المثقف - قضايا

النقاط مع الحروف

hasan zayedقد يجد المرء نفسه أسيراً لرؤي بعينها، وقع في قبضتها، فأحاطت به إحاطة السوار بالمعصم، فلا يرَي غيرها، ولا يرَي إلا من خلالها، باعتبارها الرؤية الحق وما دونها باطل وقبض الريح. فلو أنك حبست مجموعة من الأفراد في مكان ما، يحول بينهم وبين الإتصال بالعالم الخارجي، وجعل هؤلاء الأفراد يتمحورون حول فكرة ما، يتناقشون فيها وحولها، يلوكونها ليل نهار، ويجترونها اجتراراً لا يكاد يتوقف. فلا ريب أنه لو تم إطلاق سراحهم بعد عدة سنوات من أسرهم، لوجدت هيمنة مطلقة لهذه الفكرة، علي عقولهم، وتفكيرهم، ومسالكهم مع الناس والحياة، ورؤيتهم للوجود والكون. وقد يجد المرء نفسه مسجوناً بين دفتي كتاب، يقلب صفحاته ذات اليمين، وذات الشمال، دون أن يري أو يقرأ كتب أخري. أو أسير ما سمعه من شخص ما، زعم أنه يملك الحقيقة المطلقة. والمشكلة في أسر الكلمة أو الفكرة أنها تنفي الآخر فكراً، ووجوداً. فهي لا تعترف بالفكرة أو الكلمة الأخري. وصاحب الفكرة الواحدة، والتوجه الواحد، والسلوك الواحد، والشعور الواحد، ليس بشراً، بالمفهوم الدقيق للبشر، فهو إنسان منغلق، صندوق أسود لا يخترقه ضوء التنوع والثراء. وذلك ما حدث  ويحدث في منهج التربية الإخوانية. فالمنهج يقوم علي أحادية النظرة، وأحادية الفكرة، وأحادية التوجه. ويعد النجاح في مفهوم هذا المنهج متمثلاً في النجاح في الإقصاء، إما إقصاء المجتمع بتكفيره وتضليله، أو إقصاء الفرد بنقاءه وصفائه. وفي الحالتين يجري عزل الفرد عن المجتمع، أو عزل المجتمع عن الفرد، إن لم يكن عزلاً كلياً بالروح والجسد، فلا أقل من العزل النفسي الفكري المعادي. فيجري إختيار العناصر الإخوانية من الأطفال والشباب، ثم يجري البناء النفسي والوجداني والإدراكي والسلوكي والفكري والثقافي من خلال مقررات معينة، بمعزل عن المجتمع وتياراته الفكرية والثقافية. ولا أعني بكلمة معزل، الإنعزال عن المجتمع، وإنما بغرس أفكار وتصورات معادية للمجتمع من ناحية، وتصوير ما يجري في المجتمع باعتباره فساد وضلال مناقض للشريعة. وجماعة الإخوان كانت هي الحاضنة للأشخاص والأفكار، والمفرخة التي تخرج منها أعضاء الجماعاة الإسلامية علي اختلاف مسمياتها. هذا بخلاف أن كتب الجماعة وأعضائها كانت هي المرجعية الفكرية المغذية لسوق الفكر الديني في العالم العربي والإسلامي، وذلك في ظل غياب الإمكانيات والقدرات لدي المؤسسات الدينية الرسمية عن الساحة، وعدم قدرتها علي المنافسة. وهذا يعني صب العقول في قوالب دينية معينة، يعد ما عداها باطلاً، وقبض الريح. ومن هنا  وهنا فقط  يكون الإنحراف، ويكون الضلال، وستجد تفسيراً معقولاً للتفجيرات التي يقوم بها أعضاء هذه الجماعت باسم الإسلام، في بلاد المسلمين، لقتل مدنيين. كتفجيرات العراق اليوم في شهر رمضان، والذي راح ضحيته ما يربو علي المائة قتيل، بخلاف ما خلفته من جرحي. بل إن الإنحراف الفكري والعقدي قد بلغ مداه في التفجير الإنتحاري أمام الحرم النبوي، في هذا الشهر الحرام. وفي إطار مكافحة الإرهاب والتطرف لابد من وضع النقاط مع الحروف. فالمقاومة المسلحة وحدها لا تكفي، لأن الشخص الإرهابي يتصرف باعتباره يخوض حرباً مقدسة، تحت راية الإسلام، ضد بلاد الكفر والطغيان، بأحد خيارين، النصر أو الشهادة، وفي كل خير. ولا يجوز له أن يولي العدو دبره، إلا متحيزاً لفئة أو متحرفاً لقتال. والمجتمعات لا تتحمل جرحاً نازفاً علي الدوام. فما دام الفكر قائماً، فالمدد بالإرهابيين لا ينضب معينه. ووفقاً لهذا العرض فإن من سقط في الأسر، لا سبيل إلي استنقاذه من البراثن. وليس من المنطقي اسئصال هذه الفئة بالكلية. ولا مخرج أمام المجتمعات التي غزا هذا الداء الوبيل جسدها  المادي والمعنوي  بجراثيمه وفيروساته سوي اتباع سياسة تجفيف المنابع. وهذا يعني إغلاق كافة منافذ الإمداد والتمويل لمن يتبني هذا الفكر، ويتخذه مذهباً من ناحية. وخلق قاعدة فكرية داحضة لأفكار هذه الجماعات من ناحية أخري. وبيان تلك الخلطة العجيبة بين الدين وأفكارهم، وفض الإرتباط بينهما بعد بيان ضلاله وفساده. ولابد أن نحذر من الوقوع في شرك الخلط بين محاربة الأفكار الإرهابية المتطرفة، والفكر الديني القويم، وإلا وقعنا في الفخ الذي يُفْشِل مسعانا، ويضربه في مقتل. إذ إن محاربة الفكر الإرهابي المتطرف لا تعني بحال محاربة الدين، أو حتي الوقوع في شبهة ذلك. فهل نحن فاعلون ؟.

 

حسن زايد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3591 المصادف: 2016-07-05 02:49:52


Share on Myspace