قضايا

طه جزّاع: الانتقام بالضحك والهزل

أصبح من المؤكد علمياً وطبياً أن الضحك يعدُ علاجاً فعالاً للكثير من الأمراض التي تصيب الإنسان، كما أن الكآبة النفسية تورث أمراضاً بدنية لا حصر لها، فيما يعرف بالأمراض النفسجسمية، أو « السيكوسوماتية « وهي الأمراض المتبادلة بين النفس والجسد. ومن الذين خضعوا للعلاج بالضحك منذ الستينيات الصحفي الاميركي نورمان كوزنز الذي أصيب بمرض نسيجي في مراحله المتقدمة حتى ظن الأطباء أن لا أمل في شفائه، غير أنه اهتدى ذات يوم إلى أن الضحك يحفز على الإقلال من كمية السموم المسببة لمرضه، ثم تأكد من ذلك بعد نتائج التحاليل المرضية التي كانت تشير إلى انخفاض كمية السموم في جسمه بعد كل جلسة ضحك، وبعد تماثله للشفاء الذي حصل بعد سماعه لمئات النكات ومشاهدته لمجموعة من الأفلام الكوميدية، هجر كوزنز الصحافة ليعمل في إحدى كليات الطب لمدة عشر سنوات توجها بتأسيس قسم طبي علاجي في الكلية أطلق عليه تسمية قسم « قوة الدعابة»، ثم أصدر في العام 1979 كتاباً عن تجربته المثيرة تلك تحت عنوان» تحليل مرض كما يراه المريض» قال فيه : لقد قمت بالاكتشاف الممتع وهو إن عشر دقائق من الضحك العميق لها أثر مسكن وتمنحني ما لا يقل عن ساعتين من النوم بلا ألم. وهو كلام أكده خبراء في العلوم الإنسانية بقولهم إن للبهجة بمفهومها الكامل تأثير السحر على الإنسان، وان وضع برنامج من المشاعر الايجابية كالحب والأمل والبهجة والضحك يزيد من خلايا المناعة التي تساعد على مقاومة المرض.

وقد شغل موضوع الضحك والهزل الكثير من الحكماء والفلاسفة والأدباء والأطباء على مر العصور وفي مختلف الثقافات، بل أن الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون وضع كتاباً خاصاً عن الضحك الذي يثيره الهزل، والهزل هو الإنسان بحسب فلسفته.. وان هناك من كرسوا جزءاً من حياتهم وعلمهم ووقتهم وبحوثهم لهذا الموضوع، مثل العالم آرثر ستون أستاذ علم المناعة النفسي والعصبي الأميركي الذي أنجز بحثاً مثيراً عن كيفية تقوية جهاز المناعة لدى الإنسان عن طريق الضحك، مؤكداً فيه إن الضحك هو الدواء الشافي لأمراض هذا القرن، وان ضحكة واحدة من القلب لها القدرة على شفاء الكثير من الأمراض المعقدة مثل الضغط والسكر والروماتيزم. وفي لقاء صحفي قديم نبه أحد الدكاترة المشايخ المتفقهين إلى ضرورة الفرز بين نوعين من الضحك، ضحك يقودنا إلى الجنة، وضحك يقودنا إلى النار، وقبل هذا الشيخ كان المعري فيلسوف معرة النعمان المتشائم قد استنكر الضحك على نفسه وعلى الناس بقوله: «ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة». ولما كان كل ما حولك يثير الضحك الذي هو ضحك كالبكا على رأي المتنبي، دع نفسك تأخذ راحتها، ودع جسدك يجد سبيلاً مجانياً للعلاج بالضحك، لكن حاذر من أن تقودك ضحكة إلى النار لا إلى الجنة، أو أن تضحك بلا سبب، لأن ذلك من علامات السفاهة أو الجنون، أو من قلة الأدب. وحاذر أيضاَ من أن يفسد لك الضحك في غير محله، أو السخافة في غير وقتها، موضوعاً مهماً، أو ربما يفقدك متعة في لحظة من اللحظات الحميمية، مثل تلك السخافة التي راودت «يان» أحد أبطال الروائي الفرنسي التشيكي ميلان كونديلا في قصصه المترابطة التي جمعها في « كتاب الضحك والنسيان»، وكاد « شيطان الضحك « أن يفسد عليه متعته، هو ورفيقته، وكانا وحدهما في الغرفة، والشيطان ثالثهما، و» كان الضحك في الغرفة مثل شرك ضخم يتربص بهما»!.

غير أن الفكاهة لا تستوجب بالضرورة متعة الضحك، «بل أحياناً تعني متعة الحكمة والدهشة أو المفارقة السياسية»، وفي ذلك يخصص المفكر والفقيه والسياسي ورئيس الوزراء السوداني لأكثر من مرة الصادق المهدي «ت 2020» كتابه « الفكاهة ليست عبثاً « للبحث التاريخي في الفكاهة والسخرية من بين عشرات الكتب الفكرية والأدبية والفقهية والسياسية التي أنجزها في حياته، وهو بحث تفصيلي يبدأه من الإغريق وصولاً إلى مشاهير العصر الحديث وفلاسفته ومفكريه وسياسييه، من دون أن يتناسى فكاهات الزعماء السودانيين الحاكمين في أيامه وطرائفهم التي يستخلصها من احاديثهم وخطبهم وتصريحاتهم، وكان من حظ رفاق الأمس، المتصارعون على سدة الحكم في الخرطوم هذه الأيام، أن لا يكون المهدي بينهم، وألا لضمهم بأقسى العبارات وأكثرها سخرية، إلى حاشية كتابه في الفكاهة، بعد العبث الذي عملوه في السودان وشعبه الذي لا يستحق كل هذا الدمار والقتال الذي جرى ويجري، ومازال مفتوحاً على كل الاحتمالات التي لا يحتملها مثل هذا البلد المدمر أصلاً من دون حاجة لحرب أهلية بين الفقراء.

أما لماذا « الهزل هو الإنسان» ؟ فلأنه لا هزل أخيراً إلا في شخصية الانسان، في الواقع والكلمات والأشكال والحالات والمواقف والاشارات والايماءات التي تصدر عنه لكونه «حيوان يعرف كيف يضحك» بحسب تعريف العديد من الفلاسفة، وأن الضحك: « هو قبل كل شيء تصحيح وإصلاح، وُضِع من أجل التخجيل. فيجب أن يُشيعَ في الشخص المضحوك منه إحساساً متعباً». كما أن المجتمع « ينتقم عن طريق الضحك للحريات التي أُخِذَتْ منه « على حد تعبير هنري برغسون.

لكن ما فائدة الضحك ممن لا يعتريهم الخجل؟!

***

د. طه جزّاع

في المثقف اليوم