المثقف - قضايا

الفكر الصامت

رشيدة الركيكيتجه الفكر إلى حيث لا ندري مشكلا داخل كل مجتمع عبر التاريخ ما يسمى بالعقل الجمعي كظاهرة نفسية اجتماعية، تحدد نمط تفكير الأفراد وتوحد ردود أفعالهم ،فتتجمع الذوات الفردية لتكون ذات جماعية تشتغل وفق فكر صامت محرك غيرمتحرك.

من هذا المنطلق تنطلق التنشئة الاجتماعية لتشكل معالم الأفراد واتجاهاتهم، بل حتى انفعالاتهم بشكل مسبق يعكس طريقة التفكير ونمط العيش من خلال مرجع أساسي نستسلم له، وهو العقل الجمعي الذي له جاذبية خاصة وسحر تعجز القدرات العقلية الفردية عن الانفلات منه.

هو عقل كثيرا ما نتغافل عنه وعن كونه المحرك الذي قد يصبح غير المتحرك عند غياب العقلية النقدية، وتصبح الذات المفكرة نهبا للشعور الجمعي من خلال الترويج لفكرة صوابيته في المقابل ضلالية العقل الفردي وعدم القدرة على تفرده، وقد يصبح هذا العقل الجمعي عائقا أمام كل ما هو معرفي ودوره في تنشيط الدورة الحضارية وانتعاشها من جديد .

وبالرغم أننا لا نجزم بأن مواضعات العقل الجمعي مواضعات سلبية دائما، لكن ألا يمكن أن نتفحصها قبل أن تصبح ثوابت معرفية تفترض الصوابية الكاملة في أحكامها باعتماد التحليل والمحاجة ؟

لا نستطيع أكيد نكران أثر هذا العقل الجمعي في سلوكياتنا اليومية، و يتحرك وفق آليات تذيب الذوات لتنصهر في ذات جماعية واحدة موحدة، بافتراض أن الآخرين يعرفون أكثر، خصوصا إذا تعلق الأمر بحالات تسبب غموضا اجتماعيا ومن تم تفقد الأفراد قدرتها على تحديد السلوك المناسب، ليستنجد بغيره وبقوة الجماعة وجبروتها أحيانا والإنصياع لقراراتها بغض النظر عن صوابها من خطئها وهو ما يسمى بسلوك القطيع.

والحقيقة أننا بعد الكثير من العقلنة يسقط الأفراد في الموروث الثقافي غير المادي وما ينقل له من الماضي يحس من خلاله بالإنتماء الثقافي وتتشكل بالتأكيد هوية مجتمعية تجعل من الماضي منطلقا نحو المستقبل باعتزاز وافتخار كإنجاز أمام الأجيال الصاعدة. وهكذا يتشكل العقل الجمعي من الموروث الثقافي.

عموما لكل مجتمع ثقافته وآلياته الخاصة لغرسها في أفراده في شكل نسقي يسهل تسربه إلى الحياة النفسية والإجتماعية على شكل قيم تسهل الإمتثال والانصياع له دون أية مقاومة.

وأمام كل تكرار لصور سمعية أو مرئية تخاطب حواس الأفراد تتسرب العقلية السائدة دون أي نفور.

وبالرغم من استعدادات الأفراد الفكرية لا تزال لم تنسلخ عن هذا العقل الجمعي، وكأنه الغطاء الذي يستر عورتنا كلما أخطأنا في حق أنفسنا أو الآخرين أو الواجب.

وهكذا فكثيرا ما يتولد لدينا نفورا من بعض الأشياء أو الأجسام أو الأحداث دون أي تفكير، وكأنها مواقف اجتماعية جاهزة في عقولنا بشكل مستنسخ من هذا العقل الجمعي.

نصل إلى أنه ليس كل ما هو مخجل مثلا لأنه كذلك، ولكن لأننا تعودنا أن نراه كذلك، بل لأننا أعطيناه هذا المعنى، فيبث فينا هذا الإحساس لتتفاعل معه أعضاء الجسم بعد تفاعلات هرمونية تسبب لنا السعادة أو التعاسة، الفرح أو الألم. لن يخلو ذلك من فكرة جاهزة تعطي الأمر بردود فعل معينة ذات المشروعية، فالأشياء إذن لا تحمل دلالالة في ذاتها بل من خلال حمولات نفسية اجتماعية.

هكذا ينطلق الفكر الإنساني أكيد من وسطه ومناخه العام ويبني إنسانا حسب نوع تغذيته، متى كانت تغذية العقلية متوازنة صح النمو وتمتع بتوازنه، ومتى كانت سوء التغذية عرفت الأفراد مدا وجزرا مع الأحداث.

ومن تم يتلعثم فكر الإنسان مثلما يتلعثم اللسان عند تعلم اللغة. ويكون كل فكر جديد يستدعي استدخاله و استدماجه في منظومة الفرد وفق مرجعيته الفكرية والمجتمعية.

فلا لغة تفهم وتهضم غير لغة الأجداد، وكل جديد مصدر إزعاج وانزعاج ويحتاج لتدبر حتى لا يبتعد عن المجموع دون أي طرح أو تنازل عن المرجعية الإجتماعية .

فكثيرا ما نسمع الأمثال الشعبية وما تقدمه كمعرفة جاهزة بفعل تكرارها ترسخت وبرمج عليها الأفراد بشكل أوتوماتيكي، وخصوصا وأن مجتمعاتنا تعتمد بشكل كبير على ثقافة السماع فتترسخ بشكل أسرع كلما لامست الحياة اليومية للأفراد.

أٌقاويل تأتي في شكل حكم وتهمس في آذاننا،لكنها تتطلب منا الوقوف عندها من أجل التأمل خصوصا وأنها تأتي بصيغة الأمر لتقدم حقائق، والمطلوب منك الإمتثال لها دون أي نقاش وتدعوك للتفكير النمطي.

ومع مضي السنين لا تزال راسخة لأنها تحمل الموعظة والحكمة وكأنها لن تتغير مع تغير الزمن وظهور معطيات جديدة. بل صارت اليوم مونولوغا يوميا لدى الأفراد كقناعة فردية تستمد مشروعيتها من قدمها وتقادمها.

العقل الجمعي هو موروث جماعي إذن وقوته لا تقهر، كأنه من واجب الأجيال اللاحقة أن تمتثل له وتنقله أمانة لمن سيأتي بعدها.

قد يجانب العقل الجمعي الصواب وقد يصيبه، ولكن ليس من حق الفرد أن يتجرأ عليه، لو ثبت العكس بممحاة تنظف هذا العقل الجمعي حفاظا على مصداقية الجماعة.

يبدو أن العقل الجمعي يحتاج إلى غربلة من جديدة، وإلى إعادة بناء من منطلقات جديدة، حتى لا نصير مثل الببغاوات تكرر بلا معنى أو حتى تواصل ممكن.

حقيقة قد تكون هناك محاولات جريئة لكنها قد تخرج عن احترامها للموروث باعتباره صار مقدسا بسبب تعمقه في التاريخ الثقافي فتجذر في الأفراد، وتشكلت هويتهم على أساسه.

كثيرة هي الأمثال والأفكار الجاهزة التي ترتبط بالعقول ارتباطا وهميا، و كأنه علينا أن نقوم بمعركة ضد هذا الرباط الوهمي الذي نعيشه باستمرار ويفرمل قدرتنا على العيش الأفضل.

يتعلق الأمر هنا بما هو مجتمعي بشري خلافا لما هو ديني مقدس إلاهي غير قابل للنقاش...

كل فكرة قديمة لها سحرها، ويعمل محتواها مثلما تعمل طقوس السحرة، تترك الذات المفكرة في حالة من الشرود. وإن كنا قد نضحك منها في بعض الأحيان فإن هذا لا ينفي جاذبيتها. وكأنها منطقة الراحة بالنسبة للعقل،المألوف والمتفق عليه،والذي لا يخلو من قوة تأثيره.

قد لا نملك الجرأة الاجتماعية على مخالفة الكثير على مستوى الفعل، لكننا نتباهى بالنقد والتحليل اللغوي البعيد عن ردود الأفعال الإيجابية وكأنه علينا أن نفكر كما شئنا وأن نفعل ما يفعله الآخرون،حتى نكون نسخ متكررة.

هكذا تنساق الأفراد وراء الفكر المجتمعي مع استخدام لقدرات العقل النظري الجبارة ومجمدا لكل قدرات العقل العملي الأخلاقي الكانطي.

وكأنه علينا أن نفكر كما يفكر المجموع مثلما نلبس مثلهم ونتعلم ذوقهم الجمالي وفقا لموضة كل سنة، قد لا نعرف من قررها ولكننا نختار ألوانهم وأشكالهم، لأنها ستصبح ثقافة مجتمع.

حقيقة مثلما يميل العقل لما هو مألوف يجد ضالته في هذا العقل الجمعي،أفكارا جاهزة، سلوكات نمطية ومواقف مع ردود أفعال متكررة، وندعمها بما قال الأوائل من أمثال شعبية وحكايات لا تخرج عن ثقافة السماع المتجاوزة تاريخيا لكن لا يزال أثرها ساري المفعول. فأين هم أصحاب التخصص؟

ولماذا تخصصهم لم يفيدنا في تغيير أفكارنا؟

وبالرغم من قوة هذا العقل الجمعي وجبروته في حياتنا الاجتماعية فإننا لا نستطيع إنكار أهميته إذا ما اعتبرناه مرحلة ننتقل من خلالها لمراحل أخرى من أجل تطور الفكر البشرى ورقيه.

وخلاصة القول كانت تلك نظرة تحليلية لواقعنا المجتمعي فيها تأمل عام للذات الجماعية التي لها حق علينا وأنه لا يمكن فهم الإنسان إلا من خلال ما هو مشترك ويتقاسمه مع غيره بنوع من الإلزام الجماعي، وكأن أي خروج عنه فيه عقوقا اجتماعيا و خيانة للهوية.

الأمر هنا يتعلق بأفكار جاهزة داخل المجتمع مصدرها تجارب شخصية ذاتية تتخذ صفة الموضوعية، تقادمت وتجذرت فينا بفعل التربية والتنشئة الإجتماعية،كأن نقول عندما يسكب الحليب :هذا فأل خير لأنه أبيض،أو فأل شؤم إذا صادفنا قطة سوداء صباحا، رغم أنها مخلوق لم يختار خلقته، لكن دلالاته المجتمعية ترمي به في بحر الضياع...واللائحة طويلة لا يمكننا إحصاؤها في الذاكرة الجماعية.

يبدو العقل الجمعي المجتمعي مثله مثل العقل الإنساني يعيش محنة تحتاج منا للالتفاتة خصوصا مع سرعة نقل محتواه في هذا العصر الإلكتروني....

 

بقلم رشيدة الركيك

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4336 المصادف: 2018-07-20 01:45:03


Share on Myspace