المثقف - قضايا

واقع لم يسعف حلمه الكبير

akram othemanكان (محمد) منذ نعومه أظفاره يتمتع بالطموح الكبير والهمة العالية، راودته أحلام وأمنيات، جل تفكيره انصب في رؤيته لمستقبله وحياته، يقول عن نفسه "كانت أمنيتي في الثانوية العامة أن أحصل على معدل في التسعينات، لكن لم يحالفني الحظ فحصلت على معدل " 87"، هذا لا يعني أن الحياة قد انتهت، وأن الطريق أصبح مسدود، فقررت أن أكمل دراستي الجامعية .

كان يحدث أصحابه وزملائه عن قدراته ورغبته في أن يكون محاسباً،،، لكي يطور نفسه ويخدم وطنه من خلال التعليم الجامعي الذي سوف يتلقاه،،، كان سعيداً عندما دخل الجامعة وتخصص في هذا القسم،،، فاجتهد حتى تخرج منها، ظن ما إن يتخرج فإذا كل الأبواب تستقبله بالورود والرياحين،،، أبواب الوزارات والمؤسسات الأهلية والخاصة مفتوحة له ولزملائه من الخريجين،،، كيف لا وهو خريج يحمل شهادة البكالوريس،،، فقد كان الخريج في الزمن الجميل ما إن يصبح في السنة الثالثة إلا والعديد من المؤسسات تتهافت نحوه وتحفزه أن يكون أحد أفرادها وموظفيها،،،، فأشار وهو يتنهد" لم أكن أتوقع بعد هذا العناء أن تقفل الأبواب، وأن أعمل هنا وهناك حتى استطيع العيش، نأسف أن نقول كلمة " أنتظر دورك "،،، هذا ما جعلني أن أبحث عن عمل، لأعيش بكرامة، لأن الدور لن يأتي إلا بعد أن يكون عمري فوق " 35" عاماً، أما اليوم فمحمد ومن تبعه من هذا الجيل يختلف عن سابقه،،، محمد يا سادة يعمل في مطعم للفلافل، يتقاضى ( 1200) شيقل شهرياً، كغيره من الخريجين أمثاله، ولربما أن حظوظ محمد أفضل من غيره من الزملاء والخريجين مع كل التقدير والاحترام للعمل الذي يقوم به،،، فهل يكفي هذا الراتب للمصروف الشخصي وتدبير الحال، أم لبناء مستقبل وردي يطمح به في ظل الغلاء وارتفاع الأسعار التي فاق ارتفاعها الدول الغربية والخليجية صاحبة الرواتب الخيالية والرفاهية التي لا تخطر على بال أحد.

يقول " كانت أمنيتي أن أكون محاسباً في شركة أو بنك، لكي أترجم المقولة المشهورة عملياً " من جد وجد "،،،، لكن بعد عناء الانتظار والصبر أقول " من جد لا يجد عمل يناسبه ويشبع طموحه والأماني التي كان يعقد عليها مر سنين الدراسة وسهر لياليها " .

لذا يعتبر موضوع البطالة من أهم المواضيع الاقتصادية والاجتماعية لأي دولة، ومن أكثرها خطورة، فكلما زاد عدد العاطلين عن العمل زادت خسائر الاقتصاد الوطني لأي دولة، وتزداد أهميه هذه الظاهرة في الدول النامية. حيث يوجد هناك 16 مليون شاب عاطل عن العمل في المجتمعات العربية حسب مؤتمر دافوس الاقتصادي، ويتوقع أن يصل هذا الرقم إلى 80 مليون شاب عربي في العام 2013م. (www.arabia-edition.blogspot.com).

في هذا السياق يقول " منذر صلاحات " رئيس قسم البيانات في وزارة التعليم العالي أن عدد الخريجين المتوقع تخرجهم من الجامعات الفلسطينية 37 ألف طالب وطالبة،،، ويوضح مدير عام التشغيل في وزارة العمل في رام الله سامر سلامة أن قدرة القطاع العام والخاص والأهلي على تجنيد الشباب الخريجين وغير الخريجين وتشغيلهم لا يتجاوز 15 ألف فرصة عمل سنوياً، بينما عدد الوافدين لسوق العمل تجاوز 40 الف مستثنياً من يعملون لدى أهاليهم وبنظام المياومة،،، ,إن القطاع الحكومي بعيداً عن التربية والتعليم لم يوظف إلا أعداداً قليلة خلال السنتين الأخيرتين، وأن القطاع الخاص يعتبر المشغل الأول والرئيسي في فلسطين (مجلة الاقتصادي، 3/2015)

تعالوا بنا نتعرف على نسب بطالة الخريجين في المجتمع الفلسطيني،،، " فقد بلغت نسبتهم من حملة المؤهلات العلمية 33.3% في الربع الأول من العام 2014 بزيادة ملحوظة عن النسبة في الربع السابق 31.3%، للأفراد الخريجين الذين يحملون مؤهلاً علمياً حسب التخصص خلال الفترة ما بين نهاية 2012 وبداية 2014 (معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني- ماس , 2014)

في حين ذكرت بوابة اقتصاد فلسطين عن جهاز الإحصاء المركز إن أعلى نسبة بطالة بين خريجي مؤسسات التعليم العالي هي لحملة دبلوم متوسط أو بكالوريوس في تخصصات العلوم التربوية وإعداد المعلمين، إذ تصل نسبة البطالة بينهم إلى 72.7 %.( 2015)

 

بدون شك أن لهذه البطالة أسباباً في مجتمعنا،،، كما ذكرتها ورقة عمل بطالة الخريجين والحلول المقترحة، للباحث سعيد محمد شطا، (الاحتلال الإسرائيلي وسياسة طرد العمال من عملهم الذي كانوا يعملون به في الأراضي الفلسطينية التي احتلت في العام 1948م، اختلال العلاقة بين مخرجات التعليم العالي واحتياجات سوق العمل.سياسة التوظيف المتبعة، عجز سوق العمل عن استيعاب الخريجين، إنشاء العديد من الجامعات والمعاهد التي تقدم تخصصات إما متكررة أو لا يحتاج لها سوق العمل، قصور المعلومات عن سوق العمل، عدم الاستخدام الرشيد للموارد المتاحة، نظرة القصور التي ينظر إليها المجتمع لأصحاب الأعمال الحرفية والميل نحو التعليم الأكاديمي والوظائف الحكومية، غياب روح التكافل الاجتماعي أي الافتقار لروح التواد والتراحم والتعاطف التي دعا إليها الإسلام أي أن ارتفاع نسبة البطالة في المجتمع الفلسطيني لا يشغل بال رجال الأعمال أو أصحاب رؤوس الأموال،،، بالإضافة أن هناك أسباب أخرى من وجهة نظر العاطلين عن العمل من الخريجين

منها قلة الطلب على التخصص فقد بلغت 93.6% في الضفة الغربية و75.4% في قطاع غزة ومن أسبابها افتقار التنسيق بين البرامج التي تدرسها الجامعات والمعاهد وسوق العمل. والافتقار لرأسمال لفتح مشاريع خاصة حيث بلغت 65.3% في الضفة و64.6% في قطاع غزة (بسبب عدم تحمل رجال الأعمال والمؤسسات المالية لمسئوليتها تجاههم) ومن تم محدودية العلاقات الشخصية بنسبة 52% في الضفة الغربية و53.1 في قطاع غزة (التي أسهم تفشي الواسطة والمحسوبية في المجتمع الفلسطيني إلى الحاجة إليها عند بحث العاطلين عن العمل على عمل يناسبهم).

السؤال الذي يدفعنا لإنقاذ جيل محمد وزملائه من الخريجين والذين سيأتون من بعده،،، وتزداد نسب البطالة بينهم، لذا حتماً علينا كمؤسسات حكومية وأهلية وخاصة وكأفراد أن نفكر في حلول لتوفير القدرة الاستيعابية لهذا الجيل لتوظيف واستثمار قدراته وطاقاته الشبابية والعلمية التخصصية، حتى لا يتحول إلى معول هدم بعد أن قمنا بتعليمه وأوصلناه إلى أن يشق حياته ويبني مستقبله ووطنه،،، دعونا نتعرف على أراء الخبراء وأصحاب التخصص،،، فقد أشار من جانبه مستشار الرئيس الفلسطيني للشؤون الاقتصادية، محمد مصطفى، البطالة بالقنبلة الموقوتة في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، نظراً للتبعات الناتجة عن جلوس مئات آلاف الشباب بدون عمل وإنتاج.وقال في كلمة له في ورشة عمل اقتصادية، عقدت في مدينة رام الله :" البطالة واحدة من القضايا التي تؤرق الاقتصاد الفلسطيني، لذا يتوجب خلق اقتصاد مستقل بعيد عن التبعية الإسرائيلية، وهذا من شأنه أن يخفض من أرقام العاطلين عن العمل، و أكد الباحث في الشأن الاقتصادي أمين أبو عيشة على أن تلك الأزمة بحاجة لحلول عاجلة، أهمها إنهاء الانقسام السياسي ورفع الحصار المفروض على غزة. مع مطالبة وزارة التربية والتعليم بضرورة رقابة الجامعات، وتحديد نسبة موحدة في كل الجامعات لقبول الطلبة في التخصصات، إضافة إلى توعية الطلبة والمواطنين باحتياجات سوق العمل قبل اختيار التخصص. ودعا إلى تشجيع التخصصات التقنية والمهنية، بدلا من الأكاديمية، نظراً لاحتياج سوق العمل إلى تلك التخصصات. أما عودة فإنه اقترح إيجاد فرص عمل للخريجين في الدول العربية الأخرى، مستدركاً "أن يكون السفر للعمل فقط وليس للهجرة".

وأشار أمير تركماني بورقة عمل حول "دور المؤسسات الوسيطة والداعمة"، المؤتمر الوطني للبحث العلمي والتطوير التقني، دمشق، سوريا، 24-26 أيار 2006م، لقد تم إنشاء حاضنات الأعمال المرتبطة بالجامعة (أو ما يسمى بحاضنات الأعمال الجامعية) قصد خلق دور جديد وحساس لها يسهم في التنمية الاقتصادية، فعلاوة عن الأدوار التقليدية للجامعة (التعليم العالي، البحث العلمي،...)، فقد تقوم الجامعة بتوفير فرص استثمارية وتشغيلية لمخرجاتها النهائية وعلى رأسها البحث العلمي عن طريق هذا النوع من الحاضنات.

 كما أن الهدف من هذا النوع هو "تبني" المبدعين والمبتكرين وتحويل أفكارهم ومشاريعهم من مجرد نموذج مخبري إلى الإنتاج والاستثمار، من خلال توفير الخدمات والدعم والمساعدة العملية للمبتكرين في سبيل الحصول على المنتج الذي يخلق قيمة مضافة في اقتصاد السوق، وذلك من خلال:

-  احتضان الأفكار المبدعة والمتميزة للشباب والشابات.

-  توليد فرص عمل للشباب والشابات.

-  المساهمة في توفير الفرص المستمرة للتطوير الذاتي.

-  المساهمة في صنع المجتمع المعرفي المعلوماتي.

-  القضاء على مسببات هجرة الأدمغة.

-  ضمان الاستفادة الفعالة من الموارد البشرية الخلاقة.

-  تسويق المخرجات العلمية والتقنية المبتكرة.

آمل أن تسهم وزاراتنا ومؤسساتنا على اختلاف قطاعاتها في توفير فرص عمل للشباب الفلسطيني، فهذا المجتمع فتي وتدب فيه الروح ولديه من العقول والأدمغة الذكية والعبقرية،،، شباب يسطر ملاحم العزة والكرامة،،، يستطع لو أتيحت له الفرصة والعمل بما يتناسب مع تخصصه وقدراته ورغباته أن يبني وطن ويرتقي به إلى سلم الرقي والحضارة،،، بدل أن يترك وطنه ويهجره إلى دول تحترم الطاقات والعقول، وتنتشر لدينا الظواهر الاجتماعية السلبية، ويبقى مجتمعنا عالة على غيره وينتظر المزيد من الدعم والصدقة، ونتجمد في مكاننا دون حراك أو تطور . دمتم سالمين

 

كتبه: د. أكرم عثمان   

مستشار وخبير دولي في التنمية البشرية 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3461 المصادف: 2016-02-26 00:16:19