المثقف - قضايا

رؤوس في بحر الرمال

hasan zayedيبدو أن الدعوة إلي تجديد الخطاب الديني، حتي ولو كانت صادرة عن رئيس الجمهورية، لا تجد في نفوس المخاطبين بها صدي . لأنها لو وجدت في دواخل النفوس صدي، لتحركت علي إثره العقول والجوارح، ولوجدنا للمسير في هذا الدرب من أثر . وهي دعوة واضحة المعالم، إذ أن التجديد يكون من حيث الشكل، ومن حيث المضمون . فالتجديد في الشكل يكون باستعمال اللغة المناسبة لهذا العصر، وهي اللغة السهلة الميسرة، التي لا تنال من المضمون، وذلك دون تقعر، ودون تفلت . والتجديد في المضمون يكون من حيث مراعاة متطلبات العصر، وروح البيئة المحيطة . والتخلص من الزوائد الفقهية التي لم يعد لها وجود في الواقع من ناحية، والإجتهادات الخاطئة لبعض الفقهاء من ناحية أخري، مع تصحيح المفاهيم الفقهية علي ضوء الإكتشافات العلمية المعاصرة . والتوسع في فقه المعاملات ـ الضحل ـ علي نحو يجاري فيضانات فقه العبادات، إلي حد جعل العبادات في جانب، والسلوك والمعاملة في جانب آخر . كل ذلك دون المساس بأصول الدين وقواعده . وذلك يتطلب بالضرورة تغييراً في المناهج الدراسية المقررة، كما يتطلب أيضاً تغييراً في مناهج التأليف في العلوم الشرعية . ولا أظن أن وراء تلك الدعوة أكثر من ذلك، والهدف منها نبيل وواضح . هذا عن التجديد في الجانب الذي بين أيدينا، أما الجانب الخفي، والوجه الآخر للتجديد، فيتمثل في مواجهة ما في أيدي الغير من بضاعة يُروج لها، ويعمل بها تحت راية الدين، ويخرجها من بين طيات عباءته باعتبارها ديناً، وهي ليست كذلك . وهي بضاعة لا يستهان بها، بحكم ما لها من تأثير جارف علي مسالك الشباب، لأنها في ظل الخطاب الديني الحالي غير المستساغ، وغير المهضوم، لا تجد سوي فراغاً طاغياً في النفوس، إن لم يشغله الحق، شغله الباطل . ومن هنا كانت حتمية المواجهة لهذا الجانب الخفي من الفكر الديني الموازي بالتفنيد والنقد والنقض طالما أن وجهة نظرنا فيه كذلك، وإلا سلمنا بصحته، ورضينا بما يفضي إليه من نتائج كارثية علي نحو ما نري ونشاهد . فإن كان ذلك كذلك فلا أقل من أن نمتلك شجاعة المواجهة بدلاً من دفن رؤوسنا في الرمال، لأن الرمال التي نسبح فيها رمال متحركة لا تكتفي منا بدفن الرؤوس، وإنما تبتلع الرؤوس والأجساد جميعاً . وشجاعة المواجهة لا تقتصر علي طرف دون آخر . فإن كانت الجماعات الإرهابية المتطرفة هي التي علي الحق، وأن المجتمع هو من به الخلل والإنحراف والضلال، فلنواجه المجتمع بذلك، وندعوه إن أراد الدين أن يتغير وفقاً لمتطلباته . وإن كانت هذه الجماعات الإرهابية المتطرفة علي الباطل، والمجتمع علي الحق المبين، فلنواجه هذه الجماعات وما يصدرعنها من فعل أو قول أو عمل، بالنقد والنقض والتفنيد، بلا مواربة ولا وجل . ولتترصد المؤسسات العلمية المعتبرة لهذه الجماعات كل مرصد، ولا تترك منها شاردة ولا واردة، إلا أتت عليها، وجعلتها كالرميم، فلا تقوم لها داخل النفوس أو العقول قائمة، ويبقي نبع الدين صافياً بلا كدر ولا عكارة، ولا شوائب عالقة . وتجديد الخطاب الديني وخطاب المواجهة لابد أن يتلازما سوياً تلازم الوجود والعدم، حتي تؤتي الثمار المرجوة، والغاية المبتغاة . وهذا الأمر لم يعد ترفاً، من قبيل النزهة العقلية أو الرياضة الذهنية . كما أنه لم يعد اختياراً، يدعه المرء أو يأتيه، وإنما أصبح حتمية ضرورة، ولزومية وجود، إذ دونه الطوفان . خاصة وأن الجانب الآخر الخفي أصبح له مراجع وكتب ومذكرات في العقيدة والفقه والتاريخ، ولديه من يعتبرهم علماء وفقهاء ومشايخ وشهداء وأسري، ولديهم خطط وتنظيمات وتنسيقات وتوجيهات علي أرض الواقع وفقاً لمرجعياتهم الإرهابية المتطرفة . وجمهورهم ممن لا يتفاعلون مع الخطاب الديني بصورته المتحفية الحالية، ويعانون فراغاً عقائدياً وفكرياً ونفسياً ضاغطاً، وفي انتظار من يملأ هذا الفراغ . فهل لدينا الكوادر العلمية القادرة علي استيعاب التراث الفقهي عقلاً ـ وليس نقلاً ـ وهضمه وإعادة صياغته باجتهادات تلائم العصر، وتقديمه زاداً روحياً وافياً كافياً للمجتمع المسلم المعاصر، المتعطش أن يحيا عصره في دينه، وأن يحيا دينه في عصره، بلا خصومة، ولا فصام، ولا غربة ؟ . وهل لدينا الكوادر العلمية القادرة علي دراسة ما ينتجه الآخر، وما أنتجه ليس بالقليل، وتعكف علي غربلته، وتفنيده، وبيان بطلانه وضلاله وجهالته، وإعلان ذلك في بيان للناس لا لبس فيه ولا غموض ولا التفاف . ولا يبقي لنا من الدين سوي المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك . هل إلي ذلك من سبيل؟.

 

حــســــــن زايـــــــــد

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3450 المصادف: 2016-02-15 00:57:26