المثقف - قضايا

من صحيح البخاري و نهج البلاغة حتى البيان الشيوعي!

تعرفت ُ، في منتصف التسعينات، الى امامٍ وخطيبِ جامعٍ، من احدى المحافظات، وربطتنا عُرى صداقةٍ، آنيةٍ، قامتْ على أساس ما لمسهُ، كلٌ منا، في الآخر من وعيّ بطبيعة معاناة العراقيين تحت حكم الطاغية، آنذاك، وما التمسه، كلٌ منا، في الاخر، كذلك، من جدّ وحميّة في البحث عن جذور، حقيقية، بعيدة الغور، للمشكل او امكانية حلّه.

سألني صديقي، الجديد، وكان متخرجا من كلية للعلوم الشرعية، فيما اذا كنت قد قرأت "صحيح البخاري"، فأجبت بالنفي واضفتُ انني كنت اودّ الاطلاع عليه، غير انه لم يتوفر لي، فأجاب بأنه من مقتنياته، وبطبعةٍ موثوقة معتبره. واتفقنا، على ان يُحضر لي جزءا او مجلدا من "الصحيح" كلما جاء الى بغداد، ومجيئه كان شهريا، ولأغراض تجارية، كانت هي السبب في تعارفنا، بحيث انه يأتيني بمجلد كلما فرغت من سابقه. وحينما انهيت قراءتي للمجلد الثاني، سألني، صديقي، وانا اعطيه المجلد واطلب اليه ان يأتيني بمجلده الثالث، عند زيارته القادمة، سألني، مثلما فعل في المرة السابقة، عّما اذا كان لديّ ملاحظة، او اشكال او لبس، يستطيع، هو، ان يوضح لي امره، بفعل دراسته للحديث والسيرة النبوية، فأجبت أنْ نعم، وانني، في الواقع، دُهشتُ لبعض النصوص، وان الشكوك، قد اعترتني، بشأنها وشأن نسبتها الى النبيّ، لأن مضمونها ينتقص من قدره . وما ترويه من وقائع، يمّس هيّبته . وعندما أوضحت له بعض محتواها، هتف: مستحيل ! فأعطيته وريقة كنت قد اعددتها، قلتُ انها تتضمن اشارات الى الاحاديث المعنية وارقامها وارقام الصفحات التي وردتْ فيها، وطلبت اليه ان يراجعها، ويوضح لي ما يمكنه بشأنها عند مجيئه في المرة القادمة...

لكن صديقي لم يهل ّعليّ عند موعد مجيئه المحتمل الى بغداد، غبَ شهرٍ . ولا بعد ذلك، بشهر تلاه . فالتمستُ له العذرَ، وحجّة الغائب معه، كما يقول المثل، خصوصا وان الهواتف النقالة كانت حلما مستحيلا، على العراقيين، يومذاك، ولم يكن لديه، هو، هاتف ارضيّ لأتصل به واستوضح حاله وسبب غيابه . حتى كان يوما، لمحتُ فيه ذلك الشيخ، وهو يمرّ على الرصيف المقابل من الشارع، الذي يطلُ عليه مكتبي، واجلسُ قبالته عبر زجاج المكتب، مُرخياً على وجهه طرفَ غطاءِ رأسه ولائذا ببعضِ المارّة، جاهدا ان يتحاشاني ويتجنب لقائي . ومنذ ذلك اليوم، وحتى الان، لم أرَ الرجل !

تذكرتُ، يومها، ما كان من امر، صديق، آخر، تعرفت عليه، قبل ذلك، ببضع سنين . في ظرف مشابه. وضمن سياق العمل التجاري، نفسه . وقد صدّع رأسي، حينها، بما كان يشغله من امر الخلاف الاسلامي المبكر ووقائعه، حقّه وباطله، شؤونه وشجونه . وحينما ابديتُ، له، رغبتي في الاطلاع على ما يدعّم رأيه وما يذهب اليه من قناعات، هتفَ: الاحتجاج، للطبرسي، سآتيك به !

سألني، بعد فراغي من قراءة الكتاب، بجزئيه، متلهفا، عن رأيي، فقلت: امّا جزأه الاول فما يستند اليه من وقائع، ممكنٌ، غير انها تتطلب بحثا وتقصّيا في مصادر اخرى، مخالفة او محايدة، ليحصحص لديّ او لدى غيري، الحقُ ...

سأل، بذات اللهفة: والثاني؟

قلت: محض هراء، لا يقبله عقلٌ ولا يسنده منطق . فلم يقع لديه، قولي، ذاك، موقعا حسنا، غير انه لم يعّبر عن غيض او تشنج، والحق يقال، وعالج الامر بابتسامة حائرة، وهو يقول: لن يحصحص،عندكم، حقٌ، ابدا !

لم يقاطعني الرجل، وتقبل الامر بروح رياضية، كما اسلفت، ربما،لأن انتقادي تعلق بالاحتجاج والطبرسي، ولو انه تعلق "بنهج البلاغة "، مثلا، وهو كتاب خطب ُتنسبُ الى الامام عليّ، ويُنزلُ، عند الشيعة، بمنزلة "صحيح البخاري"، مثلا، عند السنة، فاغلب الظن انه كان يسلك سلوك صاحبنا الاول، ولربما امتنع عن المرور في الشارع الذي يطل عليه مكتبي، نهائيا !

لقد عادت هذه الوقائع الطريفة الى ذاكرتي، بالأمس، وانا اشاهد الفيديو الخاص برجل دين معمم يدعى بآية الله (صباح شّبر)، على الفيس بوك، وما تحدّثً به من حديث، يطابق في مضامينه وجوهره دعوة "داعش" وما يستند اليه نهجها من مسوغات وافكار، وأقرأُ بعضَ الردود التي تلقاها احدهم،على صفحته، وهو ينتقد مضامين كلام شبرّ. في ان انتقاده يمكن ان يوهنّ امر المذهب ويعزز جانب اعداءه وناقديه، بل وتساءل اكثر من واحد، من اصدقاءه، عمّا اذا كان مؤهلا لمثل هذا الانتقاد، وفيما اذا كان يقّدر خطورة ما يتطاول به على رجل يعتبر حجّة، وكيف تبلغ به الجرأة ان يفعل ولمصلحة من ْ يفعل؟! رغم ان الافكار والدعاوى التي اطلقها الرجل، موضوع الانتقاد، والممارسات التي حثّ عليها بشأن المخالفين، دينيا، كانت هي نفسها، عينا بعين، تلك التي تتبناها "داعش" و"القاعدة"، قبلها، وتستند الى مضمونها الوهابية في لعن وتكفير الاخرين والدعوة الى استئصالهم وهو ما ينكره، ويدينه،هذا المعمم وانصاره الذين تصدوا لمن انتقده، ويصفونه بانه بعيد عن روح الاسلام ومعادي لجوهره !

أن العقيدة تعني الاتبّاع والتسليم، والتقولب في شخصية نمطية، تحدد لك مسبقا، ليس الخطأ والصواب . ما يجوز وما لا يجوز . اصدقائك واعدائك، بل، وتقرر سلفا، كذلك، ردود افعالك وحدود اسئلتك، وأطر تفكيرك . ان هذه هي السّوية التي تصوغها الجماعة الدينية او المذهبية بل وحتى الحزبية، واي تساؤل او شك او تردد او نقد هو من فعل ابليس . ان الاتبّاع طريق الرحمن .اما الابتداع فهو سبيل الشيطان . ولذلك، فان حراس العقيدة، اية عقيدة، وفي كل زمان ومكان، يعادون العقل، مصدر الاسئلة ومنبع الشكوك، ويجدون فيه عدوا لَعيّنْ . ان السوّية، عندهم، هي ان تقول ما يقولون، وتفكر كما يفكرون، وتسلك كما يسلكون، وهذه، ذاتها،هي الروح او طريقة التفكير البدائية ونمط فهم علاقة الانسان بالكون وبالآخر كما عرفتها الجماعات البدائية التي كانت ترى نفسها، كخلقة وعادات وسلوك، هي الانسان السويّ، هي ملة الله المختارة، امّا ما عداها فينتسب الى الشيطان . وقد وجدتْ هذه الفكرة تجسيدها الديني لدى اليهود حينما آمنوا بانهم شعب الله، المختار، اما بقية البشر من الملل والنحل الاخرى، فهم الغوييم، الأغيار، الاخرون. وتجد هذه الفكرة، انعكاسات اخرى، مماثلة، لدى مختلف الديانات والجماعات، وهي، بالطبع، اساس الاعتقاد بفكرة الفرقة الناجية، الاسلامية، ايضا .

تعني العقائد، كذلك، الثبات والديمومة، والاحكام النهائية والمطلقة، التي تكتسب، بهذه الصفة، قدسية وتُحصّن بتحريم " تابو " وتصبح العقيدة، اية عقيدة، بذلك، هي الصحيح المطلق وهي الخير التام الذي قد لا يعرفه البشر ويقدرونه حق قدره او مصلحتهم فيه، ولذلك تجب هدايتهم اليه وحملهم، بالإكراه، ان لزم الامر، على جادته !

ان هذا الامر لم يقتصر على العقائد الدينية بل تعداه الى العقائد الدنيوية السياسية والاجتماعية، كذلك، وعاشت الانسانية، في مختلف ارجاء المعمورة امثلة مروّعة عليه . وقد استندت معظم الانظمة الطغيانية (الشمولية) اليه كحجر زاوية في الرؤى والفعل والنتائج . حتى ان نظرية ثورية ونقدية، في جوهرها، تستند، اساسا، الى منطق الحركة الدائبة والتبدل المستمر، كالماركسية، اضحتْ، على يد ّ كهنوتها الخاص، عقيدة هي الاخرى، وامسى لها حراسها الذين يحرصون على الاتبّاع ويتطيرون من اية مخالفة او ابتداع !

ان صديقيَّ الاولين، اعني، شيخ الجامع، الذي تطيّر من رؤياي وصداقتي لمجرد السؤال فيما طلب اليّ، اصلا، ان اقرأه واتفاعل معه واسأل ما يبدو لي بشأنه . وأخاه، صاحب الطبرسي الذي ابدى الموقف نفسه،للأسباب ذاتها، وان اختلف اللون، لم يكونا، ولن يكونا،الوحيدين . ولم يكن موقفهما وقفا عليهما، كمتحمسين دينيين او مذهبيين، وانما وجدتُ،ما يشبه ذلك،وقد يزيد عليه، قليلا، عند بعض من دعوا انفسهم علميين وعلمانيين او حتى، بوضوح اكثر، شيوعيين . فقد كتبتُ قبل عقد، تقريبا، بضعة مقالات، انتقادية، لمواقف وسياسات الحزب الشيوعي ونتائجها، عبر بضعة عقود، ولم اتوجه بالنقد، الى الاشخاص والاسماء، وانما الى الافكار والبرامج والسياسات، كما كان دأبي دائما، وكما هي قناعتي اساسا، فأمر الفشل المتكرر والخلل الاستراتيجي، لا يتعلق بشخصية فلان أوخيانة علان او دناءة ثالث، او خطل رابع، انما يتعلق،اساسا،بالمنهج والرؤية والممارسة التي تنبع عنهما وترتبط بهما. فلقيت، على ايدي بعض حراس العقيدة وجمهورها، هنا،ما لقيت على ايدي " اخويهم " السابقين من ردود افعال وشكوك، فانبرى لي بعضهم بالتحذير والتشكيك وبعث اليّ البعض الآخر بالسؤال الشيوعي العراقي الخالد، منذ الخمسينات، والذي ينتصب بوجه كل تساؤل او دعوة للمراجعة والتقويم: لماذا في هذا الوقت بالذات (وهو وقت هجمة معادية، دائما وابدا) ولمصلحة من (وهناك دائما، في رأس كل عقيدة، اعداء ومتربصين)؟ والمعنى المؤكد، لذلك، ان الوقت، للنقد والمراجعة، الحقيقية والجادة، سوف لن يأتي ابدا، حتى يرث الله الارض ومن عليها.

ان كل بنية فكرية او ايديولوجية او سياسية، تتعزز بمصلحة اجتماعية، يراد لها الثبات والاستمرار، حتى وان بدأت نقدية وثورية، ومن خلال نشأت كهنوتها وحراسها الخاصين، سوف تنتهي الى الجمود والتقوقع، وقد تلتقي، من حيث تعلم او لا تعلم، بما نهضت على انتقاده وجاءت لتثويره، بل وقد تجد نفسها في موقع الدفاع عن اعداءها وايديولوجياتهم، كما وجدنا السيد (صباح شبرّ) وانصاره يفعلون. لقد حلّ اسلام الإتبّاع والخضوع والتسليم، منذ وقت طويل، محل اسلام الثورة على الاساطير والاصنام والتساؤل المستمر والبحث الدائب، اسلام: " الاّ يتفكرون " و " افلا يعقلون " و " افلا يتدبرون " وهذا معنى ما كان يشير اليه النبي وهو يرى ارهاصات التبدل والجمود، اواخر ايام حياته، حينما قال ان الاسلام سيعود غريبا كما بدأ. وهذا الامر لايخص الاسلام،بالطبع، انما ينسحب على كل فكرة او ثورة تتحول الى عقيدة، فماركسية الثورة والانسان والتحرر العقلي والنقد الدائب والتجدد المستمر، ماركسية الابداع، كما قدمنا، قد اخلت الميدان، هي الاخرى،ومنذ زمن طويل، لماركسية التسليم والانقياد والاتبّاع . وسواء تعلق الامر بالدين او المذهب او النظرية السياسية، فلا محك أسنّ من محك العقل ولا موقفا افضل من موقف التساؤل والبحث، ولا افق اوسع من افق التفاعل بالأخذ والعطاء.

 

عارف معروف

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3431 المصادف: 2016-01-26 23:17:32


Share on Myspace