المثقف - قضايا

المهمة التحضيرية الفرنسية في الجزائر عنوان مزيف لسياسات وممارسات استعمارية همجية ووحشية (3)

سياسة التجهيل للشعب الجزائري إدانة أبدية للمهمة التحضيرية الفرنسية في الجزائر

 بداية نقول بأن نشر التعليم بين الجزائريين لهو مسلك يتنافى مع أهداف النظام الاستعماري في بلادنا . وخصوصا إذا ما نحن عرفنا مدى تخوفه من بروز نخبة جزائرية تكون هي القاطرة التي تجر بقية الشعب الجزائري نحو الثورة عليه وتناضل لأجل تقويضه ومن أسسه . كما هو الحال مع كل من عباس فرحات والذي كان ينعته المعمرون ومع كل أسف بالكلب ولكن ماذا كنا ننتظر من هؤلاء الأوباش غير هذا ؟ . أو مع مصالي الحاج المعادي للنظام الاستعماري وفي مرحلة لاحقة مع مفجري الثورة التحريرية المباركة كما هو الحال مع العربي بن امهيدي ومصطفى بن بولعيد . كما لا يجب أن ننسى بأن التعليم لهو حق من حق المواطن، ونحن لم نكن مواطنين بل كنا مجرد رعايا للدولة الفرنسية . وحتى ولو كان التعليم حقا وأقرته الدولة الفرنسية الاستعمارية فإن هذا الحق لن يجسد على أرض الواقع لسبب بسيط للغاية ألا وهو أن لوبي المعمرين القوى والذي بإمكانه وبما يملكه من ثروات ضخمة أن يعطل بها أي قرار يشم منه رائحة إنصاف الجزائريين . لا لشيء سوى لكونهم يؤمنون بأن الجزائر ملك خاص لهم وحدهم ورثوها عن آبائهم الغزاة الأوائل . وما يؤكد كلامنا هذا هو ما صرح به جول فيري والذي يخبرنا بأنه : " من الصعب علينا أن نقنع المعمر الأوروبي بأن هناك حقوقا أخرى غير حقوقه في بلاد عربية " 76 . والنتيجة ماذا كانت وهذا من بعد أن جحدوا علينا أبسط حقوقنا ومنها الحق في استخدام لغتنا والتي أصبحت غريبة في وطنها ومنبوذة ولغة أجنبية وجب محارتها والقضاء عليها واستئصالها . نعم إن النتيجة الحتمية لنكران حقوقنا الإنسانية المشروعة هي أن : " تلك المصائب التي حلت بقطرنا كانت نصيب شعب برمته وذلك البؤس المدقع الذي يشيب لهوله الولدان وذلك التوجيع والتفقير والتقتيل والتحريق كل ذلك ما هو إلا نتيجة اصطدام الشرق شرق مغلوب منهوب مسلوب محروم من القلم ومن الكلم وغرب جشع نهم عنيف . " 77 .

 وإننا لنراها وقاحة وجريمة لن تنسى أبدا، وهذا عندما يجفف الاستعمار الفرنسي منابع التعليم في الجزائر والتي كانت قائمة فيها، وهذا خدمة لمشروعه الاستعماري ثم يقول بأنه لا مانع : " في أن يكون مآل هذه المؤسسات ويقصد بها المدارس العربية والمساجد إلى الخراب وأن يرجع الشعب العربي إلى عهود الجهالة الأولى وعندئذ سوف يتأتي لنا أن نعلمه شيئا " 78 . ولكن المصيبة الكبرى هي أنهم جهلونا وتجاهاوا وبصورة مطلقة أمر تعليمنا وهذه هي الخطيئة الكبرى والتي لن نغفرها أبدا للاستعمار، ذلك أنهم كانوا يقصدون ذلك . ومن بعد أن نجحوا في هدفهم القذر ذاك فها هم يضعون العراقيل تلو العراقيل لكي لا ينهض الجانب التعليمي مطلقا في الجزائر في مستقبل الأيام وهذا ما نجده في تقرير لأحد جنرالات فرنسا إلى الإمبراطور نابليون الثالث والهادف إلى غاية تحطيم التعليم في الجزائر يقول بأنه يجب علينا أن نضع العراقيل أمام المدارس الإسلامية كلما استطعنا إلى ذلك سبيلا وبعبارة أخرى يجب أن يكون هدفنا هو تحطيم الشعب الجزائري ماديا و معنويا وهذه هي رسالتهم التحضيرية في الجزائر لمدة قرن و32 سنة .

 ولقد عمل الكولون على تجهيلنا وهذا لأنهم قد كانوا يؤمنون بفكرة التفاضل بين الأعراق فهم من العرق الآري والهندوأوروبي القادر ولوحده على خلق الحضارة ودفعها إلى الأمام . ونحن من جنس سامي عاجز عن أداء هذه المهمة، ولذلك فلا خير يرتجي منا . ولهذا فقد حكموا علينا بأننا لا نصلح للتعليم ولم نخلق له أصلا وهذا حسب نظرتهم العنصرية لنا طبعا . وإنما خلقنا لنكون فقط خماسة أو رعاة عند المستوطنين في الأرياف أو ماسحي لأحذيتهم في المدن . ومع كل أسف فقد كنا ضحية لمثل هذه الأفكار والنظريات المزيفة . وترتب عن كل هذا أنه قد تم إقصاؤنا وبصورة فجة ووحشية وقاسية من المشهد وبصورة نهائية وكلية . وهذا تحت ذريعة يخبرنا بها وزير التعليم الفرنسي والمتحمس للاستعمار جول فيرى والذي يخبرنا وكما مر معنا في موضع آخر ونقلا عن عباس فرحات بأن المعمرين يعتبرون الأهالي من جنس بشري  منحط، لا يصلح إلا للاعتقال والأعمال الشاقة بدون مقابل، ولا يستحقون إلا القهر والإذلال . وهذا هو وضعنا الطبيعي في عُـرف الاستعمار بعيدا عن كل ما ينم بصلة للمدنية وللحضارة . وما زاد الأمر سوء هو أن العقلية الأوروبية في تلك الفترة قد كانت عقلية عنصرية إقصائية لا تعترف بالآخر المغاير لها . فها هو هيجل Wilhelm Friedrich Hegel يدعو صراحة إلى ضرورة أبعاد كل ما هو شرقي بقوله : " ما هو شرقي يجب استبعاده من تاريخ الفلسفة " 79 . وهذه الدعوة لم تبق فقط في الجانب النظري وإنما نزلت إلى الواقع المعاش وترجمت في صورة إقصاء للآخر وفي جميع المجالات . والآخر نقصد به هنا الجزائري والذي أصبح غريبا في وطنه ووطن أجداده . وما زاد الأمر سوء هو نظرية داروين والتي قد أقصت هي الأخرى وبشكل كبير كل الأعراق غير الأوروبية من دائرة العائلة الإنسانية وربطتنا بالقردة . وهنا أغلقت علينا الدائرة ولم يعد لنا أي حق في التمدين وفي التحضير فلئن كان للقردة نصيب في التعليم وفي المدنية فكذلك نحن .

ومن بعد كل ما سبق من حقنا أن نتساءل هل التمدين والتحضير يعنيان فقط نشر الجهل والجهالة والأمية وتجفيف كل منابع العلم والمعرفة، وهذا ما قام به الاستعمار الفرنسي في الجزائر . وإن كان قد تم تعليم اللغة العربية كما هو الحال مع المترجمين العسكريين ومع المكاتب العربية فالهدف منه واضح وصريح وهو يتمثل في خدمة الأغراض الاستعمارية أولا وأخيرا . وحتى ولئن فتح باب التعليم أمام الجزائريين فليس لهم جميعا، وإنما فقط لفئة يصفها فرحات عباس بفئة المتعاونين والمارقين الذين يسبحون بحمده في الغدو والآصال 80 . وعليه فإن المسئول الأول والأخير عن نشر الأمية بين الجزائريين هي سياسة التجهيل والتي مارستها فرنسا طوال فترة احتلالها للجزائر . وإلا بما نفسر وجود إتقان طلاب كل زاوية صهريج بمنطقة القبائل للكتابة وللقراءة باللغة العربية مع إتقانهم للفنون الحربية 81 . وهنا علينا أن نسأل هل كان هؤلاء ينتظرون فرنسا الاستعمارية حتى تمدنهم وتعلمهم مبادئ القراءة والكتابة؟ .

وما يثبت مسؤولية فرنسا في تجهيل الجزائريين هذا التقرير والذي وضعه الجنرال فيالارد vieillard  في العام 1834 . ونحن ننقله عن عباس فرحات والذي جاء فيه : " إن العرب يتقنون كلهم القراءة والكتابة وفي كل قرية كانت توجد بها مدرستان أما عدد المدارس فقد كان يناهز ألفي مدرسة كما كانت توجد معاهد وجامعات في الجزائر العاصمة وقسنطينة ومازونة وتلمسان ووهران " 82 . نعم لقد قضي المستعمر الغاصب على كل هذه المنارات العلمية لأنه، وكما قالوا فإن التحكم في شعب جاهل أسهل من التحكم في شعب متعلم . ولهذا يكون حلم عباس فرحات الوحيد أن يرى وكما يقول بأن تضامنه مع الفلاحين الجزائريين ليس عاطفيا بل هو حيويا يجري في دمه وفي عروقه 83 . أن يرى الفلاح ينام في سريره بعد أن يأكل جيدا ويقرا جريدته  84 . ولكنهم ومن جهة أخرى قد شجعوا الدروشة والطرقية في مقابل تجفيف منابع العلم والمعرفة الحقيقية والصحيحة في الجزائر . وتوظيفهما أي الطرقية والدروشة لخدمة المستعمر . حيث كانت فرنسا تأمر المرابط بأن يقول كلمات تحث على الطاعة العمياء للكولون مما يساعدهم على التحكم في الشعب الجزائري واستمرار التسلط الاستعماري على البلاد أرضا وشعبا .

وماذا كانت النتيجة ؟ النتيجة الحتمية هي ما يخبرنا بها المؤرخ محمد العربي الزبيري . وهذا عندما أخبرنا بأنه وعندما اندلعت الثورة كان الاستعمار قد انتهى تقريبا من مهمته الأساسية الخاصة بالمسخ والتشويه والتجهيل 85 . نعم هذه هي مهمته الأساسية بعيدا عن الإدعاء الزائف بالمهمة التحضيرية في الجزائر . فها هي جامعة الجزائر والتي هي وكما يقول دوما محمد العربي الزبيري من أكبر جامعات فرنسا لا يوجد بها سوى 500 طالب جزائري معظمهم من أبناء الطبقات التي صنعها الاستعمار لخدمة مصالحه 86 . وعليه فإن 07 ٪ من أبناء الجزائريين كانوا يجدون مقاعد للدراسة ولكنهم لن يكملوها نتيجة الفقر والاحتياج خاصة 87 . وعليه ففرنسا قد سدت كل أبواب ومنافذ التعليم أمام الجزائريين بقوة إجراءاتها المتعسفة والظالمة وللتعرف أكثر على الوضع التعليمي الكارثي للجزائريين قبل ثورة التحرير المجيدة راجع مثلا كتاب محمد العربي الزبيري تاريخ الجزائر المعاصر الجزء الأول ص 22 وهذا لتفادي الحشو واجترار ما تم قتله بحثا من قبل .

وليكمل المستعمر سياسة تجهيل الشعب الجزائري فقد عمل على تفقيره وفق سياسة سطرتها الدولة الفرنسية الاستعمارية وهذا عبر انتزاع الأراضي الزراعية الخصبة من الجزائريين وتحت ذرائع مختلفة معروفة لنا جميعا كالمصادرة بالقوة أو تحت حجة المنفعة العامة وغير هذا من الحجج الواهية . وتحويل ملكيتها إلى المعمرين وهكذا تم تفقير الجزائريين وتحويلهم إلى طبقة من الكادحين الذين يبيعون جهدهم العضلي في مقابل ما يضمن بقائهم على قيد الحياة وفقط على مثال: " سارح سمونة لا كسرة ولا مونة " أي راعي سيمون وهو اسم لمعمرة فرنسية بالجزائر بلا خبز ولا مؤونة . وبعملهم هذا فقد أصبح التعليم بالنسبة للجزائريين ترفا لا يمكن بلوغه إلا من قبل الفئة المحظوظة من أبناء المتعاونين مع النظام الاستعماري كالقياد والبشاغوات . أما باقي عموم أفراد الشعب الجزائري فقد حولته فرنسا إلى جحافل وجموع من المتسولين ومن الجواسيس والمخبرين لديها وخاصة ممن لا ضمير لهم أو شرف أو أخلاق . وهذه هي مدنية فرنسا التي نشرتها بين الجزائريين وهذا ما يحق للفرنسيين اليوم التفاخر به .

والهدف من فتح باب التعليم وبصورة محدودة أمام الجزائريين، هو العمل على خلق طبقة متغربة عميلة ومرتبطة بالاستعمار . حتى وصل الحد ببعضهم إلى أن  يحتقر لغة شعبه ويوصي بهجرها لأنها لغة ميتة وهذا لصالح اللغة الفرنسة . والبعض الآخر ذاب وبصورة نهائية في بوتقة الثقافة الفرنسية الغالبة . وهذا ما كانت تهدف له فرنسا الاستعمارية ألا وهو خلق طبقة تفكر بهذا الأسلوب لأنها رضعت مما يقوله منظرو العقيدة الاستعمارية وتربت عليه . والنتيجة هي أن يتحول الجزائري إلى مدافع عن الوجود الاستعماري في الجزائر وهذا ما أشار إليه فرحات عباس وهذا عندما قال في مرحلة ما من حياته بأن الجزائري يؤمن بفرنسا ومن أن المثقفين المسلمون لا يفكرون أبدا في ضرب  فرنسا بالخنجر 88 .

ومن بعد كل ما سبق من حقنا أن نتساءل إنها لجريمة حقا أن يُجَـهَّـل شعب بأكمله تحت حجة تافهة مفادها أننا لسنا أهلا لتعليم : " لأننا قوم لا نقبل لا التربية ولا العلم وتكالب الاستعمار على محاربة الثقافة العربية دون أن يلقننا ثقافته " 89 . وهذا الكلام العنصري مرفوض جملة وتفصيلا وكل من السيد حمدان بن عثمان خوجة صاحب الثقافة الرفيعة ومن بعده محمد بن أبي الدكتور بن شنب وعبد الحليم بن سماية، وغيرهم كثير ممن نبغوا من صفوف الشعب الجزائري، وهذا بالرغم من الظروف الاستعمارية القاهرة . ولن نتحدث هنا عن مؤسسي جمعية العلماء المسلمين ولا عن السادة فرحات عباس ومصالي الحاج هذا الأخير الذي كون نفسه بنفسه ولا عن المفكر الكبير مالك بن نبي ابن المرحلة الاستعمارية . و كل هذه الشواهد تدحض حجتهم المفلسة والفارغة تلك . وهم هنا يحتكمون إلى النظريات العنصرية ابنة القرن التاسع عشر والتي ترى بأن هناك تفاضل في الأعراق من حيث شكلها الخارجي ووزن الجمجمة وغير هذا من البراهين الكاذبة والمزيفة .

وهنا يجب القول بأنه لا يجب أن نخدع بما يعرف بالنخبة الجزائرية والتي حصلت على تعليم فرنسي لهذا الغرض أو ذاك . فهي وكما جاء في كتاب أبي القاسم سعد الله تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية الجزء الثالث لم تكن سوى حفنة من الناس لا يكادون يمثلون قوة مهددة ولا اتجاها خطيرا فهي كما قال أحد الكتاب منه لم تكن سوى طبقة ثلج خفيفة فوق جبل ضخم لا تكاد الشمس تشرق عليه حتى يكشف عما وراءه من صخور وأشجار وكهوف مظلمة وليست هذه الأشياء في الواقع سوى الجماهير الضخمة التي تحجبها النخبة قليلة العدد ضعيفة التجربة وكانت هذه الجماهير تمثل التسعة والتسعين في المائة من السكان الذين ظلوا محرومين من المعرفة ومن الثروة الطبيعية 90 . وبعد هذا لا يستحى البعض من التصريح بأنهم يفتخرون بما أنجزته فرنسا في الجزائر ويتشدقون بالقول بأنها لم تفعل سوى الأشياء الجميلة في الجزائر .

إضافة إلى ما سبق فقد تذرع الاحتلال بحجج واهية وعنصرية لتجهيلنا ومنها أننا عرق أو جنس غير قابل للتعلم . وهذا الهراء يدحضه الواقع وهل محمد بن أبي شنب الذي كان : " في علم العربية بارعا محكما لفنونها الثلاثة النحو واللغة والأدب يحفظ الشعر القديم والحديث ما لم تحفظه ذاكرة راوية إلا نادرا يجمع من أخبار العرب في سائر البلدان والعصور المختلفة ما يدهش جمعه عند إنسان ... وكانت له مشاركة في الفقه والمنطق والفلسفة كما كان يحسن اللغات الأجنبية من قديمة وحديثة فقرأ اللاتينية والألمانية والتركية والفارسية وأتقن الفرنسية والاسبانية والايطالية " 91 . وهل مثل هذا الشعب الذي أنجب ابن أبي شنب لا يصلح للتعليم ؟ . إن هذا المثال الشاهد الحي لينسف هذه الأطروحة الاستعمارية من أساسها ويلحقها بعالم الخرافة والأكاذيب والتدليس وإنما الأسباب التي دفعتهم لمنعا من حق التعلم معروفة وبعضها معروض في ثنايا هذا البحث وكم من نموذج مثل ابن أبي شنب قد ضاع ولم نسمع له خبرا لأن الاستعمار المجرم قبره وبالتالي ضيع على البشرية فرصة التقدم خطوة وخطوات إلى الأمام . 

وكيف نكون برابرة كبرابرة جنسريق Geiseric ملك الوندال Vandales ممن خربوا روما ونحن وأينما وجهنا وجوهنا إلا وصادفتنا المكتبات والمراكز التعليمية . ويكفي بأن مدينة قسنطينة لوحدها كانت تحتضن 90 مدرسة أما المكتبات فالبلاد زاخرة بها حتى أن قبائل البدو الرحل كانت لها مكتباتها الخاصة وإن كانت تعالج الأمور الدينية 92 . وكيف نكون متوحشين وبرابرة و : " منذ نهاية القرن 16 م أصبح بعض الكتاب يتحدثون عن الجزائر باعتبارها اسطنبول الصغرى لمكانتها الدينية والعلمية والاقتصادية " 93 . وكيف نكون متوحشين وبرابرة والغزاة الفرنسيون قد افتتنوا بما في تلك المكتبات الجزائرية وها هم يترجمون في بلادنا مقدمة ابن خلدون ويرون في ترجمتها عملا رائعا يشرف العلم 94 . أمّا تاريخ ابن خلدون فقد وصفه الفيلسوف الفرنسي رينان Joseph Ernest Renan بأنه كنز تاريخي إفريقي 95 . وكيف بعد هذا يتهمون الأرض التي أنجبت ابن خلدون وغيره من الأعلام بالبدائية والتوحش ؟ إن لم تكن هناك غاية مغرضة من وراء اتهامهم هذا . وهم في الجزائر وكما يخبرنا إسماعيل العربي ما لبثوا أن اكتشفوا فيها ثقافة وحضارة أعمق أبعادا من حضارتهم ولهذا فهم قد استسلموا أمام سحرها كما استسلم من قبلهم الفرس أمام سحر حضارة الفرس ثم الرومان أمام سحر حضارة اليونان 96 . ولذلك وجب علينا اليوم إعادة النظر في كل تلك الأحكام الجاهزة والتي تدعى بأن الجزائر والجزائريين كانوا قبل الغزو الفرنسي لبلادهم يعانقون الجهل والجهالة وأنهم كانوا يعيشون في ظلمات تماثل أو تتجاوز ظلمات العصور الوسطى وكل هذا خدمة لمشروع استعماري مغرض . 

ومن جهة أخرى قد يقول قائل بأن الجزائريين أيضا قد رفضوا من جهتهم إرسال أولادهم للمدارس الفرنسية . ونحن نقول بأن هذه حقيقة ولكن فيها مغالطة ذلك أنه يجب علينا معرفة الفترة الزمنية التي اتخذ فيها الشعب الجزائري هذا الموقف ومع هذا يجب معرفة السبب أيضا . وهنا يمكن القول بأن السبب لبسيط للغاية فالجانب التعليمي للجزائر المستعمرة تكفل به رجال دين نصارى لم يفصلوا بين المسيحية وبين العلوم التقنية الحديثة، ولذلك فهم يرون بأن هذه العلوم تنقذ أجساد الأهالي في حين أن المسيحية تنقذ أرواحهم وهذا ما كان يفعله الآباء البيض ومعهم الأخوات البيض . وهذا لكونهم قد كانوا يؤمنون بما جاء في كتاب العرب والأفارقة 1891 ومفاده أن : " المسيحيين الأفارقة سيتمكنون من اكتساب الحضارة بسهولة أكثر من الوثنيين " 97 . ومن هذا المنطلق فقد رفض المجتمع الجزائري هذا النوع من التعليم . ولكن هذا الأخير لما تعلمن في مرحلة لاحقة من تاريخ فرنسا هنا طالب الجزائريون به أي بالتعليم . وهذا ما يصادفنا في تلك المطالب التي ناضلت لأجلها مختلف تيارات الحركة الوطنية الجزائرية ولكن فرنسا الاستعمارية وعن عمد وقصد حرمتهم منه لسبب أو لآخر .

والحق يقال بأن الجزائريين قد كانوا محقين بعض الشيء عندما رفضوا التعليم الفرنسي في بداية الاحتلال، لكونه كان يرمى إلى تحويلهم إلى المسيحية، وأن يكونوا أعوانا لها على بني جلدتهم . كما أنهم رؤوا وبأم عينهم كل تلك الشرور التي جلبها الاستعمار إلى بلادهم وعلى رأسها الدعارة والخمور والانحلال والتفسخ وانهيار القيم الأخلاقية وتراجعها . فكان طبيعيا أن يخافوا على مستقل أبنائهم من أن يكونوا فريسة لمثل تلك المساوئ الذكور منهم فما بالك بالإناث . ولذلك فهم قد رؤوا بأن علوم أجدادهم كفيلة بتحصينهم من تلك الشرور فبقوا أوفياء لها . وإن هم هنا ومن حيث يريدون مصلحة شعبهم قد أضروا به لأن هناك فرق شاسع بين العلوم التقنية الحديثة وهي بنت عصر الأنوار ومن قبله عصر النهضة الأوروبية الحديثة وبين تراثنا العلمي الذي تجاوزه الزمن .

 

سياسة التفقير عنوان لسياسة التمدين الفرنسية في الجزائر

إن سياسة التفقير التي مارستها فرنسا ضد الجزائريين قد بدأت بمصادرة أملاك الأوقاف فكانت النتيجة أن حرمت المؤسسات التعليمية والاجتماعية من مصادر تمويلها . ومن هنا تبدأ رحلة الجزائريين في عوالم الجهل والجهالة والفقر والبؤس والشقاء، رحلة الثالوث الأسود والمتمثل في الجهل والجوع والمرض حتى أن فليب دوتوكفيل يعلق على النتائج المأساوية الناجمة عن مصادرة الأوقاف بقوله : " لقد تركنا، المجتمع الجزائري، بتصرفنا هذا أكثر فقرا  وفوضى و جهلا، و أكثر بربرية مما كان عليه قبل قدومنا " 98 .

وسياسة التفقير هذه كان الهدف منها هو إضعاف مراكز القوى الجزائرية اقتصاديا ودينيا وسياسيا . وعسكريا والنتيجة الحتمية لهذا الإضعاف هي أن تفقد تلك المراكز الولاء الشعبي لها لصالح ولاء جديد ولاء للمحتل الغاصب . وهذا ما حدث بالفعل فقد تحول الكثير من الجزائريين لموالاة الفرنسيين حتى أن البعض منهم قد عرض خدماته عليهم وهذا من دون أن يطلبوها منهم كعائلة بن قانة البسكرية . ومن أمثال هؤلاء اشتكى الأمير عبد القادر وصرح بأنهم انقلبوا عليه كالحيات وهذا كله يصب في صالح المستعمر الغاصب . 

ولقد كانت النتيجة الحتمية لسياسة التفقير المنتهجة هي ما يخبرنا أبو القاسم سعد الله من أن حمودة الفكون والتي كانت عائلته مضرب المثل في الثراء في قسنطينة يكتب في العام 1852 إلى الحاكم العام راندون  Jacques Louis comte Randon يلفت نظره إلى وضع عائلته السيئ ومعه ابن الباى حسان الذي طلب أن يعين له معاشا . ونفس الطلب تقدم به على بن عيسى قائد جيش أحمد باى وزوجتا الباى أحمد آخر بايات قسنطينة ومعهن خدوجة أخت حمدان بن عثمان خوجة 99 . ولقد ساءت حالتهم بهذا الشكل لكون فرنسا لم تعد في حاجة لخدماتهم جميعا فعملت على تفقيرهم بهدف إضعافهم لصالح العائلات الجديدة، والتي حلت محلهم في خدمة المستعمر الغاصب . ولصالح الكولون الذين أصبحوا هم أهل البلاد وأصحابها الشرعيين وهذا حسبهم هم طبعا وعلى كل واحد منهم أن يدافع عما اغتصبه منها أي من البلاد ضد الجزائريين، والذين أصبحوا أشباحا وذكرى من الماضي وبكل الوسائل والأساليب، ومنها تفقيرنا طبعا وبهذا نحن نضعف وهم يستقوون .

وسياسة التفقير الممنهج لشعب الجزائري لتفضح وتعري زيف الادعاء الكاذب للمهمة التحضيرية الفرنسية في الجزائر . فمنذ أن دخل المستعمر الفرنسي للجزائر إلا وهو يعمل ومن دون كلل أو ملل على هدم المجتمع الجزائري ومحوه من الوجود . ولئن هو فشل في عملية إبادتنا كما هو حال الهنود الحمر في أمريكا . فهو بقي طوال مدة وجوده في الجزائر يعمل على محاولة إقصائنا من المشهد الجزائري وإلى الأبد لأن الجزائري الجيد حسبه هو الجزائري الميت على مثال الهندي الجيد هو الهندي الميت . ولهذا فقد عمل المحتل وبكل ما يستطيع لتفقير الجزائريين وجعلهم قطيها من الخماسة والرعاة عند شذاذ الآفاق من الكولون أو جنودا مرتزقة في جيوشه . كما أن تفقير الشعب الجزائري سيسهل عملية القضاء على المقاومة الجزائرية وتحطيمها وهذا بتجريدها من كل أسباب القوة التي يمكن أن تستخدمها ضد الغزاة الفرنسيين . وهذا لكون الشعب الجزائري قد أصبح عدوا لفرنسا ولا يمكن أن تتعايش قوتان في الجزائر، وهذا ما طبقه الجنرال بيجو فيما يعرف بسياسة الأرض المحروقة .

ولأن فرنسا كانت لا تثق حتى فيمن تعاون معها من الجزائريين، فما بالك بمن ناصبها العداء وبصورة علنية . ولهذا توجب عليها تحييد هذا العدو والاحتياط للمستقبل، وهذا عبر تجريده من مصادر قوته والتي يمكن أن يثور ويستخدمها ضدها . وهذا ما نجده في المقال المنشور بتاريخ 29 جوان 1871 والذي طالب فيه صاحبه بضرورة القضاء على نفوذ وقوة الجزائريين المسلمين وجعلهم ضعفاء وفقراء وعددهم محدود إلى درجة أن أي هجوم منهم لا يشكل خطرا على فرنسا 100 . وفي مقابل هذا فهي قد عملت على إغناء وإثراء الجزائريين الذين باعوا ضميرهم كما فعل يهوذا الإسخريوطي من قبلهم . وهذا لكي يكونوا مساعدين وأعوانا لها في قمع شعبهم والتسلط عليه ونهبه واستغلاله واستعباده . والنتيجة المباشرة لهذه السياسة هي وكما يخبرنا عباس فرحان أن ظهر : " نمط اجتماعي غير معروف في العالم الإسلامي ألا وهو النمط البروليتاري لقد كانت أريافنا عامرة بالفلاحين والرعاة وكانوا كلهم ملاك أراضي لقد كانت المراعي والسهول الواسعة تسمع لهؤلاء الفلاحين بأن يعيشوا على القمح والحليب  ... وفي المدن كان هناك إلى جانب المثقف والتاجر الحرفي الذي يعمل بدافع الرغبة لا بعقلية الربح " 101 .

ولقد تم تفقيرنا وفق سياسة ممنهجة مارسها الاستعمار ضدنا وهذا عن طريق : " فرض الغرامات الباهظة والإتاوات ... على سبيل المثال لا الحصر فرضت غرامة مالية كبيرة مليون فرنك على قرية القليعة الصغيرة التي تقع غرب العاصمة ... لقد باعوا أي السكان كل ما يملكون مواشي حبوب وحتى البذور فلم يجتمع لديهم إلا عشرة آلاف فرنك فدفعوها ... وفرضت على مدينة تلمسان عند احتلالها غرامة بثمانية ملايين فرنك وعلى مدينة قسنطينة خمسين مليون فرنك وهو مبلغ خيالي يفوق كل تصور " 102 . 

ومن بعد كل هذا فها هو الاستعمار يبرأ نفسه من جريمة تفقير الجزائريين حتى أن الأمر ليبدو مضحكا ومبكيا في آن واحد . فمن بعد أن برر الفرنسيون ساحة فرنسا الاستعمارية من الوضع المزري والذي يعانقه الجزائريون بسببها وبسبب سياستها الاستعمارية الإجرامية والتي حولت الجزائريين إلى مجرد غبرة بتعبير فرحات عباس . إلى تحميل اليهود مسؤولية الوضع المأساوي الذي يرزخ تحته الجزائريون وهذا ما نجده عند الرحالة الفرنسي غي دو موباسان Henry-René de Maupassan والذي يخبرنا بأن اقتراض اليهود للعربي بربا فاحش لكي ينفق على ملذاته وشهواته يجعله في الأخير يبيع ممتلكاته ليسدد ما عليه من ديون، فيتحول إلى متسول وإلى شحاذ وإلى صعلوك ولذلك فسياسة اليهود هذه هي العائق الأعظم في وجه الحضارة ورفاهية العربي على حسب تعبير غي دو موباسان 103 . ونحن هنا لا ننكر ذلك الدور السيئ للاقتراض بفائدة فاحشة من اليهود ولكن علينا أيضا أن نحدد طبيعة الأفراد الذين يسقطون في شراك المرابين اليهود فهم من سفلة المجتمع ومن اللاهثين وراء الشهوة والملذات، وهم قلة لا تكاد تذكر في المجتمع الجزائري وهم من السفهاء الذين لا يلتفت إليهم لأن كلامه السابق فيه طعن مباشر في أخلاق الجزائريين وتعريض بهم واجترار للأحكام المسبقة عن الجزائري من أنه كائن شبقي وشهواني مثل الحيوان . 

وتحميل اليهود مسؤولية الوضع المخزي الذي آل إليه المجتمع الجزائري استنتاج خاطئ . فاليهود موجودون في المجتمع الجزائري منذ زمن الكاهنة وما قبلها وإلى غاية 1830، ولم نسمع أبدا بأنهم قد حولوا المجتمع الجزائري إلى جماعات من المتسولين ومن المهمشين وبصورة جماعية . أو أنهم حولوهم إلى أنصاف عبيد وإلى خماسة ولا هم أنزلوهم إلى تلك الوضعية الحقيرة التي كنا عليها في العهد الاستعماري . وإن كنا هنا لا ننكر بأن بعض السفلة قد وقعوا في شراك المرابين اليهود ولكن هل كل الشعب الجزائري كان على نموذج هؤلاء الحقراء والتافهين والعابثين . ومنهم عائلة حمدان بن عثمان خوجة والتي أفقرها المحتل الغاصب حتى اضطرت أخته ومعها زوجتا الباي أحمد وكما مرّ أعلاه إلى طلب الصدقة من الفرنسيين . إن الشيء الأكيد هو أن هؤلاء الشرفاء يخرجون من زمرة هؤلاء التوافه، وهم من كانوا من العائلات النبيلة في الجزائر قبل الغزو الفرنسي لها . ومعهم أيضا نجد عائلة الحاج المقراني وعائلة عباس فرحات والتي صادر المحتل أراضيها وقذف بها في مجاهل البؤس والشقاء ومعهم كل الجزائريين الذين لقوا المصير نفسه . سيدي الكريم المسؤول الأول والأخير عن تفقير وجهالة الجزائريين بعد 1830 وعلى انعدام أي مظهر من مظاهر الرفاه الاجتماعي وبصورة مطلقة هو النظام الاستعماري الذي نصبته فرنسا في الجزائر والذي أرجع الجزائريين إلى حياه الكهوف وإلى ما قبل التاريخ وإلى العصور الوسطى، وهذا بشهادة الفرنسيين أنفسهم نعيدها مرة أخرى . والمصيبة الكبرى هي أن الفرنسيين لم يكونوا يرون في عملهم هذا أي إجرام أو تعدي على حقوق الجزائريين لكونهم كانوا مقتنعين بأننا لسنا بشر مثلهم وإنما نحن مجرد حيوانات تشاركهم العيش على ارض الجزائر . وهذا ما نجده فيما كانوا يلقنونه لأطفالهم من أن العرب أي الجزائريين : "  الذين ليسوا شعبا مثلنا لا يعانون في الواقع من الفقر الذين يعيشون فيه، ولا من الأمراض التي كثيرا ما تهاجمهم، وأن حاجتهم إلى المسكن وإلى الملبس أقل من غيرهم، وعلى الجملة فيمكن مقارنتها بحاجات الحيوانات الأليفة " 104 .

وكنتيجة مباشرة لتفقير الجزائريين فقد انتشر الجوع بينهم وصدق عباس فرحات عندما قال بأن : " المحتلين الكبار ما هم إلا إقطاعية فلاحية جعلوا هياكل الجزائر كلها في خدمتهم." 105 . أي في الزراعة التجارية كالكروم والحمضيات تاركين الشعب الجزائري فريسة للمجاعات حتى ظهرت أمثال شعبية جزائرية توظف مأساة الجوع كموضوع لها . كقول أحدهم ويدعي بورنان من منطقة حمام بني صالح وهي بلدية تقع جنوب ولاية الطارف الحالية وهذا في نهاية القرن التاسع عشر . فهو قد قال جملة أصبحت مثلا متداولا على الألسن وجاء فيها : " خبزة لي وخبزة للكلب والشر امالفين بيه " ومعناه قطعة خبز لي وقطعة لكلبي والجوع قد ألفناه، وهذا لكون الأخير قد أصبح من يوميات الجزائريين في جزائر العهد لفرنسي البائد . علما بأن لفظة الشر في لسان سكان المنطقة الحدودية مع تونس الشقيقة يعني الجوع . ويحكي لنا كبار السن ممن عايشوا الحقبة الاستعمارية بأن الجزائريين كانوا يتقاتلون على ما يجدوه في مزابل المعمرة والتي تدعى رينات Renete وهذا ببلدية عصفور الحالية من ولاية الطارف، وهذا خاصة أثناء سنوات ح ع 2 العصيبة عليهم . ولمن يتساءل عن السبب فالإجابة نجدها في الفقرة التالية : " وما كاد يحل الاحتفال بمرور قرن على الاحتلال حتى فقدت الجزائر قدرتها على تحقيق الاكتفاء الغذائي وتحولت من منتج للحبوب ومصدر لها إلى بلد مضطر لاستيراد المواد الغذائية الضرورية لحاجات سكانه " 106 . وما دام الجزائريون بلا عمل أي بلا دخل فيمكن لنا تصور معاناتهم تحت هذا الوضع العصيب والمسئول الأول والأخير عن هذه النكبة هو المستعمر الفرنسي والذي خرّب الزراعة الجزائرية وخاصة بتخصيصه لمئات الآلاف من الهكتارات الزراعية لصالح زراعة الكروم والحمضيات . ونحن هنا لا نتجنى على الفرنسيين في الجزائر فها هو جول فيري يقول بأن : " الأوروبيين قد جعلوا من أهل البلد الأصليين شبه أشباح لرجال " . في حين وصف زميل له مأساة الجزائريين كما يلي : " لقد حطمنا الكيان الإنساني للمجتمع الجزائري دون أن نفتح المجال للجزائريين لكي ينضموا إلى مجتمعنا " 107 . ولهذا فعباس فرحات يمتدح جهرا الفتح الإسلامي والذي يراه فتحا إنسانيا حضاريا ومستعينا هنا بما يقوله مؤرخوهم وللوقوف على ما قاله من مدح وإشادة بالفتح العربي لمنطقتنا وللمزيد راجع كتابه ليل الاستعمار الصفحة 68 و 69 . وفي مقابل هذا فهو يدين الغزو الفرنسي للجزائر ويراه مناقضا ومضادا للفتح العربي لأنه كان مدفوعا بالروح العنصرية والتجارية . ولهذا فهو يعرض بالاستعمار ويدينه ويفضحه وذلك بالكشف عن حقيقته وحقيقة دوافعه وللتوسع أكثر أنظر كتاب ليل الاستعمار الصفحة 68 والصفحة 69 . 

وهذا المسلك لم ينتهجه عباس فرحات لوحده فقط، بل سار فيه كل من أرخ للجزائر تحت نير الاستعمار الفرنسي . فعن مجاعة 1868 يخبرنا مصطفى الأشرف مثلا بأنه : " ورغم هول الكارثة فإن احتياطي المعمرين من الحبوب لم ينقص منه شيء كما أن مستودعاتهم كانت عامرة بالقمح ولم يخطر ببال أحد من الرسميين أو من الخواص أن يبذل يد المساعدة للجائعين ذلك أن هؤلاء الأجانب كانوا مبتهجين لاحتمال انقراض السكان بهذه الطريقة البسيطة " 108 . وهل بعد كل هذا ننتظر منهم أن يمدوا لنا يد المساعدة لينتشلوننا من جحيم الجهل الذي قذفونا فيه فكما أن المجاعة كانت تخدمهم وابتهجوا لها فكذلك الجهالة كانت تخدمهم وهم سعداء ما دمنا جهلاء، كالقطيع من دون راع وأحاطت به مجموعات الضباع والذئاب من كل حدب وصوب . وهل هذه هي المدنية والحضارة شعب بأكمله لم يبق بيده إلا أراضي جدباء حجرية وبلغ الثلثان من هؤلاء السكان من الجوع والبؤس والفاقة مبلغها لا يجدون ما يسدون به رمقهم 109 . ولهذا فقد كان الجوع يلوي أحشائهم والظلم يهتك كرامتهم والجهل يخدر عقولهم 110 .

وماذا سيقول السيد شيراك عندما تصفعه على وجهه شهادات مواطنيه الفرنسيين ممن عايشوا تلك الحقبة السوداء من تاريخ بلادهم بالجزائر . فها هو الدكتور ج توماس يقول لقد عشت في مدينة الجزائر فترة طويلة وقد رأيت فرقا من الأطفال في أسمال بالية يجنون قوت يومهم ابتداء من سن الخامسة ببيع الجرائد ومسح الأحذية ورأيت أعشاش القصدير في الأحياء العربية وهي أماكن تعتبر عارا على الحضارة 111 . وما زاد من سوء الأحوال المعيشية في الجزائر وترديها هو ربط الجزائر بفرنسا بعد غزوها فأصبحت الحرف غير كافية لإعالة الحرفي وأسرته 112 . وهذا بسبب تدفق البضائع الفرنسية وبكميات كبيرة وبجودة عالية بفعل الثورة الصناعية مما أدى إلى بوار الصناعة الحرفية في الجزائر وتخريب بيت القائمين عليها ولينضموا هم كذلك إلى فيالق العاطلين عن العمل، وهذا لحساب العنصر المعمر والدخيل . ومع ما سبق فقد قضى المستعمر أيضا على التجارة الخارجية الجزائرية ولتصبح الجزائر متخصصة فقط في تصدير المواد الأولية في الفترة ما بعد الاستقلال كنتيجة حتمية لتخريب اقتصادها طوال فترة الاحتلال الفرنسي لها . وما زاد الأمر سوء هو الأجر الزهيد الذي كان يتقاضاه العامل الجزائري فهو لا يتجاوز الفرنك الواحد أو فرنك ونصف هذا إن وجد عملا طبعا ولم تكن هذه الأجرة لتعيله أو لتكسوه بتعبير عباس فرحات 113 . والبقية من الشعب الجزائري طردها الاستعمار من أراضيها فأصبحت فريسة للبؤس في مقابل المعمر الغريب والذي أغناه النظام الاستعماري فأصبح مستواه المعيشي لا يضاهيه حتى ذالك الموجود في فرنسا المتروبول métropole .

أما مساكن غالبيتنا فلم تكن إلا زرائب للحيوانات، وتمثلت فيما يسمى بالڨرابى أو النوالة . وهي أكواخ مبنية من الحجارة أو من أغصان النباتات ومغطاة بالديس وهو نوع من الحشائش الجبلية والبرية وهذا النوع من البيوت تنعدم فيه أدنى ضروريات الحياة، حيث يقول عنها عباس فرحات بأن الريح : " تصفر عبر فروع القش التي تغطي كوخك والمطر يقطر على الأرض الرطبة حيث تنام يا إلهي من سيشفق علي البؤس العريض لفقراء بلدي من ذا يود أن يعالجه ؟ . " 114. حتى أن الثكنة العسكرية الفرنسية قد كانت تبدو للمجند الأهلي أي للجزائري وكأنها قصرا وهذا كما مر معنا أعلاه وهذا لكونه قادما من ذلك الكوخ الحقير والمقام في الريف أو في أطراف المدن التي احتكر السكن فيها المعمرون .

أما الخدمات الطبية والرعاية الصحية فهما ترف ومن المستحيل أن يحلم بهما الجزائري، والذي ابتلاه الاستعمار بالثالوث الأسود وعلى رأسه الأوبئة والأمراض وفي مقدمتها التيفوس Typhus والذي هاجم، البلاد وقضى على عدد ضخم من سكانها 115 . أما إذا توجهنا إلى المستشفيات فالكلاب فيها تعامل أفضل منا كما يخبرنا بذلك فرانتز فانون . وهذا ما جعله ينضم إلى الثورة الجزائرية ويطلق بالثلاث فرنسا الاستعمارية وإلى الأبد . وكم كان يتألم عباس فرحات من ذلك الوضع الصحي المزري للفرد الجزائري والذي يصفه بالقول : " أنت هو أنا وأنا هو أنت يا أخي شارد الذهن محموما مريضا إنها تمطر إنها تثلج وأنت بردان جوعان تغطي قندورتك عباءتك الوحيدة جسمك الذي نهشته القروح المقيحة ولم تعد قادرا حتى على التألم " 116 . وهذا الوضع الشاذ كان نتيجة لكون الجزائريين رعايا للدولة الفرنسية . أما الفرنسيون فهم مواطنون يتمتعون بكل الحقوق التي تمنحهم إياها الجنسية الفرنسية . وهذا لكون الدولة عليها واجبات تجاه مواطنيها الذين يحملون جنسيتها . وفي الجزائر الفرنسية كان حوالي 40 ٪ من الأوروبيين  يتمركزون في مدينتي الجزائر ووهران و40 ٪ الأخرى تتوزعها المدن الأخرى أي حوالي 000 792 أوروبيا كان يقيم في المدن سنة 1954 في المدن 117 . وكنتيجة لهذا فإن كل المراكز الطبية والمستشفيات كانت توجد في المدن لرعاية العنصر الأوروبي أما الجزائريين فكانوا محرومين من أدني الخدمات الصحية .

وعندما حاول الجزائريون الفرار من جحيم الجزائر المستعمرة إلى فرنسا بحثا عن العمل بعد أن أصبحت بلادهم طاردة لهم . فإن الكولون قد وقفوا لهم بالمرصاد وهذا لكي يمنعوهم وبالقوة من الهجرة تخوفا على مصالحهم الاقتصادية والتي ستنهار نتيجة للنزيف الحاد لليد العاملة والمتجهه صوب فرنسا . وأقاموا دعاية ضد هذه الهجرة تحت حجة بأن مرض السل متوطن في أجساد الجزائريين وسوف ينقلونه هو وغيره من الأمراض إلى فرنسا 118 . وهذا الكلام لهو إدانة صريحة للمهمة التحضيرية الفرنسية في الجزائر والتي ما أنتجت إلا البؤس والشقاء ومختلف الأوبئة والأمراض التي ابتلت بها الجزائريين . كما يخبرنا محمد العربي الزبيري بأن الخدمات الطبية والمنشآت الصحية لم تهتم بها السلطات الاستعمارية إلا في المراكز الآهلة بالمستعمرين . وعندما اندلعت ثورة نوفمبر سنة 1954 فإن الأغلبية الساحقة من الجزائريين لا تعرف الطبيب أو المستشفى أو المستوصف . ولا تستعمل الأدوية بل إن التداوي في أريافنا أين يوجد معظم السكان يتم بالطرق التقليدية مثل الأعشاب واللجوء في كثير من الأحيان إلى الرقيا والنار والتمائم 119 .

كما يمكن القول بأن انتشار الأمراض في الجزائر جاء كنتيجة مباشرة للسياسة الفرنسية فيها ولم يكن ضحاياها من الجزائريين فقط بل مست كذلك الفرنسيين أنفسهم مثلما هو الحال مع تيلينسكي Telinski المتخصص في الدراسات العربية والبربرية في العام 1907 120 . كما يجب الإشارة إلى أن الطب في بداية الاحتلال قد استخدم لأغراض استعمارية استيطانية فهو : " وسيلة للتوسع وللاستيطان لأن السياسة الفرنسية التوسعية في الجزائر اعتمدت وسائل كثيرة كان أهمها التوسع العسكري والتوسع المدني والتوسع العلمي والطبي والديني " 121 . ولهذا فقد تعاملت فرنسا مع التطبيب من زاوية مصلحية محضة وليس لغايات إنسانية أو كحقوق للجزائريين مطلقا .

أما باقي ضرورات الحياة فهي منعدمة في التجمعات السكانية الخاصة بالجزائريين كطرق المواصلات  مثلا لكونهم قد تم إبعادهم : " إلى مناطق نائية، فقيرة، ذات أرض قاحلة، فلا مدرسة ولا طريق معبد ولا مستشفى، قياد وباشاغوات سلطوا عليهم لمراقبتهم ومساعدة جباة الضرائب " 122 . ذلك أنهم قد أصبحوا كما مهملا لا يعبأ أحد لا بماضيهم ولا بحاضرهم ولا بمستقبلهم . ولهذا فقد كان حلم عباس فرحات أن يرى وضعية شعبه تتغير حقا وأن يلج المدنية ويعانق مظاهر التحضر الحقيقية فها هو يقول : " إننا ننظر إلى يوم قادم، وبفضل سياسة حكيمة، حيث تصبح جبالنا مغطاة بمنازل بيضاء، وطرقنا معبدة، والينابيع تتدفق بالماء العذب الشفاف، والكوخ يتحول إلى حطام من الماضي ولن يظهر للأبد في الدواوير النائية وفي أوساط المشاتي الطينية المغطاة بالديس . حجرة توضع، البنيان يرتفع، المنازل تتكاثر، وفي وسطهم المدرسة، ومجلس الجماعة، والمستشفى، ومركز البريد، وثكنة الدرك، والمساعدة الطبية و الصحية، والأمن، والأهلي يسرع إلى التحرر، كمجموعات راسخة، والقرية تنشأ ." 123 . ولو كانت كل مظاهر المدنية هذه قد أقامتها فرنسا لما كان هناك من داع للمطالبة بها أصلا . وإنما هو كان يطالب بما كان شعبه محروما منه ومحروم من حقوقه الأساسية والتي سلبها منه المعمر الأجنبي والدخيل والذي كبل الشعب الجزائري في أغلال العبودية وأصبح هو فرعون هذا العصر بتعبير عباس فرحات دوما، هذا الأخير الذي يخبرنا بأن وضعية الأوروبيين ممتازة وقوية الجانب من شأنها أن تنسي هؤلاء الدخلاء أصلهم الوضيع الصغير وماضيهم التعس الفقير حيث صار كل منهم في قصر يفترش الفراش الوثير حتى أصبح منهم العبد سيدا والجبان صنديدا والمسكين جبارا عنيدا 124 . وهذه هي المهمة الحضارية التي يقصدها المدافعون عن الاستعمار الفرنسي في الجزائر فهي انجازات عملاقة للعنصر الأوروبي الدخيل والتي غيرت مجرى حياته بزاوية 180 درجة والتي لم تصل منها حتى القشور للشعب الجزائري والذي بقي يرزخ في قيود الذل والعبودية والى غاية العام 1962 .

وإلى جانب ما سبق نجد كل أشكال التعذيب والاغتصاب قد مارسها الاستعمار الفرنسي في الجزائر كأحد أبرز وجوه وعناوين مهمته التحضيرية في الجزائر . حتى أنهم وأثناء الثورة التحريرية المباركة 1954 – 1962 كانوا يربطوننا بكتل إسمنتية ثم يرموننا في البحر وهكذا يضمنون موتنا وعدم اكتشاف جريمتهم القذرة هذه . ذلك أن عمليات التقتيل تلك كانت مبررة عندهم أخلاقيا ولهذا فلم يكن ضميرهم يؤنبهم فها هو سانت أرنو Armand Jacques de Saint-Arnaud يقول : " إن المدفع هو الصوت المدوي الذي يرفع راية الحضارة الإنسانية ويحطم الحدود التي تفصل بين الشعوب ويرغمها على الاتصال ... ومما لا شك فيه أن الفائدة المحصلة من هذا الاتصال تكلف الدماء والدموع والآلام " 125 . ولكن ومع الأسف الشديد فكل الدماء والدموع والآلام كانت نصيبنا نحن ولوحدنا ولمدة قرن و32 سنة وكل سبل الحياة ودموع الأفراح والمسرات كانت من نصيبهم هم وحدهم .

وفي آخر هذه النقطة نقول ترى المدنية في تلك الأعمال الوحشية والتي يخبرنا عنها الجنرال سانت أرنو بأن بقوله : " حملتنا - أي الفرنسيين - في الجزائر كانت تدميرية أكثر منها عملا عسكريا ونحن اليوم في وسط جبال مليانة لا نطلق إلا قليلا من الرصاص وإنما نقضي وقتنا في حرق القرى والأكواخ وأن العدو يفر أمامنا سائقا أمامه قطعان غنمه " 126 . والاعتراف كما يقولون سيد الأدلة فهو يخبرنا بأن الحملة الفرنسية على الجزائر ليست أبدا بالحملة التحضيرية كما يدعى البعض وإنما هي عمل تخريبي ممنهج ومنظم وسياسة دولة تطبقها على أرض الواقع وتتحمل تلك الدولة تبعاتها ونتائجها وهل الحرق والقتل والتشريد والتدمير عمل تمديني أم عمل همجي بربري ووحشي ؟ نترك الإجابة للسيد جاك شيراك وللذين هم على شاكلته ممن يفتخرون بالمنجزات الحضارية الفرنسية المزعومة في الجزائر . ثم هو أي سانت أرنوا المذكور أعلاه ينعت الجزائريين والمفترض أن فرنسا قد جاءت لتحضيرهم بالعدو، وهل العدو نمد له يد العون ليرتقي في سلم المدنية والحضارة أو نطلق عليه الرصاص ونرديه قتيلا . وهذا هو منطق فرنسا في الجزائر بعيدا عن أكاذيب التمدين والتحضير المجني عليها في الجزائر .

نعم لقد حولونا وبالقوة إلى أعداء لهم ثم بنوا : " حاجزا كثيف أصبح يفصل بيننا وبينهم وأصبحت قصة الذئب الشرس والحمل البريء قصة يعيشها الشعب الجزائري ككل هذا ما يخبرنا به كتاب ليل الاستعمار لفرحات عباس 127 . وهنا نقول كيف يمكن أن تتم عملية التحضير وهذا من خلال تأثيرهم فينا أو أن نتخذهم  نحن قدوة لنا إن كانوا هم أصلا يصلحون بأن يكونوا قدوة لنا . وكيف يحدث التمدين والتحضير و لا يوجد بيننا وبينهم أي تواصل وهذا لكوننا لا نملك أداته ألا وهي اللغة . فها هو وحتى العام 1948 في الجزائر : " لم يكن يتكلم الفرنسية سوى 15 ٪ من الرجال المسلمين و06 ٪ من النساء المسلمات و06 ٪ من الرجال و 2  ٪  من النساء الذين يجيدون الكتابة باللغة الفرنسية وبالنسبة للأوروبيين لم يتجاوز عدد الذين يتكلمون اللغة العربية 20 ٪ من الرجال و 10 ٪ من النساء أما الذين يكتبون باللغة العربية فالعدد لا يتجاوز 1.7  ٪ من الرجال و 0.5  ٪ من النساء " 128 . إن هذا الوضع الشاذ والذي يتربص فيه كل جانب بالآخر ويعتبره عدوا يجب القضاء عليه . من المستحيل أن توجد فيه التربة الخصبة ليصبح أحد الطرفين قاطرة تجر الطرف الآخر صوب عالم المدنية والحضارة . إن كنا طبعا قوما همجا نحتاج لمن يحضرنا حسب الدعاية الاستعمارية الفرنسية .

 

خلف الله سمير ابن امهيدي / الطارف / الجزائر

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3466 المصادف: 2016-03-02 01:10:23


Share on Myspace