المثقف - قضايا وأراء

فضاء المبدع علاء بشير (7) بنية التكوين الفني / شوكت الربيعي

139-alaa5(إن الترجمة الذاتية هي قصة حياة،  سيرة غيرية لا ذاتية، السيرة التي تختار من ينجز مسؤولية تدوينها، سواء بصدد شخص لا يزال على قيد الحياة، أو من آل إلى الانتهاء واستمدت تفاصيل حياته من فنه، ومما روي عنه شفاهيا.). 

 من هنا  نواصل الحديث عن قصة فن معرفي، هي قصة حياة مبدع أشاد عالما شجاعا في الفن التشكيلي الانساني. 

 كان العديد من  الفنانين ونقدة الفن التشكيلي من الشباب العربي، يخطط  أثناء  سنوات البحث والتقصي والبناء، بحيوية وبصياغات واتجاهات مستحدثة اتّسمت بالأصالة والمجاهدة في معرفة تقنيات الفنون الحديثة، والخروج على قيود التقليد والمألوفية الراكدة، يخطّط المبدع  فيها لنفسه، و لزملائه الفنانين  المسالك والتوجهات الجديدة في صميم فنون العصرالراهنة. وهكذا فإنّ الفنّ التشكيلي العربي الحديث، لم  يقتصر على تصوير أعمال منتجة بمعالجات وصيغات تقليدية ، بل بحث في معالجات تجريبية فنية حديثة، وصياغية وتقنية متقدمة، في صميم عمله الفنّي الإبداعي. فتكونت بذلك ملامح أكثر انسجاما مع تقاليد الفنون السائدة في العراق قبل الحرب العالمية الثانية. وظهرت فكرة الجمع بين الأصالة في الموروت العربي الاسلامي وبين توجهات الحاضر، متطلعين الى فنون المستقبل.   

 (إن العلاقة الجدلية بين المبدع والناقد تعكس نمطاً من الثنائية الحضارية المنتجة، ويتوقف ذلك دائماً على صحة هذه العلاقة وتوازنها وحضاريتها، ويتدخل الناقد في سيرة المبدع حتماً لأنه ضرورة، إلا أن بعض الفنانين  على نحو خاص والأدباء على نحو عام غالباً ما يضيقون بهذه الضرورة، ويعلنون في أية مناسبة تتاح أمامهم عدم أهمية الناقد في النظر إلى تجربتهم وتقويمها، لكنه في الوقت عينه تطلعون دائماً إلى ما يقوله الناقد بشأن إبداعهم، ونجد أن هذا الموضوع على أهميته الكبيرة لم يتردد صداه كثيراً في سيرة المبدعين. " يدعون القول، أنهم لا يهمهم ما يقول النقاد أو تجيء به تنظيراتهم الآتية من خارج.  وعلاء بشير الذي كفى بجسمه نحولا، يحمل الجسد الذي يحترق، والجسد الذي يطمح أن يأخذ حصته من الهواء والحياة والعدالة" كما قال الشاعر الكبير محمد القيسي، وقد تكون هذه الاستجابة لا تمثل عنده ستراتيجية رؤية في النظر إلى هذه العلاقة، وأحسب أن تنظيرات النقاد وتطبيقاتهم لا تأتي من خارج الجسد الذي يحترق، لا سيما إذا اقترب النقاد كثيراً من نار التجربة أو من جنتها).

 فلسفة التكوين الفني: جدل الخاص والعام: (.. وتعد النظرة الواعية في المكونات من أبرز الخطوط التي يستخدمها المبدع لرسم مسار تجربته وهيأتها، لأنها تعبر على نحو ما عن شخصيته وتكشف عن روافدها وفعالياتها وأحلامها، إذ "يتمثل في السيرة الذاتية عادة الإحساس المتزايد بالوعي الذ اتي"، وتمخضّت هذه النظرة عن مقاربات كثيرة تحيط بالمنطلقات الأساسية لفلسفة تكوينه الجمالي، (انطلاقاً من الجدل الحاصل بين الذات بفضاءاتها الخفية الغامضة)   وكان هذا ديدن المبدع علاء بشير.   

 139alaa-7a

(2) رموز وعلامات التجربة وتحولات الشكل الفني

كان المعلم علاء بشير، متميزا في مسيرة حياته الفنية الثرة الغنية والمتنوعة والمتقدمة. وكان اسلوبه واضحا وراسخا في تحقيق حضوره الفكري والفلسفي بمعالجات وصياغات وبناءات وتقنيات تجربته الحداثوية المستمدة من خصوصية مفردات معمارالفن العراقي العربي الاسلامي الانساني في مراحله المتطورة عبر سير وتشكيلات زمنية متتابعة متتالية متوالية، لكل حقبة منها سماتها الحضارية التي تشكل بمجموعها ملامح الحضارة العراقية عبر التاريخ الغابر والحاضر، القائم، المعبر عن ميزات وأصول ومنابع تلك التجربة الضخمة من حياته المتواصلة ابداعا.، نشير إلى التكرار الذي تعج به استقاءآته المضمونية التي تقترب أحيانا في التفسير الأدبي، الى مفهوم وايحاءات ودلالات الأسطورية، مما حدا به أحيانا إلى تغيير في بعض سماته، بالرغم من وجود مزايا التطوير أو الاضافة التي حرص على ادراجها وتغيير وتبديل بعض ثيمات التكرار فقط، عدا الذي كان يشكل (لازمة) في مواضيع لوحاته أو في وحدة مضمونه: (عنصر هيئة الغراب ودلالته الفلسفية – عنصر المفتاح وقيمته الرمزية - حجمية شكل الكرسي الفكرية والاشارية وغائيته السياسية والاجتماعية.) -. وأمثلة أخرى تتعلق بنوع استخدام مواد الرسم المختلفة بين الزيتية . ومادة النحت : الطين في تنفيذ النحت الفخاري، واستخدام البورك ثم مادة البرونز والمواد الأخرى. وفي كل هذا التنوع في الخامات يؤكد على عنصر التكرار الضمني للأسئلة الصعبة التي يطرحها على نفسه وعلى المتابعين والنقاد، لو شاؤا الانتباه لقيمتها الفكرية والفلسفية.

هو علاء بشير ذاته، هوالسؤال اياه، كالسؤال المتكرر على مدى التاريخ مرارا عن سر الخلود. الفنان علاء بشير لم يستطع حذف الحوار بينه: رساما مفكرا، وبين رؤيته التي لا تنوء أبدا من ضغوط فلسفية وذهنية حادة، تجعله يستمتع بفن توكيد القيمية الفكرية في الفن الذي حققه في معارضه المختلفة السابقة التي تبلورت خلالها  لدى علاء  بشير اهتماماته الميتافيزيقية بمشكلة الوجود (آدم وحواء- نحن لا تأكلنا الغربان- الانسان والارض- جذور وأغصان). وكانت  مهمة علاء بشير، البحث عن الرؤية الفنية والتقنية  التي تشف عنها معارضه الشخصية ذوات العناوين والدلالات الفلسفية. كما دفعت تحولاته الصياغية الى قيمة جمالية تتميز بوحدة الأسلوب المعرفي أيضاً في منطلقه الفلسفي والرؤيوي، وهو الرمز الجوهري لمضمون كل معرض جديد. الرمز الذي يظهر كلازمة في روح لوحات المعرض: (الغراب والأفعى والمفتاح والانسان والقيود وقضبان السجون  والتفاحة والكرسي، الذي يتكرر مرارا، وهي مفروشة على أرضيات عريضة من الألوان المتدرجة في أمكنة، والحادة في أماكن أخرى حسب مقتضيات التكوين العام للمعمار الفني الذي يعتمده في اللوحة الواحدة : على طريقة سورة الرحمن في القرآن الكريم التي تتكرر فيها اللازمة (فبأي آلاء ربكما تكذبان). ولكن علاء بشير في بحثه عن استعارته (بنية الأساطير) يرى أن للتكرار وظيفة جوهرية تتمثل في اظهاره لبنية الأسطورة) في الرسم (لاحظ رسوم الواسطي- قافلة الجمال وبخاصة التكرار الجميل في حركة رقاب النوق) وفي النحت نلاحظ عنصر الايقاع المتكرر في نصب الحرية التكرار في شخصيات جواد سليم في الرسم كذلك . كما يتضح أيضا في أعمال الرليف الكثيرة لمحمد غني منها – في السوق – وفي المقهى وجدارية مستشفى مدينة الطب وحكايات الف ليلة وليلة وكذلك نجد مثالا لذلك في منحوتات رليف خالد الرحال واسماعيل فتاح الترك . وتظهر على أشدها في أعمال هنري مور وجياكوميتي - فالتكرار يمس بنية العمل الفني ونسيج الأسطورة ويوازيها.

ويؤكد علاء بشير في رمزه المدهش للكرسي ووحداته المركبة التي هي أجزاء تكوينية تكميلية، في لوحاته، أن للتكرار وظيفة طقوسية هامة، وايحاءات سياسية، ومخاوف ومسرات انسانية، قد تزهر في تربتها بذور اللذة و تولد المتعة، والأمثلة الاثنوغرافية وفيرة: ايقاعات مسيطرة، موسيقى تعزيمية، ابتهالية، صلوات، طقوس- علاء الرسام لايجد في التكرار المفرط دخولا في الضياع، أو الدخول إلى صفر المدلول، على العكس من ذلك في النحت الفخاري فهو هنا علاء النحات ملزم بالمضمون ورمزيته ودلالته الرؤيوية. ونرى أنه أيضا يضمن كونه (نص متعة)، في استعارة رؤيته الاسطورية لبعض الرموز، ولا يضعنا كمشاهدين للوحاته ومنحوتاته، في حالة من الضياع، والارهاق. نعم . قد يؤدي عنصر التكرار ذلك، في بعض أعمال فنانين آخرين، ربما إلى نوع من الملل- وهو الملل الذي يبعده علاء بشير عن تجربته مرارا)، لهذا كان يبدع في التنوع باستخدام الرموز والاشارات الفكرية والدلالات الفلسفية بين استعارته لرمز (الغراب ولرمز الأفعى ولرمز المفتاح ولرمز الكرسي ولرمز  آلام الانسان المستهدف المعذب) الذي يعاني. كما تجسد في لوحات ومنحوتات علاء الفخارية. كذلك يرى علاء أن خلو عنصر التكرار من قيمته الفلسفية ووظيفته الطقوسية، يؤدي بعمله في الرسم و في النحت، الى غياب اللذة المرتجاة والمتعة المبتغاة. ويهز الايمان بالمعارف التاريخية والثقافية والبسيكولوجية لدى مشاهدي أعماله الفنية. مما يزعزع الثابت من أذواقه وقيمه وذكرياته، مؤزما علاقته بالفن التشكيلي . ولكي لا نبتعد كثيرا في تحديد معنى وهدف وغاية علاء بشير لقيمة المتعة البصرية التي يتولد عنها السرور واللذة. فاننا سندهش بالعمل الفني الحقيقي المؤثر بقوته الروحية الساحرة في أعماله، لأنها نوع من الفن الانساني المقدس، (كالشعرالملحمي) له وقع مباشر على قارئه وسامعه، كعمل ملون بالرؤى المغبطة المؤثرة غير المألوفة، تكاد أن تصل فتنتها وجماليتها الى درجة الأسر). وهكذا هي شخصية علاء بشير في واقع الحياة اليومية، ونحن لا نفرق أبدا بينه كانسان وبين انتاجه في الفن. . وكنا نتساءل عما سنقرا له من خرائد الشعر لو كان شاعرا و ومن روائع الأدب لو كان روائيا، أو بماذا سينطق من جواهر الكلام، لو كان خطيبا مفوها وهو يتحدث الينا. ولعل هذا المبدع الكبير، سيدهش من يسمعه يتحدث عن تجربته الفنية في الرسم والنحت. وسيبلغ به التحول عند مسراه عندما يشاهد لوحاته. فالحضور المؤثر للرمز الأسطوري في الفن المغاير والمختلف هو الذي دفع الملأ من المتابعين والمعجبين بفنه وبنقدة الفن التشكيلي الذين كتبوا عن علاء بشير، لأن ينظروا إلى فنه على أنه (فن مبدع.. فن عجب)،على الرغم من تكرار رمز الكرسي والغراب والمفتاح والانسان المستلب وهي مفرداته وثيماته. فالتكرار الرقيق المدهش هو الذي يضمن هذا الحضور ليدفع بالرؤية إلى آفاق قصوى مشرقة وضاءة وجديدة. – حتى ولو دفعه حبه الشديد العميق الى رموزه الخاصة بفنه، وانساق خلف حماسه، فدفعه إلى أن يفكر بطريقة درامية وانفعالية في النحت وبطريقة اشارية وروائية ميثولوجية في الرسم، فإنه لا يمكن لأعماله الفنية، الا أن تحمل قسطا من قيمتها الرمزية، وهذه هي احدى أوجه التفكير الأسطوري، وهو أمر ليس بالمستغرب في شخصية علاء بشير الذي يحمل بين أنسجة عالمه الباطني الكثير من سليقة ( فكر البراري) لكي يوازن به أحكام الفكر العلمي (طبيب جراح فنان.. أو رسام جمالي يؤمن بعلم الطب ويمارسه): (موازاة الفكر الأسطوري للفكر العلمي). هذا بالإضافة الى أمر جوهري نراه مهما في شخصية علاء بشير الجمالية، ويتمثل في أن العامل الأسطوري في الفن، من الممكن له أن يؤثر في جرأة المشتغلين بالطب التقويمي. كما حدث أن أعاد الحياة الى يد مقطوعة بالكامل لعامل اجنبي كان يشتغل في العراق. هذا التماهي بين مهنة الطب وبين رؤية الفنان هو الذي أجبرنا على تأييد أولئك الذين يرددون حضور مسألة تماهي (الفكر البري والفكر العلمي)، ويرونها انجازا عجبا . كما هو انجاز علاء بشير.

هل من الممكن أن تنشأ عن كل أسطورة (أسطورة أخرى) تقود منطلقات وأفكار ورؤى معظم المشتغلين عليها  من الذين لم يملوا من الافتنان بسحرها وموسيقاها وطريقتها وصياغتها واسلوبها الفني، بحيث يمكن وصفها بأنها أعمال فنية تغمرنا باللذة والمتعة وكإنها (نصوص الفتنة والجمال) التي لما تزل تمارس حضورها العجيب في الزمان والمكان. أليس علاء بشير وريث حضارات السومريين والبابليين والآشوريين والعرب المسلمين و(ان الشعر كان أقدم نتاج أدبي في حضارة وادي الرافدين. كما هو فن النحت والرسم، في تواصل وتصاعد وترابط وتمتد- هذه النصوص الشعرية، من ملحمة جلجامش الى العصر القائم كنص ابداعي : أي كفن ابداعي، ذي بنية متينة. نص رائع في غاية الجمال والتوهج. في غاية تجعل منه رؤيا للكون والحياة، وجوابا عن أسئلة الوجود والأخلاق والمصير. وتأتي تجربة علاء بشير لتقوم بفصل كبير بين تنوع وتعدد الصور الميثولوجية لأبطال لوحاته ومنحوتاته. وتنفرد باستقلالية حضورها الجمالي في ما يشبه تلك البنى المتينة الجميلة المتوهجة، لتجعل من تجربته رؤية للحياة الانسانية المعذبة التي تعاني.. وتتمتع تجارب علاء بشيرالفنية، بوضوح الأسلوب، ويعتبرها أدب النقد الفني التشكيلي، بين أجمل وأعظم الأعمال الفنية التي أبدعها الفنانون المحدثون أمام المجتمع والتاريخ. لقد أغرق نقاد الفن أنفسهم فيها، وفي تلك المقدرة التخيلية الهائلة التي يتمتع بها الفنان علاء بشير. وعاشوا مستمتعين بالأسئلة الكبيرة التي تثيرها اعماله الفنية، ومزدهين متباهين، بقيمية معاييرها الجمالية، و حداثة ومستقبلية رؤاها المشرقة بحب الانسان والدفاع عن قضاياه المصيرية. ان أعماله المسكونة بهواجس الأمل، تنتمي إلى أعظم الأعمال التشكيلية الحديثة، التي أفلحت وتألقت وتفوقت موهبة علاء بشير الخلاقة في إبداعها على مرّ مراحل تحولات الفنون المعاصرة في العراق والوطن العربي والعالم..). (للموضوع صلة) 

 

يتبع - القسم الثامن – خاص بالمثقف

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1939 الأحد 13 / 11 / 2011)

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1895 المصادف: 2011-11-13 05:04:18


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5775 المصادف: الثلاثاء 28 - 06 - 2022م