قضايا

توفيق السيف: العقلاء الآثمون

تتمدد مدينة بريستول حول شبكة من الانهار الصغيرة، تتصل في نهايتها بخليج يعرف أيضا بقناة بريستول، جنوب غرب انجلترا. وخلال القرن الثامن عشر والتاسع عشر، عرفت المدينة كأبرز مركز لصناعة السفن في غرب اوروبا.

كنت متشوقا لرؤية المتحف البحري للمدينة، ولا سيما السفينة "بريطانيا العظمى" التي كانت اعجوبة تكنولوجية، من حيث الحجم والحلول الهندسية المبتكرة يوم صنعت في 1845، وساهمت في اشهار مصممها ايسامبارد برونيل كأعظم مهندس بريطاني في تلك الايام.

قبل صناعة السفن، اشتهرت بريستول كمركز لتجارة الرقيق. ولو قدر لك ان تقرأ عن تاريخ تلك الحقبة، ثم تمشيت بين حاراتها ومبانيها القديمة، فلعلك تشعر ان هذه المباني التي تشع بالجمال والمهابة، توحي بنفس القدر، وربما اكثر، بالكآبة والألم. فكأنما هي مسكونة بأرواح الآلاف من العبيد التي فاضت بعدما حطوا فيها ثم نقلوا الى موانيء الشرق الامريكي.

كان ذهني يغص بالصور المتخيلة عن تلك الحقبة الملعونة، حين وقعت عيني على حجر تذكاري ثبت في جدار يطل على الميناء والسفينة. وقد اختير موقعه بعناية كي يلفت أنظار العابرين. يحمل الحجر عبارات اعتذار وتمجيد لآلاف العبيد الذين عانوا وعذبوا، ثم قضوا في الطريق بين قراهم والبلاد التي كتبت فيها نهاياتهم.

قرأت العبارات المنقوشة على الحجر تكرارا. وشعرت بدافع يشدني بقوة لفهم السبب الذي دعا ادارة الميناء-المتحف،  لتذكير زواره بان هذا المكان لم يكن جميلا دائما، وان العابرين به او العاملين فيه لم يكونوا سعداء دائما، وان اصحابه ومن يديرونه، اي الاقوياء واصحاب القرار فيه، لم يفعلوا الصواب دائما، ولم يكونوا عادلين مع الضعفاء في معظم الاوقات.

هل هو اعتذار متأخر عما جرى قبل قرنين؟ وهل يشفي تلك الجروح القديمة؟

التأمل في هذه القصة لفت نظري الى جانب ذي صلة عميقة بقيمة التسامح، أعني به الاقرار بالخطأ، على النفس او على الغير.

  بيان ذلك: ذكرت في مقال سابق، ان جوهر مفهوم التسامح هو احترام حق الآخرين في اختيار ما تمليه عليهم عقولهم، من دين او مذهب او طريقة حياة، كما تتوقع منهم احترام خياراتك. هذا مبدأ اخلاقي مبني على حكم عقلي عام. واساس الحكم العقلي هو الاعتقاد بان الانسان خطاء، بمعنى انه يجتهد في حياته، فيصيب حينا ويخطيء حينا آخر، وانه لا عيب في اقرار الانسان بانه اخطأ في حق نفسه او في حق الاخرين.

بل لعلي لا أبالغ لو قلت ان اعتراف الانسان بخطئه في حق الآخرين، حاجة لنفسه، مثلما هو حاجة للآخرين. انها عملية تطهير للذات، واعادة تموضع للأنا العاقلة فوق الغرائز، لمنع احتمالات الانزلاق مرة أخرى في حمأة الظلم والاحتقار.

لوح الحجر ذاك، يشكل بوجه ما، إقرارا بالآثام التي ارتكبتها بريستول في حق الافارقة الأسرى، واعتذارا لكل أحد عما جرى في الماضي. قد يكون هذا شافيا للضحايا وقد لا يكون. لكن المهم فيه انه سيشكل بالتأكيد سدا يمنع تمجيد الماضي الاسود، فضلا عن احيائه او تكراره.

دعنا نقول اذن ان الطريق الى التسامح قد يبدأ باقرار الانسان امام نفسه وامام الغير بانه مثلهم، خطاء، وانه ربما يكون قد اخطأ في حق نفسه والآخرين بقدر ما أصاب.

***

د. توفيق السيف

في المثقف اليوم