المثقف - قضايا

معنى الصبر: تعليقات بروفسور M حلقة (5)

akeel alabodتمهيد: ليس من باب الفهم الساذج، اوالسلبي للمعنى المذكور، انما بغية الوقوف على المعنى الدقيق لكلمة الصبر، باعتبار انه مقولة للقوة، وليس للضعف؛ للمواجهة، وليس للخنوع، للحلم، وليس للانفعال؛ فليس الرضا بإرادة سلطة الظالمين صبرا، انما مواجهتهم من خلال الاستعانة بقوة الخالق، والثقة، والالتزام، بتلك التعاليم التي أريد للإنسان بموجبها، ان يبلغ لغة العدل وقوة الرفعة، والحلم، وتلكم مفاتيح الصبر التي ذكرت في القران على شاكلة قصص تارة، وحكم وأحكام تارة اخرى.

 

مقدمة الموضوع:

تعد مسالة الوقوف على العامل السايكولوجي، والبايولوجي لمقولة الصبر بحسب الفهم القراني، مسالة على غاية من الأهمية، وهذا يقتضي البحث في المحاور أعلاه، وفقا لما تتبناه احكام القران.

وملخص الامر ان العامل السايكولوجي يقترن بالتصرف الانفعالي الذي يرتبط بالهرمونات والخلايا العصبية التي بدورها تتعرض الى خلل وظيفي يرافق اي تصرف حاد في السلوك، والقران يبحث في استقامة الشخصية من خلال الصبر وتجنب حالات الانفعال والغضب.

 

العامل السايكولوجي:

والصبر الذي يراد به في القران، انما هو مطابق في اكثر الأوجه للتعريف الذي يتفق على انه اسم يراد به السيطرة على الجهاز العصبي اثناء الانفعالات، اي عملية الضبط والتحكم بردود الفعل اثناء العمل، والتفكر، والتصرف مع الاخرين بحكمة وترو، ما يقتضي مراقبة النفس وردود أفعالها الحسية، بما في ذلك نوع الكلام، اواللغة التي يتم تداولها اثناء الغضب، او النقاش الصاخب، والحيلولة لتجنب اللفظ الفاحش ،والكلام البذيء، خاصة، وان الكلام البذيء، لم يعرض على منطق العقل حال تداوله او النطق به، انما هو ناتج عن الانفعال السريع.

 

في كتابه

The stuff of thought: Language as a

Window into Human nature.

 

لاحظ [1]Steve Pinker ان هنالك خصوصية، يتميز بها منطق العقل، عن منطق الشعور، والكلام البذيء هو الانعكاس السلبي لهذا الشعور؛ فهو غير خاضع لسيطرة العقل، انما هو سلوك ناتج عن إفرازات حسية غير واعية، اي انه تعبير سلوكي غير ناضج، موضوعه الاستسلام غير الواعي لسلطة الحس والعقل اللاواعي، وهذا التعبير، انما هو وليد سلسلة من التفاعلات والمؤثرات البايولوجية، والسايكولوجية التي ترتبط مع ثقافة المجتمع ولغته، اضافة الى ما يلعبه العامل التخيلي، الذي يتم تداوله عن طريق التفاعل مع المؤثرات الحسية الناتجة عن الارتباط الساذج بمؤثرات خارجية كالأعلام والصور والاباحية بحسب ما يراد التنويه عنه .

ومن الضروري الاشارة انثروبوجيا الى حركة هذا الشعور باعتباره يعود في انتمائه الى حقبة زمانية ومكانية متغيرة.

فطبيعة الانسان كنظام سايكولوجي معقد، يحتاج التحقيق فيه الى الإحاطة بالموضوعات التالية :

Anthropology: universals, variation

Biology: evolution, genes, brain

Psychology: laboratory studies

Fiction: universal plots

علوم متعددة تبحث في هذا الغرض:

-الانثروبولوجي: الاختلاف، الشمول

- البايولوجي: التطور، الجينات، الدماغ

- السايكولوجي: الدراسات المختبرية

-الخيال، اي ما يبنى داخل الإحساس[2].

لذلك تجد ان هنالك تطابقا بين هذه الدراسات ومعنى الصبر كقوة وكالتزام أخلاقي وديني.

 

المعنى القراني لمقولة الصبر:

بحسب قاموس المعاني كلمة الصبر تعني حبس النفس عن الجزع، كما ورد في مختار الصحاح، وورد صعبور في تاج العروس، اي صغير الرأس[3].

وصغير الرأس يحمل على صغير العقل بحسب المعنى الظاهر.

وبما ان الرأس يعني العقل، فانه يراد به الايمان كونه المنطق الذي من خلاله يفهم الانسان معنى التعامل مع الاخرين بناء على قاموس المنطق القيمي للاخلاق، الذي اتبعه الدين ليكمل ما جاء به العرف حيث ورد على لسان النبي الاكرم "انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق"

وإنما ان أفادت للحصر هنا، فهذا بمعنى ان الاخلاق لغة الدين، كونها مقولة تقتضي استنطاق الحقيقة الخالقية في الاخلاق، ومنه وبه تكمن حقيقة الايمان.

قال الامام جعفر الصادق عليه السلام

"الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد، وكذلك اذا ذهب الصبر ذهب الايمان[4].

لقد جعل الرأس في الحديث كقرينة للعقل وبه تجري عملية مراقبة الانسان لنفسه، لأفكاره، لكلماته، لأفعاله يقول

Frank outlaw,

Watch your thoughts; they become words. Watch your words, they become actions. Watch your actions, they become habits. Watch your habits, they become character. Watch your character, it becomes your destiny[5].

وكلمة destiny تعني قدرك وقيمتك، لذلك تسمع الحليم عند غضبه، بمعنى ان الحليم يمتلك من الشجاعة ما يجعله اكثر الناس تحكما بعقله ومنطقه وأفعاله لانه يستمد قوته من الخالق العظيم الجبروت القوي الذي به ومنه يكبر الانسان بعقله وحسه، حيث ورد عن علي بن ابي طالب ع من عصى غضبه أطاع الحلم[6].

 

 

ان الالتزام بالصبر يعد اعلى درجات اليقظة، كونه لغة تهذيبية، وقد تنوقش هذا في علم النفس اللغوي الذي اشتغل عليه نعوم تشومسكي[7].

هنا من الضروري التنويه الى ان البحث في سايكولوجيا الصبر بناء على ما جاء به القران يعد ارتباطا فعليا ببايولوجيا الخلايا الحية للجسم.

اي ان هنالك عاملان يجب مراعاتهما بغية تحقيق ما يريده الخالق للمخلوق من خلال الالتزام بالصبر؛ العامل الاول هو سلامة الوظيفة البايولوجية، والثانية التنشئة النفسية من خلال ممارسة الصبر.

ومن الجدير بالذكر ان التنشئة النفسية تحكمها اللغة والدين، فالدين عملية تهذيبية تتطلب استعدادا نفسيا عاليا لممارسة الفضيلة والسكينة والخلق والاطمئنان، كونه يرتبط بمبدأ الثقة بالمبدأ القراني او الديني بشكل عام، كونه يدافع عن الذين آمنوا بحسب القران، حيث ورد ان الله يدافع عن الذين آمنوا وكذلك هنالك رحمة تقترن بالصلوات لمن يبدي الصبر، " الذين اذا إصابتهم مصيبة قالوا انا لله وانا اليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة"[8]. اي عدم الجزع والخضوع والاستكانة لإرادة رب الخلائق، وهذا مفيد في الحفاظ على قوة الشخصية.

لذلك تجد ان هنالك نوع اخر من علوم النفس وهو علم النفس الديني، وهو يهدف الى بناء الشخصية الدينية، باعتبار ان الدين حاجة نفسية تدفع الانسان الى الايمان بما يريده الخالق، للارتباط مع قانونه الأسمى، واسمه الأبهى، لكي يشعر الانسان بالسكينة والاطمئنان " الا بذكر الله تطمئن القلوب"

اما كيف تطمئن؟ فان الاطمئنان هو حالة من حالات السعادة والهدوء، وهذا يعد عاملا في المحافظة على الصحة البدنية ووظائف الأعضاء والخلايا المرتبطة بحركة الانسان وعلاقته الفيزيائية المادية مع العالم الخارجي.

 

العامل البايولوجي:

بغية التحكم بوظائف الخلايا البايولوجية من خلال السيطرة على وظيفة الحس بما فيه الخلايا الدماغية، لا بد من مراقبة الهوية السايكولوجية عن طريق التمرين الذي يحتاج الى متابعة يومية.

وتفصيل الامر يعود الى ان الغدد والأنزيمات التي تخضع الى اضطراب وعدم استقرار يتخلخل عملها الوظيفي اثناء الاضطرابات والازمات التي تصاحب حالات الغضب، ما ينتج عنه ردود فعل سلبية ترافق العلاقة الاجتماعية بين الفرد والمجتمع سواء على المستوى الخاص، اي بين الزوج وزوجته وأولاده، أوعلى المستوى العام، اي البيئة الخارجية الخاصة بالآخرين من مختلف الأصناف والمستويات.

ومما لا يخفى ان للانفعالات، وحالات الغضب آثارا سلبية تولد الكراهية والنزاع وعدم الاستقرار، ونظرا لأهمية الصبر في مواقف الغضب، والانفعالات الحادة من اهمية، باعتبارها وسيلة مهمة لتفادي الخلل والنزاع الذي يقود الى انهيار منظومة العلاقات الاجتماعية، أودّ الاشارة الى استقراء تأثيرات الغضب لغرض بث وتنمية سلوك التحلي بالصبر بين الزوج وزوجته كنموذج حي للبيئة المصغرة.

فكما هو معلوم، انه وبحسب التوصيات، والإرشادات الطبية، اوالصحية، يتأثر الجنين بالافرازات الهرمونية التي تجري داخل الدم وتأثير ذلك على شخصية الطفل في المستقبل، ذلك باعتبار ان البيئة الداخلية للرحم تتأثر وظيفيا اثناء حالات الأنفعالات والاضطرابات الشعورية، ما ينتج عنه اضطرابات ومشاكل في الحمل، وما بعد الحمل، ناهيك عما يحصل لمستقبل العلاقات الأسرية بسبب تكرار حالات التأزم والانفعالات بين افراد الاسرة، تصل احيانا الى ارتكاب سلوك غير سوي، يصل الى انتحار الابن ،او ارتكاب مشاكل جرمية، ضحيتها المجتمع والعلاقات، بما في ذلك المؤسسات، التي يتعاطى معها هذا الابن ،اوذاك كما يحصل في المدارس من مشاجرات وانحرافات سلوكية بين التلاميذ، حيث ان التلميذ تراه يسعى لتقليد شخصية الأب المنفعل، اوالاخ ، وكذا البنت حين تلاحظ أمها، وهذا يعد ايضا من البحوث المهمة في باب ميكانزما الوراثة وموضوع الكروموسومات التي لها علاقة بالقضية الوراثية،

وهذا له علاقة بالمعنى القراني لكلمة الصبر.

 

المعنى القراني لكلمة الصبر:

جاء في القران: ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصائله في عامين[9].

والوهن هنا هو الضعف، والجهد حيث يشار به الى الحمل والحمل لغة للصبر وتحمل هذا الجنين[10].

وما اريد الاشارة اليه هو ان الله أوصى هذا الانسان بطاعة الوالدين لما للوالدين من اثر في تحمل أعباء الابن حيث في بيئة أمه والبيئة التي يتعاطى معها لدى نموه وتنشئته.

إذن هنالك مسؤولية بايولوجية لها علاقة بسايكولوجيا النفس التي تتطلع دائماً لان تكون على مستوى الالتزام الاخلاقي المتعلق بالضبط والاتزان.

 

عقيل العبود

.....................

[1]Steven Pinker

عالم وأستاذ ومتخصص في اللغات وعلم النفس في جامعة هارفرد ولادته عام 1954في كندا، موضوعه الأساسي بناءا على البحث المذكور هو موضوع التطور اللغوي على اساس التفاعل السايكولوجي و الشعوري المرتبط بالعقل.

[2]https://m.youtube.com/watch?

v=5S1d3cNge24

[3]http://www.maajim.com/dictionary/

[4] راجع أقوال الامام جعفر الصادق في باب الصبر؛

http://www.mowswoat-suhofe-alltyybeyyn.org/SohfoModaoanh/AlKalmAlTeyybAlMosoar1-40/alsbr.htm

[5]Frank outlaw Famous Qutes

[6] راجع أقوال الامام علي ع في باب الحلم

[7]نعوم تشومسكي، من ابرز علماء اللسانيات 1928فيلسوف وعالم ومتخصص بعلم اللغة والمنطق، راحع موسوعة ويكبيدياً، بحث في المعرفة والسلوك، راجع المصدر نفسه، تشومسكي علم النفس

[8]سورة البقرة اية157

[9]سورة لقمان اية 14

[10]قاموس المعاني في معنى الوهن

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

(العامل السايكولوجي يقترن بالتصرف الانفعالي الذي يرتبط بالهرمونات والخلايا العصبية التي بدورها تتعرض الى خلل وظيفي يرافق اي تصرف حاد في السلوك،)
(السيطرة على الجهاز العصبي اثناء الانفعالات.)
هذه هي النقاط الهامّة التي وردت في هذا البحث أو الاستعراض الشيّق لمسألة (الصبر) أو بالأحرى سايكولوجيّة الفرد أو تصرّفه تجاه الحوادث/ المشاكل / النوائب التي تعترض طريق حياته، التي درسها الأستاذ الباحث عقيل العبود معتمداً على بيولوجية الفرد وليس على (الافتراض) كما يفعل بعضهم عند تحليل نفسيّة الاخرين. فالبيولوجية تعتمد على معرفة تركيب الخلايا الدماغية التي تقودنا إلى إفراز النواقل الكيميائية العصبية neurotransmitters من قبل مجموعات من جينات متخصّصة فيها، وأيّ خلل في هذه الجينات (يغيّر) هذه الإفرازات، نوعاً وكمّاً، فيتبدّل سلوك الفرد. وقد شرحها د. ستيفن بنكر في كتابه (كيف يعمل العقل Steven Pinker - How the mind works ) لذا نجد اختلافاً في تصرفات الأفراد من ناحية (الصبر) تجاه الحوادث. فبعضهم (يفقد) عقله وينفعل لسبب تافه وآخر يصبر على جلل عظيم. وحتى التوأمان المتماثلان (من خلية مخصّبة واحدة) يختلفان في تصرفاتهما، وكيف؟ لتغيّر جيناتهما تبعاً للحياة التي يحيانها. وقد كتب عن ذلك بالتفصيل البروفيسور سبكتر في كتابه (مختلف تماثليّاً Identically different ) والموضوع طويل.
ولكن الأستاذ الفاضل عقيل العبود شرحها بصورة مختصرة مفيدة ومفهومة يستطيع القارئ استيعابها دون مشقّة.
شكراً للأستاذ عقيل العبود على جهده في بحثه القيّم هذا.
تحيّاتي

بهجت عباس
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الفاضل الدكتور بهجت عباس المحترم
تحية وسلاما:
ما تشرفتم به يعد غاية في الأهمية، فهو ليس على نمط التعليقات التقليدية، التي يحاول البعض ان يوصل محبته واحترامه عبرها الى أحبته وزملائه من الكتاب والمثقفين في باب الادب والثقافة والمعرفة، انما هو على نمط إشراف متخصص دقيق وخبير في بايولوجيا الخلايا والجينات، على موضوع كتبه تلميذ، ليطلع عليه الاستاذ المتخصص، ليكتب الاستاذ ملاحظاته وتقييمه، ما يجعل الموضوع البسيط هذا الذي كتبه التلميذ يرتقي بطريقة تجعله أكثر تميزا، ما يتطلب مسؤولية علمية ومعرفية تكاد ان تكون اكبر واشمل وأدق من سابقتها، لذلك تعليقكم هذا يعد حافزا لتداول هذا النمط من الكتابات.
محبتي مع باقات ورد
عقيل

عقيل العبود
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا أيها الكاتب المبدع ، تصدق أو : كان أحدهم يتلقى بإستمرا طلبا من أقرب الناس إليه ليستخدم أدوية تعالج خلل واضطراب إفرازات الدماغ- الخلل الفسلجي- ولكنه كان لا يؤمن بطلب قريبه المخلص وهو طبيب ، لكنه بقراءته لمقالك هذا قرر أن يراجع طبيبه المختص ، وهذه المرة ليتناول العلاج لا للعيادة فقط. دمت أخونا أيها السامق الراقي المستحق لكل الشكر والثناء

الباحث في الزوايا عن أريج الياسمين
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ الأستاذ الفاضل الباحث الكريم المحترم
تحية وسلاما:
دمت باحثا هكذا وادام الله حروفك، والف شكر وانت تغمرني بفيض فضلك ومحبتك أيها الكبير.
محبتي مع الورد
عقيل

عقيل العبود
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3410 المصادف: 2016-01-06 01:39:40


Share on Myspace