المثقف - قضايا

المهمة التحضيرية الفرنسية في الجزائر عنوان مزيف لسياسات وممارسات استعمارية همجية ووحشية (2)

وما دامت هذه هي عقيدتهم فعلينا أن نتساءل عن الأدوات التي سوف تمدن بها فرنسا الشعب الجزائري، والتي تم ذكرها في الفقرة المقتبسة أعلاه فهي تتمثل في نشر الرعب وإبادة الجزائريين وهذا عبر استخدام الحديد والنار ونشر مختلف السموم والرذائل كالخمر والدعارة ونشر الفوضى والعداوة بين مختلف فئات الشعب الجزائري وضرب هذا بذاك في إطار سياسة فرق تسد . والقائمة طويلة وفي كل مرة تبتكر فرنسا الاستعمارية وسيلة جديدة لتضمن بها قهرنا واستمرار وجودها في الجزائر . وهنا من حقنا أن نتساءل أهذه هي حقا أدوات التحضير والتمدين؟ وهل هذه هي حقا خطة عمل وخارطة طريق لدولة محترمة تريد نشر المدنية بدل البربرية المزعومة؟ أم أنها خطط لعصابة من القتلة ومن المجرمين ومن الأشرار ومن المفسدين كحال عصابة على بابا واللصوص الأربعين؟ . إننا كلنا نعلم بأن أدوات الحضارة والتمدين لهي الجامعات ومراكز البحث العلمي والمدارس وبمختلف أطوارها والمسارح والمتاحف ودور الثقافة والمنتزهات والمشافي ومختلف المراكز الترفيهية ووسائل الإعلام المختلفة . فهل كان الجزائري يعرف كل هذه الأمور أم أنه لم يعرف من فرنسا سوى حارس الغابات والدركي وموظف الضرائب كما مر أعلاه . وأين المساكن اللائقة بالبشر ألم نكن نسكن في أكواخ وكهوف العصر الحجري . وهذا بشهادة الفرنسيين أنفسهم وأن الثكنة العسكرية كانت بمثابة القصر للجزائري للأهلي المجند لا لشيء سوى لأنه فيها كان ينام على سرير ويأكل حتى يشبع  30 . وما كان هذا ليحدث لو لا أن الاستعمار هو من قذف بنا في جحيم الفقر والتخلف وبمختلف أبعاده وفي الجهالة وبمختلف مظاهرها؟ . 

ومن جهة أخرى يخبرنا فرحات عباس في كتابه الشباب المسلم بأن الكذب والسرقة والخيانة لم تكن معروفة في الجزائر قبل الغزو الفرنسي لها 31 . مع تحفظنا بعض الشيء على حكمه هذا فلا يمكن التعميم ذلك أنه لا يخلو أي مجتمع من هذه الظواهر السلبية فلسنا ملائكة أو أننا كنا نعيش في المدينة الفاضلة . ولكننا معه وهذا حينما يخبرنا بأن هذه الظواهر قد تفشت بين صفوف الجزائريين كنتيجة مباشرة لسياسة التفقير الممنهجة والتي تبنتها فرنسا في الجزائر . ونفس الأمر مع انتشار الدعارة بين بعض الجزائريين والجزائريات ولنفس السبب السابق ذكره وهذا ما يصادفنا في كتاب عباس فرحات الشباب المسلم الصفحة 153 منه . حيث يخبرنا صاحبه بانتشار هذه الظاهرة السلبية بين الجزائريات في محاولة منهم للحفاظ على الذات ذلك أن المستعمر قد أغلق كل أبواب الرزق أمام أبناء الشعب  الجزائري . ونفس الأمر حدث مع فئة الخطاطين والذين كانوا يسترزقون من هذه المهنة فلما دخل المستعمر الفرنسي أغلق المدارس الجزائرية وشرد هؤلاء الخطاطين فأصبحوا بعمله هذا عاطلين عن العمل ودفعتهم البطالة إلى احتراف ظاهرة التسول لكسب رزقهم 32 . ثم عمل الاستعمار على نشر الخمور بين الجزائريين ليضمن ازدهاره الاقتصادي وتخدير الجزائريين وتحطيمهم حيث يخبرنا عباس فرحات بأن فتح حانة في العهد الاستعماري أسهل من فتح مدرسة 33 . وأيهما هي وسيلة تمدين الجزائريين الحانة أم المدرسة؟ . وأيهما ستقذف بهم في أتون الجهل والجهالة وتدمرهم المدرسة أم الحانة؟ وهذه هي المدنية في نظر هؤلاء الغزاة ولعل أقصى ما يمكن أن يفتخر به الفرنسيون اليوم هي تلك الفتوحات الحضارية العظيمة والتي ادخلوها إلى الجزائر وعلى رأسها : " الكاباريهات ومحافل الماسونية والمراقص والكحوليات " 34  .

إن التمدين وكما هو معلوم للجميع يكون ببناء الخزانات المائية وبتعبيد الطرق وبناء موانئ عظيمة الشأن وسكك حديدية ومدّ الخيوط الكهربائية وتشييد كليات ومدارس مهنية 35 . نعم لقد بنوا في الجزائر ما سبق ذكره ولكن أين ولصالح من؟ لقد بنوه وبأموال الجزائريين وبجهدهم ولكن ليس لنا وإنما لهم وفي تجمعاتهم السكانية وفقط . وهذا لكونهم كانوا يضنون بأنهم باقون في الجزائر وإلى الأبد . تماما كما بني البيض في جنوب إفريقيا المدن وعمروا المناطق الحضرية ولكنها كانت محظورة على السود أهل البلد وكذلك الحال مع كل ما من شأنه أن يؤدي إلى التحضير في الجزائر . فالصناعة القاعدية مثلا : " كانت شبه معدومة بل هي معدومة بالفعل قبل الحرب العالمية الثانية ما دام لا يصنع في الجزائر مسمار واحد 36 . وفي مقابل هذا فالجزائري لا يعرف من فرنسا التي ادعت بأنها قد جاءت لتمدينه سوى القهر والإذلال والقتل والتشريد والتجويع والتجهيل والتفقير بعيدا عن كل ما من شأنه أن يمدنه . بل عاش الشعب الجزائري كل أيام حياته على الهامش . وحولته فرنسا الاستعمارية إلى مجموعات من الجهلة بحكم قانون الغالب والمغلوب والذي يوجب أن يبقي الأول هو السيد والثاني هو الخادم المطيع له، وليس أن يصبحا على قدم المساواة يتمتعون بنفس الحقوق والواجبات وهم قد كانوا يرون بأن : " وضع الفرنسيين اليوم بالجزائر شبيه بوضع الإفـرنج في غاليا القديمة : جـنس غالب يفرض هيمنته على الجنـس المغلـوب، هناك إذا أسياد و رعـايا، أصحاب الامتيازات و أناس لا امتيازات  لهم، فلا محـل هناك للمساواة " 37 . ولذلك فقد عملوا على استثناء الجزائريين من حقهم في التعليم وهذا وفق ما جاء في مشروع جول فيري والخاص بمجانية وإجبارية التعليم في الجزائر في العامين 1881 و 1882 . ذلك أن القوانين التي وضعتها فرنسا في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين لم تكن موضوعة حسبهم لجنس من أمثالنا فنحن في نظرهم بشر دون البشر . ولذلك فقد كانوا يعارضون أي إجراء ذي فائدة اجتماعية تقوم به فرنسا لصالح الجزائريين كما فعلوا مع قانون تعليم الجزائريين بالرغم من أن هذا التعليم كان فرنسيا بحثا 38 . ولم يكتفوا بهذا فقط بل إنهم قد قضوا أي الكولون على التعليم العربي ونفوا المعلمين واستولوا على أملاك الأوقاف التي كان التعليم بفضلها يقف سدا منيعا في وجه الأمية ففي سنة 1865 كان عدد التلاميذ فيها 13 ألف تلميذ ولكن لم تأتي 1880 حتى كان عددهم قد تناقص إلى ثلاث آلاف تلميذ 39 . وهذا لكونهم كانوا يروننا من : " جنس منحط لا يصلح إلا للأعمال الشاقة بدون أجرة 40 . ولذلك فقد كانت نظرتهم إلينا تحكمها العنصرية المقيتة وتترجم في ذلك الكم الهائل من الحقد والكره اللذين يكنانهما لنا وهذا بسبب مقتهم لإيانا ذلك أن : " المعمر يكره الجزائري كل الكره ويتجلى هذا الكره في العواطف وفي الأقوال نعم إننا نحس أن في القلوب أمواجا متلاطمة من الحقد والازدراء 41 . وهنا من حقنا أن نتساءل كيف لمن كان يكره الجزائريين كل ذلك الكره ويزدريهم أن يعمل لأجل صالحهم العام أو أن يفكر مجرد التفكير في تميدينهم وفي تحضيرهم؟ . إن التمدين يأتي من باب الإحساس بالمسؤولية تجاه الآخر والتمدين وقبل كل شيء هو عمل أخلاقي . وهل لهؤلاء الكولون والذين هم كالخنازير أو هم كالضباع حسب ما وصفهم بهم بنو جلدتهم أن يمدنوننا؟ أم أن يعملوا على إفنائنا وعن بكرة أبينا إن استطاعوا ذلك طبعا . 

إننا هنا لسنا أمام السيد مصالي الحاج أو أمام الشيخ ابن باديس أو أمام السيد عباس فرحات والذين هم فعلا قد أحبوا شعبهم وأوقفوا حياتهم لأجل إخراجه من أتون المستنقع الذي قذفهم فيه الاستعمار الغاصب فعباس فرحات مثلا يخبرنا وعلى الدوام بأنه قد ترعرع في وسط مجتمع وضيع وساذج وكريم فتعذر عليه مفارقته وأن تضامنه مع هؤلاء الفلاحين ليس عاطفيا فحسب بل هو حيويا يجري في دمه وفي عروقه وأنه ليس من أبناء أولئك الدخلاء النازحين من مالطا أو من فرنسا الباحثين عما يغتصبونه ومتكالبين عن ممتلكات الغير 42 . ولو كان هناك تمدين بالفعل لما كان حلم عباس فرحات هو أن يرى هؤلاء الناس والذين وكما يقول : " أحبهم ويبادلونني الحب ومنذ دخولي عالم السياسة فكرت لأول مرة في ترقية هؤلاء الفلاحين فهو الهدف الأسمى لكل سياسية محترمة حلمي الوحيد كان أن أرى الفلاح ينام في سريره بعد أن يأكل جيدا ويقرأ جريدته 43 . ولهذا نجده يقف صراحة مع الأصوات الداعية إلى ضرورة تغيير السياسة الفرنسية في الجزائر وفي مختلف المجالات . والداعية إلى ضرورة تعليم الجزائريين اللغة الفرنسية بهدف تحقيق الإدماج الكلي للجزائر، فبعد إدماج الأرض لا بد من إدماج الشعب كما نادي بذلك البعض . ولقد وجد عباس فرحات سندا قويا في هذه الأطروحات وأرضية يقف ويتكأ عليها . وهي أطروحات كانت موجودة منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر واستمرت في التواجد خلال القرن العشرين وهذا ما نجده عند المستشرق الفرنسي أوكتاف Octave Depont  في كتابه الجزائر المئوية فهو يدعو الفرنسيين إلى ضرورة الإسراع وكما يقول في فتح أبواب المساعدة الطبية الواسعة والمنظمة، وفتح المدارس في كل مكان، وخاصة مدارس البنات، وأن لا نفكر في التأخر، لنضع برنامجا من أجل تحقيق اندماج كامل للأهالي، وذلك لبناء جيل المستقبل . نعم إن التمدين يأتي من الإحساس بالمسؤولية ومن نفس نبيلة . وأي إحساس بالمسؤولية تجاهنا أو اعتناقهم لأخلاق نبيلة فيما يخصنا ونحن تحت رحمة كولون هم قطع من الجحيم وشظايا من جهنم حطت بأرضنا وخصوصا من جاء منهم من مالطا Malte . فهدف هؤلاء واضح فهو يتمثل في الثراء والإثراء السريع على حسابنا وامتصاص دمنا مثل حشرة القراد الطفيلية . أما التمدين والتحضير فهو مصطلح غريب عنهم وعن منظومتهم الفكرية وأني لفاقد الشيء أن يعطيه كما يقال . 

كما وأننا لسنا مع المقدم عبد الرحمان بن سالم والذي اختار صف الجزائريين الغبرة ومن غزا رؤوسهم القمل وأجسادهم مختلف الأمراض مع الهزال المزمن، على ما عرضته عليه فرنسا من امتيازات في مقابل أن يكون إلى صفها ضد شعبه . فاختار شعبه ورد عليها وبالحرف الواحد لقد رأيت في الهند الصينية أي الفيتنام كيف أن هوشي منه  Hô Chi Minh قد أحيا شعبه من بعد أن قتلته . وأخرجه من حالة البؤس والشقاء وجعل منه شعبا محترما وأرجعه إلى ما كان عليه قبل دخولك واحتلال أرضه . وهذا هو السياق التاريخي الواجب التطرق إليه والحقيقة الواجب دراستها والإقرار بها ففرسنا ماذا كانت تفعل طوال 132 سنة من وجودها في الجزائر؟ . وهل حالة الشعب الجزائري قبل استعمار بلده كانت أفضل حال وفي كل مجالات المدنية على ما آل إليه بعد غزوها لبلادنا . أم كانت أسوأ وفرنسا هي من جاءت لانتشاله من حالة البربرية والبدائية التي كان يعانقها؟ إن واقع الحال ليقول بأن الحكم الأول هو الأصوب وهذا ما سوف نتطرق إليه في أجزاء لاحقة من دراستنا هذه .

 وهنا لا بد من القول بأن الكولون قد كانوا لا يعترفون بأي حق لنا بما فيه حق التعليم . والذي هو السبيل الوحيد للدخول في المدنية ولتحضير أي شعب . وحتى ولئن تعلم بعض الجزائريين ونالوا شهادة التعليم الابتدائي أو المتوسط أو البكالوريا فإنه يتعين عليهم هنا الانتقال إلى المدن الكبرى لمواصلة تعليمهم . وهنا سوف يجدون عقبة أخرى في انتظارهم فهم أبناء العربي البيكو bico والراطون raton ولا مكان سيستقبلهم وإن وجدوا مكانا للكراء فالأسعار باهظة جدا 44 . مما سيحول لا محالة دون مواصلة إتمام دراستهم وتحصيلهم العلمي وعليه ففرنسا كانت حريصة على منع الجزائريين من امتلاك مفاتيح المدنية أو الولوج وعبرها هي أو عبر ثقافتها إلى ميدان الحضارة . ولهذا فقد أوصدت أبوابه أمام الجزائريين . ولم نعد نملك سوى الجلوس على قارعة الطريق لنتذكر أمجادنا الغابرة بتعبير فرحات عباس . 

ونحن لا نعتقد بأن ما نشرته فرنسا من مساوئ في الجزائر تدخل في مفهوم المدنية . وإنما هي مظاهر للتوحش وللتخلف وللبؤس والشقاء كرسها المستعمر ليتمكن عبرها من إحكام سيطرته على الجزائر وللتحكم في شعبها ولضمان عدم الثورة عليه . ذلك أنه لمن المستحيل على شعب هذه هي حالته أن يعلن الثورة ضد المحتل الغاصب فضلا على أن يفكر فيها أصلا . ولذلك فقد اعتبر الكولون بأن تعليم الجزائريين فيه خطر كبير عليهم وعلى مستقبلهم في الجزائر لأن انتشار التعليم عند العرب يعني أن أبناء الجزائر سيتكلمون بصوت واحد " الجزائر للعرب " ولهذا فقد أوقفوا عملية بناء المدارس للجزائريين تحت حجة أنها مكلفة وخطيرة لأن الشباب الجزائري عندما يتعلم سيطالب بحقوقه السياسية وبالإدماج وبالمساواة مع الأوروبيين 45 . ولهذا فإن الجهل والضلال هما أساس الاستعمار 46 . ولذلك فهم قد حرمونا من التعليم ليسهل عليهم التحكم فينا وحرمونا منه لأنه وحسب اعتقادهم فهو : " يخلق الوعي واليقظة ومقاومة الاحتلال والمطالبة بالحقوق السياسية " 47 . وهذه هي حسابات المحتل . ولكن وكما يقال فسوف ينقلب السحر على الساحر وسوف يثور هؤلاء الذين حولهم إلى أميين وإلى جياع على الجلاد والمحتل الغاصب . ولذلك فهذا الأخير لم يجد من وسيلة ليجابها بها الثورة الجزائرية المباركة سوى نعتها بأنها ثورة جياع . نعم إنها ثورة جياع يا مصاصي الدماء . ترى من هو المسؤول عن كل هذا التجويع وعن كل المجاعات التي عصفت ببلادنا أرض الخيرات؟ وهنا نقول بأنه يجب على الفرنسيين أن يخجلوا من كلامهم هذا لكونه يدينهم ولا يشهد لصالحهم أبدا .

نعم لقد أرادوا إحداث قطيعة بين الثوار وبين بقية أفراد الشعب في محاولة يائسة منهم لإفشال الثورة ونسي هذا المستعمر بأننا لسنا جياعا بالفطرة، فها هو عباس فرحات وفي معرض رده على الطالب المالطي والذي أراد أن يحقـّـره ويحط من شأن الجزائريين، وهذا كما مرّ أعلاه ورد أي عباس فرحات على هذا الأخير بقوله : " ولكن أنت هل يمكنك أن تقول لي ماذا كان آباؤك يفعلون في مالطة؟ أليس البؤس هو من جعلهم يهاجرون إلى الجزائر؟ " 48 . نعم هي سياسة الاستعمار الظالمة والمتمثلة في مصادرة الأراضي وسلبها ومنحها للجياع ممن لا يستحقونها من شذاذ الآفاق . وسياسة الأرض المحروقة هي من دفعت بنا إلى جحيم الجوع والمجاعة . فالمستعمر هو من أنزلنا من على صهوة جيادنا وبالقوة ثم أركبنا أحمرة وادعى بعد ذلك بأننا لسنا فرسانا وهو يعلم بأن إنزالنا من على ظهر جوادنا لن يجردنا من ملكات الفروسية أبدا . وكذلك الأمر مع تجويعنا فلن يجعل منا عبيدا وخدما طائعين للمعمر وللنظام الاستعماري . وهو الأمر الذي لم يفهمه المعمر فالشعب الجزائري لم يَـثــُرْ لأجل بطنه فقط وهذا من حقه وليس بعيب أبدا ولكنه ثار لأنه شعب حر يأبى الذل والعبودية . نعم لقد فشلت ثوراته السابقة ولكن ثورة نوفمبر الخالدة ستعيد الفارس لصهوة جواده من جديد .

وزيادة على ما سبق ألا تعلم فرنسا الاستعمارية بأن التحضير يعنى احترام الآخر . فها هو أبو القاسم سعد الله يخبرنا عن معاناة الشعب الجزائري جميعا ومن دون استثناء من سياسة المهمة الحضارية التي زعم الفرنسيون أنهم حملوها إليه حيث أصبحت العلاقة بين الطرفين علاقة حيوان مع حيوان 49 . نحن كنا الطريدة وهم كانوا الضباع بتعبير فرحات عباس لأننا لم نكن في نظرهم سوى بيكو وراتون وموتشو وموكيرا والصال أراب 50 . علما بأن كلمة بيكو انحدرت من الاشتقاق الفرنسي arabique وهي تحيل إلى أن العربي أي الجزائري هو إنسان قذر ومتسخ وكريه الكريهة . أما كلمة راتون تميل تعنى بأن الجزائري ما هو إلا لص قمامة وحظائر . وكلمة موتشو Muchu وهي تحريف للفظة Mesieux فهي الأخرى تحمل كل معاني الاحتقار والذم ونفس الأمر مع النعوت الأخرى فكلها تحمل معاني السب والشتم والاحتقار للجزائري . أما لفظة موكيرا Mukira وهي مشتقة من كلمة Morisque وهي تعنى المرأة العاملة في بيوت الأوروبيين كما تحمل معنى العاهرة، هذا إلى جانب كونها سبة في حق الجزائريات . وكما أن الجزائري شبقي شهواني فإن الجزائرية هي الأخرى وبصورة آلية ستصبح في نظرهم عاهرة . ونحن هنا لا ننكر بأن بعض بني شعبنا قد اكتسبوا هذه الصفات القبيحة . ولكنها ليست صفات فطرية فيهم وإنما هي من نتائج المهمة التحضيرية التي تدعيها فرنسا وكل هذا يدين فرنسا ولا يشهد لصالحها مطلقا . علما بأن العربي في العرف الاستعماري هو الجزائري بصفة عامة بربريا كان أو عربيا . وهو شخص غريب وينتمي إلى صنف مختلف من البشر 51 . ولهذا فلم يكن من المفكر فيه مطلقا تحضير الجزائريين لكونهم غير قابلين للاندماج في المجتمع الفرنسي بأي حال من الأحوال.  وهذا لتعارض العادات والأفكار والأديان التي لا يمكن أن تلتقي أبدا 52 . ولهذا فقد احتقروا آدميتنا وساوونا مع الحيوانات الدنيا وكنا محل سخريتهم  واستهزائهم أينما حللنا ودوما نبقى مع أبي القاسم سعد الله والذي يخبرنا بأن الأطفال المسلمون كانوا محل تنكيت في الشوارع ويرسل بهم في مهمات خيالية وكان بائعو الزيت من القبائل يتعرضون لثقب جلود قربهم ... وكانت الحجار والطماطم ترمى على الموتشو والباعة في الشوارع وكان العجزة من المتسولين هدفا للاساءة " 53 . وكل هذه الأفعال والأعمال هي من علامات التوحش ولا علاقة لها بالتحضر وبالمدنية وإنها لتوشي بنفوس مريضة أو هي نفوس للعبيد الذين أصبحوا سادة كما يقال .

كما أن التحضر يعنى قبول الآخر المختلف عنا، ولكن المستعمر حتى ولو تخلينا عن أحوالنا الشخصية وأصبحنا مسيحيين فإننا دوما نبقي في نظره بشر دون البشر بشر من الدرجة الثانية ما دامت الدماء الفرنسية لا تجرى في عروقنا . فحتى هم ففيما بينهم تفرقة عنصرية مقيتة وكره يكنه الفرنسي للمالطي وللإيطالي وللإسباني ولغيره من المعمرين الآخرين ولكنهم كلهم متفقون على كره الجزائري ومعاداته 54 . حتى أنهم قد كانوا يطردوننا من تجمعاتهم السكانية في أوقات معينة من النهار وهذا حتى لا نزعج راحة هؤلاء السادة المحترمين عند القيلولة . وهذه السلوكيات تنم عن عنصرية وعن عدم التحضر لمن يأتيها فالتحضر هو قبول الآخر ومهما كانت الصفة التي هو عليها .

نعود ونقول كيف يمكن أن يكون التحضير من الجانب الفرنسي لنا وهو لا يؤمن أصلا بأننا بشر كما هم بشر . وإنما هم قد كانوا يمارسون علينا وإلى غاية الحرب العالمية الثانية تمييزا عنصريا مقيتا . فها هو فرحات عباس والذي كان يؤمن إيمانا أعمي بفرنسا ويراها شعلة الحضارة والديمقراطية والحرية مجسدة على أرض الواقع . فها هو يصطدم بمعاملتها العنصرية تجاهه وهو من تطوع في ح ع 2 للدفاع عنها وعن قيمها . فها هم يقدمون له خبزا يختلف عن الخبز المقدم لأقرانه من الصيادلة الفرنسيين وكان يعامل كأهلي لا كمواطن فرنسي 55 . ونتيجة لهذا الوضع الشاذ فقد انتقد فرحات عباس النظام الاستعماري وبشدة ذاك النظام الذي طورت فيه فرنسا الجزائر المستعمرة بإدخال النظم الحضارية ولكنها أهملت الأمر الضروري في عملية التحديث والتطوير وهو الشعب فإلى جانب الأراضي الأوروبية التي تعمل عليها إطارات أوروبية في الجزائر يعيش ستة ملايين جزائري مسلم لم يستفيدوا من الحضارة الحديثة 56 . وأبو القاسم هنا محق كل الحق فنسبة التمدرس بين الجزائريين لم تتجاوز عشية الثورة التحريرية الكبرى 07 ٪ بين الأطفال الذين هم في سن التمدرس .

كما أن فرص العمل قد كانت غير متكافئة مطلقا بين الطرفين فنسبة البطالة بين الجزائريين تجاوزت 94 ٪ . وإن وجدوا عملا ففي أعمال من الدرجة الثانية أي الدنيا والتي يأنف المعمر على الاشتغال فيها لاحتقاره لها . فلا رؤساء دوائر أو عمالات أو رؤساء للمندوبيات المالية في الجزائر أو وزراء أو سفراء هذا بين الجزائريين المتجنسين والنخبة منهم . فما بالك بمن هم في درجة الأهالي  فهم أصلا غير موجودين في العرف الاستعماري ولهذا يستحيل أن نجد بينهم أطباء أو مهندسين . علما بأن الدخل السنوي الجزائري كان دخلا يبقيه دوما في دوامة الفاقة والحاجة فهو قد كان يحصل : " على أقل دخل مالي في العالم بعد الفلاح الهندي الذي كان يقل عنه بعض الشيء " 57 . وهذا الوضع قد كان نتيجة حتمية للوضع الشاذ الذي أقامه الاستعمار في الجزائر والذي احتكر فيه العنصر الأوروبي ما نسبته 92.8 ٪ من الإطارات العليا ونحو 82.4 ٪ من التقنيين والمشرفين على انجاز المشاريع و 86 ٪ بالوظيف العمومي بينما هذه النسب العالية كان يمثلها الجزائريون في الأشغال والوظائف البسيطة فهم يشكلون 95.2 ٪ من العمال المساعدين و 58.3 ٪ من العمال و 71 ٪ من المستخدمين في المصالح .  58  . وهذه الإحصاءات خاصة بالنخبة المتفرنسة ولا علاقة لها بعموم الشعب الجزائري والذي هو ليس بالموجود في نظر المحتل الغاصب . وبعد كل هذا هناك من يتحدث عن المهمة التحضيرية الفرنسية في الجزائر . وربما كنا نتحدث عنها لو وجدنا ما سبق ذكره بين الجزائريين الأهالي ولو بصورة نسبية . فلربما تغاضينا عن تعبير المهمة الحضارية ولقلنا بأنها تجسدت بشكل جزئي في الجزائر، وربما أوجدنا للاستعمار بعض الأعذار . ولكن الحقيقة المرة هي أن الشعب الجزائري قد تم منعه وبقوة القانون من أن يستفيد بأي شكل من الأشكال من ثمار المدنية والحضارة . فقد منع من التعليم قسرا مما جعله جحافلا من اليد العاملة غير المؤهلة مما أدى إلى تفشي ظاهرة البطالة بين أبنائه وبالنسبة المذكورة أعلاه أي حوالي 94 ٪ .

 وهي نسبة مخيفة ومرعبة خاصة وأننا كلنا نعرف النتائج المأساوية لظاهرة البطالة على الفرد وعلى المجتمع على حد سواء . في حين أننا نجد بأن أبواب العمل كانت مفتوحة أمام العنصر الأوروبي في الجزائر وإن لم يجد الواحد منهم عملا فالإدارة الاستعمارية تخلق وتوفر له منصب العمل وبأجور مرتفعة وتخرجه من العدم لابن جلدتها 59 . مما يجعل له راتبا شهريا يمكنه من التمتع بمنتجات المدنية والحضارة، وهذا على عكس الجزائري والذي بقي محروما منها وإلى غاية 1962 م . أمّا من وجد عملا فلا أن يكون خماسا أو كراعي حيوانات عند المعمر . ومن لم يحالفه الحظ للحصول على هذا الامتياز فهو ينتظر موسم زراعة التبغ ليشتغل خضارا عن المعمرين ولمدة لا تزيد عن الثلاثة أشهر وبأجر زهيد وتافه . ولذلك فقد كانت مزارع المعمرين في هذا الفصل محاطة بأكواخ الجزائريين البائسين والباحثين عن فرص العمل فيها وتهجر بمجرد انتهاء موسم حصاد التبغ وإلى العام المقبل حيث تنبض بالحياة من جديد . 

ومن لم يسعفه الحض ويصبح خضارا عند الكولون فعليه أن يبحث عن عمل أثناء جني الكروم وعليه أن يمشي مئات الأميال بحثا عن هذا لعمل . ونحن شخصيا سمعنا من كبار السن كيف أنهم كانوا يقطعون مسافات طويلة بدءا من دائرة بوحجار وبلدية الشافية الحاليتن مرورا بمزارع الكروم ببلدية عصفور فدائرة ابن امهيدي وصولا إلى مزرعة سانت ماري Sainte-Marie بمدينة الحجار بيومنا هذا من إقليم ولاية عنابة . وهي مسافات ليست بالهينة مطلقا . ولكن كل هذا من دون جدوى لأن فرنسا الاستعمارية قد أعطت أمرا  للمعمرين وهذا خلال ح ع 2 مثلا بأن لا يشغلوا أي أحد من الجزائريين لكي لا يجدوا سبيلا سوى الالتحاق بالجيش الفرنسي . وبهذا يكونون وقودا لحروب فرنسا الاستعمارية سواء في أوروبا أو في الهند الصينية . وما يؤكد كلامنا هذا هو هذه الفقرة والتي نقتطفها من كتاب الحركة الوطنية الجزائرية لأبي القاسم سعد الله والتي جاء فيها، وهذا في معرض عرضه لشهادة الدكتور ج توماس Dr J. Thomas في العام 1945 والتي يقول فيها : " وأثناء جني الكروم التقيت بعمال المزارع يمشون مسافة مئات الأميال بحثا عن العمل ينامون في الليل في الحفر ويتغذون ببضع حبات من التمر أو العنب ... لقد كنت خجلا من كوني فرنسيا " 60 . 

والنتيجة الحتمية هي أن المستوى المعيشي للجزائريين قد كان تحت الصفر، بحيث كنا نقتات مما تجود به مزابلهم من فتات الخبز ونتقاتل عليه، حتى أن البعض قد أكل جثث الموتى كما حدث في مجاعة 1868 . وبعضنا الآخر كان يعتاش على الأعشاب وعلى جذور النباتات البرية مما أدى إلى تسممهم وموتهم كما حدث لبعض أطفال منطقة القبائل وغيرها من عموم القطر الجزائري . نعم أما كان الجزائريون وخلال ح ع 2 وكنتيجة حتمية لفقدان المواد الغذائية يأكلون الأعشاب البرية ويشربون من الآبار العفنة ويكاد كبارهم يكونون عراة أما صغارهم فيتركون على الطبيعة عراة حفاة وكان الأحياء يشاهدون أطفالهم وذويهم يموتون بالملاريا في لحظات 61 . هذا إضافة إلى من كانوا يموتون جوعا . وهنا لا بد من الاستدلال بشهادة الدكتور الفرنسي ج توماس السابق الذكر والتي يقول فيها بأنني : " كنت في الجزائر سنة 1945 في وقت المجاعة عندما كان آلاف الناس يموتون جوعا ... وقد شاهدت أطفالا عمرهم سنة واحدة يأكلون التراب كما شاهدت مائتي شخص يموتون من الملاريا في بضعة أيام بغرداية " 62 . فهنيئا لفرنسا بهذه الانجازات الحضارية الرفيعة والخالدة في الجزائر خلود أهرام الفراعنة في مصر . 

ونبقي دوما مع شيخ المؤرخين الجزائريين السيد أبو القاسم سعد الله، والذي يخبرنا بأن الفرنسيين في الجزائر وفي العام 1945 يرجعون أسباب أحدث الثامن ماي من نفس العام والأصح المجازر وليس الأحداث، إلى عامل الجوع الذي استشرى وتفشى في الجزائر بسبب النقص في وسائل التغذية ونقص الطعام وإلى المجاعة 63 . ونحن هنا لن نناقش هذه المزاعم لأنها خارج مجال دراستنا هذه بقدر ما يهنا اعتراف الفرنسيين أنفسهم بوجود جوع ومجاعات في الجزائر . وهذه إدانة صريحة لمهمتهم التحضيرية في الجزائر . لأنه من المفروض أن يكون أحد أوجهها هو رفع مستوى معيشة السكان والقضاء على هذه الآفات السلبية والتي ينفى وجودها أي مظهر من مظاهر التحضير . والذي تكون فرنسا قد أنجزته لصالح الجزائريين . وقد يتساءل البعض وكيف يقع هذا في الجزائر بلد الخيرات، هذا الوصف الذي عرفت به بلادنا وعلى مر تاريخها الطويل؟ . الجواب على هذا التساؤل نجده في هذه الفقرة والتي نقتبسها من أبي القاسم سعد الله والتي جاء فيها بأن المواد الغذائية وغيرها كان مقدرا ومقننا بدقة ولهذا فقد كانت سنة 1941 بالخصوص سنة صعبة على السكان من الوجهة الاقتصادية رغم أن الجزائر كانت بلادا غنية بالمواد الأولية الاستهلاكية ولكن مخازن الجزائر أفرغت من محتوياتها بحجة تغذية أم الوطن فرنسا 64 . أما مجاعات القرن التاسع عشر فالمتسبب الرئيسي فيها هو الاستعمار والذي منح الأراضي إلى معمرين لا علاقة لهم بالزراعة فها هو محمد حربي يقول : " إن المعمر ليس مجبولا على الفلاحة فهذه الملاحظة المدهشة تفسر فشل النموذج الاستعماري الرسمي للقرن التاسع عشر المركز على الاستيطان الفلاحي " 65 . كما أن ما زاد من تدنى مستوى المعيشة وكما مرّ سابقا هو تفشي ظاهرة البطالة وكما مرّ أعلاه بين الجزائريين، وإن وجدوا عملا فهو عمل لا يخضع للتخصص، وإنما عمل عام ولن يكون مطلقا من طبيعة عمل الإطارات مما يضمن له راتبا محترما لأنه لا يملك التكوين اللازم الذي يؤهله للحصول على وظيفة محترمة .

نعم هذه هي ثمار المهمة التحضيرية الفرنسية في الجزائر، نعم يا لها من ثمار طيبة فإلى جانب الأمراض والدعارة والفقر والجوع والجهل، نجد بأن الاستعمار وكما مرّ أعلاه قد ابتلانا بالخمور والتي فتكت هي الأخرى بالجزائريين ولم تفعل الإدارة الفرنسية أي شيء للحد من نتائجها المدمرة  66 . لأن ذلك يخدمها وهذا بتخدير الجزائريين ويجعلهم لا يفكرون في الثورة عليها فتبقى الجزائر هادئة . وهذا الجو هو الجو الملائم لاستمرار عملية نهبها واستغلال شعبها . ولئن كانت فرنسا قد أقامت مدنية في الجزائر فهي فقط لصالح : " العناصر الأوروبية الجائعة الضائعة في مجتمعها، والتي تحسنت وضعيتها في أرض الجزائر بفضل سلاحها المتطور، أما الجزائريون المسلمون فإن وضعيتهم قد ساءت، أرضهم سلبت منهم، وأشرافهم قتلوا أو شردوا، وفلاحوها أفقروا، ومساجدها أهينت، ولغتها أصبحت غريبة في دارها، وثرواتها سرقت، هذه هي أوضاع الجزائريين المسلمين بعد مئة سنة من الاحتلال " 67 . وما يشهد لهذا الرأي هو وصف عباس فرحات للقرن التاسع عشر بأنه : "  قرن من الدموع والدم، نحن الأهالي الذين بكينا " 68 . ولم يقل بأنه قرن القلم والمدرسة والجامعة أو قرن القلم والكتاب ولا قرن المكتبة والمطبعة ولا قرن المسرح ودار الأوبرا وإنما قرن الدموع والأحزان وشتان بين هذا وذاك . ولهذا فالمستعمر قد جعلنا غبرة من الأفراد 69 . لا حكماء وفلاسفة وأطباء ومهندسين وجراحين ودكاترة جامعات . والمصيبة الكبرى هي أنه وعلى الرغم من كل تلك الشرور التي قذفونا فيها إلا أن ضميرهم لم يؤنبهم مطلقا للتكفير عن خطيئتهم تلك ولو بأثر رجعي . وهذا ما يشير إليه عباس فرحات وهذا حينما يقول بأن الأوروبيين يرفضون أن يمدوا إلى الجزائريين يدهم طالما بقوا يرتدون الأطمار وجهلة 70 . 

تلك هي المدنية التي يفتخر بها أحفاد المعمرين اليوم نعم إن لفرنسا الاستعمارية الحق في أن تفتخر بمستوى المعيشة المرتفع وبدرجه الرفاه الاجتماعي، اللذين يعانقهما الشعب الجزائري تحت ظل حكمها الاستعماري الرشيد . ففضلا عن مجاعات القرن التاسع عشر والتي أبادت الكثير والكثير من أبناء الشعب الجزائري . فها هي الجزائر وخلال الحرب العالمية الثانية تعيش وضعا أقرب ما يكون إلى المجاعة في حين نجد الكولون الدخلاء يعيشون حالة من الرفاه قلَّ نظيرها تذكر الجماهير الجزائرية بأسباب بؤسها وشقائها 71 . ولو أن فرنسا كانت صادقة في ادعاءاتها الزائفة وحققت للجزائريين ما حققته للعنصر الأوروبي الدخيل وأخذت بأي الجزائريين في مدارج الرقي الحضاري وخصوصا في الناحية التعليمية والمعيشية والصحية لما كنا قد رأينا ثورة عليها في الجزائر أصلا . لأن الثورة الجزائرية قد قامت أصلا لتقويم الوضع الشاذ والذي قذفت فيه فرنسا الاستعمارية كل الشعب الجزائري . ولهذا فقد اندلعت الثورة الجزائرية المباركة بهدف : " القضاء بصفة نهائية لا رجعة فيها على النظام الاستعماري البغيض والمنحط والذي يحول دون الرقي والسلم " 72 . 

وقبل هذا فلو أن فرنسا حقا قد وفت بالتزاماتها الخاصة بالمهمة التحضيرية في الجزائر لما كنا قد سمعنا بجملة المطالب الحركة الوطنية الجزائرية،والتي طالبت كلها بالتعليم وهذا منذ 1914 سواء كان هذا مع حركة الشباب الجزائري، ومعها الأمير خالد أو مع فيدرالية المنتخبين للسكان الأصليين بالجزائر والتي طالبت هي الأخرى بضرورة توفير التعليم والتدريب المهني لأبناء البلد الأصليين 73 . ولما طالب حزب نجم شمال إفريقيا هو الآخر بإجبارية التعليم باللغة العربية مع التعليم المجاني لجميع الجزائريين 74 . 

نعم ذلك هو التحضر وتلك هي مظاهر الحضارة والمدنية الفرنسية في الجزائر . ورغم كل هذه المصائب التي أحلها المستعمر الفرنسي ببلادنا . إلا أنه صدق كذبته المتعلقة بالمهمة التحضيرية له هنا في الجزائر . فها هو في العام 1930 ينشر بصحافته مقارنة بين أوضاع الجزائر قبل 1830 وأوضاعها بعدها كما يلي :

جزائر قبل 1830                       جزائر بعد 1830

بربرية                                      حضارة

وباء                                           شفاء

اللأمن                                      طمأنينة

جوع                                     وضعية جيدة

75 . ولن نعلق هنا ونترك المجال مفتوحا للقارئ الكريم ليطلق وبنفسه الحكم الذي يراه مناسبا . وهذا انطلاقا مما سبق وأن عرضناه فيما يخص والوضعية المزرية للجزائريين وفي جميع الميادين وهذا خلال الليل الاستعماري الطويل .

 

خلف الله سمير بن امهيدي / الطارف / الجزائر

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3462 المصادف: 2016-02-27 13:12:14


Share on Myspace