المثقف - قضايا

صناعة السلام

mohamad ghaniيتفنن الانسان تطوير كل ما توصل اليه العلم الحديث دون دراسة للعواقب. فما معنى هذا الزعم؟ نقصد بذلك أن التقانة العصرية رغم ما وصلت اليه من تقدم هائل ومبهر في نفس الوقت، هل يتماشى ذلك مع حاجيات الانسان المستقبلية الحقيقة، لا المتوهمة؟ وكيف للإنسان أن يعرف حاجياته المستقبلية الحقيقة اذا لم يكن يعرف حتى حقيقة ذاته وسياقها في هذا الوجود؟

يذهب المفكر الكبير ألكسيس كارليل في كتابه الانسان ذلك المجهول الى أن "الحضارة العصرية تجد نفسها في موقف صعب لأنها لا تلائمنا، فقد أنشئت من غير معرفة حقيقية بطبيعتنا، إذ أنها تولدت من خيالات الاكتشافات العلمية وشهوات الناس وأوهامهم ونظرياتهم ورغباتهم، وبالرغم أنها أنشئت بجهودنا فإنها غير صالحة بالنسبة لحجمنا وشكلنا"1.

في هذا السياق يتساءل الدكتور طه عبد الرحمن في كتابه سؤال الأخلال بتعجب كبير”ما أشد غفلة الانسان الحديث، حتى كأنه على ظاهر تقدمه العلمي والتقني الهائل انسان جهول ؟ ألا ترى كيف أنه يقدم قليل النفع على كثيره، إن لم يقدم صريح الضرر على صحيح النفع كما يفعل الجهلة من الخلق؟ وهل في الضرر أسوأ من أن يدعو الى حقوق وحظوظ تخرجه من رتبة الانسانية وتنزل به الى درك البهيمية، محتجا في ذلك أنه يتبع طريق العقلانية الواضح الذي هو وحده عنوان الانسانية؟ لكن لو كان ما يدعيه هذا الانسان صحيحا، فيا ترى كيف بالطريق العقلاني الذي يتبعه يفضي به الى نقيض مقصوده؟”2.

و هكذا فبحسب هذين الهرمين الكبيرين في الفكر والثقافة فإن العلم يتطور اعتباطيا حتى دون معرفة العواقب الوخيمة التي قد تؤدي به الى الافساد في الأرض "سفك الدماء" الذي تنبأ به الملائكة منذ الأزل حتى قبل خلق أبيه آدم عليه السلام، فإن كان الأمر كذلك فلم خلق الله الانسان بالرغم من علمه بالتناحر والتطاحن الذي قد يقع بين بني جنسه؟

يجيب الحق سبحانه الملائكة بأنه قد علم آدم الاسماء كلها، من ذلك يظهر لكل متدبر أن الاسماء كلها هي مفتاح الوصول الى السلم والهروب من التطاحن فأي أسماء هاته التي ستقينا ويلات الحروب وشرور سفك الدماء؟

إذا رجعنا الى كتب التفسير ستحيلنا المصادر الى أن المقصود من مصطلح الأسماء في الآية الكريمة أسماء الأشياء كالحمامة والغراب والسماء والأرض والصحفة والقدر إلا أننا نرى أنه إذا رجعنا لسياق الآية الكريمة حتى نفهم المراد سنجد أن السياق كان هو الجواب على إنكار الملائكة على الحق سبحانه خلق آدم الذي سيفسد في الأرض، وهو سياق أخلاقي بالدرجة الأولى مما ساقنا الى استنتاج نجده في غاية الأهمية وهو أن الله سبحانه وتعالى لكي يبرهن على أفضلية آدم على الملائكة علمه أسماء الاشياء كلها وحاشاه عز وجل أن ينسى أسماء الأشياء المعنوية، فإن كان علمه أسماء الأشياء الحسية كالسماء والأرض والحمامة والغراب وغيرها فقد علمه أيضا نسق القيم الأخلاقية من كرم وعدل وإيثار وحلم وأناة وغيرها.

إن صناعة السلام في عصرنا الراهن تجد راهنيتها من حاجة الانسان الملحة الى روح لهاته التقانة وقلب لهاته العولمة، لا أن يعيش وسط تقانة جوفاء وعولمة خواء، بمعنى أن تخليق وبناء الانسان هو سبيل تلجيم التقانة وتوجيهها لمصلحة الانسانية لا لمصلحة كل دولة على حدة، ذلك أن صراع الانسانية فيما بينها صراع مصالح بالدرجة الأولى ولن تجد الانسانية السلم الا ببناء الانسان فردا فردا، فإن تم ذلك وصل الى تخليق الدول وتلجيم جموح ركوب خيول المصالح بلجام القيم الأخلاقية الكونية المبثوثة أصلا في "الذاكرة الأصلية للإنسان" والتي يقصد بها د طه عبد الرحمن في كتابه الجميل "روح الدين" الفطرة، والفطرة في نظرنا هي الأخلاق والمبادئ والأسماء كلها التى علمها الله الانسان في الأزل.

ان الرجوع الى الذاكرة الروحية للإنسان هو سبيل تحقيق السلم داخل الانسان فإن تحقق السلم الداخلي الفردي تحقق بالضرورة السلم الجمعي، ويحضرنا في هذا السياق حكمة عظيمة لمايدلر دليست نورمان حيث أبدع قائلا "عندما تجد السلام في داخل نفسك، تصبح شخصا من النوع الذي يمكن أن يعيش في سلام مع الآخرين.3."، ذلك أن الانسانية في نظرنا مثل الجسد الواحد على كل أن يعرف دوره في هذا الجسد حتى يعيش هذا الأخير في صحة جيدة، ولا يتم ذلك الا بالعروج الروحي والفكري لفهم الظاهرة الانسانية فإن تم ذلك عاش الجسد الكوني الانساني وتناغم وصحة وفي هذا المضمار نسوق حكمة أخرى مفكر علم الاجتماع جوستون بوتول الذي قال لا فض فوه : "السلم شيء سريع العطب تماما مثل الصحة، فهو بحاجة الى كثير من الظروف الملائمة والارادات الحسنة المتظافرة.4.

 

د محمد غاني، أكاديمي وباحث في الأكسيولوجيا والديونطولوجيا

...................

1، انظر ألكسيس كارليل، الانسان ذلك المجهول ص 27.

2، انظر طه عبد الرحمن، سؤال الأخلاق، ص13.

3،انظر موقع أهم العناوين.

4، انظر موقع قبس.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3437 المصادف: 2016-02-02 01:24:22


Share on Myspace