 قضايا

إشكاليات أمر سلطة الاحتلال الأميركي رقم (71) لسنة 2004

قاسم خضير عباسحول تنظيم عمل مجالس المحافظات العراقية

إنَّ الاعمال غير القانونية التي ارتكبتها قوات الاحتلال في العراق كثيرة، ومنها اصدار الأمر رقم 71 لتنظيم عمل مجالس المحافظات، وهذا يتعارض مع القوانين الدولية حيث اكدت اتفاقية جنيف الرابعة سنة 1949على عدم مشروعية اصدار القوانين من قبل قوات الاحتلال.

ومع ذلك اصدر (بول بريمر) الامر 71 لسنة 2004، بعد ان نسخه كاملاً من الولايات المتحدة الامريكية لتطبيقه في العراق. وهذا خطأ معرفي وعلمي لا بد من الانتباه اليه،لأنَّ ظروف العراق تختلف، والتراث القانوني والعرفي يختلف أيضاً؛ كما أنَّ للعراق خصوصية لا بد من الالتفات اليها في كل مسودة تشريع أو قانون أو لوائح أو إجراءات قانونية .

ولذا نجد في الامر 71 لسنة 2004 كثيراً من المفارقات القانونية والإشكاليات المعيبة للنص القانوني، ويمكن ايجاز أهم هذه المفارقات والإشكاليات بما يلي:

1- ورد في القسم (2) الفقرة (5) ما يلي: (لمجالس المحافظات بموجب هذا الامر صلاحية اختيار وتعيين المحافظين ووكلائهم). والأولى استناداً لتجارب النظام الإداري اللامركزي في كل العالم، أن يتم انتخاب المحافظ ونائب المحافظ من قبل مجلس المحافظة ومن بين اعضائه، ويستطيع مجلس المحافظة إقالتهما بثلثي الاصوات .

2- وذكر في القسم (3) الفقرة (2) من الأمر 71 ما يلي: (يكون وكيل المحافظ مسؤولاً أمام المحافظ والوكيل الاقدم). في حين لا ضرورة لايراد تعبير (الوكيل الاقدم) لعدم اعتماده أصلاً في الملاك الوظيفي المنظم من قبل وزارة المالية، ولا في قانون الملاك رقم (25) لسنة 1960 وقانون رواتب موظفي الدولة العراقي رقم (22) لسنة 2008؛ مما يدل على أنَّ هذا القانون مستنسخاً بنصه من مصدره دون أي تعديل!!

3- نصت الفقرة (4) من القسم (3) من الأمر 71 على أن: (يُعين المحافظون موظفي المحافظة، على ان يخضع تعيين المدراء العامين العاملين مباشرة في ملاك المحافظة والمناصب العليا الاخرى، كما هو محدد من قبل المدير الاداري، خاضعاً لمصادقة أغلبية الاصوات في مجلس المحافظة).

ويبدو أن ترجمة هذه الفقرة من الإنكليزية للعربية كان سيئاً جداً، وهو نص مبهم وغريب، فالمعروف إدارياً عدم وجود (مدراء عامين ومناصب عليا) ضمن ملاكات مجالس المحافظات، وفق الملاك الوظيفي المعتمد من قبل وزارة المالية وقانون الملاك. كما أنَّ المدراء العامين العاملين في المحافظات - كمدير عام التربية وغيره - فيتبعون وزاراتهم؛ مما يدل على أنَّ الذي صاغ هذا الامر يجهل تماماً ملاك مجالس المحافظات العراقية اساساً.

ومن الجدير ذكره أنَّ قانون المحافظات رقم 21 لسنة 2008 المعدل قد أعطى أخيراً صلاحية السلطة للمحافظ على المدراء العامين العاملين في المحافظات، والتابعين أساساً للوزارات المركزية؛ مما ولد إشكاليات عديدة بشأن التداخل بين صلاحية الوزارات وصلاحية المحافظ.

4- ورد في القسم (5) الفقرة (1) قبل التعديل ما يلي: (رؤساء البلديات (مدير الناحية – قائمقام – أمين) هم الاداريون الاقدمون للمجالس المحلية). وهذا خلط بين الوحدات البلدية والوحدات الادارية ، وقد عدل هذا النص لاحقاً كما يلي: (رؤساء الوحدات الادارية (مدير الناحية – قائمقام – أمين ) هم الاداريون الاقدمون للمجالس المحلية)؛ وهذا أصح قانوناً.

5- وجاء في القسم (2) الفقرة (1) ما يلي: (تشكل في كل محافظة مجلس محافظة ويمول من الموازنة الوطنية وحصته منفصلة عن الوزارات والمؤسسات الوطنية). وهذا النص لم يوضح ما إذا كانت حصص المحافظات متساوية من الميزانية الوطنية، أو انها تختلف باختلاف الكثافة السكانية والمشاريع الاقتصادية والعمرانية.

6- وأكدت الفقرة (2) من القسم (2) على مبادرة مجلس المحافظة (بمشروعات على مستوى المحافظة انفرادياً أو عن طريق الشراكة مع منظمات دولية وغير حكومية ). ومثل هذه الشراكة لها خطورتها على المدى البعيد في الجانب الامني والاجتماعي، والاقتصادي، إذا لم تؤطر وتستند إلى قانون ينظم هذه الاعمال من قبل السلطة الاتحادية .

7- وقد حددت الفقرة (3) من القسم (2) موضوع تأدية (مجالس المحافظات مسؤولياتها مستقلة عن سيطرة أو اشراف أي وزارة ). وهذا النص يؤدي الى فقدان الرقابة بكل اشكالها على الاموال وعلى الاشخاص في المحافظة، ومنع رقابة المفتش العام وهيئة النزاهة الوطنية؛ وهو أمر مستغرب جداً!!

8- ونصت الفقرة (1)من القسم (3) على أن: (يكون دور المحافظ كمنسق وموجه ومراقب للنشاطات عند تنفيذ قرارات مجلس المحافظة). وهذا نص معيب ومخالف لنص المادة 112/ 3 من الدستور، التي تجعل المحافظ  هو الرئيس التنفيذي الأعلى.

9- أما القسم (6) الفقرة (2) من الأمر 71 فقد أقرت أنه يتم الاعلان عن الوظائف الشاغرة لاشغال منصب مدير شرطة في كافة انحاء البلاد من قبل وزارة الداخلية ويتم اشعار مجلس المحافظة بهذه الشواغر، ويقوم مجلس المحافظة وبغالبية أصوات الأعضاء خلال إسبوعين باختيار المرشح الاجدر. وهذا فيه ضبابية وإبهام وعدم وضوح، مع تعدد مراكز الولاء لمرجعين سواء كان في التعيين أم في العزل بين سلطة المحافظة والسلطة المركزية .

وعلى وفق هذه الاشكاليات القانونية وعدم شرعية اصدار قوات الاحتلال للقوانين فقد الغي الامر 71 بعد تشريع قانون المحافظات رقم 21 لسنة 2008 المعدل؛ والذي لايخلو أيضاً من بعض الاشكاليات التي لابد من تلافيها بتعديل هذا القانون لتاخذ المحافظات العراقية دورها في النظام الاداري اللامركزي بصورة صحيحة قانونية.

***

الدكتور قاسم خضير عباس

كاتب سياسي وخبير  قانون جنائي ودولي

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5716 المصادف: 2022-04-30 00:06:38


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5815 المصادف: الاحد 07 - 08 - 2022م