المثقف - قضايا

الدعوة إلى بناء المجتمع المفتوح في العالم العربي أهي ضرورة تاريخية أم ترف اجتماعي (3)

كما أن المشكلة الكبرى تكمن دوما في فكرة ادعاء امتلاك الحقيقة دون بقية البشرية جمعاء فالشيعة يدعون بأن الإسلام الصحيح هو قراءتهم هم وفقط للإسلام . ونفس الأمر مع السنة ومع باقي الفرق الإسلامية الأخرى، فالكل يدعى بأن خلاص المسلمين والبشرية ككل في ما يدعونه . ولكن التاريخ يشهد ويخبرنا بأن هذا الكلام فارغ وخال من أي مصداقية . فلا السنة وعلى طوال التاريخ الإسلامي أسسوا دولة الخلافة العادلة ولا استطاعوا أن يرسوا السلام وفق منهجهم . ولا الدول الشيعية التي تأسست هنا وهناك في التاريخ كانت هي الأخرى دولة إمامة فاضلة . ولعل أسوئها ما يسمي بالدولة الفاطمية والتي لم تكن سوى دولة استعمارية مستبدة وظالمة كتمت أنفاس المغاربة وأرهقتهم وهذا حسب بعض منتقديها . وكانت لا تختلف تماما عن الاحتلال القشتالي للأندلس أو الاحتلال الصليبي لبلاد الشام أوالاحتلال الصهيوني بيومنا هذا لفلسطين وهم ينطلقون هنا من ممارساتها ضد البربر المغاربة وليس من خلفية عقائدية ومهما كان لونها كما يقولون ونحن هنا نتحدث عن المذهب الإسماعيلي كعقيدة سياسية أكثر منه عقيدة دينية .

وعليه فالشيعة يقولون بأن السنة إذا ما تغلبوا فسوف يبعثون وينشئون دولة معاوية، والسنة يردون عليهم بأنهم يسعون لبناء دولة القرامطة . وضاعت الشعوب بين هذا الادعاء وذاك وكلنا اليوم نرى بأن لا الشيعة في العراق وإيران استطاعوا بناء دولة الرفاه على النموذج النرويجي والسويدي ولا مختلف الأحزاب الإسلامية السنية المشاركة في الحكم في بلداننا العربية والإسلامية قد استطاعت هي الأخرى تحقيق الهدف السابق الذكر . وهذا على الرغم من امتلاك قدرات بشرية واقتصادية تتفوق على تلك الموجودة في بعض الدول الأوروبية الرائدة . ولا أحد يحدثنا هنا عن التجربة التركية والتي لها مسار تاريخي مغاير تماما ولا علاقة لها بالإسلام السياسي . ذلك أنه وعندما ننسب النجاح التركي إلى الإسلام السياسي فإننا هنا نقول نصف الحقيقة وفقط .  

كما أن المشكلة الكبيرة عندنا في العالم العربي هي أن أكثرنا يحتكم إلى العاطفة أكثر من احتكامه إلى العقل . فالذي يحدثنا باسم الدين ننقاد له حتى ولو كان دجالا ونصابا ونبيا مزيفا، والسبب في هذا أن أغلبنا حتى ولو كان غير ملتزم بأحكام الدين ولكن مع كل هذا فهو يخاف الله ويخاف نار الجحيم ويطمع في الدخول إلى الجنة . وهذه هي نقطة الضعف التي يستغلها المتعصبون لشن حملة على العقلانية وتشويه صورتها وإلصاق تهمة الكفر والإلحاد والزندقة والهرطقة والقرمطية والتجديف بأصحابها . مما يضمن نفور الناس منهم تجنبا لتهمة الكفر والمروق من الدين والتي تكون عقوبتها الاجتماعية قاسية جدا والمتمثلة في النبذ والوصم الاجتماعي . مما يفرض على العقلاني عندنا أن يعيش منعزلا أو متوحدا بتعبير ابن الصائغ . وهنا يفتح الطريق أمام من يتاجر بالدين لقيادة المجتمع باسم الدين لا ليبنى مدينة النبوة أو المدينة الفاضلة وإنما وكما يقال ليأكل به الدنيا ولا شيء غير هذا . والمشكلة هنا ليست في الدين ولا في نصوصه المقدسة وإنما المشكلة هي أن نصوص الدين فوق مستوى إدراك هذا المتفيقه، وهذا لكون تأويلها لا يعلمها إلا الله أو الراسخون في العلم ولا هو ولا أساتذته الذين يستشهد بهم من هذا الصنف من العلماء الربانيين . ولهذا يكون فهمه لها مشوها يجعل نظرته للأمور نظرة عرجاء وقاصرة والنتيجة الحتمية كارثة على المستوى التطبيقي . ولن تحصد الشعوب سوى المزيد من الخيبات والآلام والدموع والمعاناة والأحلام المؤجلة والتي لا ولن تقطف أو تتحقق أبدا . والنتائج المأساوية والتي تأتت من تجارب بعض الإسلاميين وفي مختلف البلاد العربية، والأمر هنا ليس حديث عجائز ونميمة حتى نسمى هذا الطرف أو ذاك بقدر ما هو دعوة إلى هؤلاء الواهمين إلى ضرورة الاستيقاظ قبل أن يحل الخراب كل أوطاننا وبعدها لن نجد إلا التراب لنأكله . وهذا نتيجة لانسحابهم من المشهد من بعد فشلهم واقتناعهم باستحالة تجسيد مشاريعهم العرجاء على أرض الواقع . وبهذا نكون قد فوتنا فرصة من المستحيل استعادتها لنكون في مستوى الشعوب التي تحترم عقولها لا عائم المتطفلين على العلم وعلى الدين على حد سواء .

وقد يتساءل البعض هنا ولماذا فشل الدين في تحقيق وعود التيارات التي تتبناه وترى فيه زورا وبهتانا على أنه هو الحل الوحيد والأوحد . لا لشيء سوى لكونهم أسرى للماضي وللتاريخ، بحيث أنهم يرون بأن مدينة الله قد وجدت تاريخيا وهذا على عهد الصحابة الكرام وأنه يجب علينا نحن اليوم استنساخ تجربتهم وفقط . وهنا تكمن المعضلة الكبيرة، وكان الأولى بهم أن يكونوا أكثر حكمة وعقلانية فلربما ما يخبرنا به برهان غليون هو عين الصواب وهذا حينما قال بأن الفعل القرآني حدث ولكن الفعل الإسلامي لم يحدث بعد . ولكن البعض منا يرى بأن الحدثين قد حدثا وأغلقوا القوس ومن هنا جاءت كارثة عبادة الأسلاف كما يقال، بكل ما لهم وعليهم فكانت النتيجة الطعن في الإسلام كدين قبل الطعن في من يتمثلونه لأنهم قدموا أنفسهم على أنهم هم الإسلام ذاته . ولكن ألا يعلمون بأن البشرية وإلى يومنا هذا لا زالت تخطأ وتصيب وتتعلم كما الأطفال الصغار وأن التجربة الإنسانية لم تكتمل بعد فلماذا هم فقط يعتبرون أنفسهم نهاية للتاريخ وهم فقط البحر وغير الجداول التي لا بد وأن تتغذى منه وتصب فيه في آن واحد؟؟ .

وعطفا على ما سبق نقول أيضا بأن الجواب ربما يكمن ونحن هنا لا ندعى بأن جوابنا هذا مطلق لا معقب عليه . نقول نراه فيما يخبرنا به ابن رشد من أن العمامة لا تصنع العالم . وهو هنا قد أصاب كبد الحقيقة فكل من كثر فقره المعرفي والديني وضحلت بضاعته في هذا المجال فإنه يغطي عيبه هذا بالمظاهر الفارغة . وهذا الصنف هو النوع الوقح والذي نجده يتقدم الصفوف ويزعم بأنه علامة وأوحد عصره وهو من يمتلك الوصفة السحرية لحل كل مشاكل وكل معضلات المجتمع وفي مختلف المجالات . وبما أنه فارغ فهو يستنجد بالدين ولكن المشكلة هنا ليست في النصوص الدينية وإنما هي في مدى تفاعله هو معها . وبما أنه عاجز عن استنباط الأحكام منها وتجديدها، هذا طبعا إن أجاد تهجيتها أو قراءتها فإنه يستنجد كما يقول هو بالأسلاف وهنا تكون الكارثة فلا الزمن زمنهم ولا اللحظة التاريخية لحظتهم فيكون الثوب الذي يريد فرضه على الناس على غير مقاسهم . وهو هنا كمن يستنجد لمداواة أمراض عصرنا بوصفات العصر الحجري فإن لم تتعافى جراحنا بواسطتها فإنها حتما ستزداد سوءا . والعيب هنا ليس في نصوص الدين وإنما العيب هو في مدى تفاعلنا معها وجعلها تتوافق مع عصرنا . والعيب هنا ليس في تلك النصوص الدينية ونحن هنا نقصد الدين الإسلامي . وإنما العيب يكمن في المشتغل عليها ولتوضيح المعنى أكثر فإننا نقتبس هذا المثال من ابن رشد فيلسوف قرطبة العظيم والذي يرد التهمة عن عدم جدوى الاشتغال بالفلسفة ومن أنها مضرة بمثال استخدام العسل كدواء . فالله يخبرنا بأن فيه شفاء للناس ولكن بعض مستخدميه يمرضون بعد تناولهم له . والعيب هنا في معدتهم كما يقول ابن رشد وليس في العسل . وكذلك الأمر هنا مع النص الديني فالعيب ليس فيه وإنما العيب في قصورنا نحن في إدراك ما فيه . ولذلك وجب علينا أن نرتقي إليه لا أن ينزل هو إلينا فتكون هنا عملية تشويه وتزييف له . ولعل هذا تأتي من أننا نريد أن نبرر شرورنا بالمقدس ولكوننا نعتنق شعار أفلاطون والقائل : " أنت خلقت من أجل الكل ولم يخلق الكل من أجلك " وأفضل بيئة يزدهر فيها هذا الدجل هو المجتمع المغلق عدو المجتمع المفتوح . وعلينا هنا كذلك أن نحذر فالنجاح في الحياة لم ولن يكون فقط بالمقدس وإنما يكون بتلك التراكمات الناتجة بفعل التجربة الإنسانية عبر تاريخها الطويل والتي يوجزها النبي محمد ص في قوله : " أنتم أدرى بشؤون دنياكم " وهو هنا يقدم لنا خطة عمل متوازنة للفلاح في الدنيا والآخرة ولكن البعض منا ولعوامل مغرضة يغيبون هذا الشق من الدعوة المحمدية ويدعون بأن الإسلام هو فقط الحل وهذا لقصور نظرتهم للحياة ولذلك فقد كانوا نكبة وكارثة وفجيعة وفضيحة في أنفسهم وفي مجتمعاتهم .

وكلامنا السابق وللتوضيح ولكي لا يساء فهمنا فنحن فيه لا نتحدث عن الدين الإسلامي وإنما نتحدث عن قراءات له تجعل منه فلسفة شمولية تكبل الحياة وتجهضها . ولئن كانت الشيوعية والنازية على عهد كارل بوبر هما وغيرهما الفلسفات الشمولية . فقد حاول وعمد البعض إلى تحويل الإسلام إلى دين شمولي يعادي الحياة ويحرض على الموت بدلا من أن يحرض على التعايش المشترك وعلى الأخوة الإنسانية وهذا هو الأمر الذي نرفضه .

كما أن المشكلة الأخرى لتكمن أيضا في أن بعض التيارات العلمانية ببلداننا العربية تعانق هي الأخرى أصولية مضادة . تريد أن تفرض تصوراتها الحداثية على مجتمعاتها وتجعل منها نسخ طبق الأصل لا نسخ أصلية للمجتمعات الغربية . متجاهلة وقافزة عن إرث عشرات القرون وعلى موروث حضاري أصيل في المنطقة . وهذا يؤدي حتما إلى ردة فعل عكسية تحاول إرجاع المجتمع إلى العصور القديمة كمحاولة منها للتطهر من رجس العلمانية بمفهومها هي طبعا . وتجعل من تلك العصور حصانة لها وسور يحميها من هؤلاء الغزاة الجدد ومن الدخل . والذين ترى فيهم مجرد طابورا خلفي للاستعمار ومؤامرة ضدها . وهنا تكمن المأساة الكبرى أيضا فكل واحد منا يريد صبغ المجتمع بلونه الخاص بغض النظر عما يريد هذا المجتمع والذي يرونه دوما قاصرا يحتاج إلى من يرعى شؤونه ويدير أموره . لا أن تعطى له جملة خيارات وهو يختار ما يراه مناسبا له ولحياته .

كما أن المشكلة الكبيرة أيضا هي أن الطبقة العلمانية في بلداننا العربية ليست هي الطبقة العلمانية في الغرب، فهما نسختان مختلفتان نظرا لاختلاف أرضية تواجد كل منهما . فالعلماني العربي دوما مشكوك في أمره على أنه حصان طروادة لآخر وعميل له وأنه يعمل وفق أجندة خفية . في حين هذا الأمر لا نجده في المجتمعات الغربية نظرا لاستقلالية المؤسسات وللشفافية التامة ولحرية الصحافة والتي تمارس رقابة صارمة وتدقيق في كل أمر وإن يبقى الأمر هنا بشكل نسبي دوما فالبشر هم البشر والآلهة لا تسكن الأرض كما يقال . ولأن الدول هناك دول مؤسسات لا دول أفراد وهذا على عكسنا نحن تماما فكل شيء يتم تحت الطاولة مما يجعل الشكوك تحوم حول كل شخص وحول كل مشروع وهذا أمر تولد كنتيجة حتمية لغياب ثقافة المحاسبة والشفافية عندنا . ولذلك فلا مشكل لهم أن يكون رئيس بلدة لندن مسلم أو أن تكون وزيرة التعليم الفرنسية تقاسمه نفس الديانة فهما سيطبقان مشروع الحكومة الفرنسية والانجليزية لا مشروع الطائفة أو المذهب أو الإثنية التي ينتمون إليها . أما الديانة فهي أمر شخصي ولا تتدخل في عملية انتخاب هذا أو ذاك لهذا المنصب، لكونه يتقيد ببرنامج مؤسسات الدولة وبقوانين تلك المؤسسات . ولأنه على يقين من أن القانون وكما قال مونسيكيو Montesquieu مثل الموت ولا يستثني أي أحد . وهذه المقولة نجد صداها في حديث النبي محمد ص وهذا حينما يقول : " لا شفاعة في حد " ونراه مترجما اليوم في الغرب ومن يخطأ فلا بد من أن يحاسب كان من كان ومهما كان المنصب الذي يشغله مثل محاكمة رئيس صندوق النقد الدولي السابق دومنيك ستروس Dominique Strauss وهذا عندما أتهم بالتحرش الجنسي ضد عاملة نظافة في نيويورك ولم يستطيع الاحتماء بأحد كما يحدث في دول العالم الثالث عموما .

ولذلك فنحن على عكس الغرب كلنا نخاف من المجتمع المفتوح لأننا نخشى أننا ومتى انخرطنا فيه فسوف نفقد مكانتنا الاجتماعية ومعها نفقد الامتيازات المختلفة التي تضمنها لنا مناصبنا والتي نحصل عليها وفي معظمنا بطرق ملتوية خدمة لهذا الفريق أو ذاك، أو أن نكون عرضة للمحاسبة وللمساءلة القانونية . كما أننا نخاف من المجتمع المفتوح لأننا أعداء الحرية والإبداع فالأب يخاف من أن يصبح المجتمع مفتوحا لكونه يخشي فقدان السيادة على الزوجة وعلى الأبناء . ونفس الأمر مع الأم ومع الأخ المسكون بهاجس الأخ الأكبر . ونفس الأمر مع الجار لا يريد مجتمعا مفتوحا لكونه يخاف من أن يتجاوزه جاره القريب أو البعيد منه أو يتجاوز أبناؤه بنيه . ورب العمل أيضا يعادى المجتمع المفتوح لكونه يخاف من فقدان مرتبته في السلم الوظيفي، ورجل الدين وما أدراك ما رجل الدين يرعبه المجتمع المفتوح لأنه المستفيد الأكبر من القطيع . والمجتمع المفتوح يفضح حيله وأكاذيبه ولهذا فهو من أكبر المعادين له وهذا كما مرّ أعلاه . وهو كالسمكة فلئن كانت هي لا تعيش إلا في الماء فرجل الدين لا يمكن العيش خارج أسوار محاكم التفتيش الرهيبة والتي يضمن بقائها المجتمع المغلق .

نعم إن المجتمع المغلق مثلته محاكم التفتيش وخاصة الإسبانية منها وفي أبشع صورها . وماذا كانت النتيجة ألا نرى اليوم بأن المسيحية في طبعتها الكاثوليكية بدأ الكثير من معتنقيها يتخلون عنها وخاصة في أمريكا اللاتينية حصنها المنيع . لأنهم توصلوا إلى حقيقة مفادها بأن هذه الديانة ليست ديانتهم الأصلية وإنما هي معتقد فرض عليهم من قبل الكنيسة الكاثوليكية وبالقوة . ولذلك فإننا نرى المذهب البروتستنتي والإسلام مثلا لا حصرا ينتشران ويتوسعان على حساب مجال الكاثوليكية وخاصة في أمريكا اللاتينية، حيث أصبح الناس هناك يخرجون من الكاثوليكية ويهجرونها ويعتنقون ما يرون بأنه دينهم الأصلي . ولهذا فلئن ساد المجتمع المغلق لظروف تاريخية معينة فإن المستقبل لا ولن يكون له أبدا .

 

خلف الله  سمير بن امهيدي / الطارف / الجزائر

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3565 المصادف: 2016-06-09 04:03:08


Share on Myspace