المثقف - قضايا

السجن واكتساب الطباع من الآخرين

يأتي السجناء من كل طبقات المجتمع ويحرص كل واحد منهم على ممارسة ما يعتقد أمام الآخرين؛ ولهذا تجد السجناء يختلفون في كل سياحته في الأكل والشرب ،وعندما يشعر السجين بالرغبة في الكلام يحاول أن يراعي كل الموجودين خوفا من الانتقاد

ولما كانت المدة التي يقضيها السجناء طويلة في العادة خصوصا المحكومين بالأحكام الثقيلة، فمن الطبيعي أن تجد الجميع قد مارس التعبير عن آرائه بصورة واضحة

والتلاقي بين الناس في السجن لا يكون فقط عن طريق الأفكار ،بل عن طريق التصرفات والميول المختلفة ،وخلال الفترة الطويلة للتي يقضيها السجين؛فقد يتعلم من الآخرين الأمور التي تعجبه والأمور التي لا تعجبه فان الطبع سراق كما يقولون.

وعندما يجد السجين نفسه مقبولا عند الناس بأخلاقه فهو لن يكتفي بالتصرف الشخصي،بل ربما يكون له دور في ممارسة الإصلاح بين المتواجدين؛ لان السجناء عادة لا يكادون يفارقون الاختلاف والمشاكل لأدنى الأسباب.

فقد يصبح بعض كبار السن مرجعا لحل النزاعات بين الأفراد ،وربما يصبح بعض الأخيار من الشباب أيضا من أهل الحل والعقد في السجن هذه الحالة فيها الكثير من الايجابيات؛ فالسجناء خصوصا المحترف منهم لا يبالي بالسلطة أبدا ،وبالتالي إذا ساعده المكان على أن يمارس المنحرف فهو لن يقف في وجهه أي رادع خارجي .

والأيام الطويلة في السجن مع وجود النزاعات تشعر السجين بحاجته إلى الاندماج مع الآخرين ؛ليأمن على نفسه من الأذى، وعدم الشعور بالوحدة في نفس الوقت .

وحاجة الإنسان إلى الأمن والاستقرار في السجن أمر ضروري ؛لان التواجد فيه ليس باختيار الإنسان وبالتالي يصعب التكهن بالآثار السلبية للاختلاف مع أشخاص محترفين في الإجرام.

ويوجد في السجن قوانين اجتماعية تفرضها الحاجة ؛ومنها الرغبة في وجود الهدوء والأمن للجميع ؛ولهذا التعبير عن النفس متاح لكل سجين لكن الخوف يبقى مسيطرا على النفوس بالرغم من كل هذا وذلك لان السجناء أحيانا يضعون قوانين خاصة يحكم فيها القوي من دون مراعاة للقيم والأخلاق .

وهذا الوضع يفتح الباب أمام حاجة أخرى وهي الحفاظ على الكرامة من الاعتداء عليها من قبل المتسلطين بحكم هذه القوانين ؛ فيلجا البعض إلى التقوي بأبناء مدينته خوفا من أبناء مدينة أخرى ،وهذا الحل يمثل طرحا منحرفا للأمن الاجتماعي في مثل هذا المكان لان الأمن في مثل هذه الحالة سيكون خاصا بالقوي والمتقوي دون البقية .

وقد يلجا البعض إلى التعلم من دون قيود بحكم الاندماج مع الأقوياء وبالتالي مع آرائهم بصورة تلقائية والطبع يسرق من الطباع النافذة.

أما الجذور التي يأتي منها الإنسان السجين فهي تؤثر كثيرا في توجهاته في السجن ،ومن خلال التعامل مع الآخرين ،فقد يأتي الإنسان من أصول بدوية فيأتي بطباع مختلفة عن الإنسان ذي الطباع الريفية وهكذا ابن المدينة .

ويكون السجين من المناطق التي تستعمل السلاح في حياتها اليومية كالأرياف والبوادي اقرب إلى الحفاظ على كرامته من الإنسان الذي ينحدر من المدينة ؛وذلك لان القانون الذي يحكم هو قانون الغابة والأقوياء ولا يوجد في قاموس ابن المدينة مصطلح القوة بشكل كبير؛ ولذا فهو معرض لامتهان الكرامة وتغير الأفكار والاندماج أكثر من الآخرين فيما يحافظ البعض الآخر على هويته الاجتماعية في الجملة حتى وان عاش فترة طويلة في السجن ؛ أما لأنه لا يندمج مع الآخرين أو لان الآخرين لا يتقربون منه خوفا من رد فعله، والسجن كثيرا ما يقوم على لغة الابتزاز وهذه اللغة لا تقبل من الجميع.

فالسجين يبقى رهين السجن إذا تعايش مع الآخرين ،وقد يتأثر صعودا وهبوطا وربما لا يتأثر لعدم الاندماج مع الآخرين

 

الشيخ جميل مانع البزوني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3514 المصادف: 2016-04-19 07:20:17


Share on Myspace