 قضايا

قراءة فلسفية في كواليس مقتل شرين أبو عاقلة وخاشقجي

محمود محمد عليهل تنجح قناة الجزيرة في أن تستثمر من اغتيال شرين أبو عاقلة كما استثمرت في قضية مقتل جمال خاشقجي؟... أم أن الأمر صعب جدا؟.

بلا شك تستدعى واقعة مقتل الصحفية الفلسطينية البارزة شيرين أبو عاقلة المقارنة مع مقتل صحفي عربي آخر هو السعودي جمال خاشقجى عام ٢٠١٨، فالاثنان كما يقول الأستاذ محمد سلماوى صحفيان عربيان لم يكن قتلهما حادثا جنائيا اعتياديا، وإنما جاء لأسباب مهنية بحتة، فالشهيدة الفلسطينية كانت تقوم بواجبها المهني لقناة الجزيرة بتغطية اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي لمخيم جنين بالأراضي المحتلة، كما كانت الكتابات الصحفية لخاشقجى السبب المباشر لاغتياله.

لكن شتان بين الضجة العالمية التي أثارتها أجهزة الإعلام الغربية حول اغتيال خاشقجى ومحاولة تمييع جريمة اغتيال شيرين أبو عاقلة، فقد بذلت وسائل الإعلام الغربية كما يقول الأستاذ محمد سلماوى جهودا دءوبة في البحث والتنقيب في ملابسات مقتل خاشقجى التي قالت إنها تمت مع سبق الإصرار والترصد أثناء توجهه لسفارة بلاده في تركيا.

بينما رددت في حالة شيرين الرواية الإسرائيلية الكاذبة كما يقول الأستاذ محمد سلماوى التي تدعى أن مقتلها تم أثناء تبادل إطلاق النار بين قوات الاحتلال الإسرائيلية والقوات الفلسطينية، موحية بأنها يمكن أن تكون قد قتلت برصاص فلسطيني، على أن زميلة شيرين التي كانت ترافقها، والتي ظهرت في جميع الصور ومقاطع الفيديو إلى جوار جثمانها الطاهر الملقى على الأرض، أكدت أنها قتلت في منطقة خلاء تبعد عن موقع الاشتباكات بين الجانبين، وأن إطلاق النار جاء من أحد القناصة الإسرائيليين رغم أنهما كانتا ترتديان السترة المكتوب عليها بوضوح كلمة صحافة بالإنجليزية وكذلك الخوذة الواقية.

لكن القناص صوب سلاحه إلى نقطة في رقبة شيرين لا تغطيها الخوذة، وأتصور أن صورة زميلة شيرين وهى تبكى إلى جوار جثتها، تماما مثل صورة الطفل محمد الدرة ووالده أثناء الهجوم على غزة عام ٢٠٠٠، ستتحول إلى أيقونة صحفية معبرة عن الحقيقة التي كانت شيرين تحاول نقلها إلى الرأي العام من خلال عملها الصحفي وأرادت إسرائيل إخفاءها بقتل من يتصدون لكشفها أمام العالم، فلماذا كان ذلك التباين في الحالتين؟ صحيح أن خاشقجى كان كاتبا بجريدة الواشنطن بوست الأمريكية.

لكنه كان مواطنا سعوديا، بينما كانت شيرين الفلسطينية تحمل الجنسية الأمريكية، لكن ذلك لم يشفع لها؟ لماذا؟ هل لأن المتهم بارتكاب الجريمة الأولى من العرب، بينما مرتكب جريمة الاغتيال الثانية هي إسرائيل التي هي فوق الجميع؟!.

وهنا أقول مع الأستاذ عبد اللطيف المناوي :".. ولكن برغم ذلك لم أكن أتخيل أن يكون مستوى الاستهداف هكذا، للصوت والصورة والحكى والكلام والأخبار والميكروفون. لم أكن أتخيل أن تكون هذه الأمور أقوى كثيرًا من الرصاص أو حتى الحجارة التي رفعها الأطفال في انتفاضة الثمانينيات. لم أكن أتخيل أن يكون إسكات صوتٍ هو الضرورة والهدف الذى يسعى إليه كيان بأكمله .. وبالنسبة لي ما حدث فى جنين الفلسطينية من اغتيال الصحفية شيرين أبو عاقلة كارثة إنسانية تضاهى كل الكوارث التى تعانيها الشعوب. نعم، أعلم تمامًا أنها ليست الحادثة الأولى، كما أعلم أنها لن تكون الأخيرة، ولكن مثلما كانوا يقولون إن موت راوٍ شعبى يساوى موت أمة، فموت صحفي بهذه الطريقة هو موت للإنسانية والحق فى الوصول إلى المعلومة والخبر والفكرة.. لا أعرف شيرين أبوعاقلة عن قرب، ولا أعرف أفكارها أو ميولها أو حتى ديانتها التى تحولت بقدرة قادر بالأمس إلى مسار حديث يختلف فيه المختلفون حول إمكانية الترحم عليها من عدمه. لا أعرف شيرين عن قرب، ولو كنت أعرفها لكنت نصحتها أن تتوخى الحيطة والحذر مع أُناس يسهل عندهم القتل.. أعرف شيرين المراسلة التى رأيناها جميعًا على شاشة قناة «الجزيرة» أثناء انتفاضة الدرة فى بداية الألفينات، كانت فتاة لم تكن تبلغ الثلاثين من عمرها، اختارت أن تعيش على حافة النار، بين الرصاص والقنابل، بدلًا من حياة الفتيات فى سنها. اختارت أن تكون أمام الشاشات تنقل الصورة مهما كلفها من مشقة. اختارت أن تؤدى عملها على أكمل وجه".

نختلف مع قناة الجزيرة، وسياساتها كما قال عبد اللطيف المناوي ، هذا أمر لا مزايدة فيه، ولكن لا نختلف مع الإنسانية، ولا نختلف مع حق العالم فى المعرفة. لا نختلف مع ضرورة أن يمارس الصحفي عمله في ظروف آمنة، ولا مع ضرورة تدخل الهيئات والمؤسسات الدولية الكبرى فى ذلك. نختلف مع الجزيرة ولا نختلف مع شيرين أبوعاقلة، السيدة التى دفعت حياتها ثمنًا لعملها.

«كانت معكم شيرين أبوعاقلة» وارتقت إلى السماء، هذه حقيقة.. رحلت شيرين ويجب أن يكون فى رحيلها عبرة وفرصة، بضرورة أن التحرك- كأفراد ومؤسسات إعلامية وغير إعلامية- لفتح تحقيق عاجل حول اغتيالها، يكون تحت إشراف جهات دولية مشهود لها بالنزاهة، على أن تُعلن نتائجه إلى العالم، وتتم معاقبة المسؤول، كما تؤخذ ضمانات أكثر على حرية عمل الإعلاميين والصحفيين، وحقهم فى نقل الصورة الكاملة لحقيقة الأوضاع على الأرض.

أما جمال خاشقجي فله قصة مختلفة عن شرين أبو عاقلة فهو كما قال الأستاذ فراج اسماعيل أشهر صحفي سعودي وخليجي وعربي في دوائر الإعلام الغربي.. لا يبزه صحفي أو إعلامي آخر في غزارة تواجده على الساحة بالرأي المكتوب والتلفزيوني وتغريداته على تويتر التي يتناقلها الإعلام العالمي ويعتبرها مصدرا مهما موثوقا. ربما لهذا كثر الحاسدون من أهل مهنته خصوصا من السعودية وناصبوه الخصومة بلا سبب سوى تفوقه الذي يستحقه عن جدارة فهو صحفي غزير الانتاج في مجال الميديا ، يتميز بتحليلاته الرصينة المبنية على معلومات موثقة وبيانات تفصيلية ، ضيف دائم على كبرى الندوات والمؤتمرات البحثية والسياسية في الغرب والشرق على السواء.

ما من ندوة سياسية لمركز دراسات في الولايات المتحدة والدول الأوروبية إلا كان جمال خاشقجي على رأس قائمة المتحدثين كما قال الأستاذ فراج اسماعيل.. لم يتقبل حاسدوه ما تتناقله كبريات وسائل الإعلام العالمية مثل سي إن إن وواشنطن بوست وبي بي سي ونيويورك تايمز عن تغريداته ومقالاته ومقابلاته التلفزيونية، وكذلك وسائل الإعلام العربية التي كانت تزيد بلازمة متكررة اخترعتها من عندياتها ولا ذنب لخاشقجي فيها ولا هو مسؤول عنها من قريب أو بعيد ، يقول الأستاذ فراج اسماعيل:" هذه اللازمة إنه مقرب من دوائر صناعة القرار أو من الحكومة السعودية ، وربما ذلك جعل وزارة الخارجية تصدر بيانا بأنه لا يمثل المملكة بأي صفة وما يعبر عنه من آراء تعد شخصية ولا تمثل مواقف الحكومة السعودية بأي شكل من الأشكال".

جمال خاشقجي، مات إثر شجار داخل القنصلية السعودية في تركيا مع عدد من المشتبه بهم سعوديي الجنسية، بعدما كانت المعلومات التي تنقل للجهات الأمنية تشير إلى مغادرته القنصلية".. "وأن التحقيقات مستمرة مع 18 من الموقوفين على ذمة القضية، وأن السلطات السعودية ملتزمة بإبراز الحقائق للرأي العام، ومحاسبة جميع المتورطين وتقديمهم للعدالة بإحالتهم إلى المحاكم المختصة في السعودية». ذكرت أن السعودية بعد الحملة الشرسة التي شنت ضدها، نجحت في فصل المسار القانوني للقضية عن الاستغلال السياسي الذي واجهته منذ وقوع الحادثة، استنادا على معلومات مغلوطة وأكاذيب وشائعات شنها الإعلام المرتبط بالإخوان المسلمين وتلقفها للأسف الإعلام العالمي.

لن أعقب علي ما قاله خاشقجي. ولن أدخل في دائرة أنا وأنت.. ولن أحولها إلي ملاسنات. واتهامات. وتأويلات، وكل ما يمكن قوله أخيرا هو أن هناك من نجح في المتاجرة إعلاميا بدم خاشقجي التي حاولت بعض الدول ووسائل إعلامها المسيس المتاجرة بها واستغلالها لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية دونما اعتبار لحرمة دم المسلم، فمنذ اكتشاف الجريمة وهذه الدول تحاول النيل من المملكة وابتزازها.. مع أن المملكة قد أرسلت النائب العام السعودي إلى تركيا في بداية القضية، وطلبت العديد من المعلومات من تركيا دون فائدة.

ولقد وعدت الرياض أن هذه القضية سوف تكشف حقائقها الكاملة بعد الانتهاء من التحقيقات بكل شفافية ونزاهة وحيادية، ثم تأخذ مسارها النظامي المتبع في المملكة، وتصل للقضاء ويتم محاسبة المقصرين والمسؤولين المباشرين. واليوم وبعد عام وثلاثة أشهر من المماطلة التركية في تسليم الأدلة والقرائن، رغم إرسال الرياض 13 إنابة قضائية إلى أنقرة، وبعد عشر جلسات اتسمت بالشفافية والحيادية، حيث حضرها ممثلو سفارة تركيا، وسفارات الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بجانب منظمات إنسانية وحقوقية، وسط حضور أبناء المجني عليه، ها هي الرياض توفي بوعدها وتسدل الستار وتضع حجر الزاوية على هذه القضية التي شغلت الرأي العام العالمي، بكل شفافية وتجرد وواقعية، معلنه نتائج التحقيقات التي شملت 31 شخصا (استجواب 10 منهم، وإيقاف 21 شخصا، و11 شخصا متهما). فقد أصدرت المحكمة الجزائية المختصة في الرياض حكما ابتدائيا تضمن إعدام 5 أشخاص، وعقوبة السجن لـ 3 آخرين وتبرئة 3 متهمين سعوديين،أحمد العسيري وسعود القحطاني ومحمد العتيبي. وقد حضر هذه المحاكمات ممثلون لبعض الدول والمنظمات العالمية كدليل على صدقها وشفافيتها. وهو الأمر الذي أكده نجل خاشقجي نفسه.

ما نحتاجه في المرحلة القادمة من خلال ما تمخضت عنه هذه القضية هو تقوية الجبهة الإعلامية، فهذه الحملة الشرسة والممنهجة لتشويه صورة المملكة كانت تدار إعلاميا، وتشرف عليها شركات علاقات عامة كبرى وضخت من أجلها مبالغ طائلة. وبالتالي فلا بد من تعزيز القوة الناعمة؛ الإعلامية والفكرية والتواصل الخارجي باحترافية ووعي عالٍ وممنهج.

***

أ.د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو  مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

......................

المراجع

1- محمد سلماوى: جرة قلم  شهيدة الإعلام، السبت 13 من شوال 1443 هــ 14 مايو 2022 السنة 146 العدد 49467.

2- عبد اللطيف المناوي: كانت معكم شيرين أبوعاقلة، الخميس 12-05-2022 00:32

3- فراج اسماعيل: جمال خاشقجي.. تغييب قوة ناعمة،السبت2017/03/11

4- أ. د. فهد العتيبي: تطواف .. بيان النائب العام: لا متاجرة بدم خاشقجي، الاثنين، 2019 5- د. ابراهيم العثيمين: حجر الزاوية في قضية خاشقجي، الجمعة2019/12/27/12/30

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5739 المصادف: 2022-05-23 03:46:40


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5824 المصادف: الثلاثاء 16 - 08 - 2022م