 قضايا

شرعنة الخطاب الطائفي وتكريس القطيعة الوطنية

ثامر عباسإعاقة التحول الديمقراطي: من المجتمع المدني إلى الطائفية السياسية (3)

في المجتمعات التي من النمط التقليدي البكر، حين تنعدم مظاهر السلطة المؤسسة ويختفي وازع القانون الوضعي، فان الضرورة الوجودية تلجأ تلك المجتمعات إلى الاعتماد على رصيد خبرتها الذاتية، واللجوء إلى موروث قيمها الخاصة، لابتكار ما يناسبها من ضوابط عرفية ويلائمها من أنماط سلوكية، تتخذ منها معايير قارة لتصريف شوؤنها الداخلية ومرجعيات ملزمة لتنظيم علاقاتها الخارجية، طالما إن أمور المجتمع – أي مجتمع بصرف النظر عن مستوى تطوره ودرجة تعقيده – لا تستقيم إلا من خلال سلطة شرعية آمرة، تتخطى جميع الاعتبارات القائمة على أساس الجاه الشخصي والنفوذ الفردي، لأجل أن تستتب مظاهر الأمن وتعم أوضاع الاستقرار في عموم المجتمع. عند هذه المرحلة المفصلية تبرز الحاجة إلى وجود نمط معين من أنماط السلطة تواضع علماء الانثروربولوجيا وعلم الاجتماع السياسي على تسميتها بالسلطة (المجسدة) تمييزا" لها عن مفهوم السلطة المؤسسة، حيث تظهر – كما يرى أستاذ العلوم الإنسانية جان وليام لابيار – (في كل مجتمع يكون في البداية مغلقا"، ثم يدخل في تماس واحتكاك دائمين مع جماعات أخرى، ويرسي معها علاقات منتظمة. هذا الانفتاح يحصل عن طريق الجوار، أو المبادلات، وحتى النزاعات، أي باختصار عن طريق كافة العلاقات الاجتماعية، السلبية أو الايجابية، التي يمكن أن ينشئها هذا المجتمع مع المجتمعات الأخرى). وغالبا" ما يرتكز هذا الضرب من السلطة على قاعدة اقتصادية ذات طابع ديني، تتشكل ملامحها عن طريق ظاهرة (البوتلاج) – وهو احتفال ديني ذو صبغة اقتصادية، حيث تتبادل الجماعات من خلاله الهدايا والهبات لإظهار قوة الجماعة وشدة بأسها -  التي تحرص على ممارستها معظم المجتمعات البدائية عند مفتتح علاقاتها الاجتماعية مع الآخر على أساس قيم المغايرة والتخالف التي نشأت عليها في غابر عصورها الطوطمية الأولى.

وحالما نيمم وجهنا شطر المجتمعات الحديثة لنلج عوالمها المأخوذة بالجدليات الاجتماعية الناشطة ونستقصي علاقاتها المنهمكة بشتى ضروب التنوع الاقوامي والتعدد الديني والتداخل الاجناسي، لاسيما في مجتمعات بلدان العالم الثالث، سنقع على مجموعة من الدلائل الثقافية والمؤشرات القيمية التي تظهر انه برغم تخطي هذه الأخيرة لعتبة طفولتها الحضارية وشروعها بالنهوض في مضامير البنية التحتية، بعد أن استكملت مقومات كيانها الوطني وبلورة مشاعرها القومية، إلا إنها مابرحت تعاني وعلى أكثر من صعيد من مخلفات ماضيها العشائري وراسبها الطائفي وانشدادها الأثني، خصوصا" عند تعرضها لأية أزمة طارئة سواء أكانت دوافعها داخلية أ/ خارجية. إذ سرعان مايتشظى المجتمع المعني وتتقهقر مكوناته إلى أصولها العصبوية (عنصرية أو دينية) لتلتمس عونها وتحتمي بقيمها خشية التعرض لتبعات التهميش الاجتماعي والإقصاء السياسي. وعلى هذا يؤكد الباحث اللبناني الدكتور (جورج قرم) انه من (الثابت بالفعل، إن كل شعب يعبر عن تدينه وفقا" لروحه الخاصة، فإذا ما وقع هذا الشعب ضحية اضطهاد جماعة قومية أو مجموعة اجتماعية أو سياسية أقوى منه، أخذ تمرده شكل توكيد متعصب لنزعة خصوصية دينية تعبر عن مزاجه القومي أو الاجتماعي إذا ما وقع الاضطهاد على طبقة اجتماعية أو الأثني إذا ما وقع على جماعة أثنية).

وإذا ما نظرنا إلى واقع المجتمع العراقي وحاولنا تقييم أوضاعه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية من خلال الأزمة التأريخية التي ضربت مرتكزاته، وطبيعة التداعيات الهيكلية الناجمة عنها منذ لحظة أفول النظام السابق ولحد الآن، فننا لن نجد – خلافا" لكل ما يقال أو يعلن لأغراض الاستهلاك الإعلامي – سوى مجتمع تصدعت بنيته وتحطمت أنساقه وتفككت روابطه وتخلعت أصوله وتذررت مكوناته، على نحو بات يثير العديد من التساؤلات حول حقيقة وجود هوية عراقية موحدة أصلا". فعلى وقع جلبة الانفلات الأمني، والانهيار السياسي وتلاشي هيبة القانون، وانتشار حمى الجريمة بكل أنواعها، وتفشي أوبئة السلب والنهب، وطغيان نوازع العنف والعدوان بكل تجلياته المادية والرمزية، بحيث أمسى بأمكان كل فرد أن يسن قانونه بنفسه، ويشرّع أعرافه على طريقته، ويبرر تصرفاته بوحي من مصالحه، دون أن يخشى من مواجهة أي رادع قانوني أو وازع أخلاقي أو مانع ديني. إذ كل شئ أصبح جائز من وجهة نظره ومباح تعاطيه على وفق صيغة الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز (حرب الجميع ضد الجميع)، الأمر الذي جعل أصوات الطوائف وضجيج العشائر وصخب العصبيات الأخرى لا تعلو فقط على صوت الضمير الوطني الخافت والمستغيث حسب، وإنما تعمد لإخراسه وإسكاته، وان أمكن استئصاله من المعادلة الاجتماعية برمتها.

وإذا ما سلمنا برأي أستاذ علم السياسة (جورج بوردو) من أن أي مجتمع (غير قابل للحياة دون حد أدنى من التفاهم بين أعضائه، ومن الاتفاق الذي يترجمه الانتماء إلى القيم الأساسية التي تؤمن البنى الاجتماعية وضعها موضع التنفيذ) أدركنا حجم الكوارث وطبيعة المآزق التي ستواجه الشعب العراقي بكل ألوان موشوره الاجتماعي في قابل أيامه، مالم يصحو من ثمالة زعرنته ويتحسب لعواقب تصرفاته. فلا يحسبن البعض ممن عشية أبصارهم المنافع العاجلة وأعمت بصائرهم المطامع الآجلة، إن مراكب العنصرية والطوائفية والعشائرية التي اختاروها سبلا" لبلوغ تلك المآرب، سوف لن تعصمهم من طوفان الموجة الاستعمارية العاتية التي ما فتأت نذرها تتجمع في الأفق.

وعلى وفق آلية الحراك الاجتماعي الذي لا تسير ديناميته مقاصد الإرادة الواعية بقدر ما تتحكم باتجاهاته أفعال الضرورة العمياء، يفقد المجتمع السياسي مركز توازنه وينحرف عن ناظم إيقاعه، بعد أن تتخلى سلطة الدولة عن طابعها المؤسسي وترتد خطوات إلى الوراء كسلطة مجسدة للجماعات العصبوية النافذة. كما إن قدرتها على إدارة دفة الصراع بين القوى وضبط مستوياته ضمن حدود الجدلية الاجتماعية تشرع بالتآكل تدريجيا" وتضمحل طردا" مع استفحال بواعث الأزمة وتفاقم وطأتها. إذ إن (كل انسداد في النظام السياسي – كما يشير المفكر السوري برهان غليون – يخلق انفجارا" في المجتمع المدني ويؤدي إلى نشوء عصبوية مغلقة).

ولأن أواصر وحدة المواطنة هي بالأساس ضعيفة نسبيا" إن لم تكن مفقودة أصلا" بفعل الممارسات الخاطئة للأنظمة السياسية المتعاقبة، فضلا" عن إعراض النخبة المتعمد في بذل ما يستحقه مشروع معمار الهوية الوطنية الموحدة المنوط به استيعاب وتمثل كل أطياف التكوينات الاجتماعية والحضارية المتآخية، بصرف النظر عن كثافة أعراقها وطبيعة أديانها وتلاوين طوائفها وأهمية لغاتها. فقد استيقظ على حين غرة الحس الطائفي من رقاده بكل عنفوانه واشرأب خطابه النشاز بكل جرأته، ليطرح على الساحة السياسية تحديا" جديدا" يعادل في خطورته وجسامة عواقبه كل التحديات التي مابرح العراق يواجه ريحها الصفراء من شتى الاتجاهات الإقليمية والدولية وكأنها لعنة أبت إلا أن تجهز على صروحه الاجتماعية والحضارية والتأريخية والثقافية والدينية.

والحقيقة إن المشكلة لا تكمن في وجود الظاهرة الطائفية وسواها من العصبويات الأخرى بهذه الكثافة الملفتة للنظر، تعبيرا" عن الطبيعة الفسيفسائية للمجتمع العراقي، كما لا يشكل انتظامها وتنظيمها بهذه الطريقة الصارخة والباعثة على القلق ضد وضع وجدت نفسها فيه محاربة من حيث الإفصاح عن خصائصها ومقموعة من حيث التطلع إلى حقوقها لأسباب باتت معروفة ومفهومة. ولكن المشكلة تكمن في إنها تحاول صب جام غضبها المزمن وتطلق حمم كبتها المتراكم على ما يعتبر رموز هويتها السياسية بالذات وثوابت ولائها الوطني بالتحديد، الأمر الذي يشي بانبعاث سابقة حضارية خطيرة لم يألف وجودها تأريخ المجتمعات المأزومة من قبل. حتى بالمقارنة مع إسقاطات التجربة المريرة للاتحاد السوفيتي السابق اثر سقوط الدولة الشيوعية وانفراط عقد مكوناته القومية والدينية واللغوية، ناهيك بالطبع عن خلاصة فرشة واسعة من تجارب المجتمعات الأفريقية والآسيوية التي اكتوت بنار الصراعات العرقية والحساسيات الطائفية. لا بل على العكس من ذلك تماما" فان استمرار تداعيات تلك التجربة المذكورة على الصعد كافة، قمينة بإعطاء القوى السياسية العراقية المتكالبة على الظفر بأي مكسب ومهما كان الثمن، بعضا" من الدروس الضرورية في انتهاج الكيفية الملائمة لنبذ النعرات الطائفية، والتخلي عن التناحرات العنصرية، والتغلب على المهاترات القبلية، ورأب صدوع الوشائج الاجتماعية، وتفادي حصول القطيعة الوطنية حيث الخسران المبين للجميع . وقد أصاب الأستاذ (جورج بوردو) كبد الحقيقة حين قال: (ماذا يفيد أن يكون الإقليم وطنيا" إذا كانت القلوب بلا جنسية وطنية ؟).

وعلى خلفية هذه المشاهد المأساوية التي تكتنف الواقع العراقي بكل ضراوة، وتخترق بناه وأنساقه أفقيا" وعموديا" بكل حدة، فان الضرورة المصيرية تستلزم من النخبة العراقية – طالما إن الجمهور العام لا يزال يرسف في أغلال عبودية الوعي الشقي – بمختلف قطاعاتها وتنوع تخصصاتها ومشارب أفكارها وتعدد اتجاهاتها، لاسيما الغيورة منها على ولائها الوطني والحريصة على هويتها السياسية، ليس فقط الاهتمام بدراسة أسباب تفشي هذه الظواهر وتلك العلل، والانكباب على تحليل أنماطها واستخلاص حصيلة نتائجها على مستوى العلاقات الاجتماعية المضطربة والمشاعر النفسية الملتهبة فحسب، بل إن الأهم في إطار هذه المرحلة الحرجة هو الإسهام المجرد عن الهوى الشخصي والمصالح الفئوية بإيجاد السبل الكفيلة بتحجيم تأثيرات الخطاب الطائفي وكل أنواع الخطابات العصبوية المقيتة  في السايكولوجيا الاجتماعية المسكونة بهواجس الماضي والمعبئة بمخاوف المستقبل من جهة، والمثابرة من جهة أخرى على حث العناصر الوطنية المشتتة، التي غالبا  ما تنظر بعين الرضى لمواقف نخبها وتميل إلى احترام آرائها،على لم شعث تمزقها، وتخطي حواجز فرقتها، والسعي نحو تماسك لحمتها، من خلال التأكيد على حقيقة إن (الطائفية ليست الدين ولا التدين – كما يوضح المفكر برهان غليون – وإنما هي بعكس ذلك تماما" إخضاع الدين لمصالح السياسة الدنيا، سياسة حب البقاء والمصلحة الذاتية والتطور على حساب الجماعات الأخرى).

***

ثامر عباس

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5722 المصادف: 2022-05-06 04:59:56


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5774 المصادف: الاثنين 27 - 06 - 2022م