022 10:00 ص.

3- آمنة فايد: كيف امتدت الحرب الروسية الأوكرانية إلى العالم الافتراضي؟، مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، مقال منشور يوم 17 من مارس 2022.

4- ديما منصور، مقارنات الإعلام الغربي بين اللاجئين بحسب "جنسياتهم" تثير غضبًا واسعًا وتتصدر مواقع التواصل، الإمارات اليوم، 2 مارس 2022، على: ttps://bit.ly/3vUHtMe

5- فكونتاكتى".. البديل الروسى لـ"فيسبوك" و"تويتر"، سكاي نيوز عربية، 6 مارس 2022، على: https://bit.ly/3CySAM9

6- قناة اكسترا نيوز : حديث الأخبار| د. سامي عبدالعزيز يوضح كيف تم توظيف الإعلام خلال الأزمة الروسية الأوكرانية؟.. يوتيوب.

سليم مطروانا اعيش هنا في (سويسرا الكونفدرالية)، اطمنئنكم بأنكم حاليا تتمتعون بسلطات اكثر بعشرة مرات من اية مقاطعة سويسرية!!!!!

هاكم بعض الامثلة:

1 ـ ان نظام الكونفدرالية السويسرية قائم على اساس (المحافظات، أي المقاطعات) وليس على اساس (القوميات). ففي (جنيف) التي اسكن فيها التي هي عمليا العاصمة الثقافية للمحافظات الخمسة الناطقة بالفرنسية، لا ترتبط بها باية علاقة ادارية قومية او لغوية، بل هي مرتبطة مباشرة بالدولة المركزية في (العاصمة بيرن) الناطقة بالالمانية التي يجتمع فيها ممثلي جميع المحافظات، في البرلمان والحكومة المركزية.

وهذا عكس حال الاقليم، الذي تكون على اساس (قومي عرقي عنصري) يتناقض مع الوحدة الوطنية.

2 ـ كل محافظة سويسرية لها قيادتها المنتخبة مع بعض الامتيازات مثل (التربية والثقافة) و(البوليس)، ولكن (الجيش) و(العلاقات الخارجية) تبقى محصورة بـ(الدولة المركزية). يعني ان (المحافظة) لا يحق لها ان تمتلك جيشا خاصا بها.

وهذا ايضا عكس حال الاقليم الذي عمليا يمتلك جيشا خاص به اسمه (ميليشيات البيشمركة).

3 ـ اذا انتقل أي سويسري الى محافظة اخرى، مهما كان اختلاف اللغة، فأنه بعد اقامة خمسة سنوات يحق له الحصول على هوية المحافظة، ويعتبر مواطنا فيها. ويحق له المشاركة في برلمان وحكومة المحافظة. لهذا تجد في (جنيف) الناطقة بالفرنسية، حوالي نصف اعضاء البرلمان والحكومة هم من اصول محافظات ناطقة بالالمانية.

وهذا ايضا عكس حال الاقليم، الذي لو اقام فيه أي عراقي غير كردي، الف عام، فانه يبقى (اجنبيا) وليس له أي امتياز وطني ولا حتى انساني!

4 ـ ان جميع الاحزاب السويسرية الكبرى (الليبرالي والاشتراكي والديمقراطي المسيحي والديمقراطي الاجتماعي) كلها جميعها لها فروع في جميع المحافظات الناطقة بالالمانية والفرنسية والايطالية. وهي التي تقود هذه المحافظات.

وهذا ايضا عكس حال الاقليم، الذي عمليا يمنع فيه انشاء أي فرع لاي حزب عراقي من خارج الاقليم. وان أي كردي في الاقليم ينتمي لاي حزب عراقي، سوف يتعرض لجميع المضايقات لحد الاتهام بالخيانة واحتمالات الاغتيال. فهم حتى الحزب الشيوعي العراقي الذي كان غالبية قيادته من الاكراد، قد تمكنوا من تقسيمه الى (حزب شيوعي كردي) و(حزب شيوعي عراقي)، والانكى من هذا انهم تمكنوا من جعل الحزبين الكردي والبغدادي، تابعين ماليا وسياسيا واعلاميا الى قيادة الاقليم ولمشروعها القومي العنصري الانعزالي.

5ـ 4 ـ  هنالك ايضا في سويسرى (محكمة فدرالية) لها الكلمة الحاسمة التي تلغي قرارات محاكم المحافظات. نفس الحال في (الولايات المتحدة الامريكية).

***

اخيرا تبقى هذه المعلومة المهمة التي يجهلها الكثيرون:

ان العرف السائد في العالم، ان الجماعة التي تطالب بالفدرالية او الكونفدرالية، يجب عمليا وتاريخيا ان تمتلك الشرط التالي:

ان هذه (الجماعة القومية) كانت سابقا (دولة مستقلة) وقد شاءت الظروف انها اصبحت جزءا من دولة اكبر. هاكم هذه الامثلة:

ـ ان اسكتلندا كانت مملكة مستقلة قبل ان تصبح جزءا من مملكة بريطانيا.

ـ ان ايرلندا نفس الحال.

ـ ان جميع (مقاطعات الحكم الذاتي) في اسبانيا كانت (ممالك مستقلة) حتى قبل بضعة قرون.

ـ ان جميع المناطق القومية في فرنسا التي لها لغاتها الخاصة: (بروتون، الزاس، اوكسيتان، باسك، كورس) كانت ممالك مستقلة، وقد فرضت عليها الفرنسية بالقوة بعد غزوها من جيوش باريس، حيث منعت بصورة مطلقة ان تتعامل بلغاتها الاصلية الى حد عام 1980 عندما سمحت الحكومة ببعض الحرية بتعلمها.

ـ ان المانيا تتبع النظام الفدرالي لانها كانت منقسمة تاريخيا الى ممالك مستقلة حتى اوساط 1800، عندما قامت الوحدة من خلال غزو جيوش بسمارك.

ـ نفس الحال بالنسبة لجمهوريات ومناطق الحكم الذاتي في روسيا، لانها ايضا كانت دول مستقلة وضمتها روسيا القيصرية بالقوة.

لو طبقنا هذا الامر على (الاقليم الكردي) فانه طيلة التاريخ، ونؤكد طيلة طيلة التاريخ، لم نعرف ابدا بوجود دولة كردية مستقلة، بل فقط امارات مرتبطة بدولة (بلاد النهرين: العراق). وهذا ليس ضعفا من الاكراد، بل بسبب الارتباط الجغرافي الطبيعي والحياتي والاقتصادي والاجتماعي بسهول النهرين: (الجبال ورائكم وسهول نينوى وعموم النهرين امامكم). ليس صدفة انه في الفترة العثمانية، كانت امارات: (بابان السليمانية) و(سوران راوندوز) و(بهدنان دهوك) تابعة للحكم العثماني في العراق الذي يقوده (والي بغداد).

في كل الاحوال، ان الاكراد حاليا اصبحوا بما يكفي من الوعي، كي يدركوا بأن (مهاترات ومزاودات) قادة الاقليم هي ليست حرصا على (الاكراد) بل حرصا على (نفط عائلة البرزاني) وملياراتها في الخارج. وخصوصا بعد قرار المحكمة اﻻتحادية بمنع اﻻقليم من استثمار النفط.

أي هكذا استمرت (حليمة على عادتها القديمة) بالمتاجرة بمصالح اكراد العراق بالسلام والاستقرار، وجعلهم اكثر واكثر مثل غالبية اخوتهم العراقيين، تنهشهم مخالب الفساد والارهاب والفقر والخوف، لحد انهم يضحون حتى بحيواتهم من اجل الهروب واللجوء الى اوربا.

***

سليم مطر - جنيف 

 

ثامر عباسمنذ أن أدركت المجتمعات البشرية ظاهرة السلطة، وهي تتعايش مع حقيقة سوسيوسياسية مضمونها؛ أن ما من سلطة شغلت فضاء العلاقات العامة، وتصدّرت لقياد زمام الشأن السياسي، إلاّ وكانت مقترنة بوجود نمط من أنماط المعارضة؛ سواء أكانت سرية أو علنية، عنيفة أو سلمية، إيديولوجية أو حزبية. لا بل حتى إن مفهوم السلطة لا تستقيم دلالته الوظيفية، إلاّ من خلال ما يوحي بحيازة طرف معين لمقومات القسر والإجبار من جهة، وخضوع الطرف الآخر لشروط الطاعة والامتثال من جهة أخرى. ومن جملة الأمور التي حالت دون تحقيق (المعجزة) الديمقراطية في بلدان العالم الثالث، ليس فقط ما أشيع عن فساد نظمها السياسية، وتخلف بناها الاجتماعية، وتأخر أنماطها الحضارية، وتكلس أنساقها الثقافية فحسب، إنما – بالدرجة الأساس – غياب معنى الاختلاف في عناصرها السوسيولوجية، وضمور وعي التنوع في مكوناتها الانثروبولوجية، وانعدام إدراك التباين في خلفياتها الرمزية.

ولهذا فان كل من استحوذ على مقاليد السلطة، سواء كان من زعماء الحركات الوطنية، أو من قادة الثكنات العسكرية، تعاملوا مع المجتمع وكأنه وحدة متجانسة، وتعاطوا مع التاريخ وكأنه سيرورة خطية، وفهموا الدين وكأنه عقيدة شاملة، وأدركوا الثقافة وكأنها تصور أوحد، واستوعبوا الهوية وكأنها وعاء جامع، وتصوروا المخيال وكأنه خلفية مشتركة. وهو الأمر الذي أدخل في روعهم إن أي شكل من أشكال المعارضة أو أي نوع من أنواع الممانعة، قمين بإثارة حفيظتهم وإشعال فتيل مخاوفهم، ليس بدافع الحرص على وحدة المجتمع والغيرة على مصالح الوطن، إنما بوازع البقاء في السلطة والتشبث بالنظام والاستمرار بالحكم. بحيث لم تعد تعتبر(المعارضة) حالة خروج عن (الإجماع الوطني) تستدعي الإدانة، أو تطاول على (الشرعية الدستورية) تستأهل القصاص فحسب، بل وكذلك (مرض خطير) ينبغي التخلص منه بأي ثمن، أو(خيانة عظمى) يتوجب استئصالها مهما كانت النتائج. ولأن الممارسة السياسية في عرف الشعوب المتخلفة، هي السبيل السريع والمضمون لبلوغ المآرب الشخصية وتحقيق المصالح الفئوية، فقد بات من المتعذر إن لم يكن المستحيل على من يلج معترك هذا الميدان، قبول فكرة الإقصاء عن المعادلة السلطوية، والموافقة على لعب دور المعارض المزاح عن المكاسب والمبعد عن الامتيازات.

ولذلك فقد كان العنف (المادي والرمزي) بين المتخاصمين هو اللغة الوحيدة المعمول بها والمعول عليها في هذا الإطار. بحيث إن أي فريق يجد نفسه وقد سيق لهذا المأزق الخانق، لا يعدو أن يعيش حالة من الهلع الدائم والرعب المستمر، ليس فقط لأنه فقد زمام المبادرة التي كان من الممكن أن تضع بين يديه خيوط اللعبة، وتمنحه إمكانية التحكم بمداخلها ومخارجها وفقا"لرغبته ومزاجه، إنما خشية بطش السلطة التي استبعد منها وعنف أربابها الذين نافسهم عليها. ومن هذا المنطلق فقد تواضع العراقيين على واقعة؛ إن للسياسة مدخل واحد لا يحتمل التعدد ولا يقبل المشاركة، سمته تجاهل التقيد بالقواعد وعدم الالتزام بالقوانين. فإما أن تزيح خصمك - بكل السبل - لتفوز بالكعكة وتبلغ القمة، وإما أن يطيح بك خصمك - بمختلف الوسائل – لتخسر فرصتك وتهوي إلى الحضيض.

ولهذا فلا عجب والحالة هذه أن يكون طريق السلطة السياسية في العراق معبد بالجثث ومعفر بالدم، طالما إن الصيغ (الصفرية) هي سيد الأحكام في العلاقات والتعاملات. فمنذ أن أبصرت الدولة العراقية نور الممارسة السياسية، وهي ماضية في التهام أبنائها ممن احتسبوا على جبهة الفالق الآخر من المعادلة، ليكونوا معارضين بالاختيار أو مناوئين بالإرادة. ولذلك فمن الخطأ وصمها بأنها دولة طائفية أو عنصرية، إلاّ من باب زيادة تأثيمها ومضاعفة تجريمها ليس إلا. فظواهر العنف التي استوطنت تاريخها، ومظاهر القسوة التي وسمت ممارساتها، لم تكن موجه إلى هذه الطرف أو ذاك بالوصف الطائفي أو العنصري – الذي بات شائعا"هذه الأيام - بقدر ما كان موجها"ضد كل من يعارض (حقها) المطلق في النظام الذي يناسب سياساتها، (وامتيازها) الشرعي  في الحكومة التي تلائم توجهاتها. ونحن إذ نتحدث عن أساليب الدولة العراقية، في مضمار استثمار سلطتها داخل نطاق المجتمع، بغية تفكيكه إلى عناصر وتشطيره إلى مكونات، ومن ثم، تصنيف هذه وتلك حسب درجة ولائها، لا نروم هنا توجيه الاتهام إليها من حيث هي (فكرة) مجردة – كما وصفها الفقيه الفرنسي جورج بوردو – إنما من حيث هي (ممارسة) فعلية قام بها أشخاص واقعيين، عبر شبكة من الأجهزة الفاعلة والمؤسسات الداعمة.

ولهذا فقد ترسخت – مع تكرار التجربة - في وعي المواطن العراقي ظاهرة (التشخصن) للسلطة، لا من حيث هي مفهوم يتحدد بالقوة لفرض النظام وبالعنف لقمع الفوضى وبالإكراه لردع التسيب، وإنما من حيث هي واقع يتجسّد في الأشخاص كأوثان مؤلهة، والرموز كايقونات مبجلة، والخطابات كنصوص مقدسة. فالمرء حين يلج عرين السياسة للانخراط في اتونها، لا يفكر في مثالب الأولى من منطلق كونها القاعدة، بقدر ما يخشى عواقب الثانية من واقع كونها الاستثناء. ذلك لأن (سلطة الدولة – كما جادل المفكر اللبناني ناصيف نصّار- لا تتماهى مع سلطة الحاكم ولا ترتد إليها. وان من أكثر الأخطاء في النظر إلى السلطة السياسية، الخلط بين سلطة الحاكم وسلطة الدولة، بكيفية تؤدي إلى جعل سلطة الحاكم تتماهى مع سلطة الدولة، أو إلى جعل سلطة الدولة ترتد إلى سلطة الحاكم).

وكحصيلة لما تقدم فان أزمة تشكيل الحكومة العراقية الحالية، على سبيل المثال، هي بالواقع أزمة مركبة على أكثر من مستوى وإشكالية معقدة على أكثر من صعيد، ناجمة عن تداخل عوامل كثيرة وتشابك عناصر متعددة ينبغي أن توضع بالحسان، إذا ما أريد فهم حالة الاستعصاء التي تعاني منها؛ فهي أزمة (سياسية) لأنها تتصل بنمط علاقات القوى السائد بين الأطراف المعنية، وما تمخض عنها من حساسيات عنصرية واستقطابات مذهبية وصراعات اجتماعية. وهي أزمة (نفسية) لأنها تتعلق بطبيعة الشخصية العراقية ذاتها، وما تراكم في وعيها من ترسبات تاريخية ومخلفات أسطورية. وهي أزمة (ثقافية) لأنها تتمثل بأنساق القيم وتراتب الأخلاقيات، وما أفرزته من علاقات متنابذة وذهنيات متقاطعة. بحيث أضحى الاتفاق على صيغة تفتح مغاليق الأمور العالقة، وتخفّض مناسيب القضايا الساخنة، وتتيح، من ثم، التقارب البيني وتفضي إلى الحلول أمرا"متعذرا"إن لم يكن مستحيلا".

والطامة الكبرى إن كل يمتهن العمل السياسي في العراق، لا يبرع في شيء قدر براعته في إشهار ولائه للديمقراطية كخطابات وادعاءات، وإضمار ازدرائه لقيمها كممارسات ومؤسسات. ولهذا فهو حين يكون في السلطة، لا يني يتحدث عن مزايا الشراكة السياسية في إدارة الشأن العام، إلاّ انه في واقع الأمر لا يتورع عن إقصاء المخالفين للعقيدة التي يؤمن بها، واستئصال المعارضين للنظام الذي ينعم بسلطانه. ولا يبخل في استعراض مناقب التداول السلمي للسلطة والتنازل عن عرشها طوعا"، إلاّ انه في الحقيقة لن يتردد في اللجوء إلى أبشع أنواع العنف وأقسى صنوف البطش بالمنافسين والطامحين، لأجل أن يحتفظ بكرسي الرئاسة مدى الحياة. ولا يخفي ابتهاجه في حسنات التعدد الحزبي والتنوع الإيديولوجي، فضلا"عن ايجابيات قبول الآخر القومي واستيعاب الغير الديني، إلاّ انه في التجربة لن يألوا جهدا"في التشبث بكل ما من شأنه؛ جعله الأوحد في مكانه، والمطلق في زمانه، والأنبل في سلالته، والأقدس في ديانته.

أما حين يكون ضمن صفوف المعارضين للنظام والخارجين عن طوع السلطة، فانه لا يستثني لفظا"في قاموس الهجاء السياسي، ولا يستبعد مفردة في أرشيف القدح الإيديولوجي، دون أن يستخدمها في حربه ضد السلطة ورموزها والنظام وأربابه. لذلك تجده دائم الشكوى سريع الانفعال كثير التبرّم، يتسقط الهفوات مهما كانت تافهة ويؤشر الهنات مهما كانت بسيطة، معزوفاته المفضلة انعدام الحريات وفقدان الحقوق، فضلا"عن ترسانة مثالب قمع لآراء المخالفة وعيوب ردع الأفكار المغايرة، حتى وان كان هو نفسه يضمر ذات النوازع ويخفي نفس الدوافع، فيما لو أتيحت له فرصة اعتلاء عرش السلطة وامتلاك أعنة النظام. كما إن لازمة الديمقراطية ستكون لديه بمثابة التعويذة، التي يحاول من خلالها إبطال سحر الهيمنة الإيديولوجية بالتمنيات لا بالممارسات، وإسقاط هيبة الدولة الشمولية بالخيال لا بالواقع، وإزاحة سطوة السلطة التعسفية بالأقوال لا بالأفعال.

ففي الوقت الذي تعارض فيه سياسات النظام القائم، بما تحفظه من شعارات ديمقراطية جاهزة، وتناهض إجراءات السلطة الفعلية، بما تحتكم عليه من صيغ ليبرالية مفبركة. ليس في وسع عناصر المعارضة التنازل عما تطالب به الآخرين للتخلي عنه، كما ليس في وارد نيتها العدول عما تدين به الغير للزهد فيه. ذلك لأنها على قناعة تامة وإيمان مطلق، بأنه حالما تتيح لها الظروف الموضوعية والإمكانيات الذاتية، فرصة تبوأ مراكز المسؤولية القيادية في الدولة والمجتمع، فهي لن تقيم وزنا"ولا تضع اعتبارا"لأية معارضة؛ سواء أكانت في حقول السياسات (أحزاب وتكتلات)، أو ميادين الفكريات (نظريات وإيديولوجيات)، أو في مضامير المعتقدات (أديان ومذاهب)، أو في فضاء التمثلات (أساطير وخرافات)، أو في أصول الجماعات (أقوام وسلالات)، غايتها القصوى حينذاك تظهير الدولة باسمها وتجيير النظام لحسابها وتفصيل السلطة على مقاسها. مثلما إن من يحكم قبضته على الدولة ويتبختر بصولجان سلطتها، سوف لن يحيد قيد أنملة عما كانت تمارسه المعارضة وتلجأ إليه، فيما لو فقد مقومات  الاحتفاظ بالهيمنة وخسر شروط الاستمرار بالسيطرة، طوعا"وهو الاستثناء أو كرها"وهو القاعدة.

وهكذا فالتقليد السياسية التي شبّ عليها الإنسان العراقي، واجتاف مثلها عقله الباطن، لم تتح له التعاطي مع حقيقية أساسية وهي أن السلطة بغير معارضة، لا بد أن تتحول إلى طغيان مفجع، مثلما إن المعارضة بدون سلطة لن تفضي إلى الحرمان المدقع، طالما إن جميع الأطراف تعمل وفقا"لمصالح الشعب وثوابت الوطن. ومن ثم ترسيخ القناعة بأن وظيفة السلطة، ما هي إلاّ تكليف دوري وتفويض مشروط، ليس فقط لإدارة دفة السلطة بما يحقق الاستقرار السياسي ويضمن السلم الاجتماعي، أو رعاية المصالح العامة بما يصون التفاعل مع الآخر والتواصل مع الغير فحسب، إنما قبول المعارض في عرين السياسة، والمخالف في رحاب الفكر، والمغاير في ميتافيزيقا المعتقد، والمفارق في هلاوس التاريخ، والمباين في فنتازيا الذاكرة. وفي ضوء هذه المعطيات فان محاولات توطين الفكرة الديمقراطية في الوعي السياسي العراقي، وممارسات تبيئة قيمها في منظوماته العرفية وعلاقاته الاجتماعية، لا تبدو فقط جهود سابقة لأوانها بل وفي غير محلها أيضا"، ما لم تتخلص الجماعات السياسية العراقية من هواجس الاستحواذ على السلطة دون منافسين، وكأنها حق الهي وهبة سلطانية من جهة، ومخاوف الوقوع في مصيدة المعارضين وفخ المناوئين، وكأنها لعنة شؤوم وطالع تهلكة من جهة أخرى.

واللافت في الأمران الأساليب المتبعة من قبل المنخرطين في العمل السياسي، لا تتم في أروقة اللغة كنمط من أنماط الحوار، لتغليب الشأن العام على الشأن الخاص فحسب. ولا في رحاب الفكر كصيغة من صيغ المناقشة لإيثار المصالح العاليا على المصالح الدنيا فحسب. ولا حتى في متاهات الايديولوجيا كوسيلة من وسائل تعظيم الولاء الجمعي على الولاء الفرعي فحسب. إنما تجري على أرضية الإقصاء التام والإبعاد الكلي والاستئصال الجذري والتنكيل الشامل، بحيث يصبح العنف والعنف المضاد، هو اللوثة التي تصيب الكل والجرثومة التي تعدي الجميع. ولذلك تبدو السلطة في أعين البعض الضمانة الوحيدة للبقاء، هذا في حين تبدو المعارضة للبعض الآخر السبيل المؤدي للفناء، وهذا ما يفسر سرّ تمسك البعض الأول بمقاليد السلطة، بصرف النظر عما يحيط هذا الإصرار من دواعي الشك في النوايا والريبة في المواقف. كما إن تطير البعض الثاني من التموضع في خانة المعارضة، قمين له إن يفسر لنا، بالقدر ذاته، سرّ تلك الممانعة المتشددة وخبايا ذلك الهلع المفرط.

ولعل ما يظهر مقدار أميتنا في أبجديات السياسة، ومستوى جهلنا بعلاقات الاجتماع، ودرجة تخلفنا بإرهاصات الوعي، هو إننا لم نتعلم قط من تجارب الآخرين، حين تغلبوا على مزاعم حكمة السلطة المطلقة وعصمة الحاكم الديني، بالرغم من ادعائنا المتواصل أنهم استوعبوا تجاربنا وتمثلوا معطيات حضارتنا. كما لم نتعظ نهائيا"بدروس الغير ونحذو حذوهم وننسج على منوالهم، عندما أدركوا إن وحدة اجتماعهم المدني لا تكمن في بوتقة الصهر القومي والديني، بقدر ما تكمن في تنوعهم الاثني واللغوي والمذهبي. وان قوة اجتماعهم السياسي لا تتحقق عبر احتوائهم التنظيمي والإيديولوجي، بقدر ما تتحقق في تعددهم الحزبي والانتمائي. وان رصانة وعيهم الاجتماعي لا تتجسّد عبر تعليبهم الفكري وتنميطهم الذهني، بقدر ما تتجسّد في تباينهم الثقافي والقيمي والعرفي . وان تطور علومهم وتقنياتهم لا تتمظهر عبر مقدساتهم الدينية ومحرماتهم السردية وتابواتهم الأسطورية، بقدر ما تتمظهر في حريتهم الفكرية والنقدية والتأويلية. وان ثراء إنجازاتهم الحضارية لا تتقوم عبر انعزالهم الجغرافي وانغلاقهم الفكري وتقوقعهم التاريخي، بقدر ما تتقوم في مرونة علاقاتهم وسهولة تواصلهم وبساطة انفتاحهم.

ولهذا لم تعد ظاهرة (المعارضة) في تلك البلدان، بما هي اختلاف في الانتماء السياسي / الحزبي، وتباين في الاعتقاد الديني / المذهبي، وتنوع في الخيار الفكري / الإيديولوجي، وتعدد في المنحدر القومي / الاثني، وتغاير في الأصل الثقافي / اللغوي. حدثا"طارئا"في حياتهم الاجتماعية وواقعة آنية في ممارستهم السياسية، إنما باتت جزء حيوي من تكوينهم كمجتمعات، وعنصر مصيري في تنظيمهم كحكومات، ومطلب أساسي في سيرورتهم كحضارات. بمعنى إن صيغة المعارضة سواء في بعدها السياسي أو الاجتماعي أو الإيديولوجي أو الديني أو المذهبي، لم تعد تحمل دلالات الإقصاء والتهميش والإبعاد والاستئصال والحرمان، بقدر أضحت تعني المشاركة عند بعد عبر المراقبة، والإسهام من خلف الكواليس عبر النقد، والتدخل من وراء الحجاب عبر المساءلة. لاسيما وان ظواهر تأبيد الحاكم الأوحد، وتمجيد الحزب القائد، وتسييد الايديولوجيا الوحيدة، باتت من مخلفات الماضي الغابر وتركات عصر الجهالة من جهة، وان إمكانية الوصول إلى السلطة وامتلاك ناصية النظام وحيازة مقاليد الدولة، أضحت مشرعة أمام من الجميع، لا بناء على اعتبارات القوة العسكرية والجسارة الثورية، إنما وفقا"لمقومات الأهلية والكفاءة والنزاهة والشعور بالمسؤولية، ولا بناء على احتمالات البقاء مدى الحياة باسم الدين أو القومية أو الحزب أو المذهب أو الطائفة، إنما وفقا"لضمانات الشرعية الدستورية والدورة الانتخابية والصلاحية النسبية من جهة أخرى. هذا في حين إن سيكولوجيا الجماعات العراقية المنخرطة في أتون اللعبة السياسية، مبنية على تحيّن الفرص للانقضاض على السلطة، بصرف النظر عما إذا كانت ملكية أم جمهورية، واهتبال الظروف للانتقام من الرموز، بصرف النظر عما إذا كانوا أشرار أم أبرار.

ويكفي أن تستعرض المصير المأساوي الذي آلت إليه تجارب (النظام الملكي) ولا حقا"(النظام الجمهوري)، للدلالة على شذوذ هذا المنحى الدراماتيكي. وهو الأمر الذي كرس عوامل القلق البيني، وعزز مشاعر الخوف المتبادل لدى الأطراف المعنية، على خلفية إن الذي يمسك بمقاليد السلطة، لا يمعن فقط بالاستحواذ على كل مقومات الهيمنة والتحكم بجميع منافذ السيطرة، خشية ردود أفعال خصومه ومنافسيه (= معارضيه) فحسب - التي غالبا"ما تكون تآمرية وعدوانية -  إنما يفرط في حرمانهم من كل وسيلة ممكنة (مادية أو معنوية)، تكون لهم عونا"في صراعهم ضد أشكال تسلطه وأنواع تعسفه. وطالما أن السلطة لم تترك مجالا"أمام قوى (المعارضة)، لإسماع صوتها والتعبير عن نفسها والمطالبة بحقها، وبالتالي التخفيف من احتقانها السياسي والتلطيف من تأزمها النفسي . فان هذه الأخيرة ستكون والحالة هذه، مجبرة على اختيار طريق الإزاحة بالقوة بدلا"من إجراءات التحاور والتناظر، ومضطرة لانتهاج سبيل الإطاحة بالعنف بدلا"من آليات التفاهم والتقاسم. ليس فقط لقلب المعادلة السياسية وتغيير أقطابها والظفر بالسلطة فحسب، وإنما لتكيل الصاع صاعين لمن كان سببا"في حرمانها حقها في السلطة، وعاملا"على إقصائها عن دورها في الحكم، ومن ثم إرغام مستعبديها على الارتشاف من ذات الكأس، التي كانوا قد أذاقوها مرارته ذات يوم. وهكذا وفي ضوء هذه الوضعية المأزقية في السياسة العراقية، ليس هناك من يجرؤ على تخطي إطار هذه الحلقة الجهنمية، التي لم تبرح تذر قرن الخلاف الإشكالي المستديم، بين أطراف الوطن الواحد القضية الواحدة والمصير المشترك.

***

ثامر عباس

كريم المظفرمشاركة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الاجتماع الموسع لهيئة مكتب المدعي العام الروسي، سمحت بتسليط الضوء وتحديد المهام ذات الأولوية الفورية وطويلة الأجل، والمهام التي تواجه مكتب المدعي العام الروسي ومجال إنفاذ القانون بأكمله فيما يتعلق بإجراء عملية عسكرية خاصة في دونباس وأوكرانيا، وإسماع ما يريد قوله لمن فيه صمم .

المناقشات التي طرحت أكدت حاجة سلطات الادعاء إلى زيادة فعالية عملها في جميع المجالات الرئيسية، وإيلاء اهتمام متزايد لحماية الحقوق والحريات القانونية للمواطنين، بما في ذلك الحقوق الاجتماعية وحقوق العمل كما يقول الرئيس بوتين، وهذا بالطبع لأن روسيا واجهت ضغوطًا غير مسبوقة من الدول الغربية في السنوات الأخيرة، وبعد بدء عملية عسكرية خاصة لدعم جمهوريات دونباس الشعبية، ازداد الضغط الذي تم فهمه ومعرفته أكثر.

فخلال العملية العسكرية الروسية الخاصة، تم الكشف عن حقائق جماعية حول الانتهاك الجسيم لقواعد القانون الدولي من قبل تشكيلات النازيين الجدد في أوكرانيا والمرتزقة الأجانب، والحديث هنا كما يقول الرئيس بوتين عن قتل المدنيين، واستخدام الناس، بمن فيهم الأطفال، كدروع بشرية، وجرائم أخرى، وكذلك الاستفزازات الصريحة ضد القوات الروسية المسلحة، بما في ذلك استخدام موارد وسائل الإعلام الأجنبية والشبكات الاجتماعية، والتي تتطلب أيضًا تحقيقًا شاملاً.

وإحباط جهاز الأمن الفيدرالي، مؤخرا، أنشطة مجموعة إرهابية خططت لهجوم وقتل صحفي تلفزيوني روسي معروف، بالطبع، والحالة فأنهم سينكرون( الغرب ) ذلك، لكن الحقائق والأدلة لا تقبل الجدل، تدعو من وجهة نظر الرئيس الروسي الى ضرورة وبشكل حاسم التشديد على قمع أي جرائم على أراضي الاتحاد الروسي

كما ان دبلوماسيين رفيعو المستوى في أوروبا والولايات المتحدة يحثون (جماعتهم ) الأوكرانيين لاستخدام جميع مواردهم للفوز في ساحة المعركة، حيث يتمتع " شركاؤنا " في الولايات المتحدة وأوروبا بمثل هذه الدبلوماسية الغريبة - بل إن الدبلوماسيين يطالبون بذلك، ولكن مع إدراك أن هذا أمر مستحيل، تبرز مهمة أخرى في المقدمة بحسب الرئيس بوتين - تقسيم المجتمع الروسي، وتدمير روسيا من الداخل، ولكن هنا، أيضًا، هناك عقبة، إنها لا تعمل .

ويؤكد الرئيس الروسي بهذا الصدد على ان المجتمع الروسي يُظهر النضج والتضامن ويدعم القوات المسلحة الروسية ويدعم الجهود الهادفة إلى ضمان أمن روسيا نفسها دون قيد أو شرط ودعم المواطنين الذين يعيشون في دونباس، وفي واقع الأمر فإن الغرب فشل في المجال المعلوماتي، وإنهم، بالطبع، يخدعون مواطنيهم، ويستغلون موقعهم الاحتكاري في فضاء المعلومات في بلدانهم وفي بعض البلدان الأخرى، لكنهم فشلوا هنا، وعلى أراضي روسيا، فقد تحولوا إلى الإرهاب، التحضير لقتل الصحفيين الروس.

وفي هذا الصدد، بالطبع، تجدر الإشارة إلى أن الدوائر الأمنية الروسية تعرف حتى (كنى) القيمين من الخدمات الغربية، وبالدرجة الأولى، بالطبع، وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، الذين يعملون مع وكالات الأمن الأوكرانية، والذين على ما يبدو بحسب الرئيس الروسي، يقدمون مثل هذه النصائح، وبالنسبة للموقف تجاه حقوق الصحفيين، فهذا هو الموقف تجاه نشر المعلومات، هذا هو الموقف تجاه حقوق الإنسان بشكل عام، إنهم يهتمون فقط بحقوقهم الخاصة، بعضها على أساس طموحاتهم الإمبراطورية، والبعض الآخر بالطريقة القديمة، بناءً على ماضيهم الاستعماري، لكن هذا لن ينجح في روسيا.

وأصبح لزاما اليوم من لجنة التحقيق في روسيا، وجميع هيئات التحقيق تسجيل مثل هذه الجرائم بالتفصيل، وتحديد منظميها ومرتكبيها، وبدء القضايا الجنائية وتقديمها إلى نهايتها المنطقية بحسب طلب الرئيس بوتين، إلى المحاكمة، وبشأن هذه الحقائق وجميع الوقائع الأخرى، ينبغي للمدعين العامين، جنبًا إلى جنب مع المحققين، والمشاركة في تشكيل قاعدة الأدلة اللازمة، والتي ينبغي استخدامها في إجراءات المحكمة، بما في ذلك على المستوى الدولي، والتأكيد أنه ينبغي تجميع قاعدة الأدلة هذه لجميع جرائم النازيين الجدد والمتواطئين معهم، بدءًا من الانقلاب في كييف في عام 2014، الذي فتح الطريق أمام الحرب الأهلية وإراقة الدماء والعنف في أوكرانيا.

وكما يجب أيضا إيلاء اهتمام خاص لأولئك الأشخاص الذين يصلون إلى روسيا من أوكرانيا، من جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين، حيث يوجد اليوم بالفعل حوالي مليون منهم، بما في ذلك أكثر من مائة ألف طفل، والأشخاص الذين أُجبروا على ترك منازلهم ليس لديهم دائمًا المستندات اللازمة لتلقي المساعدة المادية والدعم الطبي وإيداع أطفالهم في المدارس ورياض الأطفال، فقد طلب الرئيس الروسي من مكتب المدعي العام تقديم المساعدة القانونية للأشخاص وحماية حقوقهم، بما في ذلك النظر في استئناف الضحايا في أقرب وقت ممكن، خصوصا وإن الناس يمرون بأوقات عصيبة.

وفيما يتعلق بالكشف عن السرقات والاحتيال، فإن المؤشرات ليست عالية جدًا، كما يشير بوتين، لذلك فإن المدعين العامين بحاجة لأن يكونوا أكثر نشاطا في مكافحة التطرف، ومن المهم تعزيز التطورات الإيجابية التي تحققت في هذا المجال، والقمع بحزم لأية أعمال تهدف إلى التدخل في الشؤون الداخلية لروسيا من الخارج، وزعزعة استقرار المجتمع في البلاد، والتحريض على كراهية الأجانب، والقومية المتشددة، والعداء بين الطوائف، والرد الفوري على حقائق انتشار الفكر الراديكالي على الإنترنت، والمزيفة التي تثير انتهاكات للنظام العام، والتحضير لأعمال غير قانونية، والتي غالبًا ما يتم تنظيمهم بشكل أساسي من الخارج، ويتم تنظيمهم بطرق مختلفة: إما أن المعلومات تأتي من هناك، أو المال.

ان انخفاض عدد عمليات التفتيش غير المعقولة للأعمال، والدعاية للتطرف في الفضاء المعلوماتي، و القمع الصارم الأنشطة غير القانونية لبعض المنظمات غير الحكومية، يضيف الى سلطات الادعاء الحاجة إلى زيادة فعالية عملها في جميع المجالات الرئيسية، وإيلاء اهتمام متزايد لحماية الحقوق والحريات القانونية للمواطنين، بما في ذلك الحقوق الاجتماعية وحقوق العمل.

***

بقلم الدكتور كريم المظفر

اياد الزهيريسمحت لنفسي أن أستعير هذا العنوان لمقالتي هذه وهو ذات عنوان كتاب الدكتور والأديب المصري محمد محمد حسين الصادر في سنة 1983م، والذي رد فيه على الأتجاهات الهدامة في الفكر العربي المعاصر. أن الدافع الذي دعاني الى أن أستعير هذا العنوان هو نفس الدافع الذي دفع الدكتور محمد محمد حسين لكتابة هذا الكتاب، ومعالجة نفس الأسباب التي سعى في كتابه لمعالجتها لأن أدوات الهدم التي شخصها كتابه هي نفسها من ناحية المستوى الشخصي والفكري ولكن الفرق أن الدكتور محمد محمد حسين قد تنبأ بها أو تلمس بداياتها، ولكني عشتها وتلمست آثارها وكتويت بنارها ورأيت بأم عيني كيف يُنهش جسد الأمة وتُحرق البلدان تحت نظر أبناءها وبأيادي أبناءها.

نحن نركز على العمل الداخلي المساهم في عملية التخريب لهذه البلدان، على أعتبار أن العمل أو الجهة الخارجية معروفة ولا تحتاج الى تشخيص، فمثلاً لا أحد يشك بأن أمريكا جاءت لأحتلال وتدمير العراق، ولكن الكثير يمكن أن تنطلي عليه شياطين الداخل المتعاونه مع أمريكا وحلفاءها، لذا نركز في مقالنا هذا على العامل الداخلي الذي لا يقل خطورة عن الجهة الخارجية المعادية للعراق .

لاشك أن ما يعيشه العراق من حالة تدهور خطير ومريع لايمكن أستبعاد عوامل داخليه بنيوية في حصول ما يحدث، وآفة ذلك هو حالة الجهل وتدني الوعي الثقافي لشريحة واسعة من المجتمع، والتي لولاها لما تجرأ العامل الخارجي أن يلعب دوراً تخريبياً فيه، أو يحصل على موطئ قدم على أرضه. هناك مثل يقول (يلعب الجاهل بنفسه كما يلعب العدو في عدوه)، وهو عين المثل القائل (الجاهل عدو نفسه). فالجهل هو السلاح الذي ينفذ من خلاله العدو الخارجي لعقر ديارنا، وعندما يحل الجهل في مجتمع يحوله الى معول يحطم به نفسه والى قطيع يقاد من قِبل أعداءه والخونه من أبناءه، كما يحول الجهل الشعوب الى مطية سهلة وأداة طيعة للمستبدين من حكامه، وبالحقيقة نحن شعوب الشرق الأوسط من بين أكثر شعوب العالم التي تعرضت للتجهيل عبر زمن حكم أنظمة الأستبداد والأستعمار، وأن ما نعانيه من كوارث ومآسي على طول التاريخ وليومنا هذا، وما نعانيه من حروب وصراعات، وما جرى علينا من أحتلالات وما وصلنا اليه من تخلف عن ركب الحضارة الأنسانية حتى أصبحنا في مؤخرة الشعوب، هو حالة الجهل الذي تلبس بها مجتمعنا، كما أن الأستبداد المتمثل بالحكومات الدكتاتورية هو أحد مخرجات الجهل، فالمجتمع الجاهل يمثل أرض خصبة لنمو الأستبداد فيه.

في مقالنا هذا سنتطرق فيه الى بعض العوامل التي ساهمت بشكل كبير في تحطيم حصون هذه الشعوب، وفتح أبوابها على مصراعيها لدخول الغزو الأجنبي ونهب ثرواتها ومحاولة ألغاء وجودها والقضاء على شخصيتها الحضارية التي بنتها عبر الزمن. هنا نأخذ نموذجين نطبق عليها ما نود الوصول اليه حول مساهمة الأستبداد والجهل في تحطيم الأمم والشعوب، النموذج الأول هو الأستبداد الأتاتوركي، والثاني هو مستنقع الجهل الذي وقع فيه الكثير من أبناء مجتمعنا العراقي.

لاشك أن الجهل هو الرحم الذي يولد فيه الأستبداد، وأن الحكومات هي أنعكاس لشعوبها، لذا كانت دولة الخلافة العثمانية وما مارسه سلاطينها من سياسة لا تمت للأسلام بصلة والقائمة على أستبداد السلطة، وجبروت القومية التركية وعجرفتها حوّلوا هذه الأمبراطورية الى ما يُطلق عليه بالرجل المريض، ونتيجة ذلك كاد البؤس والحرمان يغطي كل الشعوب الراسخة تحت حكم السلطنة العثمانية . هذه البيئة المتهالكة والنتنه كان من أهم عوامل بروز رجال الأستبداد، ومنهم كمال أتاتورك، هذا الدكتاتور المتسم بالقسوة المفرطة، ليس فقط مستبد، ولكن لا يخلوا من جهل كبير، حيث أسقط دولة الخلافة عام 1924م، وكان خطئه لا لأن الخلافة العثمانية تمثل وجه حضاري ناصع، ولا لأن الشعوب التي ترسخ تحت سطوتها تعيش الرفاهية، ولكن الخطأ كما يعبر عنه الدكتور محمد عمارة بأن (أتاتورك قد حطم الدولة العثمانية التي كانت لعدة قرون جداراً للشرق أمام أطماع الغرب الصليبي الزاحف والمتربص بهذه الأمة وبهذا الشرق)، وكان للدكتور علي شريعتي ذات الرأي مع الدكتور عمارة، وقد عبر عنه في كتابه (التشيع العلوي والتشيع الصفوي)، حيث يقول (ومع انكسار الدولة العثمانية تعرض الأسلام كقوة سياسية وعسكرية الى هزيمة، وبات الطريق معبداً أمام القوى الأستعمارية للهجوم على الشرق وبخاصة الدول السلامية) ومن ناحية أخرى يقر شريعتي بأن (الحاكم العثماني كان حاكماً جائراً وفاسداً وغير مؤهل) ولكن والقول له (اذا نظرنا الى الحاكم من زاوية كونه يقف حائلاً بوجه الأستعمار الغربي والتبشير المسيحي.... عندما يهاجم الغرب الحاكم العثماني فأنه لا يهاجمه لكونه حاكماً فاسداً أو مستبداً أو سنياً، بل هاجمه لأنه الممثل الرسمي لقدرة الأسلام في منطقة المتوسط، وهو سد منيع بوجه أطماعهم التوسعية نحو آسيا شرقاً وأفريقيا جنوباً) . لم يكن الدكتور شريعتي راضياً ومقتنعاً بالحكم العثماني، ولكنه كان عارفاً بما تضمره أوربا أزاء منطقة الشرق الأوسط والعالم الأسلامي، وقد شاطره الرأي الشيخ والمفكر المصري محمد رشيد رضا الذي كان من الناقدين والساخطين على سياسة الدولة العثمانية، بل وأزالتها ولكن بعين الأصلاح لا التدمير، وقد قال (يجب السعي دائماً لاأزالتها عند الأمكان.. ولا أن تجعل كالكرة بين المتغلبين يتقاذفونها ويتلقونها) لذلك دعا الرجل الى تشكيل حزب أسماه (حزب الأصلاح الأسلامي المعتدل) مقابل ما دعا اليه المتطرفون العلمانيون ذوي المنهج الغربي لأن التطرف العلماني لم يقل خطورة عن التطرف الديني فكليهما ضار بمستقبل الأمم والشعوب.

ما ذكرنا أعلاه يمكن أن تكون مقدمة لما نريد أن نتطرق له في الحالة العراقية، وكيف أن تطرف العلمانين لا يقل ضرر وفساد عن التطرف الديني، والذي يجد له بيئه منعشة في الأوساط الجاهلة، وقد أستخدم الأستعمار الغربي كلتا الحالتين كمعاول هدم لتصديع حصون بلداننا وفتح الباب واسعة لدخول أراضينا وأستباحة سيادة أوطاننا، ولنأخذ مثال حي نعيشه في ظاهرة الصرخي كظاهرة تمثل التطرف الديني في العراق، والتي يتزعمها شخص يُدعى بمحمود الصرخي، وهو رجل تدور عليه الشبهات، وله أرتباطات سابقاً بجهاز المخابرات العراقية السابق . هذا الرجل المشبوه يروج لفكر متطرف ويدعو الى العنف في تحقيق ما يرجو الوصول اليه من أهداف، ولكن السؤال المهم، كيف لهذه الأفكار المتخلفة ان يكون لها مكان في الوسط الأجتماعي لولا توفر عاملين رئيسين، وهو الأستبداد السياسي، المتمثل بالحكومات الدكتاتورية، وهيمنة وأحتكار طبقة تجهل فهم النص المقدس، والذي يزيد من خطورة هذه الطبقة عندما يهيمن بعضها على أدارة سلطة أو قيادة تنظيمات ذات طابع سياسي .

أن القوى الخارجية والطامعة بالعراق قد رصدت هذين العاملين في الساحة العراقية عبر عيونها المخابراتية، فعمدت الى أختيار حركات متطرفة تقوم بمهام التدمير المنظم في تصديع جدار وحدته الوطنية عبر تمزيق وحدة نسيجه الأجتماعي، وخلق حالة الفوضى العارمه في وسطه الشعبي، وتحقيق أهداف عجزت الآلة العسكرية من تحقيقة. أنها الحرب الناعمة، والحرب بالنيابة، وكان الصرخي وأمثاله هم الأدوات المناسبة لذلك، وقد أعدوا سلسلة طويلة من الحلقات التدميرية التي يبغون من خلالها الوصول الى تركيع الشعب العراقي وأستسلامة، وقبوله بما تملي عليه هذه القوى من مخططات رسموها سلفاً لهذه الدول ومنها العراق لما يُسمى بالشرق الأوسط الجديد . فقد بدأ الأستكبار الغربي بتحريك الورقة الطائفية والتي بدأت بأعمال عنف منذ عام 2006م وأخذت تنهش بالبلد عدة أعوام أحرقت الأخضر واليابس، تلتها بعد ذلك ظهور داعش وأحتلالها لأجزاء كبيرة من العراق، وبعد طرده عبر الحدود والقضاء عليه، جاءتنا صفحة أخرى من صفحات الأقتتال بين أبناء الطائفة الواحدة، وقد وقع الأختيار على الطائفة الأكبر والأكثر ممانعة لمشروع التطبيع مع أسرائيل، وكان أحد أبطال هذا الأقتتال هو المدعو محمود الصرخي الملتحف بأفكار متطرفة والمدعوم بأموال وأعلام بعض دول الخليج، ومن الملاحظ بما أن الجهات المتصدية لمشروع التطبيع هي جهات ذات طابع ديني، لذا عمدت محركات مشروع التطبيع الى تجيش أعلام وحركات وأحزاب ذات طابع علماني معادي فكرياً وعقائدياً للدين، حتى وصل الحال بهذه الحركات العلمانية الى مد حبل الوصل والتعاطف مع تيارات متطرفة من أمثال التيار الصرخي والتباكي عليه حين ينتفض المجتمع لحماية عقيدته ومتبنياته المقدسة، ومن المعروف أن الأعلام بكل أدواته وأساليبه هو السلاح الرئيسي في معركة العلمانيين ضد كل قوى التطبيع مع أسرائيل . فالمعركة ليست بالسهلة فهي تحتاج لمنسوب وعي عالي يقف بمواجهة هذه القوى العديدة والخطيرة، كما فنحن بأنتظار مشروع أتاتوركي جديد تصنعه أمريكا والدول المتحالفه معها يجتاح المنطقة لتغير خارطتها الجغرافيه والحضارية والدينية والديموغرافية، ولكي تُفشل هكذا مخططات، فلابد من سلاح قادر على أحباط كل هذه المؤامرات، الا وهو سلاح الوعي المصحوب بالعمل والجد، فكما المعرفة بالسباحة وحدها لا تنقذ الغريق، كذلك المعرفة بحجم المؤامرة لا ينقذ ضحايها المحتملين الا بالأستعداد المعنوي والمادي لرياح الشر الهابه نحو الشرق.

***

أياد الزهيري 

صائب خليللا شك ان الوعد الذي طرحه سيد مقتدى لتقديم "مقترح مشروع لتجريم التطبيع والتعامل مع الكيان الصهيوني" مثير للاهتمام. وهو يثير اهتمامي بشكل خاص، لأني قبل سنة ونصف قدمت طلبا (مشفوعا بتواقيع اكثر من 300 مشارك) إلى المرجعية في النجف لدعمنا في "تحريم" التطبيع من الناحية الدينية وبشكل نص فتوى صريحة يمكن ان نستخدمها لدرء الخطر المتزايد والواضح على العراق. ومازال ذلك الطلب بدون جواب منذ ذلك الحين، رغم ارساله من خلال ثلاثة معتمدين، إضافة الى عدد من الأصدقاء الذين وعدوا ان يوصلوه اليها. وقد أوصل لنا أحد السادة المعتمدين أنه أوصل الرسالة الى المكتب، وانهم اخبروه بأنها قد وصلتهم قبل ذلك! ومع ثقتنا أن السيد السيستاني لا يمكن ان يرفض مثل تلك الفتوى (او على الأقل الإجابة على سؤالنا)، كما يستدل من تاريخ حرصه على القضية الفلسطينية وحماية العراق عموما من الاخطار، فلا تفسير لدي سوى أن الرسالة لم تصل اليه ابداً!

عودة الى تغريدة السيد مقتدى، أقول ان الأمر مختلف هنا، فنحن طلبنا فتوى شرعية، وليس قانون، لأنه موجود بالفعل! ورغم ضرورة دعم مثل هذا الإتجاه عموما، إلا أن النقاط التي تحيط بالقضية تثير الأسئلة.

وهنا نتذكر التصريحات التي وصل بها الرئيس التونسي "سعيد" إلى الرئاسة، بأنه سيقر قانونا لتجريم التطبيع مع إسرائيل. وكذلك ارتفعت شعبية اردوغان بشكل مهول بموقفه من شامير وبمسرحية اسطول الحرية الى غزة. وفي النهاية لم ينفذ "سعيد" وعده عندما صار رئيسا، بل حطم دستور بلاده (بحجة "الإصلاح" أيضا) وزاد اردوغان من علاقاته المتطورة مع إسرائيل بعد ان استخدم شعبيته لتغيير الدستور ليناسبه، وقام بدور كبير في تحطيم سوريا. ويبدو ان الأثنان يعملان بتوجيه إسرائيلي لتحطيم العرب وتقوية إسرائيل!

إذن تبني العداء لإسرائيل لا يكفي للثقة وكثيراً ما استخدمته إسرائيل لتمرير مشاريعها ورفع عملائها. فرغم انها ليست اول مرة يكتب فيها مقتدى ضد التطبيع، إلا ان مواقفه لا تشجع على الثقة بصدقه هنا. فقد اعلن دعمه لـ "عودة" اليهود من اصل عراقي ان شاءوا ولم يضع شرطا سوى "إخلاصهم للعراق"، وهو شرط لا يمكن التحقق منه. كذلك كان اكثر الشخصيات دعما وحماسا لمشروع الدين الإبراهيمي، وهو مشروع صهيوني بكل تأكيد. كما ان مقتدى يشير الى النبي موسى في تغريداته بكثافة مثيرة للتساؤل، ويصوره اتباعه وهو يقودهم، بصورة موسى وهو يشق البحر ووراءه اتباعه اليهود، ويكرر كلمة "السلام" بشكل يذكرنا بما فعله السادات لتهيئة الشعب المصري لقبول الاستسلام والتطبيع.

نلاحظ أيضا ان تغريدة مقتدى تقول انه سيقدم هذا المقترح مع "حلفائه". ونحن نعلم ان أهم حلفاء مقتدى هو مسعود البرزاني، الذي له تسجيلات مجاملة للصهيونية. إضافة الى العلاقة المستمرة مع إسرائيل، وتحويل كردستان الى بؤرة إسرائيلية في العراق. وابرز مظاهر التعاون الكردستاني الإسرائيلي، هو تهريب النفط العراقي (علنا) الى إسرائيل وتأمين ثلاثة ارباع حاجتها منه بهذه الطريقة!

فكيف نعقل ان يوافق "حلفاء" مقتدى على تقديم نص قانون يحكم عليهم بالإعدام أو يجرمهم؟

وإن كان مقتدى جاداً في موقفه من إسرائيل والتطبيع، فلماذا لا يبادر أولا بإلقاء ثقله النيابي لاستغلال حكم المحكمة الاتحادية بمنع كردستان من تصدير النفط، وبذلك يمنع عنها تغذية إسرائيل بثلاثة ارباع حاجتها من النفط؟ لماذا لا يرد على مسعود البرزاني الذي قال بصراحة ان تحالفه وافق على استمرار كردستان بتصدير النفط، رغم قرار المحكمة الاتحادية؟

لكن التساؤل الأساسي هو: لماذا يسعى مقتدى الى تقديم مشروع قانون موجود بالفعل؟ أليس المنطقي والأسهل ان يطالب بتنفيذ القانون الموجود بحق المخالفين؟ إنه في هذه الحالة لا يحتاج الى اغلبية لإجبار الحكومة على تنفيذ القانون، بل يمكن لنائب واحد ان يفعل ذلك، او حتى شخص واحد له القدرة ان يسمع صوته! ويمكنه التهديد بان يشكو الحكومة والقضاء نفسه ان رفضا تنفيذ القانون!

التساؤل المنطقي هنا: ما الذي يمكن أن يفيده تكرار قانون موجود (بفرض إمكانية ذلك قانونيا)؟ من الذي يمكن ان يستفيد من قانون جديد؟ التفسير الوحيد الذي توصلت اليه، هو ان إسرائيل التي تريد بلا شك الغاء المادة 201 التي تجرم التطبع من قانون العقوبات العراقي، لكنها لم تتمكن من اقناع أي من عملائها الذين يمتلكون اعلى السلطات في العراق، من القيام بمبادرة ذلك لخطورتها، اوانها رأت ان الموضوع سيثير ضجة مثيرة للقلق بين الشعب العراقي.

هل يزعج إسرائيل قانون لا يلتزم به احد، وهي تسيطر على السلطة في البلاد؟ نعم.. فهو سيف معلق في الهواء قد يسقط في اية لحظة على عملائها. وهؤلاء يتحسبون لذلك، ولا يقبل إلا نسبة قليلة منهم ان يكون بصراحة مثال الآلوسي بعمالته. وبالتالي بحثت أجهزتها السياسية الإعلامية عن حل وتوصلت كما يبدو إلى انه بدلا من الغائه، ان يتم تخفيفه. لكن حتى التخفيف، او أي تحرش بالقانون، لم يكن سهلا ولا توجد صيغة لتمرير المشروع بدون اثارة انتباه الناس إلى حركة التقرب من اسرائيل، فتوصلوا إلى أن يفعلوا ذلك بطريقة تبدو وكأنها هجوم على إسرائيل! وأوصلوا الى مقتدى تلك الفكرة، ربما بشكل غير مباشر.

كيف عرفنا ان القانون الذي سيقترحه مقتدى سيكون تخفيفا للقانون النافذ حالياً؟

المادة 201 من القانون الحالي تقول: "يحكم بالإعدام كل من حبذ او روج مبادئ صهيونية"! فهي في اقصى الشدة، ليس فقط في حكم الإعدام، وانما أيضا في ابسط شكل للجريمة. فيكفي حتى "التحبيذ" للمبادئ الصهيونية، للإعدام! أي ان المادة تنزل اشد العقوبات وبشكل وقائي مسبق لأي تقرب من التطبيع، وليس التطبيع نفسه، فما الذي يمكن ان يقدمه مقتدى اشد من ذلك؟ إذن في افضل الحالات لن يكون القانون إلا تكرار للحالي، ولكن بوجود كل العملاء في مجلس النواب ومؤسساته ومؤسسات الحكومة والقضاء، ستقدم مختلف الحجج القانونية و"الإنسانية"، لتقديم نص اخف وطأة.

وبإضافة الكليشة القانونية التي لا تثير الانتباه: "ولا يعمل بأي نص قانوني يتعارض مع هذا القانون" يتم عمليا الغاء القانون الحالي الشديد، واستبداله بنص اكثر لينا، واقل إقلاقا للذين يفكرون بتنفيذ خطوات التطبيع التي يتلقونها من اسيادهم.

ملاحظة أخيرة ضرورية: نحن لا نثق بالمقابل ان خصوم مقتدى السياسيين في الإطار، وبعد مشاركتهم بالصمت، في تنصيب عميل السفارة وتمرير جرائمه بلا اعتراض، سيتخذون حينها الموقف الوطني اللازم، ولا استبعد من هادي العامري ومن يرضى ان يرأسه هادي العامري، تمرير مثل هذا القانون ان وجدوا الجو مناسبا، ربما بعد "دردمة" وتعديلات "عن العين"، فهم مخترقون ايضاً ولدرجة لا نعرفها، وما نأمله من هذا الكشف المسبق للاحتمالات، زيادة الوعي ووضع الصعوبات امام إخفاء مثل هذه المراوغات.

لنقف بانتظار نص السيد مقتدى لنرى إن كان تخفيفا للقانون الحالي أم لا، وما موقف "الإطار" منه؟ وهل هو رفض مبدئي حاسم ومطالب بتنفيذ القانون الحالي على المستحقين، أم "دردمة" حياء مؤقتة، وهل تقديراتنا صحيحة أم لا.

***

صائب خليل

26 نيسان 2022 

 

الطيب النقريبدو جلياً أن الاتفاقات التي مهرت بأسنة أقلام الإنقاذ، بغرض التوقيع عليها، لم تكن تمثل لديها سوى محتوىً فارغاً، وأنها كانت تستخدم هذه الاتفاقيات والمؤتمرات التي تنشد أن تقطع أسباب الحرب اليباب التي تندلع في شتى أنحاء السودان بذكاء شديد، ومما لا يند عن ذهن أو يلتوي على خاطر أن حكومة المؤتمر الوطني  المقبورة قد استمرأت حياة الدعة التي عاشتها منذ عقود، وأمست تجيد التعامل مع الطلبات التي تخرج عن الإطار السلمي، هي تتدعي أنها ملتزمة بمفهوم المواطنة، وحادبة على الوطن الكبير الذي ارتضت أن تتنازل عن ثلثه، ويبدو أن الجهات التي كانت تجلس مع نظام المؤتمر الوطني في طاولة المفاوضات، تجهل أن قيمة الشرف لم تكن قضية محورية عند أقطاب هذه الحكومة الذي شهد مسرحها السياسي ضياع الكثير من القيم والمواثيق والوثائق، لقد نكصت الإنقاذ التي تتدعي تصديها للتدخلات الخارجية عن قضية الجنوب الذي كانت تنتزع مدنه من الحركات المارقة، بمهج الأبطال والشهداء من القوات المسلحة، والمجاهدين، والدفاع الشعبي، من أجل أن يبقى البشير حاكماً لقاعدته العريضة في الخرطوم، يضاف إلى ما تقدم، تغاضيها عن احتلال حلايب، وشلاتين، وأبورماد، من أجل عدم إثارة محاولة اغتيال الرئيس السابق محمد حسني مبارك في منابر الأمم المتحدة، لم يكن البشير ونظامه يعنيهم في شيء انشطار الأقاليم وتفككها، بقدر ما يعنيهم أن يظلوا في سدة الحكم، لأجل ذلك كانوا يستجيبوا لنداء المعارضة، ويرضخوا لرغباتها، من أجل الانخراط في مشروع بناء ديمقراطية هم بعيدون عنها كل البعد، هم فقط يرمون لرسم خطوات واستراتيجيات تمكنهم من القبض على أعنة الأحداث، وكسب المزيد من الوقت، فالنظام الذي يبرع في كبح الحريات، ويبدع صيغاً من الضغط على الأحزاب، ولا يعترف لها بحق الحياة، حتماً لن يكون جاداً في أي عملية إصلاح تقضي على كل البؤر المتأزمة المنتشرة في أصقاع السودان، هذا هو الأمر الذي قاد في نهاية المطاف لأن يفضى به إلى شأفة الانتحار السياسي وتعرض قاعدته للتهميش، وحشد خصومهم من جرثومة الماركسية العجفاء لكل مظاهر التعبئة ضدهم ولم تخلى حياتهم من الصدام والقلاقل والإقصاء.

ولعل من أهم الوثائق التي أبرمها أقطاب المؤتمر الوطني وانخزلوا عنها، تلك الوثيقة التي عقدوها مع الراحل السيد الصادق المهدي رئيس الوزراء السوداني السابق الذي أزاحوه عن منصبه بعد تنفيذ انقلاب الحركة الإسلامية المعروف، وكما هو محفوظ ومدون في موقع الجزيرة الإخباري، "فقد وقع الحزب في مايو/أيار 2008 مع حزب الأمة المعارض بزعامة الصادق وثيقة للتراضي الوطني، عقب حوار استمر أكثر من سبعة أشهر، حسب قولهما. تضمنت الوثيقة -التي مهرها رئيسا الحزبين- على الثوابت التي تؤكد دور الدين مرجعاً، وموجهاً، وهادياً للناس، مع احترام حرية الأديان، والتعايش السلمي، وحقوق الإنسان. كما تضمنت الوثيقة الالتزام بسيادة الوطن، ووحدته، وسلامة أراضيه، وحقوق الإنسان، والحريات. وركزت على التمسك بمبادئ السلام العادل القائم على الوحدة الطوعية، وتأسيس التراضي الوطني على المشاركة العادلة في الثروة، والسلطة، وبناء مؤسسات الدولة النظامية والمدنية دون إقصاء، وتعزيز النظام اللامركزي الفيدرالي في السودان. وشددت على بناء الحكم الراشد الذي ينادي بسيادة حكم القانون، والمساءلة، والشفافية، والمشاركة الشاملة في البلاد، وضرورة حسم الخلافات السياسية عبر الحوار، والتداول السلمي للسلطة عبر الانتخابات الحرة النزيهة، بجانب انتهاج سياسة المصالحة، والمصارحة، ونبذ دوافع الكراهية والانتقام بين مكونات المجتمع السوداني".

لقد حرص المؤتمر الوطني أن تظل هذه الوثيقة ضعيفة ومحدود التأثير،  فغاية الإنقاذ والهدف الدائم الذي تتحرك في إطاره هو عزل الخصوم عن المسرح السياسي، فهم لا يرضون بأن يكون لأي مكون صدى كبير داخل الساحة السياسية، هم يعلمون تماماً أنهم لو سمحوا بالنشاط السياسي داخل البلد، فستتحول سوح الميادين العامة في العاصمة والأقاليم لمنابر نضالية تستقطب جموع هذا الشعب التائق للانعتاق، صناديد المؤتمر الوطني يعلمون أن الشعب السوداني لا يتهافت لمعرفة فعالية النضال القادم من خارج الحدود، فالشعب لا يرصد النخب التي تناضل باسمه في عواصم أوربا وخاصة فرنسا وبريطانيا، أو حتى في مصر القريبة جغرافياً منه، ولعل السر في هذا الزهد أنه قد خبِرّ بعض هذه النخب التي كانت سيرتها معوجة في كيفية حكمها، كما أنها زاولت السلطة بكثير من الفوضوية والارتجال، وأخفقت في التخلي عن إغراءات النفس وانبرت في " التعويضات" التي مارستها بشكل مجحف وخاطئ، وحكومة المؤتمر الوطني التي تدرك استياء الشعب السوداني من النخب الحاكمة التي سبقتها كان فحوى خطابها السياسي دائماً يعكس تهكمها على الأيديولوجيات التي كانت سائدة قبل مجيئها الميمون، وكسبها السياسي الذي يتمحور حول تمرير سياسات تجني أثلتها أو كينونتها ثمارها، لقد استمرأت الإنقاذ أن تعطي نفسها دائما صفة الشاهد في مثل هذه القضايا، وتسهب في تعميق اتجاهها التبريري لملحمتها التي قامت بها، والتي قضت بموجبها على فساد" الأحلاف والأسر التي تعتقد أنها وطبقات الشعب السوداني لا يجريان في عنان".

لقد أضعفت الإنقاذ المعارضة وسعت لكتم صوتها، وهي حتى تستأسد بالحكم، ألصقت بها كل التهم، حتى أمسى شعبها يبحث عن حلقة مضيئة في موقع المعارضة، لقد نجحت الإنقاذ فعلا في إجهاض هياكل التحول الديمقراطي الذي يهدد عرشها، من معارضة قوية ومتماسكة، وصحافة حرة ونزيهة، وبرلمان يقظ يحصي أنفاس الحكومة، ومجتمع مدني صخّاب يرفع عقيرته بالسخط والتذمر، فكممت الصحافة، وأقالت رئيس برلمانها الذي يأتي بلوذعيته، وغزارة علمه في مقدمة كل هؤلاء، لقد أزرت الإنقاذ بمكانه هذا الرجل، وتأمرت عليه، لأنه كان يريد أن يشكل ديمقراطية يتوافق عليها الجميع،  وهذا يعني أن تتخندق قطاعاتها استعداداً للتنازل عن برجها العاجي، لأجل هذا نبذت الديمقراطية، وقضت على وظيفتها ومضمونها، ووأدت المجتمع المدني، وأقصت المعارضة بالتضييق وشراء الذمم.

 ***

الطيب النقر

عباس علي مرادتساءلت صحيفة ذي سدني مورننغ هيرلد في أفتتاحيتها(17/4/2022) عن مصير الديمقراطية في أستراليا. لم يأتي طرح الصحيفة للموضوع من فراغ مع ان الصحيفة ركزت على موضوع التبرعات الانتخابية حيث من المتوقع ان يصل الانفاق على الحملة الأنتخابية الحالية الى 500 مليون دولار.

الذي تقدم يجعلنا نتساءل عن هذه التبرعات الانتخابية وما الهدف منها

اولا، من أين وكيف تأتي الاحزاب الاسترالية بهذه المبالغ؟

ثانياً، هل القانون الحالي للتبرعات السياسية فيه كفاية من الشفافية، وهل يشكل ذلك اسلوب لشراء الاصوات بطريقة مواربة؟

ثالثاً، هل يتبرع المتبرع حسنة لوجه الله وما هي الخدمات التي سيتلقاها مقابل تلك التبرعات؟

الى جانب هذا الموضوع المهم والحساس، هناك قضايا لا تقل أهمية من حيث تأثيرها على المسار الديمقراطي في البلاد والاحزاب خصوصاً الحزبين الكبيرين الاحرار والعمال يتحملون المسؤولية عما وصلت اليه الأمور، حيث يتدخل الحزب حتى بتسمية المرشحين وانزال مرشحين مقربين من القيادة الحزبية على حساب الاختيار عبر الانتخابات  الحزبية وتهميش اعضاء الحزب.

على سبيل المثال العمال انزلوا بالمظلة كريستينا كينلي كمرشحة في مقعد فولرفي غرب سدني، وحزب الأحرار انزل كاثرين ديفيز مرشحة عن مقعد وارنغا في شمال سدني، وقد أثارت هذه التعيينات مشاكل وصلت الى المحكمة العليا في ما عرف بالحرب الأهلية داخل حزب الأحرار في ولاية نيو سوث ويلز.

مع بداية الأسبوع الثالث من الحملة الأنتخابية، نرى ان هذه الحملة ما زالت تسيطر عليها حملات التفاخر والتباهي والزلات والتخويف، وان لم تخلو كلياً من بعض المشاريع التي تعرضها الاحزاب والتي لم تستطع أقناع 25% من الناخبين المتأرجحين باتخاذ قرار حاسم لمن سيقترعون أذا ما أخذنا نتائج المناظرة الاولى التي جرت الأسبوع الماضي بين رئيس حكومة تصريف الأعمال سكوت موريسن وزعيم المعارضة انثوني البانيزي كدليل ( 40% لصالح البانيزي 35 % لموريسن و25% متأرجحين).

الموضوع الآخر، والذي لا يقل اهمية من حيث الدلالة على فقدان الثقة بالسياسين هو المطالبة بتشكيل هيئة او مفوضية فيدرالية لمكافحة الفساد، والتي كانت وعداً انتخابياً قدمه موريسن عام2019  ولم يرى النور، بسبب تهرب موريسن من تشكيل مفوضية بصلاحيات جدية والتي وصفها موريسن (كمحكمة الكنغارو) رغم ان اعضاء من حزب الاحرار يؤيدون تشكيل هكذا هيئة بصلاحيات جدية، بالأضافة الى تأييد النوب المستقلين لتشكل هذه المفوضية الى جانب حزبي الخضر والعمال، وهذا ما يقودنا الى التساؤل فعلاً لماذا نريد هكذا مفوضية إذا كان ممثلو الشعب يلتزمون بالقوانين؟!

وهناك مشكلة أخرى تواجه الديمقراطية، فرغم ان الانتخاب أجباري  في أستراليا (او على الاقل شطب الاسم) لكن هناك ظاهرة برزت مؤخراً ان نسبة 55% من الذين بلغوا سن الانتخاب لم يسجلوا انفسهم للمشاركة والتصويت في في انتخابات 21/5/2022 وقد عزى سكوت موريسن الامر خلال المناظرة الى وسائل التواصل الاجتماعي عندما سئل عن الموضوع!

وقد عبر عن هذا الاستياء روب بيليو نجل تيد بيليو رئيس ولاية فكتوريا السابق (احرار)، في اعنف هجوم على حزب الأحرار وقال:كان والدي رئيس الوزراء الليبرالي، لكن لا يمكنني دعم حزبه ويضيف بيليو قائلاً: لا فرق بين المحافظين والمعتدلين داخل الحزب كلهم انانيون، و يستخدمون الجمعيات الخيرية والمؤسسات العامة لتعزيز قضاياهم السياسية.

وتحدث عن ارث حكومة موريسن فرايدنبرغ قائلاً:

إرث سكوت موريسون وفريدنبرغ هو توقع تريليون دولار من الديون، وركود قطاع الطاقة، وتراجع أستراليا في مؤشر الفساد لمنظمة الشفافية الدولية، وتعزيز ما أعتقد أنه أسوأ ثقافة سياسية عرفناها على الإطلاق. هذه ليست إنجازات الأشخاص المحترمين

مهما يكن من امر، فقد حان وقت العمل الجدي والهادف، من اجل النهوض من جديد وحماية النمو المستديم والمكتسبات الديمقراطية لاستمرار ازدهار البلاد، وهذا ما يتطلب ذهنية مختلفة وبمقاربة مختلفة، ذهنية وطنية ليست ذهنية سلطوية هدفها الوصول الى السلطة بأي ثمن، لقد حان الوقت للتركيز على النتائج وليس على المكاسب السياسية الرخيصة قصيرة المدى، لان الأمور ليست كما يصورها السياسيون وهذا ما حذر منه صندوق النقد الدولي الذي وصف الميزانية الاسترالية بانها تنزف حبرا احمر، الميزانية الاسترالية تعاني اكبر انهيار او تراجع في العالم المتقدم حسب صندوق النقد الدولي (س م ه 20/4/2022).

وهذا ما تؤكده الارقام، حيث ان الدين العام الأسترالي وصل الى أعلى نسبة منذ خمسينيات القرن الماضي، في نفس الوقت الذي يروج  رئيس الوزراء سكوت موريسن لنفسه انه الاقدر على إدارة الإقتصاد الأسترالي، علماً ان حزبه الذي تولى السلطة عام 2013 ورث نسبة من الدين 20% وصلت اليوم الى 42.5% من الناتج المحلي الإجمالي، ويتوقع ان يرتفع الى 44.9 بعد عامين.

طبعاً هناك فوائد تدفع لخدمة هذا الدين (18 مليار حالياً)، وسيرتفع هذا المبلغ في حال ارتفعت أسعار الفائدة والتي أصبحت مؤكدة (وحسب توقعات الميزانية سيصل المبلغ الى 26 مليار خلال 4 سنوات) وقد يلجأ البنك المركزي الى رفع سعر الفائدة في اوئل أيار القادم وقبل الانتخابات الفيدرالية للجم الارتفاع الحاد بسنبة التضخم.

ومن مظاهر الفشل السياسي لحكومة موريسن، توقيع الصين اتفاقية امنية مع جزر سليمان، التي تعتبرها أستراليا جزءاً من امنها القومي لانها تعتبر شريان بحري حيوي لحركة التجارة في الوقت الذي يتلهى موريسن باتهام  حزب العمال بـ "الانحياز إلى جانب الصين" هذا الاتهام الذي وصفه زعيم المعارضة أنتوني ألبانيز "بالافتراء الشائن".

وقد وصف بيتر هارتشرمحرر الشؤون السياسية في الهيرالد موريسون بأنه فشل فشلاً ذريعاً في الوظيفتين الفيدراليتين الأساسيتين التي يدعي انه يحسن ويبرع في إدارتهم  الاقتصاد والامن القومي (23/4/2022).

على الضفة السياسية الأخرى، فإن حزب العمال والذي دخل زعيمه في حجر منزلي بسبب إصابته بالكورنا، والذي كان له زلة كبيرة في الاسبوع الاول حيث فشل بمعرفة ارقام البطالة وسعرالفائدة، ما زال الحزب يقارب الامور بحذر شديد خشية تكرار سناريو انتخابات عام 2019، رغم انه وعد بأجراء إستفتاء للاعتراف بالسكان الاصليين بالدستور، وتحسين الوضع في قطاع رعاية المسنين، ورعاية الأطفال، وزيادة المساعدات لجزر الباسفيك وقد وجد الحزب فرصته في فشل موريسن بمنع جزر سليمان توقيع الاتفاقية الأمنية مع الصين وحمل مورسن وحكومته المسؤولية عن هذا الفشل.

وقد وعد العمال بفرض صرائب على الشركات المتعددة الجنسيات ولكن الحزب لم يعد في حال وصوله الى السلطة بالحد من الانفاق مما بعني زيادة الدين.

 إن استراليا تعاني من مشكلة بنيوية سياسية واقتصادية سيتبين عمقها بعد ان تنجلي غبار الحملة الانتخابية، حيث سنكون امام حقائق لا تبشر بالخير، مالية (زيادة الدين وتضخم) وسياسية (برلمان معلق)، ولذلك نرى ضرورة مصارحة الناخبين ووقف التلهي بحملات التخويف والتشهير والافتخار بانجازات ماضية والتركيز على الزلات، لاننا نريد ان نعرف ما هي مشاريعكم وخططكم المستقبلية.

وبهذا الخصوص، يرى الكاتب في الهيرلد جيمس ماسولا، ان موريسن والبانيزي يحاولان تأطير الانتخابات القادمة (21/5/2022)  على أنها استفتاء على السنوات الثلاث الماضية، وقد وصل ماسولا الى هذا الاستنتاج بعدما عرض لمقالين نشرتهما الهيرالد  لكل من موريسن والبانيزي في 24/4/ 2022عرضا وحهتي نظرهما لمستقبل البلد.

***

عباس علي مراد - سدني

ابراهيم أبراشتسعى إسرائيل إلى تحويل الصراع مع الفلسطينيين إلى صراع ديني وهذا أمر مفهوم، لأنها تريد أن تغيب حقيقة أن صراع الشعب الفلسطينيهو صراع ضد احتلال استعماري استيطاني ولأنها قامت على أساطير دينية وليس لليهود أي وجود مادي حضاري أو ثقافي إلا مزاعمهم التوراتية الأسطورية ولأن إضفاء طابع ديني على الصراع يحشد كل يهود العالم حولها، وجزء كبير من المسيحيين ولكن بالنسبة لنا كفلسطينيين فإن لنا وجود مادي حضاري وثقافي منذ أكثر من خمسة آلاف سنة وقبل ظهور الديانات السماوية وجاء الإسلام ليعزز هذا الحضور ولذلك فإن تحويل الصراع إلى صراع ديني بين اليهود والمسلمين لن ولم يؤدي إلى استنفار العالم الإسلامي للدفاع عن القدس والمسجد الأقصى، وقد رأينا المواقف السلبية للدول الإسلامية مما يجري في القدس وغالبيتها مطبعة مع إسرائيل، كما أن جماعات الإسلام السياسي ذهبت لتجاهد في كل مكان في العالم إلا فلسطين المحتلة، والصراع الديني يهمش البعد الوطني والقانوني كصراع بين شعب خاضع للاحتلال ودولة احتلال استعماري استيطاني، والصراع الديني يضعف التأييد العالمي لعدالة قضيتنا لأنه يؤدي إلى الخلط ما بين المقاومة الوطنية المشروعة للاحتلال وبين ما تمارسه الجماعات المتطرفة عبر العالم .

ولذا فإن محاولات حماس لإضفاء البعد الديني على الصراع ورفع راياتها داخل المسجد الأقصى يحرف البوصلة عن حقيقة الصراع باعتباره صراع تحرري وطني.

***

ا. د. ابراهيم ابراش

عامر صالحتلك هي الحرب عندما تندلع شرارتها الأولى لا يمكن التكهن بسقف زمني لنهايتها مهما بلغت حنكة وقدرات الأطراف المتنازعة، وهنا يتوقف الذكاء الأنساني ونزوعه نحو الحفاظ على النفس الأنسانية، ويسود خطاب النزعة العدوانية المتمادية في البحث عن انتصارات وهمية لأخضاع الطرف الآخر في الصراع من اجل اخضاعه قسرا في اطار عدم توازن قوى اطراف الصراع، وهنا أيضا حيث تتمادى غريزة القتل والتخريب ذات الطابع الحيواني والمجردة من كل بعد انساني ولكنها تستخدم العقل واللغة والخطاب في تسويق العدوان واعتباره مقدسا وان هناك اهدافا نبيلة يدعى تحقيقها ولا يفهمها ويستوعبها إلا من اعلن الحرب، وان الخراب الشامل والهمجية التي ترافق العدوان ونسف البنية التحتية الأقتصادية والاجتماعية وتهجير السكان ونزوحهم ما هي إلا اعراض بسيطة وجانبية لطموحات من اعلن الحرب واشعلها!!!.

الحرب الروسية ـ الأوكرانية هي ليست حرب نظم سياسية ـ اقتصادية متصارعة ومختلفة جذريا على نسق صراعات النظام الرأسمالي والنظام الأشتراكي السابق او هي حرب معسكرين مختلفين ايديولوجيا وسياسيا واقتصاديا، بل حرب زعامات رأسمالية أوليغارشية ناشئة متمثلة بروسيا بعد انهيار المعسكر الأشتراكي ورأسمالية احتكارية امبريالية متمثلة بالمعسكر الغربي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي نحن امام حرب زعامات لقيادة العالم والأنفراد به عبر احياء نماذج من الزعامات الأمبراطورية التي عفى عليها الزمن، تتخذ من الخطاب القومي الماضوي سبيلا لأحياء مجدها والسيطرة على دول صغيره نسبيا كانت تدور في فلكها كما نحن عليه الآن في الحرب الضروس بين روسيا وأوكرانيا.

في روسيا وبعد العام 2000 بعد سيطرة بوتين رجل المخابرات السوفيتية الروسية السابق على دفة الحكم وازاحة يلتسن، بدأت حقبة جديدة ذات طابع ليبرالي مؤقت كان قوامها الأولي اعجاب بوتين بالتجربة الغربيىة وطموحاته للأنظمام الى العالم الأوربي اقتصاديا وسياسيا، بل ان تصريحات بوتين السابقة في مقترحاته للأنظمام الى حلف الناتو والى الاتحاد الأوربي كان مصدر اعجاب وسعادة للقيادات الأوربية الغربية وحتى امريكا، بل انهم اليوم في صدمة من امرهم كيف اختلف هذا الرجل كليا الى معاداة المعسكر الغربي والأقدام على الحرب في اوكرانيا بمبررات الحفاظ على الأمن القومي الروسي والدفاع عن حقوق الأقليات الروسية في اوكرانيا، بل والأعلان عن استحواذ على اراضي اوكرانية واعلانها جمهوريات مستقلة عن اوكرانيا بوصاية روسية.

لقد عانت القيادة الروسية بعد عام 2000 وعلى رأسها بوتين من فراغ ايديولوجي ولم تعد تمتلك   تلك الرؤى التي امتلكها من سبقه من القيادات الشيوعية المتمرسة في الحفاظ على السلم العالمي في اطار صراعها مع العالم الغربي، وبهذا أخليت الساحة الفكرية الروسية للتوجهات القومية اليمينية والشوفينية وعبر تحالفاتها مع قوى اليمين الاوربي والامريكي في تحالفات غير نزيه ومشوهة كان قوامها التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان وحتى العبث في ديمقراطياتها عبر دعم قوى اليمين القومي للوصول الى دفة الحكم، ولكن اللعبة الروسية تصتدم بانعدام التجربة السياسية في الداخل الروسي وفوضى احزابه الموالية في معظمها للزعيم بوتين مع هامش

من المعارضة الهشة لا يقوى على خلق واقع جديد يتعايش مع حقبة مابعد الاتحاد السوفيتي والاستفادة قدر الامكان من التجارب الغربية في اجادة فن ادارة الحكم على اساس من قوى ذات صدق نسبي في المعارضة وقوى اخرى تتمتع بقدر من النزاهة في الحكم.

الجزء الآخر من الحكاية ان العالم الغربي وبأرادة روسية محضة دخلوا في عملية الأحتواء المتبادل في اطار الأقتصاد الرأسمالي العالمي حتى باتت روسيا منذ اكثر من عقدين جزء منه وبالتالي شكل الاقتصاد الروسي جزء من منظومة الاقتصاد العالمي الرأسمالي الى جانب الصين التي سبقته منذ السبعينيات، وهنا شكل الأقتصاد الروسي في نفطه وغازه وصناعاته عصب الحياة في اوربا، كما شكل احتمالات الأستغناء عنه في اطار العقوبات الامريكية والاوربية احدى ابرز المعضلات لأوربا، وكان يفترض بروسيا ان تدير الصراع على اساس من المصالح المشنركة بعيدا عن تشنجات الخطاب المؤذي للمصالح الروسية قبل غيرها، ولكن الخطاب القومي المتشنج مؤذي بأنفعالاته للمصالح الروسية قبل غيرها، رغم ارتداته على المصالح الاوربية بدون شك.

الذي غذى الصراع الأوربي ألأمريكي ـ الروسي ليست المشكلة الأوكرانية والدفاع عن الأقليات الروسية فتلك واجهات للصراع لا غير وأختيرت اوكرانيا كمنطقة لأدارة الصراع الجيوبوليتيك مع الغرب ولكن الديمقراطيات الهجينة التي نشأت في اوربا الشرقية بعد انهيار المعسكر الاشتراكي شكلت بؤر متوترة شبه دائمة بين الغرب وروسيا عبر انحياز اوربا الشرقية الى الغرب وامريكا دون حساب لعواقب هذا الانحياز في ضوء الظروف التاريخية والحاضرة الصعبة ودون اكتراث لخصوصية العلاقة التاريخية مع روسيا، وبالتالي نحن امام تشابك من الانفعالات السياسية لأجادة فن الصراع مع الخصوصية الجيواثنيبوليتيك، وهنا يشكل نموذج الرئيس الأوكراني احدى اكثر النماذج عدواة مع الماضي القريب واشكالية الخلاص منه عبر سيكولوجيا العداوة المطلقة مع الروس.

وعلى خلفية ذلك بالتأكيد شكل تمدد حلف الناتو على مقربة من روسيا اليوم في ظل هواجسها المشروعة وغير المشروعة احدى اهم دوافع روسيا في الاندفاع نحو الحرب ضد اوكرانيا، ولو كانت روسيا عضوا في الناتو لما حصل ذلك، ولكن تعمد الخطاب القومي والانكفاء حول الذات القومية المتطرفة هي احد عوامل اشعال الحروب في التاريخ. وللحقيقة والتاريخ نقول لا يمكن للديمقراطية ان تلد معوقا كرئيس اوكرانيا المراهق السياسي، ولا يمكن لروسيا التاريخ والحضارة والأدب والفن ان يتصدر بوتين مشهدها السياسي لكي يلوث تاريخها في ارتكاب حروب عبثية لا مصلحة للروس فيها.

بلغت الخسائر الأوكرانية جراء تهديم البنية التحتية الى ما يقارب 500 الى 600 مليار دولار والى جانب هجرة ونزوح ما يقارب 12 مليون نسمة من السكان في داخل اوكرانيا وشتات بقاع العالم، وقد اصبح العالم اشد قطبية مما كان عليه، وأن دول العالم اليوم تهرول للأنظمام الى حلف الأطلسي خوفا من تداعيات حرب بوتين على اوكرانيا وبات العالم الغربي بفضل بوتين اكثر وحدة وتنسيقا لمواجهة روسيا، فمباذا افلح بوتين، وهل هذا صحيح ان كل ما جرى من اجل " اقليم الدنباس " لأنقاذه من السياسات الشوفينية والعنصرية التي اوجعت الأقليات الروسية هناك، أم أن حسابات الحقل غير حسابات البيدر، ام ان اوهام الأنتصار تدفع القادة لمزيدا من الهزائم. الخسائر الروسية جراء المقاطعة والحصار الغربي عليها وفرض العقوبات بالتأكيد سيفضي الى مزيد من تهالك البنية التحتية الروسية ويشدد من عزلة روسيا عن العالم، فنافذة روسيا الأقتصادية هو العالم الخارجي وبالتالي سيصيبها من الخسائر ما يكفي لعرقلة نموها الأقتصادي، وهي بأمس الحاجة للعوائد المالية من الخارج، نعم الغرب سيتضرر من تلك العقوبات ولكن مكره اخاك لا بطل.

الأدعاء الروسي انه يعرف كل شيء عن الحرب وانه يتوقع كل ما يصدر من السلوك الغربي اتجاه روسيا هو ادعاء كاذب، الى جانب هل يعرف بوتين ماذا يحل بالعالم من ازمة غذائية وأفقار لمناطق العالم المختلفة بل وتجويع بلدان عدة، واذا كان بوتين يعرف ذلك فأي انسان هذا يريد نهاية العالم من اجل دنباس، ولكن بالتأكيد نرجسيته المرضيه عمته لرؤية ما يدور من حوله، فهو لم يرى إلا نصر قريب وسجود غربي بين يديه يباركه بالأنتصار على اوكرانيا !!!.

لقد وقعت القيادة الروسية وعلى رأسها بوتين في متاهات" الأوهام الأيجابية" بأنه هو ومؤسساته ومن يدور حوله قادر على النصر المبين خلال اسبوع او اسبوعين، ومن هنا أتت التسمية بأنها عملية خاصة، ولكنها على ما يبدو انها عملية عامة حين اندلاعها اشترك العالم كله فيها، ولا نعتقد ان بوتين كان يتوقع حجم الأستجابة العالمية للحدث، بل كان يتوقع ان العالم سيغمض عينيه ويبارك له النصر، تلك هي منظومة الحكم الروسية حيث الاوهام متأصلة في سلوك مؤسساتها المبتلاة بداء العظمة وسرية صنع القرار المناط بشخص " قائد الضرورة " وبالتالي فأن القرار الروسي لا يصاغ في اروقة المؤسسات الديمقراطية بل يصاغ في اروقة حفنة من المتعاونين مع بوتين ومن شلته السياسية والعسكرية.

ان الأفراط في التفاؤل الروسي بحسم الحرب لصالحه هو افراط مرضي يعكس محدودية العقلية الروسية في ادارة الصراع في عالم متغير كليا عن عالم المعسكرين السابقين الاشتراكي والرأسمالي، فحتى الصين التي تدعم وتساند روسيا في الخفاء والعلن لا يكمن لها ان تفرط كليا بمصالها من اجل روسيا، فالصين اليوم ام الدنيا بأقتصادها وفكرها وقيادتها للعالم اقتصاديا وسياسيا.

لا يبدو ان الحرب الروسية الأوكرانية تقترب من نهايتهات بفعل تضخم الأنا لدى طرفي النزاع، فالطرف الأوكراني يراهن على الدعم الغربي له في دحر القوات الروسية، والروس يراهنون على التاريخ في صنع انتصاراتهم، وهذا يجسد الاوهام الايجابية لدى الطرفين في الانتصار وكلاهما سيسبح في مستنقع الهزيمة الى حين الصحوة وتدارك خيار الفناء. كلا الطرفين الروسي والاوكراني سيقعان ضحايا قيادات مريضة، وبالتالي فأن الخلاص من القيادة الروسية المتعجرفة ومن القيادة الأوكرانية المراهقة يشكل مدخلا لازما لأحلال السلام والأمن في المنطقة وفي العالم.

ان مخيلة بوتين المريضة لم ترى ان هناك حربين عالميتين الأولى والثانية والخراب فيهما اكثر مما يتوقع بوتين في انتصاره على اوكرانيا، كما ان هناك معاناة انسانية لشعوب فقدت استقرارها، وعليه فأن فشل بوتين في اوكرانيا لازم وضروري وعلينا ان ندعم هزيمة روسيا في اوكرانيا كي لا نحيي الأمبراطوريات البائدة والمتعفنة بواجهات مريضة من خلال ابعاث الأعراق والشوفينيات المتكلسة والمتحجرة، كما اننا نعيب على ديمقراطيات اوكرانيا الهزيلة والتي تفتقد الى الذكاء والشجاعة في ادارة الصراع مع الجوار الروسي الذي يستدعي من القيادات الاوكرانية الحكمة في التعايش مع مخلفات الماضي بعيدا عن الأنحطاط السلوكي في التعامل مع روسيا، فروسيا بأمكانها ان تكون حاضنة للجوار بعيدا عن الاحتقان والعداواة المفتعلة.

***

د.عامر صالح  

 

محمود محمد عليلا شك في أن أي فرصة سلام في أي حرب هي خبر سعيد، واليمن ليس بالاستثناء، فهل هي الفرصة المنتظرة؟.. مساعي السلام بين الفرقاء المتحاربين في اليمن، حتى مع الحوثيين، ليست جديدة، ولا هي هذه المرة نتيجة لهجمات الدرونز على السعودية. فقد سبقتها محاولات، أولها في أغسطس (آب) عام 2016 مع الحوثي نفسه. المشكلة دائماً، مثل تلك المرة، أن الفريق الحوثي بعد أن يغادر الرياض متحمساً للسلام إلى صعدة يجد قيادته هناك غيرت رأيها. هذه الجماعة، «أنصار الله» اليمنية، عملياً مثل "حزب الله" اللبناني، لا تستطيع أن تتقدم خطوة من دون استئذان طهران. والذين ينفون سيطرة الإيرانيين على الحوثي، مدعين أنه مجرد تأثير فقط، ليسوا واقعيين. ففضلا عن التبعية الآيديولوجية، والإيمان بزعامة الولي الفقيه في طهران، أيضاً، منظومتهم العسكرية في اليمن تديرها طهران، فالخبراء والمشغلون هم من «حزب الله» اللبناني، وبالتالي لا يستطيعون القتال أو السلام دون موافقة من هناك.. إذن، لماذا الانفراجة الجديدة، رغم ارتفاع التوتر مع إيران؟

اعتقد أن السلام في اليمن مهم للسعوديين وقبلهم لليمنيين، وهي أزمة تغذي خلافات بقية المنطقة. فالمصلحة من السلام عامة ولا بد أن نجرب المحاولة مرة أخرى، بيد أن الوضع في اليمن يبين لنا أن هناك أخبار سارة وأخبار غير سارة، والأخبار السارة هي الهدنة التي توافقت عليها الأطراف المتحاربة وبدأ سريانها منذ أول شهر رمضان 2022 وتستمر لمدة شهرين مع رفع جزئي للحصار، ما يعني تخفيفا لمعاناة الناس، وما أعظم معاناة الناس في اليمن؛ أما الأخبار غير السارة فهي أن هذه الهدنة يصعب أن تصمت طويلا، فضلا عن أن تتطور إلي اتفاقية سلام وتسوية شاملة .

وفي اليمن هناك أمران باتا محل شك، الأمر الأول أن يقنع اليمنيون بالسلام بشكل دائم، والأمر الثاني أن يعود اليمن كما كان دولة واحدة، وعلى الأرجح سوف نجد أنفسنا في السنوات المقبلة أمام أكثر من يمناً، وليس يمناً واحد .

والسؤال هنا الذي نود أن نطرحه: فهل ستشهد الحرب في اليمن نهاية أطول حرب عرفها اليمن، وهي على مشارف السنة السابعة، منذ بدايتها في مارس (آذار) 2015، أم أن نهاية الحرب مجرد آمال، ولن تُطوى صفحاتها المأساوية بهذه السهولة؟ وهل هناك بوادر انفراج وإمكانية اقتراب من التوصل إلى وقف إطلاق النار، ثم البدء في التفاوض من أجل الاتفاق على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة؟.. لماذا يصعب أن يتحقق السلام؟

والإجابة هي أن الفرص الحالية للسلام تؤكد أنها صعبة جدا وذلك لأن كل الأطراف المتحاربة لم تحقق أهدافها بعد، لكنها لم تفقد الأمل، ولم تفقد القدرة لتحقيق هذه الأهداف باستخدام القوة العسكرية، وهناك أكثر من حربا في اليمن؛ ولكننا نتحدث هنا في هذه الورقة عن الصراع الرئيسي بين الحوثيين وأعدائهم .

وإذا رجعنا لسبع سنوات ماضية عندما قامت المملكة العربية السعودية حين شنت هذه الحرب على جماعة أنصار الله السادس والعشرين من مارس عام 2015، كانت لها أهدافاً محددة ومعلنة؛ وأولها هزيمة أنصار الله وحلفائها في اليمن، وثانيها إعادة الحكومة الشرعية إلى صنعاء، ثالثها هو قطع الطريق على تمدد النفوذ الإيراني في اليمن وفي الجزيرة العربية، حيث لم يكن مقبولا للسعوديين أن يجدوا على حدودهم الجنوبية جماعة تشبه حزب الله في لبنان، وتهدد أمنها القومي، وكان المتصور أن هذه الحرب سوف تكون حربا خاطفة وسريعة، ولذلك أسموها بـ" عاصفة الحزم" .

ولذلك رأينا "جون برينان"- (مدير المخابرات الأمريكية السابق)، كتب في مذكراته أن ولي العهد السعودي " محمد بن سلمان"، قال له أن هذه حرباً لن تستغرق أكثر من عدة أسابيع، وسوف يتمكن السعوديون ومعهم قوات التحالف من إعادة الأمور إلى نصابها في اليمن قبل أن يتفرغوا إلى مشاكلهم في الشمال، وذلك في إشارة على الأرجح إلى الأوضاع في سوريا وقتها؛ لكن هذه الحرب السريعة والخاطفة استغرقا أكثر من سبع سنوات وللأسف فإن هذه الحرب تزاد قوة وشراشة ولا تهدأ، وهذه الحرب لم تنجح حتى هذه اللحظة في هزيمة الحوثيين، ولم تتمكن من إعادة الحكومة الشرعية إلى صنعاء .

أما فيما يتعلق بإيران فإن العلاقات بينها وبين الحوثيين أضحت أقوي بكثير مما كانت عليه قبل 2015، وإيران هي الدولة الوحيدة التي تعترف بحكومة صنعاء وبينهم تبادل لسفراء منذ 2019- 2020، والحرب تزداد شراشة وضراوة،وذلك لأن الطرفين يسعيان إلى حسم هذه الحرب لصالحه، وفي نهاية 2021 كان الحوثيون يعتقدون أنهم تمكنوا من حسم الصراع لصالحهم في اليمن الشمالية، إن كانت تواجهه مجموعة من المشاكل، وواحدة منها هو أن يجد مصادر للتمويل ومصادر للطاقة، وحتى تكون الحياة مقبولة في المناطق التي تخضع تحت سيطرته والتحالف الذي ينضم إليه ويحكم صنعاء؛ وأين يمكن أن يجد الحوثيين مصادر التموين ومصادر الطاقة ؟ .. والإجابة تكون في ثلاثة أماكن: مأرب، وشبوة، وحضر موت .. وهنا فكر الحوثيين أن يبدأوا بالسيطرة على مأرب وشبوة وينتزعهما من قوات الحكومة الشرعية، وبدأ هجوما على مأرب في فبراير 2021 ونجح في البداية في تحقيق بعض المكاسب .

بيد أن قوات التحالف أدركت خطورة ما يجرى وأنه لو تمكن الحوثيين من السيطرة على مأرب وشبوة، وتمكن من تأمين مصادر التمويل ومصادر الطاقة وإزاحة قوات الحكومة الشرعية من آخر معقل رئيسي لها في اليمن الشمالية فقد حُسمت الحرب، ومن ثم كثفت قوات التحالف مواجهة الحوثي ونظمت صفوفها وألحقت به خسائر في آخر ديسمبر 2021 وبداية يناير 2022، فأراد الحوثيين أن يخفف من حدة الهجوم عليه، وذلك بنقل الحرب إلى خارج اليمن، وبالتالي كثف الحوثيين من هجماتهم في العمق السعودي والعمق الإماراتي كما رأينا ذلك في الشهرين الماضيين من سنة 2022 ، وأضحت لنا الرسالة واضحة من قبل السعودية والإمارات والتي تبين أنه لا يمكن وقف هجمات الحوثيين علينا ولكننا نستطيع أن نجعله مكلفا جدا لكم، وقد نجحوا في ذلك .

وفي هذا الإطار فكرت قوات التحالف في اتخاذ نهج جديد للتعامل مع الحوثيين، وبدأ تنفيذ هذا النهج الجديد من خلال مؤتمر مشاورات الرياض، وهو المؤتمر الكبير الذي بدأ في آخر مارس 2022 ولعدة أيام في أبريل ودعت السعودية كل الأطراف المتحاربة للحضور إلى المؤتمر في الرياض، فحضر الجميع ما عدا جماعة " أنصار الله" التي رفضت الحضور ورفضت الاعتراف مسبقا بمخرجات المؤتمر واعتبرت المشاركين مجموعة من المرتزقة الخاضعين لإملاءات السعودية والإمارات .

في مؤتمر مشاورات الرياض قرر الرئيس " عبد ربه منصور هادي" بالتنازل عن صلاحياته سواء عن اقتناعه الشخصي، أو أنه أُقنع بذلك تحت ضغط القوات المتحالفة، وقرر إعفاء نائبه الجنرال " على محسن الأحمر " من منصبه وتخلى عن صلاحياته إلى مجلس رئاسي مكون ثمانية أشخاص برئاسة " رشاد العليمي"، وهذا المجلس غُهد إليه في مؤتمر مشاورات الرياض بإدارة شؤون البلاد خلال مرحلة انتقالية لم تحدد مدتها، كما عُهد إليه أيضا بالتعامل مع أنصار الله، إما بالتفاوض ومحاولة اقناعه بالتوصل إلى تسوية شاملة وسلام دائم، أو إن تعثرت المفاوضات أن يقوم هذه المجلس بمواجهة الحوثيين في ميدان المعركة.

والسؤال الآن: هل يمكن أن تؤدي التغيرات الأخيرة إلى تحقق السلام مع الحوثيين وأن يحل السلام على اليمينيين؟

يري الأستاذ سيد جبيل بأنه الأقرب إلى العقل والمنطق بأن التطورات الأخيرة سوف تؤدي إلى تجدد المواجهات لسبب بسيط أن المفاوضات تنجح حين تكون المتناقضات سنوية أو حين تكون أمور يمكن التفاوض عليها وهو أن يقدم كل طرف تنازل، لكن تفشل المفاوضات بل لا تبدأ أصلا إذا كانت المتناقضات جوهرية وكبرى .

ولو رجعنا للماضي لمعرفة أبعاد المشكلة في اليمن وهي المعادلة صفرية بين الأطراف المتحاربة، وما يريده المتحالفون لا يوافق عليه الحوثيون وما يريده الحوثيين لا يمكن أن يسلم به المتحالفون أبدا .

وهنا نتساءل: ماذا يريد المتحالفين من الحوثيين؟ ... والإجابة ببساطة يريده أن يتنازل عما حققه أو اكتسبه في ميدان المعركة خلال أكثر من سبع سنوات على مائدة التفاوض وهذا أمر لا يمكن أن يقبل به جماعة الحوثيين؛ واعتقد أن جوهر كل المبادرات الدولية والإقليمية منذ أن تمكن الحوثيين من الكلام على حكومة الرئيس " هادي" في آخر عام 2014 والتي تقوم علي أساس قرار رقم "2216"، وهو القرار الذي أصدره مجلس الأمن في أبريل 2015، وجوهر هذا القرار في كونه يعتبر جماعة أنصار جماعة إنقلابية يجب أن تعيد الأوضاع على ما كانت عليه قبل انقلابها في اليمن، ويشير إلى الحوثين أكثر من احدي عشرة مرة وكلها بشكل سلبي باعتباره أنها جماعة متمردة وانقلابية، ويطالبها بأمرين بالتخلي عن سلاحها، والتخلي عن الأراضي التي احتلتها وسيطرة عليها بغير وجه حق، وإعادتها للحكومة الشرعية، وهذا أمر لم يقبل به الحوثيون ولا يمكن أن يقبلوا به.

ولكن ما الذي يريده الحوثيون؟ .. والإجابة تريد أن تعامل على أنها الحكومة الشرعية والقوة المنتصرة وتريد باختصار أن يتم التعامل معها في اليمن كما تم التعامل مع جماعة طالبان في أفغانستان، وتريد قبل أن تجلس على مائدة التفاوض مع القوي الأخرى المعادية لها، أن تتوقف هذه القوى عن قذفها والحرب عليها وان ترفع الحصار المفروض عليها ويتم تبادل الأسرى؛ أي أن تنعم بحياة طبيعية في الأماكن التي تسيطر عليها في شمال اليمن .

ولا يمكن أن يقبل الحلفاء بهذه المطالب الحوثية لأنه تسليم بانتصارهم في هذه الحرب الطويلة، والتسليم بانتصار الحوثيين هنا، معناه التسليم بانتصار إيران على السعودية والإمارات وقوات التحالف والمجتمع الدولي وهذا أمر يصعب تصوره، وذلك لأن التسليم بطلبات الحوثيين والرضوخ به باعتباره أمرا واقعا، يعني أن جماعة أنصار الله باتت تسيطر على شمال اليمن على الأقل ومن وراءها إيران وبات لإيران موطئ قدم في الجزيرة العربية وفي منطقة حساسة جدا وهي اليمن مما يعني أنها قادرة على السيطرة أو التحكم في مضيق باب المندب الذي هو حيوي للتجارة العالمية، ويعني أيضا قدرة دائمة لجماعة أنصار الله، ومن وراءها إيران لتهديد امن السعودية كما حدث خلال السنوات السبع الماضية، بل وتهديد كل مدن الخليج، كما أن هناك دول غير عربية تشعر بالقلق وتلعب دورا مؤثرا من وراء الكواليس مثل "إسرائيل"، والتي تتابع ما يجري بقلق شديد ما يحدث في اليمن، وأنها تعتقد أن الإيرانيين يريدون استخدام اليمن وحلفاؤهم الحوثيين الذين يصفون دائما إسرائيل بأنها الشيطان الذي يجب أن يحاربوه، سوف تحول اليمن تحت سيطرة الحوثيين لقاعدة انطلاق ومهاجمة إسرائيل، والمسافة ما بين المناطق التي تسيطر عليها جماعة الحوثيين والمدن الإسرائيلية وبين الإمارات العربية المتحدة مسافة قريبة، فإذا طالت صواريخهم " أبو ظبي" يمكن جدا أن تطول المدن الإسرائيلية وبالتالي فإن الإسرائيليين يشعرون بقلق شديد ويلعبون دورا مؤثرا .

أيضا المجتمع الدولي قلق من احتمال تأثر التجارة الدولية بوجود جماعة يصعب أن يم التعامل معها كما يصعب أن يتم التعامل مع جماعة طالبن في أفغانستان، ومصرنا الحبية لم تشعر بالطمأنينة إن سيطر الحوثيين على مضيق باب المندب، وهذا يؤثر على قناة السويس.

كل هذه الأسباب لا يمكن أن نتخيل أن المجلس الرئاسي الجديد يمكن أن يقبل بطلبات الحوثيين ومن ثم نعود إلى المربع رقم واحد، ونكون أمام معادلة صفرية، والحل يكون من خلال أمرين: إما أن يتنازل المجلس الرئاسي ومعه قوات التحالف، أو يتنازل الحوثيون، وهذا أمر غير متصور، وكل من الطرفين لديه فائض قوة على مواصلة القتال وبالتالي الأقرب للمنطق، أو السيناريوهات الأقرب إلى التحقق هو مواصلة القتال وليس تحقيق السلام، وهو الأمر الذي يأخذنا إلى فكرة أن السلام يصعب أن يتحقق في المستقل المنظور في اليمن .

وثمة نقطة أخرى مهمة وجديرة بالإشارة وهو أن اليمن يواجه أيضا بالتوازي وهو أن اليمن معرض لسيناريو كارثي وهو تفكك اليمن نفسها وأي بلد تتفكك تزيد فرص الصراع فيها، ومن ثم فنحن لسنا فقط أمام يمن شمالي ويمن جنوبي على أرض الواقع، بل نحن أمام أكثر من يمن، ففي 2017 ، كتب أحد الكتاب الأمريكيين وهو يلين لاكنر كتابا بعنوان " اليمن في أزمة: الطريق إلى الحرب"  ثم أُعيد نشره، في مطلع العام الجاري، بعد إضافةِ بعض التطورات التي مرّ بها اليمنُ إليه. يتسِم الكتابُ بالتنوع، ويزخر بالمعلومات حول التاريخ الحديث لليمن. ورغم ذلك، فإن الكتاب يعتريه عددٌ من مواطن الضعف؛ خاصةً ما يتعلق بتقييم الأوضاع والتطورات المعاصرة في اليمن، وتبدو الميولُ السياسية للكاتبة واضحة كثيرًا، وتركت بصماتها المنحازة في تحليلها للأوضاع المعاصرة في اليمن.

وتشير لاكنر إلى أن احتجاجات “الربيع العربي” في اليمن في عام 2011 كانت أضخمَ وأطولَ أمدًا عن مثيلاتها في الدول العربية الأخرى. وتسرد الجهودَ المبذولة لإقناع صالح بترك منصبه، ومقاومته وخضوعه في نهاية المطاف، وإطلاق مؤتمر الحوار الوطني في مسعى لحلحلة الوضع، وفشل هذا الجهد، الأمر الذي مهد الطريقَ للانجرار إلى الحرب الأهلية. وتضيف لاكنر أن الحكومة المؤقتة بعد صالح، التي يترأسها عبد ربه منصور هادي، المكلفة بالإشراف على مؤتمر الحوار الوطني، كانت من أكثر حكومات اليمن من حيث انعدام الكفاءة، وهو رأي تؤكد الكاتبة عليه.

ومع ذلك، فإن أسباب فشل مؤتمر الحوار الوطني عديدة. وفي هذا الصددِ، تشير لاكنر إلى عدم قدرة اليمنيين أو المجتمع الدولي -وفي الواقع عدم بذل الجهود- على إخضاع الوحدات العسكرية الأكثر قوة لسيطرة الدولة. وبدلًا من ذلك، استمر نفوذ صالح في التضخم. كما أن المشاركة المكثفة في الحوار الوطني من قبل العناصر التي كانت جزءًا من نظام صالح، بما في ذلك الإسلاميون من حزب الإصلاح، وإقصاء النساء والشباب والمجتمع المدني، لعبت دورًا في هذا الفشل أيضًا. وشاركت الأمم المتحدة في هذا الفشل أيضًا، من خلال تدخلها في مؤتمر الحوار الوطني، والذي ما كان لها أن تتدخل فيه، والإخفاق في بذل جهودٍ منسقة في المجالات التي كان من الممكن أن تكون فيها مفيدة، مثل وضع الأجندة لذلك الوقتِ الشحيحِ، بحيث يمكن استخدامُه بحكمة لحل القضايا المُلحّة.

والأمر الذي لا يقلّ أهميةً عن كل هذه العوامل، الذي دمر مؤتمر الحوار الوطني والعملية الانتقالية بالكامل، هو انقلاب الحوثيين الذي وقع على ثلاث مراحل: تخزين الأسلحة، واجتياح المناطق النائية في الشمال، والاستيلاء على العاصمة صنعاء، في سبتمبر 2014، الذي لم يتحقق إلا بتعاون صالح مع الحوثيين، والإطاحة رسميًّا بالحكومة في يناير 2015، وبعد ذلك فرار هادي والعديد من رفاقه إلى عدن.

وتعترف لاكنر بسلسلةِ الأحداث هذه، وحقيقة أن الحوثيين تحركوا بقوة للاستيلاء على عدن في مارس 2015، مما دفع التحالف الذي تقوده السعودية إلى التدخل لمحاولة إعادة حكومة هادي المعترف بها دوليا. وتعليقًا على هذا، تقول لاكنر: “بدون تدخل التحالف الذي تقوده السعودية، ليس هناك شكّ في أن قوات الحوثيين-صالح كانت ستسيطر على البلاد بأسرها في وقت قصير”، مما يُفجّر “تمردًا طويل الأمد”، واضطراباتٍ في جميع أرجاء اليمن.

ومن جهة أخري فإنه لمعرفته بالتركيبة المجتمعية في اليمن، وأسباب مخاوف الحوثيين من إحلال السلام، أشار المبعوث الأميركي لليمن ليندركينغ، في جلسة استماع في مجلس النواب مع لجنة العلاقات الخارجية، إلى الحوثيين بقوله إن «هناك قبولاً أكبر بأن الحوثيين سيكون لهم دور مهم في حكومة ما بعد الصراع في اليمن". وبذلك، وجّه رسالة طمأنة للحوثيين بأنهم مع إحلال السلام لن يتم تهميشهم، كما كان وضعهم في الماضي، وسيكون لهم دور مهم في الحكومة، مضيفاً: «باستثناء استمرار تركيزهم على استمرار هجومهم العسكري على مدينة مأرب، لأن هذا الهجوم هو أكبر تهديد لجهود السلام، وكانت له أيضاً تبعات إنسانية مدمرة على مدى السنوات الست الماضية".

وخلال إحاطته، وفق ما نشر في هذه الصحيفة، تحدث المبعوث الأميركي عن الوضع الإنساني اليمني، قائلاً: «في بداية الحرب صرح قادة المنظمات الإنسانية أنه بعد 5 أشهر سيبدو اليمن مثل سوريا بعد 5 سنوات، لأن الوضع في اليمن كان بالفعل غير مستقر قبل بدء الحرب، والآن ينهار الاقتصاد تاركاً العائلات غير قادرة على شراء السلع الأساسية»، مؤكداً أن المساعدات الإنسانية المختصة بالغذاء والطعام لا تواجه قيوداً من قبل التحالف العربي الذي تقوده السعودية، إذ إن المساعدات الإنسانية تعتبر شريان حياة حاسماً للملايين، وتساعد على منع المجاعة، لكنها لن تكون كافية أبداً.

والغريب ما جاء في إفادة ليندركينغ قوله: «إن الحوثي يستجيب للضغط الدولي، ولا بد على جميع الأطراف المساهمة في الدفع بذلك»، مستدركاً ما ذكره بأن «ما يراه في الميدان هو أن الحوثيين يناقضون ما يقولون، وذلك من خلال عرقلة إيصال المساعدات، وزيادة الاعتداءات على السعودية واليمنيين وخطف المدنيين وتسليح الأطفال والانتهاكات لحقوق الإنسان"؛ والجدير بالإشارة إليه اتهام ليندركينغ الإيرانيين بدعم الحوثي، وأنهم الطرف الوحيد الذي يقف مع الحوثيين ويمدّهم بالسلاح، والتدريب، والاستمرار في الدور السلبي لزعزعة استقرار اليمن.

***

ا. د. محمود محمد علي

......................

المراجع:

1- سيد جبيل: لماذا يظل السلام بعد 8 سنوت من الحرب أملا بعيدا فى اليمن؟، يوتيوب.

2- أنظر يلين لاكنر: اليمن في أزمة: الطريق إلى الحرب، ضمن قراءة في كتاب «اليمن في أزمة: الطريق إلى الحرب، منشور في 19 مايو 2019.

3- عبد الرحمن الراشد: هل هي نهاية حرب اليمن؟، الشرق الأوسط.

4- د. محمد علي السقاف: نهاية حرب اليمن... هل من بوادر انفراج؟، الثلاثاء - 16 شهر رمضان 1442 هـ - 27 أبريل 2021 مـ رقم العدد [15491] 

محمد عمارة تقي الدين"يتحتم إعادة تعريف الصهيونية باعتبارها حركة عنصرية استعمارية استيطانية، وإسرائيل بوصفها دولة فصل عنصري، وأحداث 48م بوصفها تطهيرًا عرقيًا.. إسرائيل الحالية أشبه بسفينة تيتانك  فقد قاربت على الاصطدام بجبل الجليد ومن ثم الغرق".

تلك هي مقتطفات من مقولات للمؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه(Ilan Pappé)   أحد أهم المؤرخين الإسرائيليين الجدد الذين أعادوا قراءة التاريخ الصهيوني وأثبتوا زيف الرواية الصهيونية في مقابل مصداقية الرواية الفلسطينية حول ما حدث في فلسطين من مجازر بشعة ارتكبتها العصابات الصهيونية بحق الفلسطينيين منذ بداية المشروع الصهيوني.

ففي كتابه الأشهر التطهير العرقي في فلسطين (The Ethnic Cleansing of Palestine)، يدفع فيه بابيه فكرة التطهير العرقي الإسرائيلي ضد الفلسطينيين إلى حدها الأقصى مؤكدًا أن الكيان الصهيوني قد ارتكب عام 1948م، تطهيرًا عرقيًا واسعًا ضد الفلسطينيين، لفرض أمر واقع يمثل اليهود فيه الأغلبية بما يعزز قيام الدولة الصهيونية، مؤكدًا أن تلك الممارسات هي جريمة ضد الإنسانية لا يجب أن تسقط بالتقادم.

لقد تم ذلك ضمن ما يعرف بالخطة (داليت (Plan Dalet) (تلك الخطة الإجرامية التي وضعتها العصابات الصهيونية في فلسطين إبان أحداث عام 1948م، والتي بموجبها تم طرد الفلسطينيين من أرضهم عبر إعمال التدمير والقتل، وارتكاب المذابح بحق هؤلاء الفلسطينيين، لدفعهم للفرار من القرى تاركين منازلهم وأرضهم خلفهم ليتأسس واقع جديد يكون اليهود فيه هم واضعي أيديهم على الأرض، ومن ثم يأتي المجتمع الدولي المنحاز دائمًا لإسرائيل ليعترف بهذا الواقع.

ففي مدة لا تتجاوز تسعة أشهر تم تدمير 531 قرية بالكامل وإفراغ 11 مدينة حضرية من سكانها، ومن ثم دعانا بابيه لأن نطلق على ذلك جريمة تطهير عرقي وليس نكبة كما يردد العرب، فهي جريمة ضد الإنسانية وتستوجب المحاكمة، فمصطلح التطهير العرقي ينطلي على إدانة عميقة ذات تداعيات وأبعاد سياسية وقانونية وأخلاقية واسعة مما يستوجب اتخاذ موقف حاسم منها.

أما مصطلح نكبة فهو يشير لحالة من الإخفاق الذاتي فلا يتضمن أية إشارة لمرتكب الجريمة، مؤكدًا، أي بابيه، أن سياسة التطهير العرقي لازالت قائمة لكن باستراتيجيات أخرى، وأنه طالما لم يتم إدانة إسرائيل وتوبيخها ومعاقبتها على ما ارتكبته من بشاعات فلن يكون هناك حل عادل للصراع العربي الصهيوني.

لقد دعا بابيه لإطلاق حملة عالمية لتثقيف الرأي العام العالمي وتبصيره بحقيقة الآثار البالغة الناجمة عن عمليات التطهير العرقي التي تمت بحق الفلسطينيين.

كما أصدر كتابًا هامًا في عام 2003، بعنوان"تاريخ فلسطين الحديث: أرض واحدة... شعبان"، حيث واصل عبر صفحاته تعميق أطروحاته.

يذكر بابيه أنه كان في شبابه أحد المُعجَبين بالفكر الصهيوني ومن ثم صاغ كثير من قناعاته تأسيسًا على هذا الفكر، مؤكدًا أن كتابه المفضل كان كتاب (الدولة اليهودية) لثيودور هرتزل، وأنه في ذلك الوقت، وبفعل الدعاية الصهيونية، لم تكن لديه معلومات صحيحة عن أوضاع الفلسطينيين، وتحديدًا معاناتهم في ظل فترة الاحتلال ومن قبلها، وما ارتُكب بحقهم من أعمال طرد وتطهير عرقي.

غير أنه بعد معرفته بالحقيقة التي حاول الصهاينة طمسها بدأ يتخلى عن صهيونيته، ومن ثم أخذ في التعاطف مع الفلسطينيين بشدة باعتبارهم شعباً واقعاً تحت الاحتلال بكل ما يحمله المعنى من عذابات، مطالبًا المجتمع الدولي بالتدخل لإنهاء هذا الاحتلال بأسرع وقت.

بعد أن صرَّح بابيه بقناعاته الجديدة بدأ الهجوم الصهيوني عليه، فكل من يتبنى الرواية الفلسطينية داخل الكيان الصهيوني، وكما يؤكد بابيه، يتم النظر إليه باعتباره خائنًا لبلده وأنه اليهودي الكاره لذاته، وأنه أشبه بالمتعاونين من اليهود مع النازيين وقت المحرقة (الهولوكوست).

ومن ثم وفي عام 2007م ونتيجة للتضييق عليه بسبب أفكاره غادر بابيه إسرائيل إلى أوروبا حيث التحق بقسم التاريخ في جامعة اكستير البريطانية.

وفي عام 2017م أصدر بابيه كتابًا جديدًا بعنوان (الخرافات العشر عن إسرائيل) في الذكرى الخمسين لعدوان 67م، ومن هذه الخرافات التي ساقها بابيه في كتابه:

الادعاء بأن فلسطين كانت أرضًا فارغة وقت إقامة الكيان الصهيوني، الادعاء بأن الفلسطينيين تركوا أرضهم لليهود طوعًا، الادعاء بأن اليهود كانوا أغلبية مؤكدًا أنهم لم يشكلوا وقتها سوى 3% من السكان الفلسطينيين قبل الهجرات الصهيونية، الادعاء بأن الصهيونية هي حركة تحرر وطني في حين لا تعدو كونها حركة استعمارية استيطانية، خرافة أن الفلسطينيين باعوا أرضهم والحقيقة أنه تم إخلاؤها عبر الإبادة والتهجير والتطهير العرقي.

خرافة أن حرب 67 كانت حرب اضطرار وأن الصهاينة لم يكن أمامهم خيار آخر، خرافة أن احتلال فلسطين كان سلميًا ومن أجل نشر قيم التحضر غير أن العنف الفلسطيني هو ما أجبر الصهاينة على التصرف بعنف، فتلك أسطورة زائفة في عمقها.

خرافة أن إسرائيل دولة ديمقراطية، مؤكدًا أنها ليست ديمقراطية على الإطلاق، وأن ما تدعيه بأنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط هو كذب بواح، وأن تلك الدولة أخضعت مواطنيها(من غير اليهود) لحكم عسكري استند على قوانين الطوارئ الإجرامية الوحشية التي حرمت الفلسطينيين من أبسط حقوقهم كبشر، وأن إذلال الأقليات العربية في إسرائيل وسلب حقوقها ليس ديمقراطيًا، فالاختبار الحقيقي لديمقراطية أيّ دولة هو في مقدار تسامحها مع الأقليات التي تعيش بداخلها، فقد تم وضع عدّة قوانين من شأنها منح أفضلية مطلقة لليهود مقارنة باللآخرين، وهناك قانون العودة الذي يمنح الجنسية بشكل تلقائي لكل اليهود في العالم، مقابل الرفض الكامل لحق الفلسطينيين في العودة لوطنهم الأم.

وأن الاحتلال ليس ديمقراطيًا، حيث يرى بابيه في الاحتلال الإسرائيلي دليلًا على وحشية إسرائيل وهمجيتها وديكتاتوريتها القمعية، وتدمير منازل الفلسطينيين ليس ديمقراطيًا، وسحق المقاومة الفلسطينية ليس ديمقراطيًا، وسجن الفلسطينيين واعتقالهم بغير محاكمة ليس ديمقراطيًا ، مؤكدًا إن واحدًا من بين كل خمسة فلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة قد تم سجنه من دون محاكمة.

فهي إذن ديمقراطية الصهاينة وحدهم، وهو ما يذكرنا بما كان يردده عبد الوهاب المسيري بأن ديمقراطية إسرائيل هي ديمقراطية المافيا إذ يسرقون الغنائم ثم يوزعونها فيما بينهم بالعدل والقسطاس.

ومن ثم دعا بابيه إلى إعادة تعريف الصهيونية باعتبارها حركة عنصرية واستعمارًا استيطانيًا، وإسرائيل بوصفها دولة احتلال وفصل عنصري، وأحداث 48م بوصفها تطهيرًا عرقيًا.

أكد على دور حملة المقاطعة العالمية (بي دي إس) المركزي في ممارسة ضغط  حقيقي على الكيان الصهيوني لإنهاء الاحتلال وكذلك الحصار الذي تفرضه على الفلسطينيين، كما يرى بابيه أن دعوته للمقاطعة الأكاديمية لإسرائيل، هي وسيلة للضغط عليها لإنهاء أبشع احتلال حدث في تاريخنا الحديث.

ويحذرنا بابيه من تيار المسيحية الصهيونية المتمركز في الولايات المتحدة الأمريكية، فهو من يساند إسرائيل بشكل مطلق ودون تحفظ منطلقًا من دوافع وقناعات دينية، ومن ثم يعمل هذا التيار جاهدًا من أجل دفع الإدارات الأمريكية المتعاقبة نحو انحياز مطلق للكيان الصهيوني، إذ يؤكد بابيه أن توطين اليهود في فلسطين كان بالأساس مشروعًا مسيحيًا صهيونيًا ثم تبنته الحركة الصهيونية فيما بعد.

يدعو بابيه الفلسطينيين إلى عدم تناسي مركزية عمل الصراع العربي الصهيوني باعتباره كان وما زال يدور بين حركة استيطانية استعمارية( الحركة الصهيونية)، وحركة تحرر قومي(الحركة الفلسطينية)، ومن ثم يجب أن نتوقف عن المناداة بتسوية سلمية للصراع بل ضرورة تفكيك النظام الاستعماري، بل وصرّح ذات مرة بأن الدولة الصهيونية هي أكبر سجن ماثل على ظهر الأرض.

يؤكد بابيه أن دعمه للفلسطينيين لاستعادة وطنهم مدفوع بالمبادئ الأخلاقية والقيم الإنسانية الخالدة واهتمامه بصنع مستقبل جيد  لكل أطراف الصراع ولليهود أولاً.

وفيما يتعلق بإعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، رأى بابيه أنه تصريح خطير لأنه اعتراف أميركي رسمي بخرق إسرائيلي فظ للقانون الدولي، كما أنه يُخرج الولايات المتحدة من موقعها الذي تدعيه كوسيط نزيه في هذا النزاع، ولا ينسى بابيه أن يوجه رسالة للمناضلين الفلسطينيين يدعوهم فيها لتطوير آليات جديدة لمقاومة الاحتلال والتفكير جديًا بدمج قوى يهودية غير صهيونية في صفوفهم.

ومن ثم يؤكد بابيه أن مواقف ترامب يجب أن تجعل الفلسطينيين يدركون حقيقة مركزية مفادها أن التدخل الأمريكي ليس ضرورياً لتحقيق السلام، وأنه وعلى مدار التاريخ كانت الإدارات الأمريكية السابقة تخدع الفلسطينيين عبر بث خطاب مزدوج ومخادع ليعتقد هؤلاء الفلسطينيون أنهم يمكنهم الاعتماد على واشنطن لحل هذا الصراع في حين أن تلك الإدارات كانت تعمل لصالح إسرائيل وحدها.

ومن ثم يعود ليؤكد أن الدعم الأمريكي لإسرائيل هو نتيجة ضغوط الجالية المسيحية الصهيونية بالأساس وليس الجالية اليهودية، فترامب وبالأساس هو صنيعة هذا التيار المسيحي الصهيوني.

ويرى أن ما نريده هو التفكير في حل يركز على حقوق الإنسان والحقوق المدنية، ومن ثم الدعوة لإنشاء دولة ديمقراطية واحدة وإنهاء الاستعمار الصهيوني لفلسطين، رغم أن هذا سيأخذ وقتًا طويلًا وجهدًا كبيرًا ومضاعفاً نتيجة للموقف الأمريكي الداعم للكيان الصهيوني من ناحية ولانشقاق الصف العربي والفلسطيني من ناحية أخرى، لكنه ليس أمراً مستحيلاً .

يذهب بابيه إلى أن العديد من اليهود في إسرائيل لا يستوعبون أنهم يعيشون حياة محفوفة بالمخاطر حتى لو كانوا يشعرون بالأمان، لكنهم في الواقع ليسوا كذلك، يقول بابيه للإسرائيليين:" حتى لو كنت تقيم في أفضل مقصورة على سفينة تيتانيك، فأنت لا تزال في تيتانيك في نهاية الأمر، لذا فأنت مُعرَّض للغرق حين تغرق السفينة" ، فهو لديه يقين بأن إسرائيل مهددة بخطر وجودي متعاظم طالما أنها مستمرة في سياساتها الاستعمارية واللا إنسانية ضد الفلسطينيين.

أكد أن صفقة القرن هي في إطار المحاولات الإسرائيلية الأميركية الرامية لتصفية القضية الفلسطينية وحشد دعم عربي لفكرة أن مشكلة فلسطين لا تعدو كونها مشكلة اقتصادية في عمقها وليست سياسية وإنسانية وأن تقديم الدعم الإقتصادي للعرب هو أمر من شأنه تصفية القضية.

كما تهدف تلك الصفقة، وكما يؤكد بابيه، لطمس الهوية الفلسطينية لمدينة القدس، فهي من أجل تصفية الهوية الفلسطينية لكن عبر توظيف أدوات القرن الواحد والعشرين، وهي ، وعلى حد قوله، "تدق المسمار الأخير في نعش حل الدولتين"، فهي تتجاهل القانون الدولي بشكل تام.

ويؤكد بابيه أن الكيان الصهيوني ليس لديه إلا طريق واحد إذا ما أراد الاستمرارية وجودياً، وهو الاعتراف بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين والاعتراف بالمجازر الصهيونية والاعتذار عنها، ثم بعد ذلك الشروع في عملية مصالحة شاملة على أسس حقوقية وإنسانية.

وفي التحليل الأخير فتلك هي أطروحات المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه والتي تمكن من خلالها من تقويض الروايات الصهيونية حول ما حدث إبان النكبة، مؤكداً على كذب تلك الرواية وأن تلك الحركة الصهيونية بنزعتها العنصرية قد ارتكبت مجازر بشعة بشكل متعمد بحق الفلسطينيين لإجبارهم على الفرار من أرضهم، فهي مذابح تطهير عرقي واسعة النطاق.

لقد نظر إيلان بابيه لهذا الصراع بعين العالم المتجرد إلا من قيمه ومبادئه فاتضحت له الأمور جليَّة حيث شعب أعزل يتعرض للذبح من قبل عصابات مدججة بالسلاح للاستيلاء على أرضه، وقد ساعد بابيه في ذلك خلفيته الاشتراكية حيث مركزية الإطار الحقوقي والمناداة بالعدالة للجميع.

وبابيه هو مثله مثل غيره ممن يصدعون بالحق ضد الصهيونية العالمية، نجده يتلقي تهديدات مستمرة بالقتل والتصفية من قبل الصهاينة، فالحياة موقف وعلى المثقف الحق أن يعد نفسه للدفاع عن موقفه ولو كان ثمن ذلك حياته.

يبقى تساؤل أخير: ما الذي يتعين علينا فعله نحن العرب إزاء تلك الظاهرة، ظاهرة المؤرخين الجدد؟

بالطبع علينا أن نمد جسور التواصل الفعال مع هؤلاء المؤرخين الجدد، وألا نتركهم نهباً للعصابات الصهيونية وأتباعها وأذرعها الإعلامية في الغرب، بل يتعين علينا أن نعمد إلى تقديم الدعم لهم على كافة المستويات الرسمية وغير الرسمية، كذلك التحاور النشط معهم، غير أن الأهم من ذلك كله هو إعادة توظيف أطروحاتهم، الجيد منها، على نطاق واسع لخدمة قضيتنا الفلسطينية التي هي في عمقها قضية الإنسانية كلها.

***

دكتور محمد عمارة تقي الدين

.............................

أهم مراجع الدراسة:

مهند مصطفي:  المؤرخون الجدد: خارج المنظومة أم جزء منها؟ بحث منشور على موقع فلسطين بتاريخ: تشرين الثاني2013 م، وراجع:  حقيقة المؤرخين الجدد، بحث منشور على موقع مركز بيت المُقدَّس للدراسات التوثيقية، وراجع: بكر السباتين، إنهيار إسرائيل في المنظور اليهودي، علياء عصام الدين: ملخص كتاب عشر خرافات عن إسرائيل، أمل عيسى: عرض كتاب عشر خرافات عن إسرائيل، الجزيرة،  جعفر  حسن: بعد المؤرخين الجدد.. ظاهرة الروائيين الجدد في إسرائيل، صحيفة  الشرق الأوسط،  5 يونيو 2008، العدد 10782، أساف جيبور: نتنياهو: المفتى لعب دورًا مهما في إبادة اليهود.

Bronner, Ethan. "The New Historians", The New York Times, 9 November 2003.

Paul Adams, Israel digs into the past , BBC News , 23 December, 1999.

Bronner, Ethan. "The New Historians", The New York Times, 9 November 2003.

Ilan Pappé : The Ethnic Cleansing of Palestine, One world Oxford,2006.

Benny Morris ,Peace? No chance, The guardian,  21 Feb 2002.

Ilan  Pappe ,Calling a Spade a Spade:The 1948 Ethnic Cleansing of Palestine,badil,  Issue No.29, Spring 2006.

Ramona Wadi, Ten Myths About Israel, Middle east monitor, August 14, 2017.

lan Pappe: Palestinians don't need US for their statehood, Al Jazeera Media Network,02 May 2018

عبد الجبار العبيديقامت الثورة الامريكية عام 1774، وبعدها الثورة الفرنسية عام 1789.ثورتان متقاربتان عمرا، ومتشابهتا ن في الظرف والواقع؟ قادة الاولى هم من الامريكيين، وقادة الثانية هم من الفرنسيين الخلص، نجحت الاولى وأنشأت دولة الولايات المتحدة الامريكية العظيمة، ونجحت الثانية وشكلت دولة فرنسا الحالية المتقدمة، ولا نريد ان ندخل في التفاصيل حتى لا نغرق في المتاهات، لكن الواجب الاخلاقي يحتم علينا ان نذكر قادة الدولتين العظيمتين وفاءً بالقيم في تقييم القادة المخلصين.

قامت الثورة الفرنسية بعد ان توفرت له القيادة الرائدة في تحريك المشاعر نحو اعادة الحقوق المغتصبة منه من قبل عائلة آل بوربون، قكان المواطن الفرنسي الثري برناردي لاوني الذي حكم سجن الباستيل، وجون هوميرد صانع المجوهرات ولا ندري كيف التقوا وصنعوا افكار الثورة الفرنسية العملاقة التي جاءت بالمبادىء الانسانية العليا بشعارها المعروف (الحرية والاخاء والمساواة)، بعد ان خططوا للثورة ووضعوا منهجا محكماً لها بعد النصر، تمثل بالغاء الملكية والامتيازات الاقطاعية وخلق تغيرات جذرية لصالح التنوير عبر ارساء الديمقراطية وحقوق الشعب والمواطنة الحرة , والعقد الاجتماعي، واصلاح الدستوروالغاء القوانين الجائرة على الشعب، وضرب الكنيسة ورجال الدين الذين اذاقوا الشعب مر العذاب ووضع لائحة الحقوق لعامة الناس موضع التنفيذ بلا تردد.وهذه هي حركة الزمان عبر التاريخ.

لقد اطلقت الثورة الفرنسية حركة التاريخ من جديد واخرجتها من الحركة التريخية الدائرية العقيمة التي طرحها المؤرخ توكيديد الروماني والقاضية بانغلاقية حركة التاريخ المتغيرة والمتجددة ابدا ابدا، والقائلة بان التاريخ كله دائرة شريرة لاجديد فيها ولاتغيير.. والتي أيدها أردشير الفارسي بان الزمان لاجديد فيه ليهبط عزيمة انصار التغيير.. التغيير الذي ينقلهم الى الحركة الدائمة.. متناسيا او قل جاهلاً الخط الانفتاحي الواسع المستقيم حتى غدا الفرد الفرنسي المضطهد سيد نفسه في وطن كان فيه عبدا للاسياد المجرمين.

لقد قامت الثورة الفرنسية على اساس من التفكيرالواعي لاولئك المثاليين الذي ارادوا استيفاء الجانب الشرعي من التغييرللفرنسيين ليزيحوا من انفسهم كل عذابات السنين التي اذاقتهم الملكية فيها الأمرين.لكن مع الحرص عليها لكن الثورة اصيبت بنكسة قاتلة على يد المتطرفين امثال روبسبير ودانتون ومارا والتي قضت على الامال العريضة التي علقها الناس على ثورة الجماهير بعد تدمير سجن الباستيل رمز العبودية للفرنسيين.. وهكذا تدور الحركة الزمانية لتقضي على حركة العراقيين بعد 2003 ليتربع على عرشها شذاذ الأفاق من خونة التاريخ.. متناسين دورة الزمان في التغيير.. لذأ تراهم اليوم اذلة يرمون بأنفسهم على من كانوا يقولون عنهم محتلين.

لكن الحقيقة هي ان الثورة الفرنسية زعزعت اركان البيت القديم وان لم تهدمه كما عندنا االيوم في ثورة تشرين الخالدة، لكنه بقي بيتا لا يصلح للسكن بساكنيه القدامى فعاد مرة اخرى للشعب وعادت الثورة لهم بعد ان نقلتهم الى اذلاء مجرمين .فأنشأت المؤسسات العلمية التي اصبحت اداة عظيمة القدرة على تجديد الحضارة فتحركت عجلت العهد الجديد نحو التقدم وهاهي فرنسا الثورة اليوم كما نراها.. تطبق الشعار "الحرية والاخاء والمساواة " لكل الفرنسيين.وستعود ثورة تشرين للعراقيين لينتزعوا الحقوق من الخائنين.

وحدثت الثورة الامريكية عام 1974 وكان قادتها جورج واشنطن وتوماس جفرسن مؤلف وثيقة الاستقلال من الثوار الذين امنوا بالله والوطن والشعب وقادوا ثورة المبادىء الدستورية قبل ان تكون ثورة سياسية فلم يفكروا بقصرٍ او مزرعة او رصيد او منصب، اوعزل انفسهم عن الشعب كما عزلوا اصحاب المنطقة الخضراء التي تحولت الى وكرٍ للساقطين.بل فكروا بمجد امريكا التصاعد والخلاص من التمييز العنصري الذي انهى الاحتلال البريطاني القديم، فحققوا لامريكا دستورا مكتوبا قل نظيره في العالمين.

.. ومات جورج واشنطن ولم يملك الا بيتا في واشنطن تركه لمؤسسة الاثار الامريكية رمزا "رايته بعيني" لا يعادل بيت فقير، وعندما عرضت عليه الملكية رفض وقال :" الدولة ملك الشعب لا ملك الافراد الثائرين ".ومات جفرسن وهو لايملك الا التمثال على نهر البوتمك الكبير، لكنهما ملكا القيم والشرف والكرامة ومحبة قلوب الشعب الامريكي الى ابد الابدين.نعم هؤلاء هم قادة التاريخ المخلصين..كمحمد وعمر وعلي واصحابه الغر الميامين في نفوس المسلمين، ياله من تاريخ مشرف يعادل الدنيا كلها واحسن من كل ما يملك الطامعين الفاسدين اليوم وهم يعيشون.. بحقارة ومذلة الزمن والمواطنين..

فهل نحن أفضل منهم بالدين أو بتطبيقات مبادىء الدين.. ؟

والذي اريد ان أقوله:

كل الثورات والتغيرات تمر بانتكاسات، لكن قادة الشعوب اذا صمموا على حماية الاوطان، لن يخيبوا في النهاية اذا وضعوا نصب اعينهم المبادىء التي اجتمعوا من اجلها ودعوا اليها وطبقوها واقسموا على تنفيذها، والشعب اليوم اوغدا سيعرف من منهم كان مخلصاً، وكان مؤمناً بالوطن ويعمل على السعادة للوطن والاخرين، ومن منهم كان لصا وعميلا للأخرين..اكتب يا تاريخ؟، فكل شيء نسبي، لكن النسبية هي جزء من الكلية، فهل سيعي قادة العراق الجدد ما فاتهم من تقصير، ليعوضوا الناس على ما فاتهم من كذب قادتهم خونة التاريخ وكيف كانوايصرحون بالوطنية وحقوق المواطنين.. واليوم يرتعون باموال الفقراء والمساكين هم واولادهم في ديار المحتلين.يؤسسون في بروكسل وستكهولم ولندن ودبي ليبقون ومادروا انها سُم زعاف في بطونهم يأكلون.. لا أنا اقولها لكم بصدق منطق القسم " أنهم والمحتل اتفقوا على نظريات التدمير علنا في مؤتمر لندن عام 2002 وكلهم وقعوا عليه دون رفض من اخرين.. الا ما ندر,..  ولو كانواشجعانا لاعترفوا.. لكن الخائن لايمكن الا ان يكون جبانا كرأس المال الذي به يعتقدون..

تصريحاتهم وقسمهم كانت توحي بالاخلاص والقيم ويشم منها رائحة الهيل المعطرمن قبل نحن المغفلين، حين كنا نامل ان يخرج واحدا منهم من بين الصخور ويجلس تحت شجرة الزيزفون وارف الظل ليحمي بظلالة نفسة والوطن وكل الاخرين، لكن امل العراقيين خاب بالناكثين العهد والقسم واليمين حين انقلبوا على اعقابهم فقتلوا الانسان واغتصبوا المال والارض والنفط والمياه.. بينما نحن كنا نعرف لذا حرمونا من كل الحقوق.. ؟نعم ياشعب العراق نرى في الافق بوادر سيوف تلمع وأصرار المخلصين تظهر، فهل سيضربون؟.. أكيد كما علمنا التاريخ.. لذا هم اليوم حائرون كالذي قربت منيته ويطلب كل ما يريد دون أمل من عمر جديد.؟

نعم سيضربون باذن الله ثوار تشرين لتفجر ارض العراق حمما تحرق المنحرفين الذين سرقوا الوطن وفي منتجعات العالم يترعون ولكن غدا امام الله والشعب اليوم اذلة منكسي الرؤوس وهم الاحقرون.واليوم نحو العلم والحضارة نتقدم؟ ونحو البربرية هم مرتمون وعلى الاكتاف راكعون؟ انظر كيف على اكتاف الاخرين يركعون من اجل اعادة الحياة في الاطارالمجرم اللعين.

قولوا لنا حقيقة ما تضمرون ايها الفاسدون، لقد ملت عيوننا من مقالاتكم التي تقولون فيها ما لاتفعلون، الف مجلة وصحيفة اليوم تكتبون، والف مستشار يصرح ما تقولون، لكننا لم نلمس شيئا مما يقولون، الطائفية والعنصرية هي هي، والعشائرية البغيضة وشيوخها من اصحاب النساوين في دكاتهم العشائرين الفاسدة يقتلون وهم.. هم لا يتراجعون لضعف قوة القانون ، ونحن نقول لهم انتم ليسوا أصلح هذه الامة لكي تقودون.. لا بل انتم اخون هذه الامة الذي يجب ان تزاحون..

توحد ايها الشعب العراقي ولاتدعهم يضحكون عليكم بالطائفية البغيضة والمذهبية الباطلة.. فالدين واحد وهم المُفرقون.. دافع عن المصير، وعن دستورية الحكم وسيادة القانون.. فالنظام السياسي السليم هو ضمان كل تقدم وبدونه لا وطن ولا حقوق.

ثقوا ان بينكم وبينهم فروق.. هم يعتقدون ان التغييرجاء مجرد انتقال من حكم مستبدٍ الى فوضى زعماء وقواد وظلم للناس دون اهتمام.. وانتم تعتقدون ان التغيير هو الاعداد الفكري والسياسي السليم لرسم معالم حضارة العراقيين.. أنهم يكيدون.. وفي نظريات الشر يعيشون.. فهم لا يرجون حسابا ولا يريدون.. نعم ان أكثرهم للحق كارهون

الفرق بيننا.. وبينهم كبير..لكنهم هم الخاسرون.

***

د.عبد الجبار العبيدي

قاسم خضير عباسبعد ممارسة سياسة (النقد والمصارحة بصوت عال)، والتهيؤ من أجل إعادة البناء في الاتحاد السوفيتي السابق؛ انهار المعسكر الاشتراكي. وبانهياره انتهت مرحلة (الحرب الباردة)، وتبخرت معادلة التوازنات الدولية. وظهرت معالم (وفاق دولي) جديدة؛ أو عصر التهدئة كما يقولون.

ولم نر في هذه المرحلة للأسف الشديد أي تخطيط استراتيجي للعرب من أجل التهيؤ لتحصيل حقوقهم، وترتيب مصالحهم الدولية. خصوصاً وأنها مرحلة لا يمكن اعتبارها بداية لسعادة الإنسان وتحرره من أطماع ومصالح خارجية، لأنَّ قوى النظام القديم هي نفسها المتحكمة بالظروف الدولية.

وهذا ما أشار إليه الدكتور (كونترنك) الرئيس السابق لاتحاد الكتاب والصحفيين النمساويين، في الندوة الفكرية التي دعت لها المنظمة العربية لحقوق الإنسان فرع النمسا. وقد شارك في هذه الندوة أكثر من ثلاثين باحثاً ومفكراً، ناقشوا موضوع حقوق الإنسان، في ظل النظام الدولي الجديد بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.

الغريب أنَّ العرب شاهدوا بدقة وتمعن أنَّ هذه القوى الدولية رتبت مواقعها في النظام الدولي الجديد، وعملت جاهدة على حماية مصالحها على حساب أطراف دولية أخرى في الشرق الأوسط. ومع ذلك ظلت الدول العربية ذليلة تابعة لغيرها، في ظل ظروف دولية ليست في صالحها، بعد بروز واشنطن كقوة أحادية وقائدة للمعسكر الغربي والعالم.

بمعنى أكثر دقة كان النظام الدولي الجديد (أحادي المرتكز) بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، مع ظهور محاور أخرى ثانوية لكنها مؤثرة في القرار الدولي، كمحور أوروبا الموحدة، ومحور ألمانيا واليابان اللتان ظهرتا كقوة اقتصادية عظيمة. إضافة إلى دور روسيا التي كان لها دوراً ومصالح رتبته مع أمريكا، وقد لعبت موسكو في أوقات ضعفها بأوراق سياسية اختارتها بدقة للضغط على واشنطن.

في ظل ذلك لم يكن للعرب أي دور أو تخطيط استراتيجي للخروج من أزماتهم المستمرة، ولم يكن لدول العالم الثالث أي دور أيضاً في النظام الدولي الجديد. فهذه الدول جميعاً لم تتعلم الدرس جيداً، ولم تفهم قوانين التاريخ ومعطياته للخروج من أزماتها الحادة، والانعتاق من الهيمنة والتبعية الغربية المذلة.

فبعد التحولات الجديدة وهبوب رياح التغيير وسقوط المعسكر الاشتراكي وظهور معالم نظام دولي آخر، لم نلاحظ أنَّ دول العالم الثالث وبضمنها الدول العربية أدركت خطورة الموقف وتصرفت بشيء من الحكمة؛ رغم معرفتها بأنها: هي الضحية في النظام الدولي الجديد. لم تتحرك وترتب أوضاعها وتثبت مواقعها، مثلما فعل الكثيرون لإثبات وجودهم ووزنهم الدولي، وتأثيرهم في العلاقات الدولية، ودورهم في تغيير قواعد القانون الدولي العام بما يتناسب مع مصالحهم ومصالح شعوبهم.

والموقف الذليل ذاته نجده اليوم يتكرر، فالعرب مازالوا لم يفهموا الدرس جيداً وظلوا مشتتين ذليلين للغرب، وقد تنازلوا عن الكثير من مصالحهم القومية والاستراتيجية لغيرهم من الدول الكبرى؛ مع أنهم يعرفون أنَّ الأوضاع الدولية ستتغير بعد هجوم روسيا على أوكرانيا.

لقد نشر موقع (ذنيشن) الأمريكي الشهير القريب من وكالة المخابرات المركزية الامريكية، مجموعة من الدراسات والابحاث السياسية والعسكرية والاستراتيجية الدولية المهمة بعد حرب أوكرانيا، وجميعها تُأكد قرب تفكك وانهيار أميركا، ومن ثم تفكك وانهيار عدة دول كبرى أخرى في أوربا واسيا.

وقد استند المعهد المذكور إلى جملة من المعطيات والأرقام والاحصاءات الدقيقة المهمة في هذا السياق، التي ترتكز إلى أربع دراسات حديثة لكبار المفكرين والباحثين الغربيين، أمثال صموئيل هنتاغتون، وبريجنسكي، وتريتا بارسي، وجون كولي، وفرانسوا فوكوياما وغيرهم.

كما اعتمد المعهد على المذكرات الخاصة والشخصية لوزيرة الخارجية الامريكية السابقة هيلاري كلنتون، ورئيس وزراء بريطانيا السابق توني بلير، ومذكرات وزير الدفاع الامريكي الاسبق دونالد رامسفيلد. وقد أشار المعهد الاميركي إلى الاحتلال الروسي الحالي لأوكرانيا كبادرة وعلامة ودليل على ظهور نظام دولي يختلف عما موجود حالياً، في ظل تعسر وصعوبة المفاوضات النووية بين إيران والغرب.

وتوقع المعهد الأميركي أحداثاً قريبة جداً ستضرب معظم دول العالم المختلفة، ومن ضمنها منطقة الشرق الأوسط والدول العربية، إضافة إلى اجتياح روسيا لليتوانيا ومولدافيا وبولندا وهنغاريا وفنلندا ولاتيفيا واستونيا ودول أخرى خلال العامين المقبلين، مع اجتياح الصين لتايوان وبورما وسريلانكا والفلبين ودول أخرى، واجتياح كوريا الشمالية لكوريا الجنوبية وتوحيدهما بقيادة شيوعية واحدة موالية لروسيا.

وذكر المعهد الأميركي أيضاً باندلاع حرب نووية بين الهند وباكستان، وحصول كلاً من إيران وتركيا على السلاح النووي؛ إيران ستحصل عليه من روسيا وتركيا ستحصل عليه من بريطانيا وباكستان. وستخسر (إسرائيل) لأية حرب مقبلة مع إيران أو تركيا، سواء كانت بالأسلحة التقليدية أو النووية. مع تقسيم ست دول عربية إلى عدة دول، وهي مصر وليبيا واليمن والسعودية والعراق وسوريا. كما أنَّ المنطقة العربية وشمال أفريقيا ستكون تحت الوصاية الدولية الجديدة، فيما سيكون هناك اتحاداً بين ست دول ناطقة بالتركية، وهي أذربيجان وتركيا وكازاخستان وأوزباكستان وقيرغيزستان وتركمانستان.

وقد أشار المعهد الأميركي على أنَّ العالم الجديد ستتحكم به عدة قوى كبرى جديدة ليس من بينها أمريكا، بل ستكون الزعامة الجديدة للعالم تتكون من روسيا والصين والكوريتين والهند واتحاد الدول التركية. ونتساءل من جديد ... لماذا لم تتحرك الدول العربية في ظل كل ذلك؟ وهي دول كثيرة عددها إثنان وعشرون دولة، أكثر بكثير من الدول الناطقة بالتركية. ولماذا ظلت دولاً ذليلة للغرب الذي يحاول أن يستنزفها ثرواتها ومواردها وخيراتها؟ لست أدري؟!!

***

الدكتور قاسم خضير عباس

كاتب سياسي ومتخصص بالقانون الجنائي والعلاقات الدولية

قاسم خضير عباسإنَّ علياً بن أبي طالب عليه السلام بمبادئه القرآنية، وصفاته وخصاله الإيمانية، وعدله ومنهجه السياسي، يعد قدوة لنا في حياتنا المعاصرة سنة وشيعة. خصوصاً ونحن كرجال قانون ومثقفون ملتزمون ندعو للتعايش السلمي واحترام التراث والآداب العامة وتطبيق القانون وسيادته على الجميع، بدون تمييز بسبب العرق أو القومية أو الدين، في مرحلة ومنعطف تاريخي خطير يتميز بالأزمات الفكرية والتعصب ورفض الآخر بسبب الجهل والغلو ونشوء التيارات التكفيرية والإرهاب.

لقد كان علي عليه السلام نموذجاً رائعاً للتسامح، واحترام الرأي الآخر، وحل مشاكل الناس والتعايش السلمي بينهم جميعاً مسلمين وغير مسلمين. وقد اتفقت الروايات من الفريقين سنة وشيعة على فضائله عليه السلام، وعلو شأنه، وعظمة شخصيته التي تؤهله أن يكون في القمة. ولذا يمكن أن نتخذه مرتكزاً لوحدة المسلمين، لا مجالاً للفرقة والتناحر، ناهيك عن أنَّ الأمم المتحدة قد اتخذت هذا الرجل مصادقاً لها في التعايش السلمي وحقوق الإنسان واحترام الرأي الآخر عندما أصدرت تقريرها عام 2002.

ومن المعروف أنَّ أعداء الإسلام قد استغلوا الفرقة بين المسلمين لتمرير مؤامراتهم الدنيئة، ويُذكر أنَّ الصهاينة في فلسطين قد تبنوا مشروعاً لتفتيت العالم الإسلامي والعربي، من خلال بث الفرقة بين السنة والشيعة، وإغراء الأقليات على الانفصال. وزاد تخطيطهم خبثاً بعد الإعلان عن صفقة القرن، وتفتيت الدول العربية كسوريا والعراق وليبيا ومصر والسودان، بمساعدة بعض دول الخليج المطبعة مع العدو الصهيوني، التي شجعت وعاظ السلاطين على إصدار فتاوى التكفير للآخر ووصفه بأشنع الأوصاف.

والمخطط الصهيوني ليس جديداً بل تم دراسته والتهيؤ له منذ مدة طويلة، وقد نشرت مجلة (معاريف) اليهودية في 18 ديسمبر 1981 مقالاً لـ(آريل شارون) قال فيه: (إنَّ سياسة التفتيت يمكن لإسرائيل من الوصول بمجالها الحيوي إلى أطراف الاتحاد السوفيتي شمالاً، والصين شرقاً، وأفريقيا الوسطى جنوباً، والمغرب العربي غرباً، فهذا المجال عبارة عن مجموعات قومية وأثنية ومذهبية متناحرة).

وهنا لا بد من التوقف قليلاً والتأكيد على أنَّ التعددية في المجتمع الإسلامي شيء ايجابي، التعددية لا بد أن تكون في إطار جامع، ضمن منهج يستوعب الجميع، وإلا ستكون تشرذماً وتفتتاً يستغلها أعدائنا وهم يخططون لصفقة القرن وحماية الكيان الصهيوني. وهنا من الضروري لكي تتعمق المعرفة نقول إنَّ مسألة الخصوصية والتميّز والتعددية تكون في إطار الإسلام، لفرق ومذاهب يجمعها مبادئ القرآن العامة، هو تنوع ايجابي تظلله مرجعية التصور الإسلامي الجامع، وهو خصوصيات متعددة في إطار ثوابت الوحدة الإسلامية.

وجامع الإسلام هذا لا يقف عند دائرة الاعتقاد الديني وحدها، فيكون مانعاً لغير المسلمين من الوجود والتميّز في إطاره، وإنما هو شامل لدوائر الحضارة والثقافة ومنظومة القيم الإيمانية التي تجمع غير المسلمين في هذه الدوائر المتعددة والمترامية الأطراف، الأمر الذي يجعل هذه التعددية نمواً وتنمية للخصوصيات، مع احتفاظ كل فرقائها وأطراف الخصوصيات، وأفراد التنوع بالروح الإسلامية والمزاج الإسلامي العام.

ولذا فإنَّ الشهيد المفكر الإسلامي المبدع محمد باقر الصدر الذي نعيش ذكرى استشهاده هذه الأيام قد خاطب الجميع سنة وشيعة بقوله: (وإني منذ عرفت وجودي ومسؤوليتي في هذه الأمة بذلت هذا الوجود من أجل الشيعي والسني على السواء، ومن أجل العربي والكردي على السواء، حيث دافعت عن الرسالة التي توحدهم جميعاً، وعن العقيدة التي تضمهم جميعاً، ولم أعش بفكري وكياني إلا للإسلام: طريق الخلاص، وهدف الجميع).

الواقع أننا بحاجة إلى منهجية جديدة لقراءة التاريخ لا تهادن الحكام الظلمة والفاسدين، وبحاجة إلى فتح الحوار مع جميع المذاهب وفق أسس أدب الحوار، وبحاجة إلى أسلوب ناهض في العمل الإسلامي يجمع الجميع سنة وشيعة، في عملية التغيير المطلوبة لمواجهة مؤامرات النظام الدولي الجديد وصفقة القرن، والتحديات المصيرية وتبدل الموازين الدولية بعد اجتياح روسيا لأوكرانيا.  نحن بحاجة إلى جرأة فقهية من العلماء الشرفاء من الفريقين للوقوف بوجه الفتاوى التكفيرية، لأنها وسيلة المتخلفين والجهلة، فالمبادرة للتكفير (إنما تغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل) كما قال العلامة أبو حامد الغزالي في كتابه فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة.

إنَّ الاجتهاد واختلافه من مذهب إلى آخر، لا يعد خروجاً عن الدين، ومبرراً لتكفير الآخر، لأنَّ الجميع يستند ويرجع إلى قواعد إسلامية عامة، لا تجيز الاجتهاد في القضايا المنصوص عليها في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، لأنه لا يجوز الاجتهاد قبال النص. وعليه فإنَّ الترابط الحي بين العام والخاص؛ بين النص الشرعي العام والفتوى؛ بين المبادئ العامة والفكر الإسلامي الإنساني الخاص هو شيء طبيعي، طالما انطلق الجميع من الحرص على الإسلام والمسلمين، ومن فهم الدليل الشرعي.

وضمن هذا المجال تتلاقح الأفكار وتتحاور، دون تكفير للآخر، ومصادرة أفكاره، وممارسة عملية إقصاء، وتعصب غير مبرر يفتقد للحجج الشرعية... عندها سنكون بحق نفهم ما يخطط لنا في دوائر الاستخبارات العالمية والأميركية من مؤامرات ودسائس، ونفشل المخطط الصهيوني بتفتيت الدول العربية والإسلامية، ويكون لنا دور ناهض في العلاقات الدولية وتأثير في القانون الدولي العام والمنظمات الدولية.

***

الدكتور قاسم خضير عباس

كاتب سياسي وخبير القانون الجنائي الدولي والمحلي

الحسين بوخرطةلا جدال في كون العلاقة بين المغرب وفرنسا في تطور مستمر منذ عقود، تطور أملته جهود المملكة في مجال قيادة التغيير بحكمة وتروي في أفق تحقيق مشروع المجتمع الديمقراطي الحداثي المعلن رسميا من طرف أعلى سلطة في البلاد. الطموح المشروع تاريخيا بالنسبة للشعب المغربي هو إقناع الجمهورية الفرنسية وأوربا بالبراهين الثابتة أن المغرب لا يستحق إلا مرتبة الشريك الإستراتيجي النافع لكل الأطراف بسيادته التنموية على ترابه وبروحه الوطنية الجامعة المتجدرة في أعماق التاريخ.

لقد مر العالم من هزيمة نابليون التاريخية وما تلاها من إجراءات تثبيت القواعد الداخلية لأوروبا، وتم الإجهاز على قرارات مؤتمر فيينا بنشوب الحرب العالمية الأولى وويلاتها على القارة العجوز، واستنزفت قرارات معاهدة فرساي بفعل تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية لسنة 1929 وظهور الفاشية والنازية، وارتباك وظيفة ومهام الأمم المتحدة بفعل الحرب الباردة، واختلالات النظام العالمي الجديد الذي لم يحقق الديمقراطية والسلم والأمن والرفاهية للشعوب والأمم. إنها الاعتبارات التي دفعت المتتبعين إلى الإفصاح بانتهاء هذه المنظومة. لم يعد اليوم هناك أي مبرر بالتشبث بالنزعة الإمبراطورية والشعور بالتعالي في العلاقات الدولية ما بين دول الشمال ودول الجنوب. المغرب يتشبث بحق المغاربة في التمتع بنعم انتمائهم المغاربي والعربي، ويسعى لتقوية العلاقات بشكل نهائي مع دول المنطقة الإقليمية والجهوية، وبالتالي تمتيع الشعوب بمزايا التكامل الطبيعي والاقتصادي والثقافي التاريخي. كما لا يدخر أي جهد لتأهيل ترابه في كل المجالات وتحويله إلى قاطرة لنماء دول القارة الإفريقية.

وعودة إلى قراءة مقال الأخ لحسن العسبي الذي تم نشره في جريدة الاتحاد الاشتراكي عدد 10930 بتاريخ 11 فبراير 2015 تحت عنوان "هل انتهت المشاكل بين الرباط وباريسỊ"، وجدتني متحمسا لتخصيص مقال ثان لهذا الموضوع الهام وفي هذه الظرفية الدولية الحرجة. موضوع العلاقة التاريخية ما بين المغرب الأقصى والجمهورية الفرنسية يستحق التحليل والمتابعة لما له من مزايا على مستقبل القارتين الأوروبية والإفريقية. هذا الاستحقاق دفعني كذلك إلى استحضار كتاب ادوارد سعيد حول "الاستشراق"، الذي حضي باهتمام كبير بالرغم من الانتقادات التي هاجمت الكاتب من بعض الكتاب الغربيين والمستغربين العرب.

وأنا أعيد قراءة مقال الكاتب لحسن العسبي، فكرت مباشرة في حاجة فرنسا إلى نوع من الإبداع السياسي لاستنباط الكنه والثراء الكامن للعلاقة التي تجمعها مع المغرب. لقد أسهب العسبي في حديثه عن كون العلاقة ما بين فرنسا والمغرب تحتاج اليوم إلى تجاوز أزمات سوء التدبير. الوعي الفرنسي بضرورة تجاوز المنطق القديم المؤطر للعلاقات بين الرباط وباريس (منطق مؤتمر الجزيرة الخضراء لسنة 1906 ومنطق عقد الحماية لسنة 1912) هو مطلب استعجالي تفرضه المصالح العليا للبلدين. في هذا الصدد، دعا الكاتب النخب الفرنسية بكاملها إلى ضرورة تغيير الرؤية بنظارات جديدة لا تترك أي مجال لإمكانية الرجوع إلى الوراء (القرن الماضي). المبررات التي قدمها لحسن، وهي تصب في تأكيد الاستثناء المغربي وخصوصيته على المستوى الإقليمي والجهوي، ليست نابعة فقط من اعتزازه بانتمائه، بل هي مبررات موضوعية دامغة ومقنعة.

إن دوافع العسبي تتناغم وتحليلات ادوارد سعيد في شأن تحليل وتفصيل العلاقة التاريخية ما بين دول الشمال والجنوب، والتي التقطت منها نقطتين هامتين:

* أعمال الاستشراق في القرن الماضي، كما جاءت في كتاب ادوارد سعيد، كانت أعمال سياسية خاضعة للسلطة، أي كونها أعمال خاضعة للطلب، والغرض منها تحويل العلاقة ما بين الشرق والغرب إلى قوة وسيطرة. بذلك يكون الاستشراق حالة حيوية بين الأفراد المؤلفين والمؤسسات السياسية، حالة لا يمكن أن تعطي المصداقية للصورة التي يريد الغرب تسويقها في شأن المستشرق (بطل تاريخي اجتماعي خرج من براكن الفكر الغربي لينتقد العالمين العربي والمغاربي لمنحه الحرية والعقلانية التي لا وجود لها في شخصه ومجتمعه). وهنا أشير أن الخصوصية المغربية في تحقيق التراكم السياسي يجب أن تكون مؤشرا يدفع الغرب بصفة عامة، وفرنسا بصفة خاصة، إلى تجاوز منطق القرن الماضي الذي ربط بالواضح الاستشراق بزمن الامبريالية (المغرب فرصة لا تعوض للغرب للتعبير على منطقه الإنساني في الدعم). وهنا، فالحديث عن الاستشراق في الوقت الراهن لا يعني الحديث عن الآليات، بل يعني المنطق والأهداف. وبذلك يكون الاستشراق بحلته القديمة متجاوزا ولا يمكن أن يكون عنصرا من عناصر الثقافة السياسية الحديثة. إن المغرب، كنموذج دولة عربية مغاربية استطاعت بالسياسة خلق الاستثناء زمن ما يسمى بالربيع العربي (فوضى بدون زعامات)، يحتاج إلى دعم غربي (فرنسي وبريطاني وأمريكي على الخصوص) بمنطق بناء الديمقراطية والحداثة. فما أبانت عليه التطورات من تحولات لدى القوى الغربية العظمى تميل منذ سنوات مضت إلى فتح المجال لإدماج التيارات الإسلامية المعتدلة وتمكينها من نوع من الامتياز والدعم للحصول على المراتب الانتخابية المتقدمة (التحولات التي عنونها المتتبعون بشعار إعادة تشكيل خريطة سياسية جديدة للشرق الأوسط الكبير ودول شمال إفريقيا)، لا يجب أن تصب منطقيا في آخر المطاف إلا في إطار إستراتيجية محكمة لترسيخ الديمقراطية السياسية والحداثة الثقافية في بلادنا. وبينت التجربة المغربية أن هذه الإستراتيجية أعطت ثمارها بشكل واضح، ليبقى تمتين منظومة إنتاج النخب من أولويات تحقيق ديمومة نجاعة السياسات العمومية، وتثبيت الأمن العام والاستقرار قطريا وإقليميا وإفريقيا.

* هناك صراع ذاتي للفرد الغربي تجاه الشرق والغرب شمال إفريقي يتأرجح ما بين المفهوم الإنساني والمفهوم الاقتصادي. وهنا نقول كذلك أن كل من يتتبع أوضاع المغرب يتأكد له حرصه الشديد على خلق التقدم في الواجهتين السياسية والاقتصادية بشكل متوازن، وبذلك يكون وضعه في ابتعاد مستمر عن منطق ربط امتلاك الأقليات للثروة الوطنية كأساس لتحقيق السيطرة السياسية. وهنا فالمصلحة الاقتصادية الغربية تقتضي مبدئيا دعم المغرب ليكون قاطرة لتنمية إفريقيا بدءا من الاعتراف بقدرته على التدخل لتقوية الوضع السياسي والأمني في دول الساحل جنوب الصحراء. لقد استطاع مغرب اليوم، بعد نضالات وتضحيات كبيرة، من تقديم نموذج للفرد المغربي البعيد كل البعد عن ما تمت إشاعته عن الإنسان الجنوبي زمن الاستشراق من أوصاف دونية كوصفه بالمتخلف وعدم المعرفة وأنه غير قادر على حكم نفسه بنفسه، وأنه في حاجة إلى وصي أو والي، أي المنتظم الغربي.

وبذلك تكون النَّزَعات، إن وجدت، للحفاظ على استمرار الترابط بين منطق القرن الماضي للدول الغربية (منطق الاستشراق) وأجندات الحاضر لا جدوى من ورائها ولا يمكن لها إلا أن تعطل مسار التاريخ. وأعتقد هنا لو كان المرحوم ادوارد سعيد حيا في زمن الوضعين المغاربي والعربي الراهنين، لتتبعنا بلا شك منطق تحليله لتقابل أحداث الماضي والحاضر بكل وضوح وجلاء. لقد عبرت التجربة المغربية كنموذج على نضج سياسي واضح بالرغم من ضعف موارد البلاد المالية (دولة لا تتوفر لا على بترول ولا على غاز). المسار الذي اتخذه المغرب ويسعى إلى ترسيخ مقوماته يحتاج اليوم إلى دعم غربي واضح لتحقيق الامتداد الإنساني عبر السياسة والاقتصاد إلى إفريقيا، امتداد يخدم أكثر، وبقدر كبير، المصلحة الغربية.

وعودة إلى مقال العسبي، في نفس السياق، تطرق هذا الصحافي، إلى كون المغرب، نتيجة لما حققه من تراكمات مؤسساتية واقتصادية وبنية تحتية هامة جدا، أصبح اليوم مؤهلا ليلعب دور الوسيط الجيوسترتيجي في مجال حركية السلع والخدمات والراسميل ما بين الشمال والجنوب، وبالتالي تحقيق المزيد من النمو في المداخيل المالية للأطراف المتعاونة والمتفاعلة والحد من توتر العلاقات ما بين دول الشمال والجنوب بسبب الهجرة. فالقراءة المتبصرة للمستقبل، يقول لحسن، يجب أن تدفع فرنسا بشكل خاص إلى الاعتراف بكون مغرب اليوم ليس مغرب 1912. لقد تحول إلى بلاد منفتحة على عمقها الجنوبي والأوروبي المتوسطي وجوارها الأطلنطي، ويستحق بذلك التعامل معه بمنطق الشراكة الإستراتيجية ليس بمنطق الوصاية. فبقدر ما تغير الشعب الفرنسي، تغير كذلك الشعب المغربي، وبقدر ما تحتاج العلاقة بينهما إلى عقل استثنائي، بقدر ما يحتاج الغرب الأوروبي إلى تقوية مكانته في صناعة القرار العالمي. إن تحقيق السلم والأمن وتنمية الجنوب عبر المغرب سيكون بدون أدنى شك عاملا أساسيا في الرفع من وثيرة التقدم الغربي اقتصاديا وعلميا وتكنولوجيا (الجانب المادي المصلحي في العلاقات الدولية). في نفس الوقت، سيشكل منطق التعامل ما بين الشمال والجنوب، بفعل التراكم، ثروة إنسانية ستعطي دفعة قوية لمبدأ حق الإنسان من الشمال إلى الجنوب، ومن تم من الغرب إلى الشرق، من تكريس قيم جديدة للعيش المشترك تقوده القوى الناعمة. إن بنية الدولة المغربية اليوم ليست اختراعا فرنسيا، بل هي مشروع في تطور مستمر، بنته وتبنيه أجيال هذا الوطن. إنه مسار سياسي يحد بشكل مستمر من تأثير الخونة ورواد الاستبداد والرجعية،.... ويتيح بمنطق تدرجي الفرصة تلو الأخرى للشباب لخدمة الوطن والمواطنين، ويقوي، برمزية ثورة الملك والشعب وتلاحم المغاربة مع العرش، الإجماع الوطني في شأن الديمقراطية والحداثة والحرية والوحدة الترابية.

على المستوى العقائدي، أصبح مغرب اليوم منفردا بطبيعة روحانيته نظرا للأدوار التي لعبتها وتلعبها مؤسسة إمارة المؤمنين مغربيا، ولامتداد صداها إلى العمق الإفريقي. فالتطور السياسي المغربي المستمر الطامح لتحقيق المزيد من العقلانية في ممارسة الشعائر الدينية (الإصلاح الديني) قد يجعله في المستقبل القريب ذا خصوصية ثقافية وأكثر قربا من العقلانية الغربية، وأكثر ابتعادا من التراث القديم ببدعه وخرافاته وأساطيره المكبلة لإرادة الفرد والجماعة. إنه الرهان الذي يحتاج إلى الدعم الإنساني والاقتصادي الغربي، دعم يمكن الدولة من تنفيذ سياساتها الطامحة لتعميم وترسيخ العقلانية في معتقد المغاربة، وبالتالي جعل الأساسيات والكليات في الدين الإسلامي آلية لخلق ثقافة حضارية في ملك المجتمع برمته، ثقافة لا يمكن لأحد أن يتجرأ على استغلالها "سياسويا"، ولا يمكن أن تساهم في إنتاج التطرف والإرهاب، ثقافة تقوي التضامن والتآزر والتسامح والمحبة ما بين أفراد المجتمع الواحد وما بين الشعوب كونيا. خيار الامتداد في اتجاه فضاء الحضارة الأوراسية أمر صعب، والانفتاح على إفريقيا بإمكانياته الزاخرة أفق واعد جدا.

***

الحسين بوخرطة

 

محمد محفوظفي كل الأزمات والتحديات التي تواجه الواقع العربي، تتجه النخب السياسية والثقافية والإعلامية للخارج، للبحث عن المؤامرات والمخططات الأجنبية التي صنعت تلك الأزمة أو خلقت تلك التحديات التي تواجه الواقع العربي.. ودائما كانت الأنظار والتحليلات والتصورات، تتجه إلى رصد دور التأثيرات الخارجية في التأثير والضغط السلبي على العالم العربي .. ونظرة واحدة وسريعة للكثير من الأزمات والمشاكل التي واجهت العالم العربي، تجعلنا نكتشف وبشكل سريع صدق هذه الحقيقة .

 وإننا هنا لا ننفي دور العامل الخارجي في إجهاض الكثير من المشروعات والآمال، ولا نغمض أعيننا أمام حقيقة اشتراك القوى الأجنبية في الكثير من الحقب في تعويق النهوض العربي. ولكن رمي كل الأخطاء على العوامل الخارجية، يساهم في تزييف الوعي العربي ولا يوفر لنا القدرة على تجاوز هذه المحن التي تصيبنا وتجهض الكثير من مشروعاتنا وطموحاتنا. لذلك فإن الخطوة الأولى في مشروع وقف الانحدار العربي هو أن نستدير ونلتفت إلى الداخل، لمعالجة المشاكل والأزمات التي تؤثر حتما على الأداء العام، ولتلبية الطموحات والتطلعات المشروعة التي تحملها قوى الداخل .

أما سياسة الهروب من استحقاقات ومتطلبات الداخل واتهام الخارج بكل سيئاتنا ومصيباتنا وأخطائنا، فإنه لا يعالج المشاكل بل يفاقمها ويزيدها أوارا واستفحالا . ولقد آن الأوان بالنسبة لنا نحن في العالم العربي أن نستدير إلى داخلنا، واكتشاف العوامل والأسباب الحقيقية التي أنتجت ولا زالت الواقع السيئ الذي يعيشه العرب اليوم على أكثر من صعيد ومستوى. والتوجيه القرآني يحثنا إلى سياسة الاستدارة نحو الداخل واكتشاف أخطائنا قبل اتهام الآخرين بها.. إذ يقول تبارك وتعالى [ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم] .. فالخطوة الأولى التي ينبغي أن نقوم بها إزاء كل ظاهرة ومشكلة وأزمة، هي البحث والفحص الجاد عن الأسباب الذاتية التي أدت إلى هذه الظاهرة أو المشكلة والأزمة، فلا بد أن نوجه الاتهام أولا إلى أنفسنا، قبل أن نوجهه إلى غيرنا. وهذه المنهجية تلخصها الآية القرآنية [قل هو من عند أنفسكم]، فإزاء كل هزيمة، إزاء كل مرض وظاهرة سيئة، كل مصيبة على رؤوسنا، ينبغي أن نلتفت قبل كل شيء إلى نصيبنا، إلى دورنا، إلى ما كسبته أيدينا . إن واقع العرب الراهن هو أسوأ واقع، والانهيار في حياتهم يهدد وجودهم نفسه. واتهام الخارج وحده وتبرئة الذات والتعامل معها بنرجسية واستعلاء يزيد تدهورنا وضعفنا وضياعنا.

ونحن هنا لا ندعو إلى جلد الذات واتهامها بكل السيئات والإخفاقات. وإنما ندعو إلى معرفة العلل والأسباب الكامنة في فضائنا السياسي والثقافي والاجتماعي، والتي أفضت بشكل أو بآخر إلى الواقع السيئ الذي نعيشه. كما أن الخارج في علاقته معنا في العالم العربي، ليس بريئا من أزماتنا ومشاكلنا المزمنة، بل هو شريك وفاعل حقيقي للكثير من المشاكل والأزمات.

ولكن الرؤية المتزنة التي ندعو إليها، هي التي تبدأ بالاستدارة إلى الداخل، واكتشاف الواقع ومعرفة مستوى مساهمتنا في هذه المشكلة أو تلك الأزمة.. فلا يمكن أن نواجه تحديات المرحلة، وهي تحديات صعبة ومعقدة باتهام الخارج وتبرئة الذات. إن هذا النهج هو الذي أدام الكثير من عناصر وحقائق التخلف السياسي والثقافي في العالم العربي، وهو الذي برأ الكثير من النخب التي كان لها دورا سيئا في تطور الأحداث التي جرت في حقب زمنية مختلفة ..

فالباري عز وجل لم يخلق الإنسان خلقا جامدا خاضعا للقوانين الحتمية التي تتحكم به فتدبره وتصوغه بطريقة مستقرة ثابتة، لا يملك فيها لنفسه أية فرصة للتغيير وللتبديل، بل خلقه خلقا متحركا من مواقع الإرادة المتحركة التي تتنوع فيها الأفكار والمواقف والأفعال، مما يجعل حركة مصيره تابعة لحركة إرادته، فهو الذي يصنع تاريخه من طبيعة قراره المنطلق من موقع إرادته الحرة، وهو الذي يملك تغيير واقعه من خلال تغييره للأفكار والمفاهيم والمشاعرالتي تتحرك في واقعه الداخلي لتحرك الحياة من حوله.

وهكذا أراد الله للإنسان أن يملك حريته، فيتحمل مسؤوليته من موقع الحرية. ويدفعه إلى أن يواجه عملية التغيير في الخارج بواسطة التغيير في الداخل، فهو الذي يستطيع أن يتحكم بالظروف المحيطة به، بقدر علاقتها به، وليس من الضروري أن تتحكم به. فالإنسان هو صانع الظروف، وليست الظروف هي التي تصنعه.

لذلك فإنه لا يجوز ولا يصح التضحية بحريات ومتطلبات الداخل العربي تحت مبرر معارك الخارج وتحدياته الحاسمة. إذ أنه لا يمكن أن نواجه تحديات ومؤامرات الخارج بشكل فعال، إلا إذا وفرنا متطلبات وحقوق وتطلعات الداخل.. ولعلنا لا نجانب الصواب، حين القول:

إننا في العالم العربي وخلال الخمسة العقود الماضية قد قلبنا المعادلة. إذ سعت النخب السائدة، إلى إقصاء كل القوى والمكونات تحت دعوى ومسوغ أن متطلبات المعركة مع العدو الصهيوني تتطلب ذلك. وأصبح شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) هو السائد. ولكن النتيجة النهائية التي وصلنا إليها جميعا حاكما ومحكوما، أن هذا الخيار السياسي والثقافي لم يوصلنا إلا إلى المزيد من التدهور والانحطاط. و بفعل هذه العقلية أصبح العدو الصهيوني أكثر قوة ومنعة، ودخلنا جميعا في الزمن الإسرائيلي بكل تداعياته الدبلوماسية والسياسية والأمنية والثقافية والاقتصادية..

فتصحير الحياة السياسية والمدنية العربية، لم يزدنا إلا ضياعا وتشتتا وضعفا. ولقد دفع الجميع ثمن هذه الخطيئة التاريخية. لذلك آن الأوان بالنسبة لنا جميعا أن نعيد صياغة المعادلة. فلا انتصار تاريخي على العدو الصهيوني، إلا بارتقاء حقيقي ونوعي لحياتنا السياسية والمدنية. فإرساء دعائم الديمقراطية وصيانة حقوق الإنسان وتعميم وتعميق ثقافة الحوار والتعايش السلمي، كل هذه القيم والممارسات والمتطلبات من صميم معركتنا التاريخية والحضارية. وانتصارنا على العدو الخارجي، مرهون إلى قدرتنا على إنجاز هذه المتطلبات في الداخل العربي.

فالإكراه الديني والسياسي، لا يصنع منجزات تاريخية، وإن صنعت سرعان ما يتلاشى تأثيرها من جراء متواليات الإكراه و امتهان كرامة الإنسان.

لهذا كله فإننا ندعو كل الدول العربية، وفي هذه اللحظة التاريخية الحساسة والمصيرية إلى الاستدارة والاهتمام بالداخل. فالقوة الحقيقية هي التي تستمد من الشعب والمجتمع، والخطر الحقيقي هو الذي ينبع من الذات. فلا مناص أمامنا اليوم حيث المؤامرات والتطورات والتحولات، إلا الالتحام والالتصاق بشعوبنا. فهي عنوان العزة والقوة، وهي سبيلنا لتعزيز أمننا ووحدتنا وهي القادرة على إجهاض كل المشروعات والمؤامرات. فلتتجه كل مبادراتنا نحو شعوبنا، ولنعد الاعتبار لكل القوى الحية والفاعلة في المجتمع العربي.

إنها لحظة تاريخية حاسمة، وتتطلب بلا شك خطوات نوعية وحكيمة.

وفي هذا السياق نلتفت ونؤكد على النقاط التالية:

ضرورة بلورة مبادرات وطنية حقيقية، تزيل الالتباسات، وتؤكد خيار المصالحة، وتعمق من أسباب وعوامل الثقة بين السلطة والمجتمع..

 فالاستدارة نحو الداخل تقتضي بشكل أساسي، العمل على تعميق خيار المصالحة والانسجام بين خيارات المجتمع وتطلعاته المتعددة والسلطة وخياراتها السياسية والاقتصادية.

إن القوة الحقيقية التي تملكها الدول في مواجهة المخاطر والتحديات، ليس في حجم الأسلحة والترسانة العسكرية، وإنما في الرضا الشعبي عنها. لهذا فإننا نؤكد على أهمية أن تعمل الحكومات في العالم العربي، على صياغة الأطر والمؤسسات، التي تهتم بحاجات المواطنين، وتنصت إلى أحوالهم وأوضاعهم، وتعمل وفق آليات واضحة لتعميق خيار الرضا الشعبي عن الأداء والخيارات السياسية للحكومات.

إن التطلعات والطموحات، سواء كانت خاصة أو عامة, لايمكن تحقيقها دفعة واحدة، وإنما هي بحاجة إلى مدى زمني تتحرك فيه وتقترب شيئا فشيئا صوب الهدف والتطلع المرسوم.

لهذا فإننا ندعو كل الأطراف في العالم العربي، إلى الأخذ بعين الاعتبار الظرف الزمني الحساس الذي تعيشه المنطقة.

إننا نشعر بأهمية جدولة مشروعات التطوير والإصلاح، وذلك من أجل أن تتجه كل الطاقات والكفاءات صوب الأهداف والغايات الوطنية المشتركة.

وتعددت الأيدلوجيات والأفكار والمرجعيات المفاهيمية والفلسفية التي سادت في العالم العربي.. وتمكنت بعضها من الحكم وإدارة بعض الدول العربية على أسس ومبادئ تلك الأفكار والأيديولوجيات. فأصبحت في العالم العربي دولا تتبنى النظرية الماركسية وتعمل بإمكانات الدولة إلى تعميم الرؤية الماركسية وإخضاع كل الشرائح والفئات إلى تلك الرؤية الأيديولوجية. كما تشكلت دولا وفق النظرية القومية، حيث عمل أصحاب هذه النظرية إلى تسيير شؤون الدولة والمجتمع وفق الرؤية والمعايير القومية.

وتعددت في العالم العربي الدول التي تتبنى رؤية أيديولوجية، وعملت على إخضاع كل مؤسسات الدولة إلى الرؤية الأيدلوجية، التي تحملها وتتبناها النخب السياسية السائدة.

ودخلت هذه الأيدلوجيات في حروب وصراعات مفتوحة، ولقد شهد العالم العربي وعبر فترات زمنية مختلفة تلك الصراعات والحروب التي عمل كل طرف على إثبات أيديولوجيته ومصالحه بعيدا عن مصالح الأمة وأمن المجتمعات العربية. ومع أن هذه الأيديولوجيات، دخلت في حروب وصراعات دامية مع بعضها، إلا أن بينها قواسم أيديولوجية وسلوكية وسياسية واحدة. ولعل من أهم القواسم المشتركة بين أصحاب الأيديولوجيات التي سادت في العالم العربي، وسيطرت بشكل أو بآخر إما على الدولة ومؤسساتها أو المجتمع ومؤسساته، هو أن أصحاب هذه الأيدلوجيات، لا يعتنوا كثيرا بحاجات الإنسان العربي ومتطلباته الأساسية. فكل الجهود والإمكانات تصرف باتجاه تثبيت وتعميم ونشر المقولات الأيديولوجية، بعيدا عن الاهتمام بحاجات الإنسان أو الإنصات إلى مطالبه ومطامحه.

لذلك فإن الكثير من ثروات وإمكانات الدول الأيدلوجية، صرفت على نشر المقولات الأيديولوجية والحزبية، وكأن نشر هذه المقولات، هو الهدف الأسمى والغاية العليا.. ووفق هذا السلوك والتصرف الذي مارسته الدول الأيديولوجية، كما مارسته الجماعات الأيديولوجية، ضاعت حاجات الإنسان فردا وجماعة، واضمحلت حقوقه الأساسية، واعتبر الإنسان كقيمة وحقوق وكرامة في أدنى سلم الاهتمام. ولا نحتاج إلى كثير عناء لإثبات هذه الحقيقة الناصعة في الكثير من الدول والتجارب. فيكفي أن تذهب إلى أي دولة أيديولوجية أو تقدمية في العالم العربي، لاكتشاف هذه الحقيقة. حيث كل الامكانات تتجه إلى الشعارات وتخليد الزعيم واثبات صحة المقولات الأيديول      وجية والحزبية التي قامت عليها الدولة. بينما الإنسان في هذه الدول يعيش العوز والضنك والصعوبات الحياتية المختلفة، كما يعاني من الكبت والقمع والخوف الدائم من زوار الفجر وأجهزة الاستخبارات.

فهذه التجارب والدول، تحارب وبشعارات ثورية وتقدمية حقوق الإنسان، وتعمل على إبقاء مواطنيها يلهثون ليل نهار من أجل لقمة العيش الي     ومية. لذلك فإن هذه الدول، لم تحقق أي إنجاز يذكر لمواطنيها، كما أنها لم تحقق وخلال سنين طويلة من الحكم والسيطرة على مقاليد الأمور الشعارات التي رفعتها، حينما وصلت إلى سدة الحكم.

 فالدول التي رفعت شعار الوحدة لم تنجز إلا المزيد من التجزئة والتشظي. والدول التي رفعت لواء الدفاع عن الطبقات المحرومة في المجتمع، أضحت هذه الطبقات هي أول ضحايا هذه التجربة وهذه الدولة.

ويشير إلى هذه المسألة الدكتور (برهان غليون) بقوله: أزمة الدولة أعمق إذن مما تبدو عليه عادة وكأنها أزمة نظام، أنها أزمة فكرتها ذاتها. وتلاشي روح الولاء للسلطة الوطنية والانتساب للمشروع الذي كانت تقترحه على المجتمع نابع بالضبط من انكشاف عجز السلطة هذه عن إنجازه، أي عن خيانتها له، وليس بسبب تحققه. وهذا يعني أيضا أنه نابع من تنامي الاقتناع بأن هذا المشروع بالصورة التي تبلور فيها لايمكن أن يشكل مدخلا إلى التقدم الإنساني. وهكذا، وفي أقل من عقدين، أصبحت القيم التي كانت تغذي لدى الجمهور الواسع شعبية دولة التقدم وتثير حماسة للانخراط فيها والتماهي معها، هي نفسها القيم التي تدفع الجمهور إلى رفضها والتنكر لها. لقد كان يكفي أن تظهر لا فاعلية البرنامج الوطني أو عيوبه، عروبيا كان هذا البرنامج أم قطريا، حتى تفقد الدولة توازناتها المادية والمعنوية، وتضيع هي نفسها هويتها وتفقد مقدرتها على استقطاب الولاء وتحقيق الاندماج والإجماع.

فالدول الأيديولوجية والتي استخدمت كل إمكانات الدولة لتعميم أيديولوجيتها وقهر الناس على خياراتها ومتبنياتها السياسية والثقافية، هي ذاتها الدول التي أجهضت كل مشروعات التحرر الحقيقي والخروج من مآزق الراهن. وهذه الدولة بنمطها القروسطوي وعنفها وجبروتها وعسكرتها لمجتمعها، أجهضت الكثير من الآمال والتطلعات.

لذلك فإن المطلوب اليوم، هو الخروج من هذه الشرنقة الأيديولوجية، التي تحيل كل شيء إلى قانون إما مع أو ضد وبناء دولة القانون والإنسان، التي تسعى لصياغة قانون لضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع، وإلى تأهيل الإنسان، وإطلاق حرياته وتطلعاته.

 فإننا كعرب لم نحصد من الدول الأيديولوجية، إلا المزيد من الصعاب والتراجع والتقهقر إلى الوراء. فالوحدة التي حلم بها الآباء، انتهت إلى دولة أيديولوجية مغلقة تكرس التجزئة وتنمي العصبيات، وبإسم التنمية والعدالة الاجتماعية حصدنا نمو رأسمالية الدولة وتضخمت شريحة الانتهازيين والوصوليين.

ولقد علمتنا التجارب أن الدول التي تنفصل عن مجتمعها وتحاربه في معتقداته واختياراته الثقافية والسياسية، وتفرض عليه نظاما قهريا، فإن مآلها الفشل وفقدان المعنى من وجودها. وهكذا وبفعل عوامل عديدة وعلى رأسها سيادة الدول الأيديولوجية التي لا ترى إلا مصالحها الضيقة، وتوظف كل الامكانات من أجل إثبات مقولاتها وأيديولوجيتها، وضيعت بفعل ذلك مصالح شعبها وامتهنت كرامته، اختلطت المع        ايير، واشتبكت القضايا، وسقطت الكثير من الشعارات المرفوعة. فالقتال أصبح داخليا، والحرب أضحت أهلية، والتطرف والإرهاب أصبح من نصيبنا جميعا. لهذا كله إننا أحوج ما نكون اليوم إلى تلك الدولة التي تعتبر أيديولوجيتها وشرعيتها هو في خدمة الإنسان وصيانة حقوقه وكرامته بصرف النظر عن أصوله الأيديولوجية أو القومية أو العرقية..

إننا في العالم العربي بحاجة إلى تلك الدولة التي تحتضن الجميع وتصبح بحق وحقيقة دولة الجميع.

والوصول إلى دولة الإنسان والقانون في العالم العربي، ليس مستحيلا، وإنما هو بحاجة إلى الكثير من الجهد المتواصل لإنجاز هذا التطلع التاريخي.. وإن دولة الإنسان التي تصون حقوقه وتحفظ نواميسه وكرامته، ليست يوتيبيا تاريخية، وإنما هي حقيقة قائمة، ولقد تمكنت بعض المجتمعات الإنسانية من تحقيقها.. وأن شعوبنا االعربية بطاقاتها العلمية وقدراتها الاقتصادية وطموحاتها الحضارية وأشواقها التاريخية، تستحق دولة تكون رافعة حقيقية لهذه الشعوب، لا قامعة وكابحة لطموحاتها وتطلعاتها الضاربة بجذورها في عمق التاريخ والإنسان .

وإنه بدون توجه العرب نحو بناء دولهم الوطنية على أسس القانون وحقوق الإنسان، فإن مشاكلهم ستتفاقم وأزماتهم ستستفحل وضغوطات الخارج ستؤثر على مصيرهم ومستقبلهم.

وإن التحول نحو دولة القانون والإنسان، بحاجة إلى الأمور التالية:

* الإرادة السياسية التي تتجه صوب تجاوز كل المعيقات والمشاكل التي تحول دون بناء دولة القانون والإنسان. حيث أنه لا يمكن بناء دولة جديدة في العالم العربي بدون إرادة سياسية تغير وتطور وتذلل العقبات وتواجه كل ما يدفع نحو إبقاء الأمور ساكنة وجامدة ومتخشبة. فالإرادة السياسية بما تعني من قرار صريح وعمل متواصل ومبادرات نوعية وتطوير للمناخ والبيئة الاجتماعية والثقافية، هي من العوامل الأساسية للتحول نحو دولة القانون والإنسان في الفضاء العربي..

* تحرير المجتمع المدني ورفع القيود عن حركته وفعاليته. حيث أن الدولة بوحدها، لا تتمكن من خلق كل شروط ومتطلبات التحول. وإنما هي بحاجة إلى جهد المجتمع المدني، الذي يستطيع القيام بالكثير من الخطوات والأعمال في هذا الاتجاه. لهذا فإن رفع القيود اليوم عن أنشطة مؤسسات المجتمع المدني، يعد من الأمور الهامة، التي تساهم في تعزيز الأمن الاجتماعي والمحافظة على الاستقرار السياسي. فالحاجة ماسة اليوم لتذليل كل العقبات التي تحول دون فعالية المجتمع المدني في العالم العربي. وإن الفرصة مؤاتية اليوم، لإنهاء تلك الحساسيات التي تحملها بعض النخب السياسية السائدة، تجاه مؤسسات المجتمع المدني ووظائفها وأدوارها. فإن هذه المؤسسات ليست بديلا عن الدولة، ولا تستهدف في أنشطتها تضعيف دور الدولة. بل هي مساند حقيقي ومؤسسي للدولة، كما أنه لا تقوم له قائمة بدون دولة مستقرة وثابتة. فالدولة اليوم في العالم العربي , بحاجة إلى جهد مؤسسات المجتمع المدني، كما أن المجتمع المدني بمؤسساته وهياكله، هو بحاجة إلى الدولة الحاضنة والراعية والضامنة لعمل مؤسسات المجتمع المدني. فالحاجة متبادلة، والأدوار والوظائف متكاملة. وإن الظروف السياسية التي يواجهها العالم العربي، تتطلب بناء الدولة في الواقع العربي على أسس جديدة وبمضامين جديدة. فالدولة التي ألغت المجتمع وحاربت قواه الحية هي أحد المسؤولين الأساسيين عن الواقع المتردي الذي وصلنا إليه جميعا.

 وسنبقى نعيش القهقرى مادامت ال دول ة ال عربية بمضمونها الأيديولوجي التي صحرت الحياة المدنية هي السائدة.. فثمة ضرورة ملحة اليوم لإعادة صياغة مفهوم ومضمون الدولة في التجربة العربية المعاصرة.

فالدولة التي لا تحترم حقوق الإنسان، وتتجاوز الدستور والقانون لأتفه الأسباب، هي الدولة التي أخفقت في مشروعات التنمية والبناء الاقتصادي، وهي التي انهزمت أمام التحديات والمخاطر الخارجية. والعلاقة جد عميقة بين إخفاق الدولة الداخلي وهزيمتها الخارجية. ولا سبيل أمام العرب اليوم، إلا بناء دولة الإنسان والقانون وصيانة الحقوق والنواميس، هذه الدولة حتى ولو امتلكت إمكانات محدودة وقدرات متواضعة، هي قادرة بتلاحمها مع شعبها وبتفاني شعبها في الدفاع عنها، على مواجهة كل التحديات والمخاطر.

فلتتجه كل الطاقات والقدرات والكفاءات، نحو إرساء مضامين دولة الإنسان في دنيا العرب.

***

أ‌. محمد محفوظ

مسار غازي

هل خسرنا الفرصة في أن نصبح  شعب ومجتمع ودولة؟

كشف انهيار النظام السياسي في العراق 2003 الغطاء عن ما تبقى من جسد متفسخ من تلك الدولة / الامة، أصابت المتأملين بالدوار! فالعنف البربري الذي لم يفارق التاريخ السياسي العراقي الحديث اتخذ طابعا أثنيا، وقبليا  وضعنا في اشكالية التحول التاريخي الذي لن ينجز. ونقصد به تحول من المجتمع التقليدي ذي النسيج المتمثل بالعصبيات على مختلف اشكالها(قبلية/ عشائرية/ طائفية/ إثنية / مناطقية) الى المجتمع الحديث القائم على المؤسسات المدنية. فالعراقيون لازالوا يعيشون في ظل تشابك الأزمنة ما بين قبلي وحديث. وما بين النسيج العصبي وقناع الحداثة.

عند امعان النظر في عراق ما بعد 2003 نتبين أن وراء النظم العلنية الظاهرة، نظما تقليدية هي التي تمثل القوى الفاعلة والمحركة؛ وذلك في مختلف مجالات الحياة والنشاط المجتمعي. حالة من التداخل الفريد ما بين المستوى التقليدي، والمستوى الحداثوي، ينادي المسؤولون بحكم المؤسسات، وحكم القانون، لكنهم يتصرفون انطلاقا من مرجعية العصبيات التقليدية. في كل إدارة عامة هناك هيكل تنظيمي رسمي يتبع الاسس العلمية في ادارته . يصدر على شكل لوائح وقوانين تعمم ليؤخذ بها. إلا إن القوة المحركة لازالت تنبع من المؤسسة العصبية وهيكلياتها التقليدية البائسة. هو ما جعل الدولة العراقية بكل مؤسساتها تعيش حالة من الازدواجية الفعلية ما بين الظاهر الرسمي والخفي الفعلي. ما يحرك هذه المؤسسات هو النظم العصبية على تباين اشكالها.

شكل ضعف الدولة وروح المواطنة بعد 2003 خطرا داهمًا على حاضر العراق ومستقبله، اذ ساعد على تنامي سلطة قبيلة والطائفة على حساب المواطنة ووحدة الهوية، فضلا عن أن طبيعة المجتمع العراقي ولدت جيلا لا يعرف معنى الانتماء الى الوطن والولاء للدولة الحديثة وروح المواطنة وليس من الغريب ان تستفيد القبيلة وتستعيد سلطتها وان تظهر من جديد التحالفات والعصبيات القبلية والطائفية في جميع محافظات العراق وتنظم نفسها للعب دور سياسي كبير بعد سقوط النظام السابق وانهيار الدولة الشمولية بمؤسساتها واجهزتها البيروقراطية. وبعد الاحتلال الامريكي لم تستطع الدولة الضعيفة توليد أشكال من التلاحم والاندماج المديني بين طبقات المجتمع، ومن الطبيعي أن تستغل المكونات الاجتماعية الاثنية والطائفية وغيرها ضعف الدولة وتفكك مؤسساتها والفوضى الهدامة والتسيب الذي عم البلاد لتحقيق مصالحها وتثبيت وجودها، وان تمارس مختلف الطرائق والأساليب الشرعية وغير  الشرعية لإعادة تعريف نفسها وتوكيد هويتها الفرعية على اساس ايديولوجي.

فالقبيلة في الأصل تكوين اجتماعي ما قبل حداثي تقوم اساسا على وحدة الدَّم والقربى ولها نزعة تعصبية تعبر عن الولاء للقبيلة والانتماء إليها وليس للدولة والوطن، وإن اهميتها ودورها الاجتماعي يكمنان في المحافظة على وحدة القبيلة وقيمها وأعرافها وحل المنازعات العشائرية ضمن المجتمع البدويّ/ الرعوي وليس الحضري. ولا يمكن أن تكون بديلا عن قيم الحداثة والتحضر، التي تتناقض مع حقوق الانسان ومؤسسات المجتمع المديني. والمشكلة الاكبر أنها تحولت اليوم الى مشروع سياسي، وتحول دور المضيف الى ما يشبه الحزب السياسي الذي يقوم بعقد تحالفات عشارية وصفقات سياسية، وللعشيرة نزعة تعصبية تجعل الفرد يقدم ولاءه الكلي لقيم وتصورات العشيرة وليس للوطن.

إن استفحال الولاء للقبيلة والانتماء للطائفة إنما يشكل تحديا كبيرا يواجه بناء الدولة الحديثة وروح المواطنة والهوية، اذ ينقسم المجتمع العراقي اليوم على ذاته على قبائل وطوائف ومناطق ومحلات، حولت الصراعات والمنازعات والعصبيات العشائرية الى المدن والاحياء ومؤسسات الدولة والمجتمع المدني. فثمة تحد كبير يواجه بناء الدولة الحديثة وهيبتها اليوم . ولعل هذا مرده في الاساس الى ضعف الدولة وعدم قدرتها على خلق المواطن الذي يكون ولاؤه للوطن والمواطنة التي تجمع الكل في هوية وطنية واحدة تحقق الأمن والاستقرار والتعايش الاجتماعي السلمي.

***

م. د مسار غازي

محمد محفوظلعلنا لا نجانب الحقيقة، حين القول: أن العالم بأسره وعلى مختلف الصعد والمستويات، دخل مرحلة جديدة بعد أحداث (11 سبتمبر 2001م). وتأثرت جميع الدول والمجتمعات بشكل أو بآخر من هذ االحدث الضخم الذي أصاب أكبر قوة عظمى في العالم، وألقى بتأثيراته وتداعياته على العالم كله. والذي ساهم في مراكمة التحولات، وتأثر دول العالم قاطبة بما حدث في نيويورك وواشنطن، هو إصرار الإدارة الأمريكية على تجييش دول العالم للمساهمة معها للقضاء على الجهات الفاعلة والداعمة لأحداث سبتمبر الرهيبة.

والذي يعنينا في هذه المقالة، هو طبيعة العلاقات الخليجية - الأمريكية بعد هذا الحدث الضخم. إذ عملت دوائر سياسية واقتصادية عديدة، لتوجيه الاتهام المباشر إلى بعض الدول العربية، وذلك لأن المجموعة التي قامت بتفجيرات وعمليات سبتمبر هم من العرب. لذلك فإن العلاقات الدبلوماسية والسياسية بين الطرفين، دخلت مرحلة جديدة. ومنذ ذلك الحدث وإلى الآن تقريباً فإن العلاقة تتراوح بين الانسجام والتواصل الاستراتيجي، والاختلافات التكتيكية التي برزت وتبلورت من جراء أحداث سبتمبر وتداعياتها الاستراتيجية والسياسية والأمنية والاقتصادية.

ولقد أبانت هذه الأحداث وتداعياتها وتأثيرها على مختلف الصعد، حاجة الطرفان معاً في أن يعمق كل طرف معرفته بالطرف الآخر.

فالعلاقات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية الطويلة، ليست كافية في أن يتعرف كل طرف على الآخر في الأبعاد الثقافية والمجتمعية.. فلا نحن في المنطقة يبدو إننا نمتلك قراءة ومعرفة تفصيلية بالواقع الأمريكي على مختلف الصعد والمستويات.. ولا الولايات المتحدة الأمريكية، تمتلك قراءة ومعرفة تفصيلية بالواقع الخليجي على مختلف الصعد والمستويات. وفي تقديرنا أن المصلحة الاستراتيجية لكلا الطرفين، تقتضي أن يتعرف كل طرف عن الآخر كما هو وبعيداً عن عمليات التهوين أو التهويل. وبدون هذه المعرفة، ستبقى التباينات التكتيكية والسياسية، حاضرة بقوة في مشهد العلاقة المتداخلة بين الطرفين..

وعلى صعيدنا الداخلي نحن في الخليج، نشعر بأهمية تأسيس مركز أو معهد بحثي ودارساتي يعنى بالشأن الأمريكي في مختلف الجوانب.. وذلك لأن عالم اليوم، هو عالم المعلومات الموثقة والدقيقة التي يبنى عليها الموقف أو القرار السياسي أو الاقتصادي أو الاستراتيجي. ولا يمكننا أن نواجه تحديات وتداعيات العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية اليوم، بدون معرفة نوعية بالواقع الأمريكي، سواء السياسي أو الاقتصادي أو الاستراتيجي..

لذلك فإننا نرى أن الحاجة ماسة على صعيدنا، لتشكيل مؤسسة بحثية, تضم خيرة الباحثين على صعيد المنطقة، وتتواصل مع المؤسسات والمراكز البحثية في العالم، وتأخذ على عاتقها رصد الواقع الأمريكي، وتقديم معلومة دقيقة ورؤية نوعية عن هذا الواقع وديناميات فعله وتطوره المستدي. فلا زال الكثير من أبناء المنطقة، يجهلون سبل وآليات صنع واتخاذ القرار في الولايات المتحدة الأمريكية..

ودعوتنا إلى خلق إطار مؤسسي لقراءة ومتابعة الشأن الأمريكي، ليس دعوة للانبهار والتلاشي. وإنما هي دعوة لكي نتعرف على هذه الدولة التي تتحكم في السياسات الدولية، ولها تأثير مباشر على أوضاعنا وأحوالنا. فهي على حد تعبير البعض الإمبراطورية الرومانية للأزمنة الحديثة..

ودائماً ومن خلال متابعاتي للشؤون السياسية الإقليمية والدولية، التي تشكل الولايات المتحدة الأمريكية قطب الرحى فيها، أشعر بفداحة النقص الحقيقي الذي نعيشه على صعيد المعلومة والرؤية للواقع الأمريكي. خذ على ذلك مثلاً بطبيعة العلاقة بين المجتمع الأمريكي بدوائره السياسية ومؤسساته الاقتصادية والمالية والتجارية والكيان الصهيوني.. فالعلاقة بين هذين الطرفين، علاقة معقدة ومركبة ودقيقة، ولا يمكن معرفتها على نحو دقيق وتفصيلي، بدون معرفة الواقع الأمريكي بكل تضاريسه وتشعباته..

فالمعرفة الدقيقة اليوم، هي حجر الزاوية في مشروع إدراك طبيعة التوجهات السياسية والدبلوماسية التي تؤثر على العالم بأسره.. وكلما اقتربت أمريكا من فضائنا الإقليمي، وتدخلت في شؤونه السياسية والاقتصادية والأمنية، ازدادت حاجتنا إلى المعرفة الدقيقة لهذه الدولة - الأمة - التي تطلق عليها مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس بيل كلينتون، بأنها الأمة التي لا غنى عنها للعالم.. وبالإمكان تكثيف حاجتنا إلى معهد أو مركز خليجي   للأبحاث والدراسات الأمريكية في النقاط التالية:

- إن الولايات المتحدة الأمريكية اليوم، دولة كبرى وذات شأن على الصعيد الدولي، وتمتلك قدرات هائلة للتأثير على كل مناطق وأحداث الصعيد العالمي. ولا يمكن لنا أن نتعاطى مع هذه الدولة وشعاراتها ومشروعاتها، التي نتأثر بها شئنا أم أبينا, بلغة الشعار أو الخطابات المجردة والمواقف الجاهزة. وإنما نحن بحاجة إلى دراسات وأبحاث علمية دقيقة عن هذه الدولة والحضارة. وذلك من أجل إسناد مواقفنا وآرائنا، تجاه هذه المشروعات والسياسات على هدى رؤية ومعلومة رصينة ودقيقة. ولاشك أن وجود مؤسسة وطنية أو إقليمية جادة على هذ االصعيد، سيوفر لنا الإمكانية الحقيقية والفعلية لسبل التعامل مع هذه الدولة وسياساتها الإقليمية والدولية. فلا يمكن أن نواجه مشروعاً أو مخططاً، لا نعرف كيف يفكر أصحابه، وما هي أجندتهم الحقيقية في مجالنا العربي والإسلامي.. ومعرفة نمط التفكير الأمريكي، ليس اجتهاداً شخصياً، وإنما هي عمل مؤسسي، تتراكم فيه الخبرة, وتنضج فيه الرؤية, ويتبلور فيه الموقف.

- تنمو في واقعنا الشعبي والاجتماعي, رؤية نمطية ومتوارثة، عن الولايات المتحدة الأمريكية. هذه الرؤية تمتلك مواقف كبرى وجاهزة عن أمريكا، وقد تكون صحيحة. إلا أنها لا تدرك طبيعة الحسابات السياسية والموازين الاستراتيجية التي تتحكم في صانع القرار والسياسة. واستمرار الرؤية النمطية - الجامدة عن الولايات المتحدة الأمريكية، بعيداً عن المعرفة العلمية والموضوعية والدقيقة بأمريكا، قد يدخلنا في خيارات لا تنسجم ومصالحنا الأمنية والسياسية والوطنية. لذلك فحاجتنا ماسة، على الصعيد الوطني والإقليمي , للخروج من نفق المواقف النمطية عن الآخرين, ونؤسس لمواقفنا على ضوء معرفة دقيقة وتفصيلية عن الآخرين في كل شؤونهم وأحوالهم. ولا ريب أن وجود مؤسسة وطنية - علمية، تعنى بالشأن الأمريكي على مختلف الصعد، سيجنبنا الكثير من تأثيرات الرؤى النمطية، التي تحملها شرائح اجتماعية واسعة عن أمريكا.. وهذا بطبيعة الحال، لا يعني القبول بسياسات أمريكا وخياراتها في المنطقة والعالم، وإنما نحن بحاجة دائمة أن نؤسس مواقفنا سواء كانت في الجانب الايجابي أو الجانب السلبي على أسس علمية - موضوعية، ونلحظ فيها مصالح الوطن وتطلعات المواطني.

- ثمة مؤشرات ومعطيات عديدة، تدفعنا إلى الاعتقاد أن الولايات المتحدة الأمريكية، تعمل اليوم على تطوير وتحديث معرفتها بنا من خلال مقولات نهاية التاريخ وصدام الحضارات والمقولات الاستشراقية المتحيزة أو المقولات المسيحية الكلاسيكية، وغيرها من المقولات التي تدفع دوائر صهيونية معروفة لتبنيها من قبل الإدارة الأمريكية. ولاشك أن بناء الولايات المتحدة الأمريكية لمعرفتها وسياستها تجاهنا على هذه المقولات، يضرب مصالحنا وأوضاعنا، ويعد تشويهاً حقيقياً لواقعنا وأحوالنا. ولا يمكن أن نقف صامتين أمام ذلك، لما له من تأثير مباشر علينا. من هنا تنبع الحاجة إلى مؤسسة وطنية - علمية، تعنى بتصحيح المقولات وفضح التحيزات وتعرية الدوائر ذات العقل المأزوم والتي تعمل على الاصطياد في المياه العكرة, وذلك لمصالح استراتيجية مرتبطة بطبيعة خيارات السلام في منطقة الشرق الأوسط وأمن الكيان الصهيوني. فالساحة الأمريكية ساحة مفتوحة، وكما يعمل فيها أعداء الأمة وخصومها، من أجل مصالحهم ومخططاتهم، نحن بحاجة إلى مؤسسة وطنية وإقليمية  تعنى بالتفاعل الإيجابي مع الجالية العربية والمسلمة في أمريكا لخلق واقع عربي - إسلامي ضاغط تجاه قضايانا. وتعنى أيضاً بمسألة التفاعل الحضاري مع مؤسسات وفعاليات المجتمع الأمريكي على قاعدة الاحترام المتبادل. فإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية، تؤسس رؤيتها تجاهنا على نحو سطحي وقشري ومحدود، فهذا يحملنا مسؤولية العمل على دحض هذه الرؤية وصياغة رؤية بديلة لا تتجاوز حقائق التاريخ ومكتسبات الراهن.. فالولايات المتحدة الأمريكية في سياساتها ومخططاتها ومشاريعها، تثير اليوم الكثير من الأسئلة والتحديات، ولا يمكننا الوقوف متفرجين على ذلك. وإنما نحن بحاجة إلى صياغة رؤية متكاملة تجاه هذه الأسئلة والتحديات.

- ومن المؤكد أن معرفة الواقع الأمريكي بكل مستوياته وخصوصياته، معرفة دقيقة وواعية وموضوعية، هي الخطوة الأولى في مشروع بناء رؤية ذاتية تجاه تحديات المرحلة، التي تطلقها أمريكا عبر سياساتها وخياراتها الاستراتيجية. ونحن في منطقة الخليج العربي، حيث تربطنا بالولايات المتحدة الأمريكية، علاقات تاريخية متميزة، ومصالح سياسية واقتصادية واستراتيجية متداخلة ومتشابكة، وسياساتها الاقتصادية والسياسية وخطواتها العسكرية، تؤثر في حياة المنطقة على الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية، إلا أنه لا توجد لدينا نحن أبناء المنطقة، دراسات متخصصة ومتخصصون استراتيجيون في الشأن الأمريكي.

وما أحوجنا اليوم على صعيد دول مجلس التعاون الخليجي، إلى بناء مركز أبحاث ودراسات استراتيجية يعنى بالشأن الأمريكي. ويستهدف التعرف على الولايات المتحدة الأمريكية بعمق، واستيعاب آليات عمل مؤسساتها وهياكلها المختلفة وكيفية صنع القرار السياسي والاستراتيجي الأمريكي، وطبيعة علاقة المؤسسات الاقتصادية العملاقة بالقرار السياسي،  ومن هي الجهات والمؤسسات التي تساهم في صياغة الرؤية الاستراتيجية للسياسة الخارجية الأمريكية وغيرها من الموضوعات الهامة .

لا يمكننا اليوم أن نتعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية كأي دولة في العالم. إنها الإمبراطورية العالمية، والتي تؤثر أحوالها وسياساتها على كل قارات العالم. ولكي نحفظ مصالحنا الاستراتيجية، ونتعامل مع هذه الدولة العملاقة بوعي وعلم لما يجري فيها، نحن بحاجة اليوم إلى مركز دراسات متخصصة في الشأن الأمريكي . يقدم دراسات وأبحاث استراتيجية متكاملة، يخرجنا من نزعات التسرع في اتخاذ القرارات الهامة والمصيرية،  ويسند رؤيتنا الاستراتيجية بمعلومات ورؤى واقعية، ويبني سياساتنا تجاه الولايات المتحدة الأمريكية على فهم عميق لطبيعة التوجهات الاستراتيجية لهذه الدولة، ويحول دون تأثير الانطباعات الشخصية أو الأمزجة الأيدلوجية من صناعة خيارات مؤثرة في حاضرنا ومستقبلنا.

فالولايات المتحدة الأمريكية عالم واسع ومعقد ومركب، ومؤسساتها المتعددة تتداخل مع بعضها وتساهم وفق آلية دقيقة في صياغة الاستراتيجيات والسياسات الأمريكية. ولا يمكن أن نتعامل معها بانطباعات شخصية أو أمزجة أيدلوجية جاهزة، وإنما نحن بحاجة أن نتعامل معها تعاملا علميا، نحقق من خلاله مصالحنا، ونحافظ على أمننا واستقرارنا.

والمركز الخليجي للدراسات الأمريكية المقترح، بإمكانه أن يوفر مادة علمية متكاملة عن الحياة الأمريكية وتطوراتها المختلفة، ويرفد صناع القرار السياسي والاقتصادي في منطقتنا بدراسات وأبحاث ومعلومات دقيقة، تساهم في تصويب هذه القرارات بما يخدم مصالحنا الاستراتيجية والاقتصادية .

ونحن نتطلع إلى أن تبادر الجهات والمؤسسات العلمية الخليجية الرسمية والأهلية، إلى بلورة هذا المقترح بشكل متكامل، والبحث عن آليات رسمية أو أهلية لإنجازه، وتوفير كل مستلزمات ومتطلبات وجوده المادي والعلمي.

***

محمد محفوظ

العدد: 5994 المصادف: الخميس 02 - 02 - 2023م