عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

سامي عبد العال: النص الافتراضي.. تحرير الخيال

سامي عبد العالأبرز ما يميز (فضاء النت network) هو وجود النصوص المضْغُوطة باختلاف تكوينها، لدرجة التداخل والتتابع مع بعضها البعض، بحيث يمكن استدعاؤها من أية نقطةٍ يريد المتفاعلُ. كذلك يمكن إلحاقها بنصوصٍ أخرى ومستويات تاليةٍ من التلقي. وهي نصوص افتراضية قابلة للقراءة والتدوير والحركة وانتاج المعنى بشكلٍّ مُذهل. ونظراً لخطورة الوسائط والوسائل الديجيتال تواصلياً، فإنَّ النص يلتحم بإمكانيات الوسائط وآلياتها الفنية. إذ يصبح النص نفسه بيئة فنية (تقنية technical) لخيال المتلقي بحسب إجراءات التفاعل وعملياته.

السؤال المنطقي عندئذ: ما الجديد الذي يقدمه النصُ بهذا التكوين؟ ولماذا يعد النّصُ فعلاً تواصلياً إنتاجياً؟ وما علاقة النص بالوسيط التقني؟ وكيف يكتسب سمات الافتراض بكل آلياته ومعالمه؟

النص الافتراضي virtual text هو علامات وصور ورموز وأيقونات دلالية في واقع إلكتروني متعدِّد الأبعاد. إنه أشبه بمرايا متقابلةٍ، متناثرةٍ، متشظيةٍ، متداخلة بحركتها الدائرية. ذلك على غرار ما نتابع النصوص ضمن المواقع والمدونات وصفحات التواصل والفضاءات الثقافية الافتراضية. إذ تعتبر المواد المقروءة خيوطاً عنكبوتية التفافية (شبكية) لا تنتهي. حيث قد تتداخل عناصر النص معاً لتتجاوز صورها المباشرة، طالما أنَّ ثمة تكملة نصية محتملة على الدوام. إذ لن تتقابل معانيها كمترادفات معجميةٍ خاضعة لإطار محددٍ.

إنَّ الأعماق داخل الكتابة الافتراضية هي الآفاق (القريبة والنائية) للمعنى. لأنَّ ثمة نصوصاً ضمنية هي نفسها المخزون اللغوي والسيميائي الذي بالإمكان استحضاره وتمثله على الفور. دوماً هي حاضرة في أي موضوع من الموضوعات لمجرد الاشتراك الدلالي مع الكلمات والتعبيرات والصور على الصعيد نفسه. وبهذا فإنَّ " الشبكة العنكبوتية" نصٌ واحد one text قادرٌ على الانزياح والتحول في آفاق القراءة، وفوق ذلك قد تنصهر تلك الآفاق جنباً إلى جنبٍ عبر إجراءات ووجوه التصفح المتعدد.

أما جوانب النصوص الافتراضية، فهي الجيُوب الدلالية خلف كلِّ علامة وإنْ صغرت أو دقّت عن الملاحظة. فليست هنالك إلاَّ الكثافة الدلالية المتولدة من مرات المشاهدة والمتابعات والقراءات التفاعلية interactive readings. لنتوقع في أيَّة مرة نأتي بالنَّص سيكون لدينا جديدٌ عن واقعه الافتراضي. فوجودنا الضمني المتنوع والمختلف مع المتفاعلين إنما هو جزءٌ من انتاجه لمعانيه الآخذة في التشكُّل. بالتالي تعتبر النصوص الافتراضية مواداً متزايدة مع طاقة الوسائط والتفاعلات والتعليقات. فـ"الفيس بوك"- على سبيل التوضيح - غداً نصوصاً وراء نصوص بفضل التواصل عبر الفضاء المتخيّل. وانتج معايير مختلفة عن تلك المعايير التي يتعامل بها الناس خلال واقعهم المعيش. حتى وإن اعتبرها النقادُ معايير ليست كافية لبلورة صورة متماسكة عن لغة الكتابة الإلكترونية ولا عن مفاهيم القراءة المواكبة لها.

الحقيقة أنَّ قارئاً إزاء ذلك الوضع (يكتب)  في الوقت عينه الذي يقرأ. أي أنه يقرأ ويكتب معاً، القراءة هي الكتابة، لأنَّ القراءة حينئذ عمل خيالي هي الأخرى. ليصبح العالم رؤى، ذاكرة، رغبات، غرائر،  وهي أمور واردة داخلنا في التو أثناء التصفح والتفاعل، كأنها تُنقش في متن المقروء. وبخاصة أن الوسائك الديجيتال توحد رغبة المتصفح بالفعل المحتمل على مستواها. فالنص عندئذ لا يغيب، لا حدود له، لا خارج يند عنه دون إمكانية استحضاره مرات لا تنتهي. إنَّه نص يخترق مجالك المعرفي الديجيتال أينما كنت. لأنك بضغطة لمسٍ- لا زر فقط- تستطيع تحويله غياباً وحضوراً وتهميشاً وتعليقاً ونقضاً وتقطيعاً وتوليفاً وتخييلاً وإدماجاً ومقارنة. فهو كنص ملك الجميع في الآن ذاته، ويصبح طليق الدلالة إذ تتشكل مع اللا توقًع في فضاء ممتد. وبذلك يغدو النص ألعاباً لغوية لها شبقها الخيالي وامتاعها النوعي.

ولأول مرة تصبح اللغة في حالة تّوحُد، تماهٍ مع طبيعتها المرغوبة لدينا مع إمكان الفكر. فليس ثمة كائن إنساني لا يتكلم، لا يكتب حتى وإنْ صمت. فاللغة تفترض سلفاً هذه القدرة على القول، كتابة الحرف، النقش، انتاج الدلالة. ذلك من جهة قدرتنا على التفكير. لماذا نتوقع من اللغة تلك الإمكانية القصوى؟ هذا الموضوع يطرح ما يلي: كيف نفكر من أقصى نقطة حول النص الافتراضي، أيِّ نص؟ ولماذا ستحطم صيغ النص الافتراضي المفاهيم التقليدية حول اللغة والمرجع والدلالة والتلقي؟ ذلك أن أثرى إمكانية في النص الافتراضي سيكون الوسيط medium، حيث يلتبس بالخيال موضوعاً وفعلاً وتلقياً على نطاق المواد والمعاني المطروحة.

الوسيط الديجيتال (النصي) في هذه الحالة ليس برانياً، لكنه يسكن تصوراتنا المثيرة والمدهشة إلى أقصى حدٍ. وبخلاف (النص الورقي) الذي يشترط الخيال لا حقاً وبواسطة مثير ليس غيره المسؤول عنه، جاء الوسيط الافتراضي نصاً مع النص، إنه المادة المضافة والتي لا نشعر بوجودها رغم التأثير الكبير لها. فالوسيط يتميز بهوامش تكوين المعنى من خلال عمليات التلقي. والوسيط كخيالٍّ هو المعبر عن المجال الذي يتسم بمعالم: الإيصال، الخلفية، الآلية، الحامل، التقنية techne، الإجراء، المناورة maneuver، الاستراتيجية. وجميعها لا تخلو من فن التوليف والتشابك والربط. وهذه العمليات بمثابة اكتشاف مهول لطاقة الوسائط الإلكترونية على الإنكتاب.

حيث سيجيء الوسيط صفحةً فضائيةً متخيلة وإضاءات وصوراً وأيقونات وشرائط إعداد وألواناً كتابية. فكل ذلك بإمكانه تهيئة النقش الإلكتروني. لقد أزاح الوسيط ألواح الكتابة التقليدية، البرديات، الأحجار، الجدران، القماش، الأوراق. وهذه المواد كانت ذات تاريخ بحسب السائد في أدوات النصوص وسلطتها. فالنص كان رمزاً لسلطة تراه معبراً في المقام الأول عن جوهرها. هكذا جاءت النصوص المقدسة والوثائق السياسية والعقود ذات الأهمية الاقتصادية والكتابات السرية للمذاهب والنِّحل حيث كانت لها مادتها المخصوصة.

وربما اختلفت المادة طبقاً لقوة السلطة وخطورتها في تاريخ النصوص. وهو ما يعكس كيف ستُقرأ لا حقاً؟ وما أهمية الاطلاع عليها من عدمه؟! كان الوسيط الورقي – وهو الأكثر تطوراً- قريباً من الوسائط الأخرى. فظل في حيز مادي ملموس. جعلَّه مقيداً بالمكان والزمان؟ وإنْ كان انتشاره قد زاد إلى حدٍّ كبير. واحتمل آفاق القراءة وفقاً لضوابط وآليات شائعة. لأنَّ المادة عادة وسيط لإنتاج سلطوي. بحكم أن المؤسسات والأنظمة المعرفية لم تدعها متاحة بسهولة. فالأوراق كانت حاملة للحروف بزخم القُوى الدلالية الفاعلة اجتماعياً. وهما علامتان لنفوذ تلك السلطة الناعمة من وراء حجاب.

فلم يكن الكُتَّاب رجالاً طُّلقاء دون مراقبة السلطة السياسية. كان الكتاب والوراقون وحاملو الأقلام يحظون لدى سلطة الأمراء والملوك والسلاطين في التراث العربي الاسلامي بمكانة قدرَ ما يوظفون انتاجهم المعرفي لخدمتهم. كحال الشعراء والأدباء والمؤرخين والرحالة والفقهاء الذين ينامون ويستيقظون تحت ظلال الحكام. حدث ذلك مع المتنبي وأبي تمام والغزالي وأجيال من الفقهاء الآخرين. لدرجة أنَّ (فيزياء النصوص)، فضاء الكتابة وحركتها في التراث العربي أشياء لا تُفهم بمعزل عن (فيزياء السلطة). لأنَّ قوتها (النصوص) تكمن بقوى خارجها تمارس هيمنة واستحواذاً، تستطيع تدجينها وفرض قيود على انتشارها. وهذه جذور معضلة الرقابة في المجتمعات المعاصرة. وحتى بلاغتها جرت كبلاغة سلطة وعنف في المقام الأول. لقد كانت سلطة الأمراء هي المرجع الذي يسكن اللغة والخيال بحثاً عن الهيمنة على التداول اللغوي اليومي.

في النص الافتراضي، يتم تحرير الخيال وإطلاق العنان لقدراته إلى درجة بعيدةٍ. وأية مجتمعات لا تُحرر أخيلتها لن تجتر إلاَّ عبودية فكرية بغيضة. فالنص السابق يأتينا مفتوحاً على نسيج الوسيط الإلكتروني. وهو بهذا خارج الهيمنة الفكرية والأيديولوجية لعدة أسبابٍ:

1- أن فيزياء (النص الافتراضي) محددة فقط بمعناه وليست بقوة خارجية. الأداة فيها هي الخيال الفني القرائي، كما أنها عبارة عن فيزياء لغوية- تقنية إجمالاً. أي تنفتح المعاني على عوالم تواصلية أخرى باستمرار كلما كان انفتاحها حُراً من غير حدود.

2- لا شيء خارج النص nothing outside the text كما يقول جاك دريدا. فهذا الوسيط النصي بمواده يعتبر عالماً قائماً بذاته، إنه مصدر المعاني وتشكلاتها وهو الذي يتيح فهما مختلفاً أو قراءة مغايرة.

3- النص قابل للمقروئية readability الحُرّة بلا نهايةٍ، والمقروئية تصبح ممارسة متاحةً لكل متفاعل أيا كان. وهذا النص عكس المعالم اللاهوتية للنصوص، فالقداسة غير موجودة في الواقع الإفتراضي، يوجد الاختلاف وتجريد النص من مكانته ليغدو مقروءاً وكفى.

4- النص الافتراضي ضد الاستهلاك، لكونه يجسد عملية انتاج مستمر لذاته ولغيره من النصوص في الوقت نفسه. فلايستنفد امكانياته، بل على العكس يزيد وينفسح عمقاً وفهما كلما خضع لقراءات كثيرة.

5- القارئ للنص ليس مرتبطاً بسياقه الذي أنتجه. فالعالم الافتراضي يخترق الحواجز إلى حيث الإنسان فينا، وإلى حيث يكون قادراً على التأثير والتفاعل مع أقاصى الرؤى والأفكار.

6- القراءة عملية مثيرة لدرجة الإدهاش. وليس الحال كفيزياء السلطة التي تحدد سلفاً كيفية القراءة وأساليب الكتابة والتعامل مع الوثائق والنصوص. إن فيزياء النص الافتراضي قفيزياء عجائبية، هي فيزياء المستحيل الذي سيتولد عبر محاولات التلقي والتأويل.

7- هناك عمليات من التحور والتقلب والتفضية spacing كأبعاد للنص الافتراضي. مما يعني فقدان السيطرة عليه، لأنه لا يمتثل للمؤلف، فهناك متفاعلون غير محدودي الحصر، ومن حينه يغدو النص ابن الافتراض الديجيتال.

8- الدلالات النصية ليست واحدةً ولا ثابتة ولن تكون. فالنص علامة تصويرية قابلة للتداعي. والوسيط الالكتروني باستطاعته تجديد صورته من خلال الخلفيات backgrounds والإعدادات settings. وهي أمور ستؤثر على القراءة بطريقة من الطرق.

9-هناك تجارب من التكرار والإعادة والحذف والتكوين ضمن مواد الوسيط التواصلي communicative. وبهذا لن يتقيد (جسم النص) بقوالب التأليف التقليدية ارتباطاً بالمؤلف. وبخاصة أنَّ التدخل في النصوص بالتهميش أو التخليط أمر متاح تقنياً.

المهم أنَّ ذلك أوضح تطابقاً بين الوسيط الافتراضي وعمل اللغة. فالأخيرة هي نظام دال يزودنا بما نريد من الأفكار والأخيلة والأوهام. نظام يحضر في خلفية الكتابة والكلام مبرراً وجوده من القدرة على التدخل أثناء التواصل. فاللغة هي هذه الأسرار الصامتة وسط ضجيج الكلام اليومي. إنها التي تقوم بفرز محتويات العقل ومجالات التفكير. أليست هي (كما يذهب هيدجر) بيت الوجود language is the house of Being. وهي أيضاً صورة الحياة برأي فتجنشتين كما أنها النيجاتف الذي يحمل اشباح ما نفعل دون ضياع. لقد جاء النت، تلك الشبكة الخيالية، ترجمة خارج التوقع لتلك المفاهيم اللغوية. ولهذا من يُرِد فهم الآلية النصية للعالم الافتراضي عليه التعمق في أبنية اللغة بكل جنونها.

الغريب أن اللغة العربية من أبرز اللغات التاريخية، لكننا لم نستطع إلى الآن تحريرها من تراثها البيئي التقليدي. وهذا ما يجعلنا نفكر بذهنية سيبويه والخليل بن أحمد الفراهيدي وعبد القاهر الجرجاني. وحتى هؤلاء نأخذهم تقليداً واحتذاءً لا ابتكاراً لما تركوه من جديد. فرغم التطورات المبدعة للنص الافتراضي، إلا أننا لم نستفد من ذلك في قراءة التراث من منظور كوني خارج النِّحل والهويات القاتلة. ولم نطرح رؤى فلسفية تخاطب الإنسان كأنثروبوث (كائن ذو وجه)Anthropos    داخل العالم. فقط كانت لنا (أقفية) نكشفها للتطور الإنساني مع تحولات التاريخ. السبب على ما يبدو أنَّ خيالنا مازال متحجراً. التقاليد قد أكسدته بعبارة الكيمياء. فالعالم الافتراضي ليس عالماً محنطّاً وراء أضابير الماضي، بل يتطلب تحرير العقل واللغة.

 

د. سامي عبد العال