المثقف - قضايا

طــبــقـات الـســعـادة

hasan zayedأقصوصة لنجيب محفوظ، لم تنشر من قبل في كتاب . نشرتها جريدة الأهرام في ملحق الجمعة، أواخر شهر أغسطس 2015م، في ذكري رحيله التاسعة . الأقصوصة بعنوان: " طبقات السعادة " . وقد تناول من خلالها محفوظ جدلية العلاقة ما بين السلطة والثقافة . فإذا أعتبرنا أن الأخلاق فرع عن الثقافة، فإن العلاقة بين السلطة والثقافة تصبح علاقة عكسية كما ذهب محفوظ، وليست علاقة طردية . وقد عرض لذلك من خلال زميل له في الدراسة، استعرض أخلاقه فيما قبل أن تؤول إليه سلطة وما بعدها . فوصفه بقوله أنه كان " مثال الرقة والعذوبة ". "قدوة في الأدب والحياء والسلوك السوي . بعيد كل البعد عن شقاوة الأقران . مسالم في حاله لا يند عنه لفظ خشن أو يصدر عنه سلوك منحرف . ذكره دائماً يفوح بأريج الطيبة والدماثة ". ولا ندري إن كانت هذه الصفات أصيلة في شخصيته، أم أنها ناتجة عن حالة من التسلط الأبوي الذي يدفع بالأبناء إلي أخلاق الخنوع ؟ . ولعلنا نجد الإجابة في وصف محفوظ لأبيه: " مدرس اللغة العربية، شيخ مقتدر، قوي الشخصية، مهاب الجانب، يسود فصله النظام والقانون " . وهذه القوة والمهابة، لها جانبها التسلطي الإستبدادي، الذي ينعكس بالضرورة علي سلوك الأبناء، استكانة وخنوعاً، ويطلق عليه خطأً، تأدباً وحياءًا، ورقة وعذوبة . تلك هي الصورة الذهنية التي استدعاها بطل نجيب محفوظ، من ظلمات الماضي، حين مر أمام قسم الموسكي، وهو في طريقه إلي دار الكتب، فرأي زميله القديم ضابط الشرطة برتبة لم يعد يذكرها ـ ممثلاً للسلطة أياً كانت رتبته ـ عند مدخل القسم، وأمامه أحد المخبرين، قابضاً علي رجل من أهل البلد، من أعلي جلبابه، من جهة قفاه للدلالة علي الإهانة، والزميل القديم يتفحص ابن البلد بحنق شديد صارخاً في وجهه: " رجعت إلي عادتك القديمة يا ابن ..." .  وانطلقت من فيه شتائم اخترقت كل حرمات الأم والأب والجدود . وهوي علي وجهه بضربة هائلة، ثم أردفها بركلة نطرته متراً، وصاح بالمخبر: " ارمه في الحبس حتي ارجع " . ونلاحظ أن هناك كلمات ذات دلالة، التجأ إليها محفوظ لتوصيل فكرته إلي القاريء، كقوله: " ضابط شرطة برتبة لم أعد أذكرها " . فاختياره لضابط الشرطة، باعتباره الأظهر والأوضح في تمثيل السلطة، وتنكيره الرتبة لتعميم الحكم علي كل صاحب سلطة . وقوله: " رجل من أهل البلد " و " ابن البلد " للدلالة علي المفارقة المفجعة ما بين صفته، وأسلوب التعامل معه، من إهانة، وشتم، وضرب، مما لا ينبغي لمثله . استدعي البطل / محفوظ من الماضي الصورة الوردية الملفوفة في الحياء والعذوبة ؛ ليواجه بها الصورة الوحشية الغليظة الماثلة، ليصل ـ بصراعهما ـ إلي قمة التصعيد الدرامي، في الشكل الهرمي للبناء القصصي، أو ما يطلق عليه العقدة . ثم من خلال السرد الحواري الكاشف، تتبين جدلية العلاقة بين السلطة والثقافة، ونظرة كل منهما للآخر . يقول الضابط لزميله الراوي: " طريقنا واحد حتي دار الكتب " . وعند دار الكتب تتفرق السبل، وكأنه لا سبيل لالتقاء السلطة مع الثقافة علي أرضية الثقافة . وفي معرض تبريره لمسلكه يقول الضابط: " المهنة تخلق الإنسان خلقاً جديداً "، ولو صح هذا الكلام لتوحد السلوك بين أهل المهنة الواحدة، ولذابت فيما بينهم الفروق الفردية . وهو بذلك يسلك مسلكاً تبريرياً، في محاولة لتبرئة ساحته، مما اقترفت يداه، وكأن المهنة هي الجانية بمعزل عنه . يسأله الراوي / المثقف: " أليس من القانون ما يكفي ؟ " . فيرد الضابط السلطة: " القانون . لا تجرني إلي عالم النظريات . القانون مفسدة لهؤلاء . إني بحكم عملي لا أتعامل غالباً إلا مع الأوباش . فلا مفر من استعمال لغتهم، وتبني سلوكهم . القانون ؟ " . وضحك ساخراً ثم مضي في حديثه: " لو تعاملت معهم بما يرضي القانون، واحترام الحقوق، لاعتبروا الحكومة مهزلة، وتمادوا في شرهم إلي غير نهاية " . وهنا تطور نوعي من إلصاق المسلك المشين بالمهنة بمعزل عن الشخص، إلي نظرة الشخص للقانون باعتباره مسألة نظرية يجري تدريسها من قبيل الترف والرفاهية العقلية . كما أنه مفسدة للتعامل مع هذه الفئة من البشر، والتجربة العملية تقتضي التعامل معهم بلغتهم، وتبني ذات سلوكهم الإجرامي، وتنحية القانون جانباً لأنه لن يُقَوِّم سلوكهم، ولن يعالج انحرافاتهم . وهو منطق يصادر علي الحقيقة والواقع ليبرر المسلك الإجرامي للضابط / السلطة حين يتصرف خارج إطار القانون . وقد برز دور الراوي المثقف في تحدي هذا المنطق المعوج بسؤاله: " ولكنكم تعاملون المتظاهرين نفس المعاملة وهم صفوة الشباب" . وبذلك هدم الراوي المثقف منطقه، ولذا فقد أسقط في يده، ولم يجد بداً من الهروب بقوله: " لا .. لا .. هذه مسألة أخري . لا تمل بنا إلي السياسة .. للسياسة كما تعلم قوانينها الخاصة " . ساد الصمت بينهما لفترة، بما قد أحس معه بانهزام منطقه، وكشأن أخلاق التسلط، عاود الهجوم علي شخص الراوي / المثقف، وعلي عموم الشعب كله بقوله: " الحياة الحقيقية في الشارع لا في دار الكتب " وكأن المثقف يعيش بمعزل عن الحياة والمجتمع، مسجوناً في خيالاته بين صفحات الكتب، متوهماً حياة مثالية خيالية، لا نصيب لها في الواقع . ثم يستطرد مواصلاً سحب أحكامه علي الشعب كله، وليس فئة الأوباش منه: " السجن لا يعتبر عقوبة مناسبة مع هؤلاء . شعبك غير الشعوب الأخري " . ثم يعرض الجذور الفلسفية لمفهومة: " السجن يوفر لهم مأوي أفضل بكثير مما يتهيأ لهم في حياتهم العادية، وطعاماً لا يظفرون بمثله في غالبية أيام السنة، فالسجن لا يعتبر عقوبة رادعة لهم " . ثم يعرض لنظريته البديلة في العقوبة بقوله: " العقوبة الوحيدة المجدية هي ما قبل العقوبة الرسمية . أعني الشتم والضرب والإهانة " . فتفكر الراوي / المثقف قليلاً ثم قال: " كنت أتصور أنني ملم بتعاسة شعبنا، ولكنني لم أعرف مداها إلا الساعة " . وقد ذهب محفوظ إلي أن ذلك قد حدث ذات صباح في زمن متأخر لعله الأربعينيات .

 

حــســـن زايــــــــد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3482 المصادف: 2016-03-18 22:03:25


Share on Myspace