 قضايا

عبد الجبار العبيدي: لا خلاف بين المؤمنين والمسلمين

عبد الجبار العبيديالى كل من يبحث عن الحقيقة: الأديان السماوية واحدة.. اعداؤها فقهاء السلطة ومناهج التدريس؟
البناء الذي يبنى على رملٍ دون اساس متين، لابد له من الأنهيار في أول هزة أرضية يتعرض لها. وهكذا هو الفقه الاسلامي الجامد الذي كتب في وقت لم تستكمل اللغة العربية تجريداتها بعد.. فجاء التفسيرللنص المقدس ناقصا دون أدراك الهدف الصحيح من كتابته، وحين كُتب المنهج الدراسي كتب احاديا.. لذا تعلمنا منه ما افرزته عقول النقص والتخلف في التثبيت، التي خلفت لنا الكراهية للأخرين من المسلمين، بعد ان احتكروا الدين والمذهب المخترع منهم بحجة التفضيل.. حتى سموا الحرب جهاداً، والفتوحات نشرا له، فأستبعدوا العقل وأحلوا اللامعقول وظلموا الناس وأستعبدوهم حفاظا على مذاهبهم المتناقضة مع النص المقدس. فكان منهجنا الدراسي الحفظ على الغائب دون التطبيق العملي لما نقرأ ونرى، من هنا كانت بداية المآساة.
يقول الحق:" ان المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات.. أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً، الأحزاب 35". فهل سمعتم يوما ان فقهيا فسر لكم هذه الآية الكريمة تفسيرا منطقيا يتطابق مع الحقيقة.. أبداً..؟
اذن من هم المسلمون.. ومن هم المؤمنون..؟ المسلمون من نوح الى محمد (ص).. والمؤمنون هم جماعة محمد.. 35الاحزاب.. وكذلك قوله تعالى مخاطباً الرسول "انا آوحينا اليك كما أوحينا الى نوحٍ والنبيين من بعده، النساء 163. فمتى نفهم كيف خرقَ الفقهاء بتفاسيرهم الناقصة النص المقدس في الدين وحولوه الى فرقة بين الأثنين..؟
الدين وجود موضوعي خارج الذات الأنسانية، أدركه الأنسان منذ القدم.. أي عندما بدأ يدرك الأشياء بعقله.. وبدأ يربط الظواهر العقلية بعضها ببعض، ففهم الدين على انه الأخاء والحرية والمحبة والأستقامة.. لذا فهو لم يفهم الدين.. على انه الكراهية والتفرقة المذهبية والتخويف.. فكانت الخطوة الاولى في طريق الحضارة.
ورعاة الدين هم الأنبياء والرسل.. على حد قول النص و المصادر التاريخية.. منهم من أوحي اليه، ومنهم من أوحي اليه بكتاب.. والموحى اليهم بكتاب هم داوود يقول الحق: "وآتينا داود زبورا، النساء163"، وموسى جاء بالتوراة، وعيسى بالأنجيل، ومحمد بالقرآن.. ان العمود الفقري للعقيدة الدينية المنزلة في الأديان الثلاثة، هو قانون تغير الصيرورة(التطور) حيث تكمن عقيدة التوحيد، وقانون تغير الاشياء.. لذا فأن الأديان السماوية المنزلة حوت منهج جديد في اصول التشريع قائم على البينات المادية وأجماع الاكثرية.. وكلها تدعو الى حرية التعبير عن الرأي، وحرية الأختيار، وهي أساس الحياة الأنسانية.. فأين نحن اليوم من هذا التوجه القويم..؟
أما قوانين الحرية فهي:
في الأسلام جاء قانون (لكم دينكم ولي دين) وفي مزامير داود جاءت النصيحة الآلهية: (كن حراً، لا سلوك لك مع الاشرار.. كن كشجرة مثمرة، مغروسة عند الانهار، ورقها لا يذبل، وكل ما تصنعه ينجُ من الأشرار). وعند النبي موسى (أصنع لنفسك الاستقامة، تنجُ من الهلاك). وعند عيسى المسيح (آمنت بك يا رب أنك خالقي فقوِي ايماني.. بعدل السماء ومحبة الانسان.. يقيني بك ان اكون حراً مع الانسان).
كل الانبياء والرسل يدعون لانسانية الانسان وحرية الانسان.. انظر القرآن والكتاب المقدس.
فالدين هنا هو الطاعة للحق المطلق كما في قوله تعالى ان:"قوله الحق، الانعام "73. وليس لمستغليه من فقهاء مذاهب السلطة من نصيب. أما التشريع، والعبادات، والاعراف كلها قوانين انسانية مجتمعه فيه جاءت من القديم بصفة الزامية التجديد. اذن فالدين يحتوي على القوانين العامة الناظمة لهذا الوجود، ولحركة تطور التاريخ، وهو يحوي النص الثابت والحنيف (المتطور)، ايات حدية متمثلة بالوصايا العشر(الانعام 151-153)، وآيات حدودية تخضع للصيرورة الزمنية اي للتغيير. الايات الحدية ملزمة التطبيق، والايات الحدودية متغيرة وفق الظروف الزمنية لصيرورة التاريخ..
اذن هو دين الأخلاق (القيم الأنسانية) وهي حدود لاتقبل الاختراق.. ..
والقانون الرابط لها كلها هي "التقوى"، أي الوقاية من الخطأ في التطبيق.. وهي الحقوق وعدم الاعتداء عليها.. فهل يحق لنا ان نحكم الناس ونضع القوانين المجافية للتشريع ونفرق بينهم بدون وجه حق تلبية لما يبتكره الفقيه وتابعيه.؟. الفقهاء بمختلف توجهاتهم السلطوية هم أول من أعاقوا تطبيق النص لمصلحة الناس حفاضا على علاقاتهم مع السلطة الحاكمة.. وكونهم لم يستوعبوا تجريدات اللغة العربية.. وتطورها. في ذلك الزمن المبكر.. من التاريخ.
ويبقى السؤال المهم:هل يُعقل ان الله تعالى الذي أوحي لأنبيائه ورسله بقوانين موحدة، يأمرهم بمعاداة الواحد للأخر، وهذا غير جائز ابداً لقوله تعالى:"ان هذه أمتكم أمةً واحدة ًوأنا ربكم فأعبدون، الانبياء 92؟. اذن أين الفرق بين أصحاب الدين المحمدي (ص) الواحد، واصحاب الديانات الأخرى التي سبقت الاسلام كاليهودية والمسيحية وغيرها.. بنص الآية المقدسة في أعلاه.. ولماذا نعد كل من ليس على ديننا من الكافرين.. الم يكن هذا تجاوزا على حقوق الأخرين..؟
فالاديان السماوية كلها الواحد يُكمل الاخر تاريخياً، يقول الحق: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام ديناً، المائدة آية 3". ويقول الحق:"ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الأخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنزن، البقرة62". اذن.. لا فرق بين من ينتمي للديانات السماوية السابقة والمؤمنين بمحمد (ص) ورسالته الا فيما يخص "نكران الرسالة ".. لأن الجبرية في الدين مفهوم فقهي دخيل على العقيدة الاسلامية.
فالتلازم واضح بين النُطق والتفكير، ووظيفة الابلاغ فيها مؤكدة، والترادف اللغوي فيها معدوم، وبها اصبح الانسان كائن ناطق مفكر اجتماعي معروف.. فمن اين جاء الأختلاف في الاديان، لا بل حتى في الدين الواحد كما يدعي فقهاء المذاهب؟ ومن يحق له ان يقول هذا كافر في النار، وذاك مؤمن او مسلم في الجنة.. محض افتراءات فقهية لا نصيب لها من مصداقية الدين.
جريمة ارتكبها الفقهاء بحق الدين والانسان معا، فتفسيرهم للنص جذروا فيه اصول الضعف الذي خيم على روح الامة.. وبحق الانسان المسلم والمؤمن، وأصلوا فكرة المنهج التبريري الذي اوصلنا الى حالة اليأس اليوم والذي ما زلنا نرسف في أغلاله.. فنحن وبعد ان وصلنا الى الطريق المسدود في فهم النص وتطوره وتفسيره الترادفي الخاطىء، أصبحا كالغريق الذي ينادي من حوله لأنقاذه قيل الغرق.. والمنقذ لا زال موجودا وان مات ضميره.. فهل من حركة فكرية تُصحينا على الواقع المرير في المذهب والطائفة والفرقة القاتلة.. والسلطان الجائر.. وكلها تتعارض مع الدين؟
ولربما يتساءل سائل هل ان الأنسداد الفكري كان فينا منذ البداية.. أم ان الفقهاء هم الذين زرعوه فينا شجرةً لا تموت.. ديننا، فكرنا، قرآننا فيها المرونة المطلوبة التي تمكننا من اعادة الخسارة.. وفقدان التوازن، وتجربة الحياة الفكرية عند المعتزلة واخوان الصفاء والافغاني والكواكبي وعرابي.. خيردليل.
ان أول طعنة سددها الفقهاء حين جعلوا النص الديني لا يشكل المعيار الحقيقي للسلوك السياسي.. وحين جعلوا الحاكم الظالم أفضل من أنعدامه.. والطعنة الثانية جاءت من أيقاف حركة الأجتهاد الفكري على عهد المتوكل العباسي (ت232 للهجرة).. وتشجيع خط الأرجاء الذي جاء بنظرية ضياع الحق بالتقادم.. والضرورات تبيح المحضورات.
ففي العصر البويهي ظهرالتأكيد على عصر النصوص.. الفقيه محمد بن يعقوب الكليني (447 للهجرة) ومحمد بن علي بن بابويه (ت381 للهجرة) والشيخ المفيد (ت431 للهجرة)والطوسي شبخ الطائفة(ت460 للهجرة). والكل كان يؤيد شرعية السلطة القائمة ويتمسك بالنص دون الأصول.. لذا حاول المرحوم السيد محمد باقر الصدر (1980م)العودة لعلم الاصول ونمو فكر الأستنباط للأبتعاد عن عصر النصوص المقيد بالتفسير النصي القديم.. لكن وفاته أوقفت المشروع.
ومن فقهاء العصرالسلجوقي الماوردي (ت450 للهجرة) صاحب مبدأ عدم خلع السلطان حتى لو وجد الافضل منه.. ويضل حكمه صحيحا حتى لو اشترك في تأييده رجل واحد. والغزالي (ت505 للهجرة) الذي أجاز لامامة غير مستوفية شروطها. وابن تيمية (728 للهجرة) الذي جاء بنظرية فصل الدين عن الدولة سيعني الفوضى.. وابن المقفع. صاحب تقديم نصائح الملوك دون تحديد. والسيد كاظم اليزدي احد مراجع النجف الذي أيد الاستعمار البريطاني خوفا من الفتنة.. عام 1918 م.. فمشى المنهج المدرسي على ما أفتوا فكانت النكبة الكبرى ولا زالت تخدم السلطان.
على كاتب المنهج المدرسي ان يعلم ان التأويل القرآني للعلماء.. " وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم، الاية 7 من آل عمران "، والتفسيرالفقهي للفقهاء وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين... 122 التوبة "، فلا احد له الحق بأحتكار حق الاخر. لذا فكلمة العالم لا تنطبق على الفقيه.. واستمر الحال في حياة الأنبياء جميعاً وثبتها محمد (ص) في وثيقة المدينة المغيبة اليوم قصداً خوفا من معرفة حقيقة التحقيق. أنظر نص الوثيقة في مكتبة المتحف البريطاني بلندن.
بقيت مشكلة اخرى.. تتعلق بنظرية الغيب والعصمة
الرسل والأنبياء لا يعلمون الغيب، يقول الحق: "لوكنت أعلم الغيب لأستكثرت من الخير وما مسني السوء، الأعراف 188 " ولم يكونوا معصومين، فالعصمة لله وحده يقول الحق: "يا أيها الرسول بلغ ما أنُزل أليكَ من ربك وان لم تفعل فما بلغتَ رسالته والله يُعصمك من الناس المائدة 67" فالعصمة في الرسالة وليس بشخصه الكريم، والقرآن يرد الرسول في موقعة مؤته عندما سمح للأعراب بالأعتذارعن المشاركة في المعركة "عفا الله عنك لم أذنت لهم، التوبة آية 43 والعفو كلمة لا تأتي في اللغة الا بعد التقصير.. ورد الاعراب كذلك اية 120.. من نفس السورة.. وكذلك رد الرسول في سورة عبسَ من الآية 1-11 لذا اراد الرسول (ص) تحديد القصد والمقصد ليُشهد عليه كل الحاضرين..
هذه هي رسالة محمد الأمين.. صافية نقية غير قابلة للتحريف.. وكذلك رسائل الأنبياء السابقين.. وما فيها من تعاليم. أنظر ألتوارة والأنجيل في الكتاب المقدس. والقرىن يحث الرسول على تعلم التوراة والأنجيل.. يقول الحق:"ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والأنجيل، آل عمران 48".
القران لم يكن كتابا علميا ولا كتابا فقهيا وانما هو التصور الجديد لمنهجية الكون والانسان، وهذا مالم يدركه الفقهاء عند التفسير. فاللغة هي نظام لربط الكلمات تعبر عن التفكير القائم في الزمن المعين ووقتها لم تكن اللغة قد استكملت تجريداتها بعد. وكل يوم هناك تطورلغوي جديد.. لذا فقد وقع الفقها ء في خطأ الألزام لمعاني النص دون اخذ الاعتبار للتطور الزمني في المعنى العام والخاص للنص.. حين اعتبروا ان التفسير القرآني مقدس لا يجوزالطعن به كالنص القرآني وهنا كانت الكارثة.
فموضوعات القرآن اشتملت على خلق الكون، وخلق الانسان، ونشأة الالسن واستنطاقها (الحج 5)، وجعل المساواة اساسا في الحياة (المؤمنون 101)، وقانون الجدل العام والخاص (كل شيء هالك الا وجههُ القصص 88). والقرآن قدم لنا رؤية جديدة للصراط المستقيم والمعروف والمنكر ومبدأ التلازم بين الحنيفية (التغيير) والاستقامة والمرأة والرجل في نظرية المعرفة الانسانية التي هي المنهج العلمي في التفكير.. في غالبيتها أغفلها التفسير.. واهملوا الحروف في اول السور واعتبروها زائدة.. وعدم انكار الترادف اللغوي فكانت النتيجة هدم التصور السائد في فهم النص فكانت بداية العلاقة الناقصة بين البنية اللغوية للنص وبين التفكير الانساني المتطور زمنياً.
واذا تتبعنا ما كتبه الفقهاء من القرن الثالث الهجري والى الان لم نلمس منهم سوى تركيزهم على الفِرق والمذاهب والحلال والحرام لاشغال الفكر العربي الاسلامي والتصورات الوهمية كنظرية المهدي المنتظر وعن كل جديد في عالم المعرفة حتى اوصلوينا الى أمية التفكيرلتبقى السيادة الفقهية لهم. فهل باستطاعتنا اختراق الصعاب لنصل بالقرآن الى ما اراد وطلب؟ ام سنبقى ندور في فلك المتفيهقون. كل اصحاب الديانات السماوية والارضية تحررت عقولها من الخلاف والاختلاف، الا نحن المسلمون لازلنا نراوح فيما نحن فيه من خطأ مقصود جاء به الاقدمون.
كل المذاهب مبتكرة منهم لصالح السلطة ولا غير وهي امور لا تمس العقيدة فالسنة والشيعة وَهَم، ولا دخل لها فيهاابدا، بل اجتهادات شخصية محضة، عفى عليها الزمن، ويمكن الاتفاق عليها بتقريب وجهات النظرفيها فقهياً، فأين الخلاف والاختلاف..؟ والقرآن لا يعترف برجال الدين، ولا يخولهم حق الفتوى على الناس، ولايميزهم بلباس معين.. وسيثبت التاريخ ان كل فتاواهم وافكارهم كانت عرقلة لحياة المسلمين والدين معاً.
فكم من أمرأة طلقت وشخص قتل وأولاد ضاعوا من خرافة الخلاف والاختلاف. أما كان حرام على الفقهاء والمفسرين ان يزرعوا فينا كل هذا الخطأ الكبير، من اجل سيادة الحاكم والمتنفذين، أكانت دولة آموية هذه أو عباسية مسلمة أم كانت دول المنافقين؟ واين نتائج مؤتمرات التقارب الفقهي في الاسلام؟ فهل من جديد نراهُ منهم اليوم؟.
لاحل امامنا ابداً الا بألغاء المحاكم الشرعية وتكوين محاكم القانون.. وألغاء الاوقاف المتخالفة وتشكيل وزارة للاوقاف توحد الجميع.. وتوحيد المناهج الدراسية العلمية والادبية والدينية في كل مدارس العراقيين.. وتوحيد القوانين.. وتنظيف القضاء من الفاسدين.
هذه الأنظمة الدينية التي تقودها المرتزقة بأسم الدين. الذين يرفضون الحق، ويقبلون الباطل، الذين يدعون الورع والنقاء، ويخونون الاوطان والعباد، ولايمر في خاطرهم الا السلطة والمال وقتل الاخرين من العباد، هؤلاء هم الذين نسميهم بالمؤمنين في الاسلام.. فلامبروك عليهم اسلامهم الذي لم ينفعهم الا في مفاهيم العدوان. ومبروك علينا أسلمنا العظيم الذي يوعدنا بأمل حياة الرفاهية والحق والأمان؟.. مستحيل ينجحون.. ففاقد الشيء لا يعطيه.

 

د. عبد الجبار العبيدي 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5672 المصادف: 2022-03-17 04:20:29


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5784 المصادف: الخميس 07 - 07 - 2022م