المثقف - قضايا

الإلــحــاد وحـقـيـقــتــه

hasan zayedالله: عَلَم على الذَّات العليَّة الواجبة الوجود بذاتها، الجامعة لصفات الألوهيّة، وهو أوّل أسمائه سبحانه، وأعظمها . وينطق باللاّم المفخَّمة ما لم تسبقه الكسرة أو الياء، وإلا نطق باللام المرققة . أصله إله، دخلت عليه أل، ثم حذفت همزته، وأدغم اللامان، فصارت الله . والإله كل ما اتخذ معبوداً بحق أو بغير حق . والإله اسم من أسماء الله الحسني، ومعناه: المعبود الحق. ألَهَ الرَّجُلُ: عَبَدَ . أَلِهَ إلَيْهِ: لَجَأ إلَيْهِ . أَلَّهَهُ: اتخذه إِلهًا . ألَّه شخصًا: عدَّه إلهًا أو نزَّله منزلة المعبود . الإيمان بوجود إله ‏:‏ الاعتقاد القلبي والعقلي بوجود إله لهذا الكون . ولفظ الجلالة الله هو الإسم الذي تحدي الله به البشرية كلها (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا)، فلم يجرؤ بشر أن يسمي نفسه أو ابنه " الله " . والله موجود، وإنكارنا لوجوده لا ينفي عنه الوجود، وتبقي المشكلة لدينا نحن، والعطب في عقولنا، وفي أجهزة الإستقبال لدينا عن الله . فقد ذهب بعضنا إلي أنه يمكنه تصور الله، أو يمكنه تخيله، أي إخضاع الذات الإلهية لإدراكه، متناسياً بذلك أنه يسعي إلي تحويل القادر ـ وهو الله ـ إلي مقدور، وتحويل المقدور ـ وهو الإنسان ـ إلي قادر . وتبادل الأدوار لا يصح عقلاً، فلا يصح أن يتحول الإله إلي إنسان مقدور، ولا يصح أن يتحول الإنسان إلي إله قادر، لأن الله قديم أزلي لا بداية له، والإنسان حادث له بداية، كان قبلها عدماً، يحتاج إلي موجد له، وهو ما لايصح في حق الله . ومن هنا أخبرنا إلهنا بأنه: " ليس كمثله شيء " أي أنه: بخلاف كل ما يخطر علي بالنا . وآفة عصرنا انتشار ظاهرة الإلحاد، وخاصة بين الشباب، بدعوي أن الأديان ردة إلي الخلف، ولم تعد مناسبة لروح العصر . والإلحاد هو‏ الكفر بكل الأديان وعدم الاعتراف بها ولا بوجودها ‏ . ألحد فلان: عدل عن الحق، وأدخل فيه ما ليس منه . وألحد في الدين: طعن فيه . ألحد الشَّخْصُ عن الدِّين / ألحد الشَّخْصُ في الدِّين: مال عنه وحاد وطعن فيه، أشرك بالله:- ألحد الشَّخْصُ عن الحَقّ: عدَل عنه وأدخل فيه ما ليس منه،{إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي ءَايَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا} . والإلحاد هو مذهب من ينكر الألوهية، ويرفض بالتبعية الأدلة العقلية والمادية والنقلية علي وجود الله . فالله من وجهة نظر الملحد غير موجود . ويزعم أنه في ذلك قد استخدم عقله، بعد أن حرره من كل الخرافات والأساطير التي كبلته .الملحد أنكر وجود الله دون أن يسأل نفسه ـ عقلاً ـ عمن خلق هذا الكون، الذي طرأ عليه . كان حرياً به أن يسأل عمن أبدع هذا الكون ـ أي خلقه علي غير مثال سابق ـ وهندسه، ونسقه وفقاً لنظام محكم . لقد وجد الإنسان ـ عقليا وعلمياً ـ بعد وجود الكون، أي جاء إليه فوجده معداً له، جاهزاً لاستقباله . فمن الذي أوجد هذا الكون؟. جاء الإنسان إلي الوجود، فوجد الأرض، ووجد الهواء، ووجد الماء، ووجد الأشجار والنباتات والثمار، ووجد الحيوانات، فمن الذي أعد له كل هذا، وسخره لخدمة الإنسان؟ . يستحيل عقلاً أن يكون الكون قد وجد صدفة، لأن الصدفة لم تخلق أكواناً أخري . ولو أن الأمور تجري بالصدفة في خلق الكون، لجرت كذلك فيما هو دون ذلك، فما ينطبق علي الكل، ينطبق علي الجزء الذي يندرج تحت هذا الكل، كما يقول المناطقة، فلم نجد شيئاً قد وجد صدفة في الكون من حولنا، وحتي ما كنا نتصور أنه صدفة، تبين أن له سبباً، وأنه نتيجة لهذا السبب . ومع أن المسائل داخل الكون تدور دوران العلة والمعلول، أو المقدمة والنتيجة أو السبب والمسبب، وهذا يستبعد تماماً القول بالصدفة، نجد أن الملحد يصر علي القول بالصدفة في قضية الوجود الكوني الكبري، مع إيمانه الراسخ بانعدامها في الأشياء الصغيرة التي تمس حياته اليومية . وهذا تناقض يقدح في منطقه من أساسه، ويظهر تهافته . فلو اعتمد منطق العقل، لكان أولي به اتباع منطق أرسطو، في نظريته عن المحرك الأول، والتي ذهب فيها إلي القول بأن كل متحرك، لابد له من محرك، يحركه قبل أن يتحرك . فإذا تسلسلنا في سلسلة المحركات، فلابد من محرك أول يحرك الكل دون أن يتحرك، هذا المحرك الأول هو الصانع . وأن الكون حادث، لأنه مركب من أجزاء، وكل حادث لابد له من بداية، وكل ما له بداية يحتاج إلي غيره في وجوده، هذا الغير موجود أزلاً بلا بداية، وهو غير مركب من أجزاء " قل هو الله أحد . الله الصمد . لم يلد، ولم يولد . ولم يكن له كفواً أحد ". ولو اعتمد منطق العلم لأدرك أن العلم قد أثبت أن هذا الكون له بداية، أي عند لحظة زمنية معينة كان عدماً، ثم أصبح موجوداً . وكل موجود لابد له من واجد قبل أن يوجد، فإذا تسلسلنا في سلسلة الموجودات فلابد أن نصل إلي واجد أول، لا يحتاج إلي غيره في وجوده، أي واجب الوجود بذاته، هذا الواجب الوجود بذاته هو الله . ولو أن الملحد أعمل عقله كما يزعم، ونظر في الكون وتدبر حالة النظام الدقيق الحاكمة للوجود، لأدرك أن هذا النظام لابد له من منظم وأنه قد جري إعداده علي نحو مسبق، هذا المنظم المبدع هو الله . والله في وجوده لا يحتاج إلينا، وإنما نحن من نحتاج إليه في وجودنا، ونبحث عنه . ولا يضيره سبحانه كفران الكافرين، ولا ينفعه إيمان المؤمنين . مشكلة الملحد أنه يريد إلهاً بمواصفاته، إلهاً يلمسه بيده، ويراه بعينه، ويشم رائحته بأنفه . إلهاً لا يكون له مطلوبات ولا تكليفات، ولا منهج حياة قوامه افعل كذا ولا تفعل كذا . إذن هناك أزمة بداخل الملحد، أزمة الرغبة في التحلل من القيود الشرعية علي قلتها، وكي يريح وخزات ضميره، وآنات نفسه اللوامة المخلوقة لله، يعلن ـ كما فعلها نيتشه من قبل ـ موت الإله، كي يعيش وهم أنه حر . وهو لا يدري أنه حتي في ذلك عبداً لله رغم أنفه . إذن فمشكلة الملحد ليست في وجود إله من عدمه ـ تعالي الله عن ذلك علواً كبيراً ـ وإنما مشكلته بداخله .

 

حــســـــن زايـــــــــد

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ حسن زايد
تحية عطرة
الله الخالق موجود ومطلق
الأديان مختلقة ونسبية وبائسة , جميع الأديان بلا استثناء , بلا استثناء
الملحدون صنفان
صنف يتفلسف وهذا نخبة
وصنف يرفض الأديان وهذا عامة الملحدين وغالبيتهم وهم ساخطون
لأن الأديان وصفة جاهزة للتناحر حتى وإن أدعت عكس ذلك نظريا .
تحياتي

كامل عجيل الشويلي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3575 المصادف: 2016-06-19 03:38:30


Share on Myspace