المثقف - قضايا

إشكالية الفرز بين الوطنية والانتماء الطائفي في العقل العربي

ahmad alkhozaiيمكن تعريف الطائفية على أنها، مفهوم مشتق من (طاف، يطوف، طواف، فهو طائف) فالبناء اللفظي يحمل معنى تحرك الجزء من الكل دون أن ينفصل عنه بل يتحرك في إطاره وربما لصالحه والطائفية هو انتماء لطائفة معينة دينية أو اجتماعية ولكن ليست عرقية فمن الممكن أن يجتمع عدد من القوميات في طائفة واحدة بخلاف أوطانهم أو لغاتهم، بخلاف الوطنية التي تعرف على إنها .. مصطلح يستخدم للدلالة على المواقف الإيجابية والمؤيدة بالوطن من قبل الفرد أو الجماعات ومن الأمثلة على ذلك (الفخر بالثقافة، الفخر بالإنجازات، الرغبة في الحفاظ على طابع وأساس الثقافة، الدفاع عن الوطن في وقت الحرب وغيرها).. وعلى الرغم من عدم وجود ارتباط ايديولوجي وسلوكي بين هذين التوجهين إلا إنهما شكلا ثنائية في عالمنا عبر التاريخ، امتزجت فيها الإرادات وتوحدت الرؤى، واستثمرت من قبل الكثيرين كوسيلة ناجعة لتحقيق مكاسب فئوية وشخصية كبيرة، ومنها الوصول إلى رأس هرم السلطة، لذلك عملت الكثير من الحركات والأحزاب السياسية على ترسيخ الوعي الطائفي ببعده الطائفي المحض وتغليبه على العنوان الأكبر والأكثر شمولية وهو الوعي الوطني، لتحقيق هذه الأهداف عبر إشاعة ثقافة تداخلت فيها الخنادق لدى البسطاء من الناس سعيا من هذه الحركات لإحداث شرخ مجتمعي وفرز طائفي، الغرض منه بقاء وديمومة سلطانهم، وقد ظهر هذا الداء منذ نشوء أولى الديانات على هذه الأرض والتي استغلت من قبل الكثيرين لاستدراج عواطف الناس وتحشيدهم ضد الآخر بدوافع دينية وعقائدية لصالح مكاسبهم السياسية، كما فعل الإمبراطور الروماني قسطنطين في القرن الرابع الميلادي حين أقدم على اعتناق المسيحية بعد أن كان وثنيا ووضع شعار الصليب على دروع وتروس جيشه، بغية استعطاف وإثارة مشاعر الطائفة المسيحية التي كانت تشكل رقما صعبا في روما آنذاك، ولدفعهم للقتال بوازع ديني عقائدي، يسهل عليه تحقيق النصر من خلال الحماسة التي سوف يبدوها لنشر هذا الدين، وقد نجح في ذلك إلى حد بعيد، كما نجح من قبله الإمبراطور نيرون في القرن الأول الميلادي بتحجيم الدور المسيحي في روما حين قام بتأليب الشعور الديني والطائفي الوثني لدى الناس على المسيحيين أتباع الدين الجديد واحدث فيهم مجزرة كبرى، راح ضحيتها أكثر من خمسة وعشرون ألف مسيحي، ثم اقنع الآخرين بأنه قام بهذا الفعل لأنهم أقدموا على حرق روما، وأما في عالمنا العربي والإسلامي فقد ظهرت بوادر الوعي الطائفي أبان حكم معاوية بن أبي سفيان الخليفة الأموي الأول عام 41 هجرية، الذي أدار شؤون الأمة الإسلامية وفق مبدأ فرق تسد، فكانت الدولة تتعامل مع رعاياها على أساس الولاءات والانتماءات الضيقة، وليس على أساس المواطنة وتحت عنوان (إذا لم تكن معي فأنت ضدي)، فقد مارس أبشع أنواع القتل والتنكيل بحق الكثير من المسلمين لا لسبب سوى لاختلافهم معه في النهج والفكر العقائدي دون المساس بأمن واستقرار الدولة الأموية، مما تسبب بأحداث طائفية مجتمعية تحولت فيما بعد إلى حركات فكرية ونزاعات طائفية مسلحة لازلنا نعاني منها إلى يومنا هذا، وتميز حكمه أيضا بأشاعة روح العصبية القبلية وتغليب الفكر والنهج القومي في إدارته للدولة، من خلال اضطهاد الموالي والغير العرب كما ذكر المؤرخ عبد ربه الأندلسي في كتابه العقد الفريد الجزء الثاني، (بالغ معاوية بن أبي سفيان في اضطهاد الموالي)، ويروي عنه قوله مخاطبا الأحنف ابن قيس وسمرة بن جندب، (إني رأيت هذه الحمراء ويقصد الموالي قد كثرت، وأراها قد قطعت على السلف وكأني انظر وثبة منهم على العرب والسلطان، فقد رأيت أن أقتل شطرا منهم وأدع شطرا لإقامة السوق وعمارة الطريق)، وقد أمر بجعل مساجد خاصة للموالي لمنع اختلاط العرب بهم كما ذكر ابن الأثير في كتابه (الكامل الجزء الرابع)، كما اشاع روح العداء بين القبائل العربية نفسها وخاصة بين الأوس والخزرج الذين كانوا أكثر العرب عداء له وبين المضريين واليمنيين كما يشير الكاتب عبد العزيز سالم في كتابه (الدولة العربية)، إن هذا النهج القومي والطائفي الاقصائي الذي اتبعه معاوية والذي تحول إلى سنة اتبعها معظم خلفاء بني أمية، قد ساهم في خلق حالة تذمر ورفض لدى الكثير من المسلمين وخصوصا الموالي من غير العرب، تبلور هذا الرفض بثورة بني العباس سنة 132 هجرية والتي أطاحت بالحكم الأموي، والذين استغلوا حالة التذمر هذه لدى الناس واتبعوا نفس الأساليب التي سلكها الأمويين من خلال العزف على الوتر القومي والطائفي، وكان للدور الذي لعبه أبو سلمى الخلال في التمهيد لهذه الثورة ولجوئه إلى الكوفة، لإيقاظ مارد الطائفية ضد الدولة الأموية وإعادة إحياء مظلومية ال محمد (ص)، وإيهام الناس بان بني العباس جاءوا للطلب بثأرهم حتى لقب (بوزير آل محمد)، وكذلك استغلوا حاله الكره التي يحملها الموالي الفرس اتجاه الأمويين بسبب النهج الاقصائي والعدائي التي تعاملوا به مع هؤلاء الموالي، وبعد أن آلت الخلافة لأبي العباس السفاح، وشى أبو مسلم الخرساني بأبي سلمى الخلال حسدا عند السفاح، بأنه يريد تحويل الخلافة إلى احد هؤلاء الثلاثة وهم (الإمام الصادق وعبد الله ابن الحسن المثنى)، كما يذكر الذهبي في كتابه سير اعلام النبلاء (كتب أبو مسلم إلى السفاح يطلب منه قتله فأبى وقال، رجل بذل لنا نفسه وماله، ثم وافقه فدس أبو مسلم له رجل سافر إليه فقتله غيلة ليلا بالانبار سنة 132 هجرية)،إن التطور الذي حصل في مفهوم الطائفية والذي نتج عنه تشكيل (الوعي الطائفي) لدى معظم المسلمين بكافة توجهاتهم الفكرية ساهم في تحول هذا الوعي إلى جزء من منظومة العقل الجمعي لهم،وقد عرف الفيلسوف الألماني هيجل الوعي في كتابه فينومينولوجيا الروح (هو التحول والانتقال الفردي والمجتمعي من مجرد ثقافة عامة ومعرفة عامة إلى ثقافة مسؤولة ومعرفة مسؤولة)، وقد نتج عن هذا الوعي الطائفي صراعات أثنية دموية عبر التاريخ، مما سبب التخلف وتراجع العطاء الحضاري للعرب والمسلمين، وفي كل مراحل هذا التجذر الفكري الطائفي لم يكن للوطنية أي حضور أو تعريف في أدبيات المسلمين، كون الإسلام ينظر إلى معتنقيه على إنهم امة واحدة بغض النظر عن العرق أو اللون أو البلد الذي يسكنوه، بقوله تعالى في سورة الأنبياء (إن هذه أمتكم امة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)، ولم يظهر هذا المفهوم في عالمنا العربي إلا في نهايات القرن التاسع عشر، حين بدأ ظهور بعض الحركات والجمعيات ذات الطابع القومي والتي اتخذت من القومية العربية منطلقا لها للدعوة للتحرر من الهيمنة العثمانية، مثل جمعية العهد التي أسسها مجموعة من الضباط العرب يرأسهم عزيز المصري للمطالبة بحقوق العرب من الدولة العثمانية، وبرزت شخصيات عربية نادت بالقومية العربية وادلجت لها،أمثال ساطع الحصري وعبد الرحمن الكواكبي وشكيب ارسلان وغيرهم الكثير، لكن هذه الجمعيات والشخصيات لم تستطيع التمييز والتفريق بين الإسلام كدين وبين الانتماء الوطني والقومي، فعمدت عن قصد أو غير قصد إلى تبني الفكر الإسلامي الطائفي كرديف وخط دفاعي أول مع دعواتهم بإحياء القومية العربية والشعور الوطني، حيث يقول ساطع الحصري في كتابه العروبة ..(إن من يعارض الوحدة العربية فانه يعارض الوحدة الإسلامية)، وفي موضع آخر من كتابه هذا يقول (إن نعت القوميين بلا دينيين لا يتفق مع حقائق الأمور بوجه من الوجوه )، إن هذا الأسلوب في التفكير يعني إقصاء كل الاثنيات الغير مسلمة، أو التي لا تتفق مع مذهب وطائفة هؤلاء القوميين العرب، وقد حذت حذوا هذا النهج اغلب الأحزاب القومية التي ظهرت على الساحة في النصف الأول من القرن العشرين، مما سبب ضياع وغياب الهوية الوطنية لدى الفرد العربي وخصوصا في البلدان ذات الاثنيات والقوميات المتعددة كالعراق مثلا، لما عانته من حالات إقصاء وتهميش نتيجة لهذا الفكر الذي مزج الدين ببعده الطائفي مع القومية، فغيب الوعي الوطني والشعور بالانتماء للعراق الذي ظهرت بوادره أبان ثورة العشرين في العراق عام 1920، والتي قام بها أبناء وسط وجنوب العراق ضد المحتل البريطاني، والتي مهما حاول المشككون بأسبابها ودوافعها إلا انه لا يمكن تجريدها من بعدها الوطني، استنادا على النتائج التي حققتها لاحقا كتشكيل حكومة وطنية عراقية برئاسة عبد الرحمن النقيب، وهي الحكومة الأولى في تاريخ العراق يكون وزرائها من العراقيين، وتعد ظاهرة الزعيم عبد الكريم قاسم من المحطات المشرقة في تاريخ الوطنية العراقية هذا الرجل المتجذر في عراقيته ووطنيته والذي أسس لمشروع وطني كبير تذوب فيه كل العناوين والمسميات تحت عنوان عريض هو الانتماء للعراق، إلا أن دوائر الاستعمار العالمي حال دون إنجاح هذا التوجه الوطني الكبير، وذلك من خلال انقلاب شباط الأسود عام 1963، وبذلك بقي هذا المشروع مؤجلا لغاية الآن لعدم وجود الإرادة الحقيقية للكثير من صناع القرار الديني والسياسي في الأربع عقود الماضية على تغليب الحس الوطني على الدين والطائفة، لأسباب كثيرة ومعقدة أغلبها ذات مصالح فئوية وشخصية، إن الوعي الطائفي الذي يقود الإنسان إلى الاعتزاز بانتمائه المذهبي وبرموزه الدينية ليس هو الطائفية بعينها، وإنما الطائفية هي الإساءة لرموز الغير ومحاولة الانتقاص من معتقدات ومقدسات الآخرين، وإقصاء الأخر اعتمادا على هذا المنطلق، وبما إن هنالك تقاطع كبير بين الوعي الطائفي والوعي الوطني، بمفهوم الطائفية المجرد، فإذن لابد من العمل على إيجاد آلية حقيقية وواقعية تعمل على إيجاد حالات من التواصل والحوار الجدي بين المذاهب والأديان على مستوى النخب، الغرض منها الوصول إلى قناعات ومشتركات وحلقات وصل وتقارب بين جميع الاثنيات، يمكن إنزالها إلى الشارع لتخفيف الاحتقان المذهبي الحاصل في مجتمعاتنا العربية والإسلامية وفي العراق بشكل خاص، لما يعانيه هذا البلد من هذا الداء الخطير الذي ذهب ضحيته آلاف الأبرياء واستغل من قبل الكثيرين لتحشيد المتحمسين دينيا وطائفيا لغرض الوصول إلى غايات خاصة بهم ليس للدين أو الطائفة إي علاقة فيها، مما سبب إضرار كبير في الحس الوطني حتى وصل الأمر إلى مطالبة البعض بالفدراليات القائمة على أساس طائفي، لذلك فالجميع مطالب بالوقوف بوجه هذا الخطر الداهم والذي يهدد كياننا ووجودنا والعمل على الوطني، وتتحول الطوائف والاثنيات إلى عامل ايجابي لبناء المجتمع بالصورة التي تؤدي إلى التعايش السلمي، وإشاعة ثقافة السلم الاهلي.

 

احمد عواد الخزاعي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3579 المصادف: 2016-06-23 01:49:36