المثقف - قضايا

إِلَّا الـصَّــوْمَ

hasan zayedإننا لسنا بصدد العرض الفقهي لفريضة الصيام، فالمقال لا يتسع لهذا العرض . ولسنا بصدد العرض اللغوي له، لأنه لغوياً يكاد يكون معروفاً ـ علي اعتبار أننا نتكلم عن الصيام عند المسلمين ـ فهو الإمساك عن الطعام والشراب وشهوة الفرج وشهوة اللسان من طلوع الفجر الصادق إلي غروب الشمس مع النية . والنية هنا لازمة لأن عليها مدار العمل في الإسلام . فلو أن الإمساك قد وقع بغير نية فلا محل فيه للصيام الشرعي. كما أننا لسنا بصدد العرض الفسيولوجي للصيام، لأن هذا العرض لا يجيده إلا المتخصصون، كما أنه يتعلق بأمور معملية خاضعة للتجربة العلمية. وهذا ما لا أجيده ولا أحسنه، ولا أفهم فيه. ومع ذلك أجدني مدفوعاً بتساؤل مشروع مفاده: هل يتوقف صومي علي معرفة الجوانب الفقهية أو الدواعي الفسيولوجية للصيام؟. والإجابة  بشكل قاطع هي: لا. إذن ما هي تلك القوي الخفية القاهرة التي تدفعني إلي الإمساك عن شهوات البطن والفرج واللسان؟ . هل هناك من أحد يراني لو امتنعت عن الإمساك؟ . بالقطع هناك من يراني من حيث لا أراه، إنه الله خالقي، وأنا مؤمن بوجوده، وحكمته . ولولا إيماني بذلك ما أمسكت عما أمرني بالإمساك عنه، خاصة وأنه من اليسير الإستخفاء عن الأعين ـ حتي المتلصصة منها ـ وأنا انتهك الأوامر الإلهية بالإمساك إذا لزم الإستخفاء .

الصوم لغة: الإمساك عن كل فعل أو قول . والصوم: الصمت، أي الإمتناع عن الكلام  قال تعالي: " إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا " . والصائم: اسم فاعل من صام، أي من مارس الصوم . وجمع صائم: صائِمون وصِيَام وصُوَّم و صُيَّم . وصام شرعاً: أَمسك عن الطعامِ والشراب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النيَّة . والصوم فقهاً : إمساك عن الأكل والشُّرب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشَّمس مع النِّيَّة . وعليه فإنه يُعنى بالصوم ـ في الإسلام ـ  الامتناع عن الطعام والشراب لمدة محددة فريضة أو استحباباً حيث يجب الصوم في شهر رمضان الكريم عدا عن إمكانية الصوم استحباباً في الشهور الأًخرى . كما يعتبر الصوم أحد فروع الدين وأحد الأركان الخمسة. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" . والصوم بهذا المعني هو مدرسة تربوية كبري، يربي الإنسان فيها نفسه ويروضها، ويجعلها تنصاع لإرادته انصياعاً مطلقاً من خلال صيامه . فهو الذي يتحكم في غرائزه وشهواته من خلال التحكم في متطلبات جسده من شهوة البطن، وشهوة الفرج، وشهوة اللسان . وهذا يسقط حجته في مقاومة الشهوات بعدم القدرة أو عدم توفر الإرادة . فعندما يصدر الأمر الإلهي بالإمتناع عن الشهوات ـ شهوة البطن، وشهوة الفرج، وشهوة اللسان بقول الزور ـ يمتنع امتثلاً لأمر الله . ويظل ممتنعاً حتي يصدر له الأمر بالإفطار، فيفطر. والإفطار بعد الصوم هو الإمتناع عن الإمتناع امتثالاً لأمر الله . والإنسان حين يفعل ذلك يفعله دون رقيب أو حسيب من البشر . فكل ركن من أركان الإسلام يجري آداءه أمام البشر، إلا الصوم، فلا أحد من البشر يستطيع الجزم به علي سبيل اليقين . وهو بين العبد وربه، ولذا جاء في الحديث القدسي: "عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ ". [متفق عليه] . وعظمة تلك الشعيرة في أنها جُعلت لا ليحس الغني بالفقير، ولا ليحس الشبعان بالجائع، وإلا لتساءلنا عن العلة عن فرض الصيام علي الفقير أو علي الجائع، ولتساءلنا كذلك عن علة الإمتناع عن شهوة الفرج . وأنا أتصور ـ إذا حق لي ذلك كمسلم ـ أن الصيام هو دورة تربوية للمجتمع المسلم، أشبه إلي الدورة الفردية التي يتلقاها الفرد بصيامه .

في شهر رمضان الكريم يشبه دورة تربوية يخضع لها المسلم ليقوى على التعاون مساعدة الآخرين ولينمو فيه إحساس المساواة بالآخرين من المجتمع فالكل يجوع ويعطش ويؤدي نفس الطقوس أثناء اليوم الرمضاني. وبذلك تزول الكثير من الأمراض الاجتماعية مثل الفقر والصراعات والظلم وعالي الغني على الفقير والقوي على الضعيف والحسد والغرور إلى آخر ما عاني منه المجتمعات البشرية عادة من الظواهر السلبية.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3582 المصادف: 2016-06-26 02:09:22


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5738 المصادف: الاحد 22 - 05 - 2022م