المثقف - قضايا

الخلل والقصور في النظرية الاجتماعية وليس في تطبيقاتها

ahmad mohamadjawadalhakimلقد مللنا من سماع مقولة يرددها كثير من السياسيين والمفكرين والدارسين، هي: "إن النظرية الاجتماعية أو الاقتصادية أو غيرها  صحيحة، لكن الخلل والقصور في تطبيقاتها". الحقيقة أنهم يقومون بذلك إنما لتبرير فشلهم، وفشل برامجهم ومشاريعهم، ومن أجل تخفيف وطأة أخطاءهم وعثراتهم وانحرافاتهم وانشقاقات أحزابهم، التي ترك العمل بها العديد من أعضاءها. كل ذلك لأن الأهداف التي كانوا ينشدوها لا يمكن بلوغها، ولن يبلغوها . فالنظرية لم تحل المشكلة التي وضعت من أجلها، أو أن لها نتائج غير مقبولة، أو أنها تبدل من حالة المشكلة لتثير صعوبات أكبر. على هذا الأساس يلقي المدافعين عن النظرية اللوم على سوء التطبيق وليس على المبادئ التي تقوم عليها هذه النظرية. في الواقع أنهم بهذه الطريقة إنما يسيئون إلى أنفسهم من حيث يعلمون أو لا يعلمون، لأن من يقوم بعملية التطبيق والممارسة هم نفسهم، فالقصور والخلل، حسب تصورهم هذا، هو في قدراتهم العقلية والفكرية. لكن الحقيقة التي لا يريدون  ذكرها، سواء عن قصد أو دون قصد، هي أن القصور والخلل في أصل النظرية التي وضعها آخرون في زمان يختلف عن الزمان الذي تبنى فيه هؤلاء هذه النظرية. هناك أسباباً عديدة لهذا القصور والخلل، لكننا سنركز على الأساسية منها.

أولاً، وفاة صاحب النظرية . هذا يعني أن الالتزام بأي نظرية اجتماعية ينتهي بنهاية صاحبها. لكن ذلك لا يعني أن هذه النظرية خاطئة أو ينبغي التخلي عنها عند وفاة صاحبها، إنما ما نريد قوله هو ضرورة وجود مفكر آخر مبدع، له القدرة والصلاحية والجرأة أن يطور هذه النظرية أو يغير بعض أجزاءها أو يصيغها صياغة جديدة، على أن يحتفظ بذات الوقت بسماتها الإيجابية، والتخلص من تلك الأجزاء التي لا تتناسب مع الظروف الجديدة. كل ذلك يعود، بشكل أساسي، لعدم إمكانية إجراء حوار مع صاحب النظرية المتوفي، حول تفسير العديد من الوقائع، أو تغيير بعض المفاهيم. لقد بين ذلك سقراط منذ زمن الإغريق، حيث كانت تقلقه فكرة أن المخطوطة تنتقل من دون كاتبها فلا يمكن بالتالي إجراء حوار معه.

ثانياً، إن المفكرين والعلماء هم نتاج وقتهم وظروفهم. من المعروف أن النظريات الاجتماعية هي نوع من أنواع التصورات البشرية وضعها مفكرون في بيئة معينة ومرحلة معينة، وأن نتائجها ينبغي اعتبارها وثيقة الصلة بالزمن الذي تظهر فيه، ولا يمكن إضفاء صفة الاستمرارية لأي منها. لأن هؤلاء المفكرون، كما يقول ماركس:" لا ينبتون من الأرض كما هو الحال في نبات الفطر، إنما هم نتاج وقتهم، نتاج شعبهم". أضف إلى ذلك ثمة قضايا ومشكلات وتحديات لا يمكن أن تظهر إلا في مراحل معينة من تطور المجتمع وتقدمه، لذلك فأن هذه المراحل بحاجة إلى مفكرين جدد، لهم اتصال وثيق بها. وقد وصف فرنسيس بيكون( 1561 ـ 1626م) خير وصف ثلاث أصناف من العلماء في تصديهم للنظريات العلمية،فقال: إن العالم يجب ألا يتشبه بالعنكبوت الذي يخيط نسيجه من ذاته، ولا بالنملة التي تجر إلى وكرها كل ما تصادفه في طريقها، وإنما يجب أن يكون مثل النحلة، فيجمع المواد ويعالجها ويصوغها في نظرية علمية.

ثالثاً، النظرية الاجتماعية تتقادم زمنياً. بمعنى أن الأفكار لم تعد مرضية أو مقبولة، ولم تكن ذات صلة وثيقة بالتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وحاجات المجتمع . أضف إلى ذلك ما ينتجه التوسع المعرفي وثورة المعلومات والتقدم العلمي السريع، فضلاً عن تغير الناس أنفسهم. ومن هذا المنطلق لم تعد النظرية والأفكار القديمة ذات فعالية ومفيدة، لأن ارتباط النظرية بالواقع وفعاليتها متوافقان متداخلان بصورة لا يمكن فصلهما. كما أن مفهوم النظرية القديمة قد انطبق على المعطيات التي كانت متوافرة في ذلك الوقت، لكنه لا ينطبق العصر التالي، بسبب ظهور كم هائل من المعطيات الجديدة المغايرة لما سبق.

رابعاً، النظرية صحيحة من الناحية المجردة فقط. إن الذي يجعل كثير من الأفراد يلتزمون  بالنظرية ويدافعون عنها هو أنها تبدو صحيحة ورائعة من الناحية المجردة البحتة، بمعنى أنها صحيحة على الورق وفي الكتب فحسب، لذلك فأن أهدافها ومراميها مرغوبة ومغرية ويحلم بها الكثير. لكنها في مقابل ذلك غير عملية، لا يمكن تطبيقها في الواقع العملي، كما يقول الدكتور علي الوردي:" لا يكفي في الفكرة أن تكون صحيحة بحد ذاتها، الأحرى بها أن تكون عملية ممكنة التطبيق...وكثيراً ما تكون الأفكار رائعة لكنها في الوقت ذاته عقيمة تضر الناس أكثر مما تنفعهم". هذا يعني أن الفشل والخطأ في النظرية وليس في التطبيق.

خامساً، النظرية الاجتماعية ينطبق عليها مبدأ عدم الاكتمال. إن مبدأ عدم الاكتمال قد توصّل إليه عالم الرياضيات النمساوي كورت جودل(1906 ـ 1978م)، بمعنى أنه ما أن نقيم نظرية رياضية جديدة لحل إشكالية قائمة، إلا وتنتج عن هذه النظرية ذاتها إشكاليات رياضية جديدة، وهكذا دواليك...وقد فتح مبدأ عدم الاكتمال أمام العلماء كافة لكي ينطلقوا في فضاء معرفي لا نهائي بحثاً عن الأصوب أو الأقل خطأً ...لقد أكد هذا المبدأ أن لا حق لأحد أن يزعم امتلاكه ناصية الحقيقة المطلقة في أي من مجالات المعرفة الإنسانية. فإذا كان هذا حال النظريات في الرياضيات، فكيف تكون إذن الحالة في العلوم الاجتماعية وغيرها.

والخلاصة التي نبغي التوصل لها هي مفارقة عجيبة ومؤسفة بذات الوقت، إذ أننا نجد أن المدافعين عن النظرية لا يستطيعون إعادة صياغة النظرية، وربما لا يرغبون في ذلك، لكنهم  غير قادرين على تطبيقها تطبيقاً سليماً ينسجم مع مبادئها وأهدافها. لذلك نجدهم يتصفون بركود الفكر وانغلاقه ويتعاملون مع النظرية كمسلمات متحجرة. أضف إلى ذلك انعزالهم عن الواقع العملي والمجتمع، وفقدان المقدرة على إجراء التحليل الضروري للأشياء والظواهر الحياتية. فضلاً عن ذلك يتعاملون تعاملاً قمعياً مع أي جهد فكري أو نقدي يحاول البحث مع القضايا المطروحة بموضوعية وانفتاح فكري، لأن المشكلات والشخصيات التي ينبغي أن يتناولها هذا التحليل قائمة في هؤلاء المدافعين، لذلك فمن العسير أن نتصور حدوث تغيير أو إصلاح دون تهديد لهم.

 

أحمد محمد جواد محســن الحكيم

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3586 المصادف: 2016-06-30 03:12:10


Share on Myspace