عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

المرأة الاندلسية ودورها الثقافي في المجتمع الاندلسي

لم تكن النساء في الثقافة البشرية القديمة كلها الا كائناً ناقصا ومتاعاً يتمتع به الرجال ويلحق بهم ويتحكمون به كيفما ارادوا، هذه النظرة لم تتغير لقرون خلت ولازالت تمارس حضورها في المجتمعات المحافظة حتى الان رغم ان التغيرات بدأت مع بداية  القرن العشرين الذي شهد  تغيرا في الفكر الانساني نقل النساء الى المساواة في الدرجة الانسانية والحقوق الفردية بين الرجال والنساء. ووضعت القوانين لتحفظ للنساء حقوقهم لكن لازال العالم يراوح بين اعتماد نظرة المساواة والنكوص عنها بحسب استقرار الدول وقوانينها واوضاعها السياسية.

لم يكن الحط من شأن النساء سلوك العامة من الناس بل هو راي الفلاسفة ورجالات الحضارة البشرية منهم على سبيل المثال في الفلسفة اليونانية التي تسربت منها النظرة الدونية للنساء بعدها كائنا وضيعا ونفسا تتدنى بمراتب كبيرة عن مرتبة الانسان الاكمل وهو الرجل السيد وليس العبد، طبعا لان العبيد ايضا طبقة اقل من الرجال.

يؤكد سقراط (300 ق.م) ان المرأة مصدر كل شر وقد كان يحبس زوجته في المنزل ويحتقر عقلها وتفكيرها، ويرى ان من الافضل لها ان تكون دائما في المنزل ومن المشين ان يمكث الرجل مدة طويلة بجوار زوجته.

اما ارسطو (322ق.م)  فيعتقد ان الانحراف الاول ان يجيء النسل انثى بدل ان يكون ذكرا، يقرر ارسطو ان بعض الناس احرار بالطبيعة، وبعضهم عبيد بالطبيعة، وعموما فحالة الرق نافعة وعادلة للاثنين معا اما المراة فهي في مرتبة وسط بين الحر والعبد، والعبيد والنساء  كلاهما يتساويان في انهما موجودان لارضاء الرجل وخدمته.

اما العرب في الجاهلية فلم تختلف منزلة المرأة عندهم عنها في الثقافة اليونانية فالرجل هو الملك والمراة والعبيد املاكه الخاصة يتصرف بهم كيفما شاء. بل بلغ بهم الدرك من القسوة ان كانوا يودعون الرضع من الاناث التراب فيما عرف بالوأد خوفا من العار الذي يلحق بهم بسبب طبيعة حياتهم القائمة على الغزو وسبي النساء. حتى ظهور الاسلام في الجزيرة العربية انقطعت هذه العادة لنهي القران الكريم عنها (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل اولادهم) الانعام:137.

وكلما ابتعد المسلمون عن عصر الرسالة  نجد للفلاسفة المسلمين نظرة مشابهة لمفهوم المرأة عند فلاسفة اليونان اذ يوافق كثير من فلاسفة المسلمين على ما اجمع عليه الفلاسفة اليونانيين من ان المراة مخلوق يجب ان يعامل معاملة خاصة تختلف عن بقية البشر  لانها اذا اعطيت الحرية تنقص من مكانة الرجل وتخدش رجولته. يؤكد ابن سينا (428 هجري) ان المرأة (فانها بالحقيقة واهية العقل مبادرة الى طاعة الهوى والغضب).  ويقول ايضا (ينبغي الا تكون المراة من اهل الكسب كالرجال، فلذلك يجب ان يسن لها ان تكفى من جهة الرجل، فيلزم الرجل نفقتها، لكن الرجل يجب ان يعوض من ذلك عوضا، وهو ان يملكها ولا تملكه).

ومثل ابن سينا ابو حامد الغزالي في كتابه احياء علوم الدين ينصح الرجل بالغلضة والشدة مع النساء لانه يرى ان فطرتهن فاسدة فيقول: (فيهن شر وفيهن ضعف). كما يقول: (كلما ينال الرجل من البلاء والهلاك والمحن فبسبب النساء).

وغيرها من الاراء المتطرفة التي استند عليها بعض مفسري القران الكريم وبعض الفقهاء وسنوا احكاما فقهية قاسية ضد النساء ووضعوهن في مرتبة الشر المطلق والمتاع المبتذل. 

لكن ماذا عن نساء الاندلس هل خضعن لهذه السياسة العامة والثقافة الرسمية المعترف بها في المؤسسة الدينية والاجتماعية ام كان لهن مسار اخر؟.

لو بدأنا بمقارنة المراة الحرة الاندلسية بالمراة الحرة المشرقية سنجد ان السيدة الاندلسية قد تقدمت قرينتها باشواط في جانب حريتها وارتيادها ميادين الحياة الاجتماعية، فالمراة في المشرق كانت حبيسة بيتها ومخادعها ولم يكن يسمح لها ان تختلط بالناس من غير محارمها  ولم تتعلم ولم يكن التعليم مسموحا الا ماندر وللنساء من اسر ثرية وعلى نطاق ضيق. بينما حضيت بعض الجواري بالتثقيف والادب كي يزيد سعرها وحضوتها عند مالكها.

اما في الاندلس فلم تكن النساء الحرائر قعيدات البيوت بل كانت لهن مكانة خاصة مكنتهن من التمتع بحرية اكبر، فكن يزرن المساجد ولاسيما في قرطبة، ويرتدن معاهد العلم وكن يختلطن بالرجال ويقابلن الشعراء والعلماء. وكان لهن دورهن في الحياة السياسية والثقافية الامر الذي دونته لنا اهم كتب التراث التي تحدثت عن هذه الحقبة.

ظاهرة ولادة بنت المستكفي الاندلسية

تنتمي ولادة  الى بيت الخلافة الاموي في الاندلس فهي بنت المستكفي بالله الاموي الذي تولى الخلافة سنة 414 هجرية، تميزت بالعفاف والقدرة على قول الشعر فقد عرفت بمقاطع شعرية صغيرة غاية في الطرافة والبلاغة، تستحق ولادة ان تكون ظاهرة في تاريخ الاندلس بل ان اسم ولادة يظهر متقدما وبهياً ما ان تذكر النساء الاندلسيات فقد عرفت بثقافتها وجمالها وحضورها الاجتماعي المتميز،  فتحت ابواب قصرها بعد وفاة والدها المستكفي ليكون اشهر المجالس الادبية في قرطبة، فتحولت بجمالها وظرفها وادبها الى ايقونة نسائية وانثى مبجلة تهبط لها قلوب الرجال ويقترن بها كل من اقترب منها. حتى ان والها المستكفي لم يذكر في التأريخ الا كخليفة ضعف الشأن وقليل القيمة ولم يسجل له الؤرخون اي منقبة تذكر بينما كانت ولادة حديث القوم قديما وحديثا، مقرونة بالاعجاب والتقدير. وقد اشتهرت قصتها مع الوزير ابن زيدون الذي احبها واحبته وكتبا معا اروع قصائد ومقطوعات الشعر الغزلي العربي، وخاض ابن زيدون نزاعا مع كل من حاول الاقتراب من ولادة والتودد اليها مثل الوزير ابي عامر ابن عبدوس.

فكلا منهم كان يسعى لطلب ودها والاستأثار بها وفي اثناء هذا الصراع كان ابن زيدون يكتب احلى قصائد الغزل لولادة ويهجو ابن عبدوس . يكمن الخلاف حول شخصية ولادة وسلوكها في ما تركته من مقطوعات وابيات شعرية تظهر تحررها في وصف مشاعرها حتى الحسية منها ومنها ما اورده ابن بسام في كتابه الذخيرة من محاسن اهل الجزيرة وقد ذكر مشككا ب زعموا انها كتبت على اعطاف ثوبها:

انا والله اصلح للمعالــــــــــي            وامشي مشيتي واتيه تيها

وامكن عاشقي من صحن خدي        واعطي قبلتي من يشتهيها

كما ان لابن زيدون قصيدة يصف فيها خلوتهم الليلية مع بعضهم وفيها وصف حسي لمجريات اللقاء يقول: (فلما طوى النهار كافوره، ونشر الليل عنبره، أقبلت بقد كالقضيب، وردف كالكثيب، وقد اطبقت نرجس المقل على ورد الخجل، فملنا الى روض مدجج، قد قامت رايات اشجاره، وفاضت سلاسل انهاره، فلما شببنا نارها، وادركت فينا ثارها، باح كل منا بحبه، وشكا اليم ما بقلبه، وبتنا بليلة نجني اقحوان الثغور، ونقطف رمان الصدور، فلما انفصلت عنها صباحا انشدتها ارتياحا:

ودع الصبر محب ودعك         ذائع من سره ما استودعك

يا اخ البدر سناءً وسنا            حفظ الله زماناً اطلعك

ان يطل بعدك ليلي فلكم          بت اشكو قصر الليل معك

وتارة اخرى تظهر بمظهر السيدة الغيورة على حبيبها ابن زيدون حين ابدى اعجابا بخادمتها وجاريتها فتنقلب عليه وتغضب منه وتحاول ان تضرم النيران في قلب ابن زيدون فتتقبل تقرب ابن عبدوس منها وتشتهر حادثة البركة حين فرش لها ابن عبدوس اطراف ثوبه فقالت:

لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا      لم تهو جاريتي ولم تتخير

وتركت غصنا مثمرا بجماله            وجنحت للغصن الذي لايثمر

ولقد علمت بانني بدر السما            لكن دهيت لشقوتي بالمشتري

لقد وصلت ولادة الى القدرة على رفع شأن المحب او وضعه وفي هذا يقول ابن زيدون موجها خطابه لولادة:

ارخصتني من بعد ما أغليتني          وحططتني من بعد ما أعليتني

ولادة التي خرجت عن النمط المألوف في حياة النساء كانت تعلم بمن يغمز شرفها وعفافها لذا ردت عن نفسها بقولها:

اني وان نظر الأنام لبهجتي        كظباء مكة صيدهن حرام

يحسبن من لين الكلام فواحشاً       ويصدهن عن الخنا الاسلام

وبرغم ان ما وصلنا من شعرها قليل لايتجاوز سبعة وعشرون بيتاً تمثل احدى عشرة مقطوعة وهذا مؤكد لايكفي للحكم على شخصيتها. غير ان الذي اعتمد عليه المؤرخون اشعار عشاقها  واشارات تربط بين اشعارهم وصفات معشوقتهم. فالتتبع لاشعارها وبغض النظر عن المشككين والطاعنين بسلوكها يعكس سيدة حرة قدمت نفسها بشكل مغاير وعاشت تناقضلتها الانسانية بشكل علني فليست ولادة بدعا بين النساء، ممن يعشن حياةً عاطفية مضطربة لكن الفارق انها عاشتها علنا وافصحت اشعارها عن عواطفها وعلاقاتها بعشاقها بينما دأبت النساء في العادة على الحركة في الخفاء. (ففي علم النفس الحديث، ومع لاكان خصوصا، لم تعد وظيفة اللغة مجرد التوصيل والتواصل، وانما اعطاء الذات حيزا يمكنها ان تتحدث منه. ويؤكد لاكان ان الذات لاتبرز الى الوجود الابعد  ان تكتسب الوعي، اي بعد ان تكون مفهوما عن النفس).

كما ان ولادة ليست ككل النساء انها اميرة جميلة وتمتلك كل صفات الانوثة التي تجعلها مهبط قلوب الجميع، فضلا عن ان عشاقها كانوا من علية القوم وزراء شعراء معادلين لها في تمتعهم بحرية التصريح بمشاعرهم وعواطفهم. يبقى السؤال كيف استطاعت ولاده وعشاقها ان تعيش هذه الحياة المتحررة دون ان تتعرض للاضطهاد او القتل او العزل على اقل تقدير لو لم تكن البيئة الثقافية والاجتماعية للاندلسيين  بيئة ذات عقليات متفتحة تعيش فكرة الحرية الفردية فلا ينشغل الناس كثيرا بماتفعله ولادة مع عشاقها وان انشغلوا فلن يصل الامر الى العنف والتصفية الجسدية والنفسية تحت ذرائع الشرف العربي والخروج عن تقاليد السلف.

والمرجح ان ما قضى بتحويل قصة ولادة الى اسطورة وظاهرة في تاريخ الادب الاندلسي يعود لثلاتة عوامل الاول نسبها الرفيع كأميرة وابنة خليفة، والعامل الثاني هو ان عشاقها من علية القوم ومن الشخصيات التي تركت سيرة مميزة ايضا في تاريخ الاندلس، العامل الثالث ان ولادة وعشاقها شعراء خلفوا تراثاً شعرياً من وحي قصص عشقهم دارت على الالسن وتناقلتها كتب التراث الى يومنا هذا.

سيدات الاندلس والتحصيل العلمي

وصل من تراث الاندلس شعرا ونثرا وكتب تراجم متعددة وردت فيها صورة جديدة لم تعهدها الامم في تعامل الاندلسيون مع نسائهم وبناتهم بلغت من ارتفاع المكانة مايجعل بيئة الاندلس بيئة فريدة يصح وصفها بالمدنية والمتطورة التي يستقر فيها قيم الانسانية التي احتاجت البشرية في مراحل لاحقة للحقبة الاندلسية قرونا لتستقر عندهم، كما انها اي قيم المساواة الانسانية لم تستقر عند البعض حتى الان.

ومن المناسب هنا ان نستذكر قصيدة ابن دراج القسطلي (347/958م) الذي حول وصف الرحلة في القصائد المدحية الى وصف فراقه لزوجته وابنته ذات الثمان سنوات فجاءت قطعة شعرة بالغة الرقة ومشوبة بالمشاعر الاسرية الجياشة. والقصيدة عارض فيها ابن دراج قصيدة صاعد البغدادي، وانشدها في حضرة المنصور بن ابي عامر في اول لقاء بينهما والتي يقول في فيها:

ولله عزمي يوم ودعت نحوه         نفوسا شجاني بينها وشجاها

وربة خدر كالجمان دموعها         عزيز على قلبي شطوط نواها

وبنت ثمان مايزال يروعني         على النأي تذكاري خفوق حشاها

وموقفها والبين قد جد جده             منوطا بحبلي عاتقيّ يداها

يظهر الشاعر بجلاء حبه لزوجته واخلاصه لها يعطف على طفلته بكثير من الحب، والحنان والرعاية لهم، مشفقا  من اثر الفراق عليهما. اعتمد الخيال والواقع المعاش وهو يصور الفراق بينه وبين اهل بيته فبرزت عاطفته في جوانبها المضيئة.

والمهم في هذه الابيات هو ان البيت والزوجة والبنت ليست امرا يخجل منه الشاعر الاندلسي بل جعلهم في مقدمة قصيدته وحور غرض وصف الرحلة للممدوح الى وصف حالة البين بين افراد اسرة متلاحمة.

هذا الاحترام للمراة الاندلسية لم يقف عند حدود العلاقات الاسرية  داخل البيت فقط بل توسع ليشمل حق النساء في التحصيل العلمي مثلهن مثل الرجال، فقد عرف ان الاندلسي كان ينفق ماعنده من مال حتى يتعلم ومتى عرف بالعلم أصبح في مقام التكريم والاجلال ويشير الناس اليه بالبنان.

يذكر المستشرق مارك كراهام في كتابه ( كيف صنع الاسلام العالم الحديث) اذ يقول: (اعطيت المراة خيارات اكثر في اسبانيا الاسلامية وكالعادة كان المنزل مجال نشاطهن المألوف ولم يكن تعليم النساء امر غير معروف، حتى انهن كن يلقين محاضرات عن القانون وعلم الدين، وتباهت الاندلس بالكثير من مدارسها المختلطة، حيث تستطيع الزوجات الحضور مع ازواجهن او البنات مع ابائهن، وحصلت على الشهادات كالرجال تماما، مما خولهن حق التدريس او افتتاح مدارسهن الخاصة، حتى ان احد الخلفاء تزوج جارية افريقية لاعجابه بانجازاتها الفكرية).

والتمعن في كتب التراجم الاندلسية ومصادر الدراسات الاندلسية تثبت ان الوسط الحضري كان يشكل ارضية الابداع الاولى للنساء ولاسيما في قرطبة التي ضمت اكبر قدر من النساء المتعلمات والعاملات وكانت قبلة الباحثين والمتعلمين،  واشبيلية وهي حاضرة الشعر والادب والمؤرخين، وغرناطة وهي موطن العلم والعلماء ومهد الابداع الفني بكل تفرعاته.

ويعد كتاب التكملة لابن الابار، والذيل للمراكشي، وكتاب الصلة لابن بشكوال من اهم المصادر التي تطرقت لموضوع المرأة العاملة والمتعلمة في الاندلس. حيث اورد العلماء في هذه الكتب ابرز الميادين التي كانت تجذب النساء وهي الفقه والخط العربي والشعر، يذكر عبد الواحد المراكشي نقلا عن ابن ابي الفياض ان في قرطبة مايناهز مائة وسبعين امرأة كانت تكتب القرأن بخط كوفي رفيع، وان اتقانها فنون الخط العربي اهلها للدخول الى الدواوين والمراسلات الرسمية في القصور، نذكر منهن: فاطمة بنت زكريا بن عبد الله الكاتب سنة 1036-427 هجرية، والتي تلقت العلم من ابيها الذي كان كاتب بلاط الحكم الثاني، ومريم بنت أبي يعقوب الفصولي كانت تعلم النساء الادب والعلوم الانسانية، واشتهرت داخل اشبيليا وخارجها. والسيدة بنت الغالي الغرناطية، التي علمت أبناء الامراء مع الشاعرة حفصة بنت الحاج الركونية التي كلفت بتربية أميرات الموحدين في القصر الملكي بمراكش.

كما تميزت بعض النساء بمعرفتهن بالفقه، مثل ابنة فايز القرطبي التي اخذت العلم عن زوجها أبي عبد الله بن عتاب وكان لها معرفة واسعة باللغة العربية وادابها."26"ومن الشاعرات ايضا أم الكرام بنت المعتصم بن صمادح، تنسب الى اسرة عريقة في الادب ونظم الشعر، وكان لها ثلاثة اخوة شعراء، فضلا عن ان اباها المعتصم كان شاعرا ايضا ويبدو ان البئة الشعرية التي عاشت فيها ساهمت في اظهار موهبتها وقدراتها المتميزة.

ومن القصص التي تستحق ان نقف عندها قصة الشاعرة الغرناطية حفصة بنت الحاج الركونية التي قدمت انموذجا متقدما للمرأة الاندلسية التي تأدبت وتثقفت حتى بلغ نجاحها مبلغا كبيرا في القصور الاندلسية في القرن السادس عشر الهجري، والركونية هي نسبتها الى مدينة ركانة التي عاشت فيها وهي مدينة اندلسية تقع الى الغرب من بلنسية، وصفها ابن دحية: (من أشراف غرناطة رخيمة الشعر رقيقة النظم والنثر). كانت ذات جمال وحسب وثراء وبديهة وسرعة خاطر."28"اشتهرت قصة عشقها للشاعر والوزير ابي جعفر ابن سعيد اذ انتشرت اخبار هذه القصة في بيوتات الاندلس ومجالسها واضحت حديث الناس فحفصة ومحبوبها لم يخفيا حبهما وتبادلا الحب في العلن وعرفت اشعارهما لبعضهما البعض بوصفها من ارق اشعار العشق الاندلسي واكثرها جرأة وعاطفة مشبوبة وقوية  وندية فالشاعر لاتخجل من المطابة بزيارة حبيبها. ومن اشعارها في ابي جعفر قولها:

ازورك ام تزور فان قلبــي          الى ماتشتهي ابداً يميل

وقد املت ان تظمى وتضحى        اذا وافى اليك بي المقيل

فعجل بالجواب فما جميل          اباؤك عن بثينة ياجميل!

شعرها في محبوبها من ارق ماقيل في شعر الغزل وعبر عن عالم المراة الاندلسية التي تعيش حبها بصراحة وعفوية وبساطة فالعشق حقها الطبيعي والانساني الذي ادركته بفطرتها الطبيعية وثقافتها الخاصة وقضت كل حياتها تدافع عن هذا الحب الصادق والطاهر.

الا ان امير غرناطة الموحدي ابو سعيد عثمان بن عبد المؤمن استفزه هذا الحب بين حفصة والوزير ابي جعفر فبدأ سلسلة من المضايقات لابي جعفر زادها مؤامرات حاشية القصر الذين ساروا بالنميمة بين الامير والشاعر حتى اضطر ابو جعفر ان يعتذر للامير عن الوزارة ويترك العمل في القصر، غير ان اساءات الامير لم تتوقف وعمل جاهدا لابعاد ابي جعفر عنه كي يحضى بحب حفصة ، فاتهم  ابي جعفر بالتأمر على امارة الموحدين في غرناطة وقام بقتله وهو في الطريق الى بلنسية سنة 559 هجرية، ومنع اهله من لبس السواد حدادا عليه.

لكن حفصة تحدت ارادة الامير ولبست الحداد على حبيبها ابي جعفر ابن سعيد وانشدت:

هددوني من اجل لبس الحداد        لحبيب اردوه لي بالحداد

رحم الله من يجود بدمع             او ينوح على قتيل الاعادي

وسقته بمثل جود يديه               احيث اضحى من البلاد الغوادي

بلغ امير الموحدين رفض حفصة له واصرارها على لبس الحداد والتفجع على حبيبها فانصرف عنها ويأس من نوال قربها، لكن حفصة لم تأمن شر الامير لذلك هربت من غرناطة الى مراكش في المغرب وشكت حالها لدى سلطان الدولة الموحدية وكبيرها امير المؤمنين عبد المؤمن بن علي واستجارت به واعلنت والولاء لدولة الموحدين لكن هي تعترض فقط على سلوك الامير  ابي سعيد عثمان بن عبد المؤمن. وانشدت في حضرة السلطان:

ياسيد الناسي يامن        يؤمل الناس رفده

امنن علي بطرس         يكون  للدهر عدة

خطت بيمناك فيه        و الحمد لله وحده

فأجارها السلطان وعينها مؤدبة ومعلمة لنساء وبنات الموحدين، ومكثت هناك حتى توفيت 581هجرية دون ان تتزوج او ترتبط برجل اخر محتفظة بذكرى حبيبها المغدور الى الابد.

 

د. عواطف محمد حسن