المثقف - قضايا

ما افسدته أحزاب الأسلام السياسي في الشخصية العراقية (3)

qassim salihyتناولنا في الحلقتين السابقتين ما افسدته احزاب الاسلام السياسي في شحن الشخصية العراقية بالتعصب للهوية والمذهب، وفي تهرؤ الضمير والقيم الاخلاقية واشاعة اساليب سلوكية قبيحة من قبيل الوصولية وتحليل ما كان يعد خزيا وحراما .. وسنركز في هذه الحلقة على اهم صفة يمتاز بها المسلم .. هي الأمانة وقدسية الذّمة.

 بدءا نشير الى ان الذمّة تعني العهد والكفالة .. واثقلها حين يكون الشخص مسؤولا عن الرعية، وأقبحها حين يكون هذا المسؤول رجل دين امتهن السياسة او جمع بينهما. ولا يعنينا هنا الحديث عن كل الجهات المتورطة بالفساد في العراق، فأمرها صار مفضوحا ومعترفا به من الحكومة والمرجعية والكتل السياسية والناس، بل عن قيادات ومسؤولين كبار في احزاب الاسلام السياسي وعدوا جماهيرهم برفع الحيف عنهم وتعويضهم عما اصابهم من مظلومية، فاغتنوا وما وفوا .. وما استجابوا لا لمطالب تظاهرات الجماهير ولا للمرجعية التي بح صوتها من كثرة نصحها لهم.

 

5: خيانة ثروة الدولة

 سنبدأ بتثبيت حقائق ومؤشرات عن حجم فساد شكّل خطرا حتى على المستوى الدولي العام.والمفارقة ان الذي قام به هم بين قياديين ومحسوبين على احزاب الاسلام السياسي الشيعي، وحزب الدعوة الاسلامي الشيعي بشكل خاص.ومع ان الفساد شاع في زمن رئيسه السيد نوري المالكي واعتبرت حكومته الثانية هي الأفسد في تاريخ العراق والمنطقة وثالث أفسد دولة في العالم، فان قادته الجدد من نفس حزبه سكتوا عن محاسبة الفاسدين ولم يستجيبوا حتى الى دعوة مرجعيتهم الشيعية التي بح صوتها من مطالبتها لهم بالضرب بيد من حديد على الفاسدين.

 لقد تناولت الفساد في العراق منظمات دولية بينها منظمة الشفافية الدولية، وتقارير امريكية وبريطانية وأسترالية(الصحفي نك مكنزي مثالا)، وصحف اجنبية وعراقية، واشخاص على صلة بمتخذي القرار في الحكومة .. سنمر عليها سريعا لتقديم أدلة ثابتة على ان قادة احزاب الاسلام السياسي في السلطة خانوا ذمة الحفاظ على ثروة الدولة.

 وفقا لتقرير المؤشر العالمي للفساد لمنظمة الشفافية الدولية العالمية (2005) جاء العراق بالمرتبة 137 عالميا والأسوأ في الفساد بين الدول العربية، وتقدم الى المرتبة 160 ليحتل المركز الثالث عالميا في الفساد عام (2006 )، وتقدم في (2008) الى المرتبة 179 بحصوله على درجة 1,3 من عشرة وفق مقاييس النزاهة الدوليّة، ليأتي بالمرتبة الثانية بين الدول الأكثر فساداً في العالم، وظل محافظا عليها في العام (2009).

 وعلى ذمة تقارير امريكية فان شركة "أوراسكوم" التي فازت بعقد شبكة الهاتف النقال دفعت رشاوى تصل إلى "21" مليون دولار لستة أشخاص من بينهم "إبراهيم الجعفري" رئيس الوزراء العراقي وقتها، إذ تلقى ثلاثة ملايين دولار، فيما حصل وزير النقل آنذاك "حيدر العبادي" على مبلغ مماثل .. وكلاهما من قادة احزاب الاسلام السياسي!.

 وفي 29 أيلول (2007) وجّه تقرير سري أمريكي وصف بأنه "حساس" انتقادات شديدة إلى إجراءات مكافحة الفساد في الوزارات والمؤسسات العراقية الرسمية محذراً من أن العراق غير قادر حالياً على تعزيز قوانين مكافحة الفساد، مضيفا أن مكتب رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي "يتعامل بعدائية" مع فكرة تأسيس وكالة مستقلة للتحقيق في الفساد الإداري برغم انه يصف الحرب على الفساد بأنها الحرب الثانية في العراق.

 ويصف التقرير المؤلف من (82) صفحة النظام القضائي العراقي بأنه " ضعيف ومرعب وعرضة للضغط السياسي"، ويحدد بالارقام حالات الفساد في الوزارات نكتفي بذكر اثنتين منها ، أن "من بين 169 شكوى في وزارة الدفاع، أحيلت ثماني منها فقط إلى المحكمة ولم تتم إدانة إلا شخصا واحدا فقط، وأنه من مجموع 154 حالة فساد تم التحقيق فيها بوزارة النفط أحيلت 19 قضية فقط إلى المحاكم، تم اتهام اثنين فقط في حين تمتع خمسة آخرون بالحصانة الممنوحة لهم " ما أكسب الوزارة سمعة كونها أكثر الوزارات فساداً ".

ونقلت صحيفة واشنطن تايمز عن شيرمان، المستشار السابق بوزارة الداخلية العراقية، قوله: إن مساعي السيطرة على الوزارة تحولت إلى صراع سياسي من أجل البقاء وكسب النفوذ أكثر من كونها محاولات لبسط الاستقرار في البلد.وأضاف أن الوزارة تدار من جانب حزب الدعوة والمجلس الأعلى الإسلامي وحزب الفضيلة، مؤكداً أن طريقة استخدام هذه الأحزاب لمقدرات الوزارة أصبح خارج نطاق سيطرة الولايات المتحدة.وفي آذار 2008نشرت صحيفة النيويورك تايمز "ان النفقات العسكرية العراقية بلغت سبعة ونصف مليار دولار متجاوزة انفاق الامريكيين على الجيش الحكومي البالغ خمسة ونصف مليار دولار".

 وبحسب تقرير لمحقق امريكي فانه تم تهريب ثلاثين مليار دولارا خارج العراق، توزعت بين شراء جزر وفنادق ومطاعم ومعارض سيارات ومكاتب تحويل العملة وملاهي ليلية .. وشراء 150 عقارا في ثلاث دول اوربية سجلت باسماء أقارب الفاسدين، بينهم ثلاثة فاسدين، وزير وشقيقاه، هرّبوا 820 مليون دولارا!.

 وكان المدعو أحمد أبن المؤتمن الأول على ثروة العراق لثمان سنوات قد هرّب الى لبنان مبلغا ضخما تم حجزه في مطار بيروت، فهرع اليه والده نوري المالكي وافرج عنه والمبلغ بصفقة مع حزب الله الذي يسيطر على المطار لم تكشف تفاصيلها.وبحسب صحيفىة “إنديبندنت” البريطانية، فانه بيع أغلى منزل في العالم من قبل المشتري (احمد نوري المالكي) مقابل 275 مليون يورو، ما يعادل 301 مليون دولار أمريكي.ويذكر أن احمد هذا ، وهو شاب عشريني، عهد اليه والده رئيس الوزراء نوري المالكي بيع عقارات الدولة في اكبر عملية فساد بتاريخ عقارات الدولة العراقية.

 ويشير التقرير الصادر من السفارة الأمريكية الخاص بسرقة 850 مليون دولارا من المال العام من قبل الوزير حازم الشعلان أن وزارة الداخلية في زمن وزيرها الأسبق باقر جبر صولاغ كانت لها "سمعة سيئة عند محققي هيئة النزاهة" .. وان محققي النزاهة " تعرضوا الى الكثير من حالات التهديد والهجوم على كبار الشخصيات في المفوضية" حين صار وزيرا للمالية .. ويعد السيد باقر قياديا في حزب السيد عمار الحكيم.

  نأتي الآن الى الأشخاص .. نبدأها بمدير البنك المركزي السابق سنان الشبيبي بقوله: ان رئيس الوزراء السابق نوري المالكي أمر بتعيين أربعة من افراد حزبه الحاكم في البنك ليسيطر على دائرة غسيل الأموال، وانه عين أربعة من أفراد حزبه الحاكم بمناصب كبيرة، فيما كشف الراحل أحمد الجلبي، عن عدد من قصص الفساد يقودها نوري المالكي ومساعد ابنه (ابو شهد ) فضلا عن ضباط بمكتب رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي. 

 وفي حديثه للجزيرة نت أكد السيد بهاء الأعرجي إن "هناك مسؤولين في الحكومة والبرلمان يدافعون عن الفاسدين بسبب انعكاس فضائح هؤلاء على شعبية هذه الأحزاب في الشارع العراقي، وإن حزب الدعوة الإسلامية الذي يتزعمه رئيس الوزراء نوري المالكي قد تأثر كثيراً من جراء استجواب وزير التجارة الذي ينتمي إلى هذا الحزب" .. .كاشفا عن وجود ضغوط قوية من بعض الأحزاب لمنع استجواب بعض الوزراء الذين عينتهم هذه الأحزاب في مناصبهم، مقابل سكوت الوزير وعدم كشفه حلقات الفساد العليا في الحكومة والأحزاب. والمفارقة ان السيد الاعرجي انتهى به الأمر الى احتجازه بتهمة الفساد!

 ويشير السيد موسى فرج، احد اعضاء لجنة مكافحة الفساد التي شكلها مجلس الحكم ثم رئيسا لهيئة النزاهة في كتابه (قصة الفساد في العراق) بانه واجه موقفًا صعبًا أثناء وجوده رئيسًا لهيئة النزاهة في العراق عندما "بدأت بالتقرب من فساد بطانة المالكي، وقد إستئذبوا وإستأذب في حمايتهم، ووجدت أن البرلمان مهلل في حينه، وسطوة رئيس الحكومة عليه مكشوفة، وأن رئيس لجنة النزاهة في مجلس النواب الذي بلغها من خلال المحاصصة سيئة الصيت، قد دخل تحت عباءة المالكي في صفقة فاسدة لحماية نفسه وأخيه ومتنفذين من حزبه، وكنت ألاحق قضايا سرقة وتهريب النفط المتهمين بها". ويضيف أن المالكي يطبق سياسة (اتغدى بك قبل ان تتعشى بي )، ويؤكد أن"الأمانة العامة لمجلس الوزراء تحوّلت إلى أخطر بؤرة للفساد في العراق" وان رئيس الوزراء (نوري المالكي) أمر بمنع محققي الهيئة من الحصول على نسخ الملفات ذات العلاقة بالفساد أو تصوير أية وثائق تخص وزارة الدفاع بالرغم من وجود أوامر قضائية بالاطلاع عليها".

 وفي السياق ذاته أكد القاضي راضي حمزة الراضي، رئيس مفوضية النزاهة العراقية "أن رئيس الحكومة (المالكي) وحكومته رفضوا الاعتراف باستقلال لجنة النزاهة العامة .. وان هنالك العديد من حالات الفساد التي تم اغلاقها من قبل الوزراء ورئيس الوزراء تقدر قيمتها بمائة بليون دينار عراقي". وأن احمد ابن السيد نوري المالكي تلاعب بعقارات الدولة بحسب القاضي وائل عبد الطيف، وان حرق البنك المركزي تم لإخفاء وثائق ومعلومات مهمة ذات صلة بعمليات فساد بحسب رئيس لجنة النزاهة في مجلس النواب الشيخ صباح الساعدي.وباعتراف ألأمريكي ستاين أمام وزارة العدل انه تلقى مع مسؤولين في الحكومة العراقيةرشاوى تجاوزت مليون دولارا تصل عقوبتها الى السجن ثلاثين عاما. وآخر الشهادات ما اثاره مؤخرا (نيسان 2016) الصحفي الاسترالي (نك مكنزي) عن عمولات عقود نفط تقاضاها مسؤولون من احزاب الاسلام السياسي بلغت قيمة احدها (50) مليون دولارا.

  ولجنابك الكريم اترك تحليل هذه المفارقة:

 ان (جيب) المواطن البريطاني كان السبب الرئيس الذي اخرج بريطانيا من الاتحاد الاوربي (في 24حزيران الجاري) لأن حزب المحافظين اثقله بالضرائب، فيما (جيب ) المواطن العراقي صار خاويا بـ(فضل) قادة احزاب الاسلام السياسي.وان رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كامرون قرر الاستقالة مع انه ما كان فاسدا، فيما لم يفعلها سياسي اسلامي عراقي واحد استجابة لقيم دينه في الأقل.ومع ان العراقيين وصفوا بأنهم (ما استسلموا لضيم وما رضخوا لظالم ولا انبطحوا لسلطة) .. تراهم اليوم عاجزين عن تغيير حكامهم مع انهم هتفوا في الشوارع وساحات التحرير (نواب الشعب كلهم حراميه!) .. فهل لأن معظم قادتهم هم من الذين اطالوا اللحى ولبسوا العمائم بلونيها البيض والسود!، ام ان العراقيين ما عادوا كما وصفوا؟!

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3586 المصادف: 2016-06-30 03:21:56


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5737 المصادف: السبت 21 - 05 - 2022م