 قضايا

تلاوين الصراع الطبقي في زمن العولمة

الصراع الطبقي بكونه اختلافاً في المصالح بين فئات مجتمعية ينطلق من اختلاف نصيب كل منها من مصادر الثروة ومآلاتها في المجتمع، ويتخذ له أدوات صراعية تختلف حسب كل واقع مجتمع بعينه في ظرفه التاريخي التي تتراوح ما بين أدوات الهيمنة التقليدية بأشكالها القمعية الوحشية على طريقة النظم القروسطية الاستبدادية العربية، أو بطرق مخاتلة مواربة عبر الهيمنة على وسائل الإعلام وصناعة الوعي الجمعي والإيديولوجيا في مجتمعات الديموقراطيات الشكلية التي لا بد من الابتعاد فيها عن وسائل القمع التقليدية من شاكلة الهراوات والبسطارات الأمنية.

وهو ما يعني أن المنبع الأساسي لكينونة الصراع الطبقي من الناحية المفهومية وكذلك العيانية المشخصة هو اقتصادي في المقام الأول، يفصح عن نفسه بأشكال وتمظهرات مختلفة تتسق مع واقع كل مجتمع بعينه، وحسب ظروفه التاريخية والموضوعية. وللطرافة فإن مفهوم الصراع الطبقي وآلية التعامل معه من قِبل الفئات المهيمنة في المجتمع على مصادر الثروة والسلطة والإعلام لا تختلف كثيراً بين المجتمعات الاستبدادية الفجة على الطريقة البربرية العربية، وبين تلك المزوقة المنمقة بلبوسات الديموقراطيات الشكلية في العالم الصناعي المتقدم، إذ على الرغم من اختلاف المظهر الشكلي بين آليات هيمنة النظم الاستبدادية على مقدرات المجتمع التي تتغول عليه اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، وبين الآليات المخاتلة المواربة التي تمارسها «النخب» المتحكمة بمصادر ومآلات الثروة في مجتمعات الديموقراطيات الشكلية، والذي قد يستقيم استعادة مصطلح مؤسس الاقتصاد الكلاسيكي آدم سميث في كتابه ثروة الأمم في تسميتهم «أسياد» المجتمع الذين يعملون حسب توصيفه بمبدئهم الأسمى القائل «كل شيء لنا ولا شيء لغيرنا» وباللغة الإنجليزية هو «All for ourselves and nothing for other people»؛ فإن جوهر عمل آليات الهيمنة بين نهجي السيطرة على مقدرات المجتمع لا تختلف كثيراً في منطوقها وأدواتها وحتى طريقتها الإخراجية.

وبشكل أكثر تبئيراً فإن «الفئات المهيمنة» السالفة الذكر، وبغض النظر عن طبيعة المجتمع والفئات المجتمعية الأخرى التي تتغول عليها، فإنها تمارس نهجاً يقوم على إخفاء «الصراع الطبقي» عبر «التلفيق المعرفي» لأكاذيب مفادها عدم وجود صراع طبقي في المجتمع، وأن كل المواطنين عبارة عن أفراد في عائلة كبيرة اسمها «الوطن» الذي يعمل فيها كل من موقعه لضمان تقدمه، وأن «الحكومة وأجهزتها» ليست إلا أدوات لتحقيق ذلك وخدمة أولئك المواطنين، والسعي لحفظ «سلامة» تلك العائلة الكبيرة التي اسمها «الوطن»، والتي ينتسب إليها ويعيش في «تناغم سرمدي» فيها كل «الأبناء البررة» المنتسبين إليها، وأن أي مظاهر «للفقر أو التهميش» التي قد يعاني منها أي فرد في مجتمعه تعود لعدم كفاءته في «الانخراط الإيجابي» في نسيج تلك العائلة التي تعمل فيها كل «المؤسسات الاقتصادية» لتخليق فرص عمل «لأولئك الأبناء البررة»، ورفع مستواهم الاقتصادي، ودون أن يكون هدفها الأول دائماً «تعزيز ثروة» من يملكون تلك المؤسسات الاقتصادية ويتحكمون بأرباحها «الخيالية» في كثير من الأحيان، ويقومون بالتهرب من دفع أي ضرائب دخل تذكر عنها كما هو الحال في العالم الصناعي المتقدم، أو يقومون بتهريبها إلى خارج «الوطن الخلبي» السالف الذكر كما في حال المجتمعات النامية الرازحة تحت الآلة الجلمودية للاستبداد والطغيان كما هو في الحالة العربية البائسة.

وبذلك النسق التلفيقي يعيد الصراع الطبقي إنتاج نفسه جدلياً بشكل أكثر تعقيداً وتشابكاً عن تصور كارل ماركس الكلاسيكي للصراع الطبقي القائم بين الرأسماليين والنظم التي تمثلهم من جهة وبين الشغيلة والعمال «الذين ليس لديهم ما يخسرونه سوى قيودهم» من جهة أخرى، بشكل يتسق مع النموذج المعقد الذي وصلت إليه شبكة العلاقات الاقتصادية و تلك الاجتماعية النابعة منها والمرتبطة بها في زمن الرأسمالية الوحشية المعولمة، بحيث أصبح الصراع قائماً بين المنخرطين في عداد أصحاب الحل والعقد في الشركات الكبرى وخاصة تلك العابرة للقارات، ومن سار في ركابها من خدم ونواطير وانتهازيين وسماسرة وتجار كمبرادور ووسطاء لغسيل الأموال القذرة، و«أتياس مستعارة فكرية» لتحليل وتزويق وتنميق أولئك الأفراد وسلوك تلك الشركات والدفاع المستميت عنها، وبين طوفان هائل من المفقرين والمهمشين والمظلومين الذين قد ينطوي في عدادهم أشكال وتلاوين ما يمكن تسميته بالطبقة العاملة من عمال وشغيلة بالإضافة إلى الكثير من الفئات الاجتماعية الأخرى التي ليس هناك دور لأفرادها في العمل لمصلحة أولئك «السادة الأقوياء الأثرياء» والتمتع بالفتات التي قد يجلبها ذلك العمل، مما يلزمهم أيضاً على الانخراط في لفيف طيف أولئك المفقرين المظلومين، والذي لا بد أن يكون في عدادهم الكثير من الفئات الاجتماعية المستضعفة في المجتمع، من قبيل الأطفال والنساء والشيوخ والمرضى والعاجزين والمعاقين، إذ أنهم فئات لا قيمة لها في منظار اقتصاد السوق الوحشي ونهج عمل تلك الشركات الأخطبوطية العابرة للقارات وأفرادها التنفيذيين ووكلائهم من النواطير على شاكلة المستبدين و الطغاة من حكام العالم العربي.

***

دكتور مصعب قاسم عزاوي

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5698 المصادف: 2022-04-12 11:54:03


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5776 المصادف: الاربعاء 29 - 06 - 2022م