المثقف - قضايا

سليم الحسني: العراق.. وهم الدولة (16): لماذا لا يتحرر الاتباع من عبودية قادتهم؟

salim alhasaniهناك منطقة واسعة وأساسية يفتقدها الانسان الشيعي البسيط، وهي الواقعة بينه وبين القائد، وهي منطقة يُفترض ان يشغلها المثقف، لكن ذلك لم يحدث في فترة ما بعد 2003، وهي فترة بروز ظاهرة المرجعيات المصطنعة والقيادات الطارئة.

 لقد غاب دور المثقف الى حد كبير عن هذه المنطقة، فقد كان الاتجاه العام الذي يشغل العراق هو العملية السياسية، فانصرف المثقف الى الشأن السياسي المرتبط بالكتل والكيانات وتعقيدات الحكم والصراعات والتنافس السياسي، وبذلك لم يجد المواطن العراقي عموماً والشيعي تحديداً، من يشير اليه على محطات الطريق.

لا يُلام المثقف الشيعي كثيراً على ذلك، فلقد كانت ظروف العملية السياسية متسارعة وكانت الآمال كبيرة، ولم تتكشف آنذاك توجهات القيادات السياسية. لكن بعد مرور هذه التجربة الصعبة، انجلت الغبرة عن كوارث اجتماعية تتمثل في تفشي الخرافة في الوسط الشيعي، وفي ظهور مقدسات جديدة حوّلت بسطاء الشيعة الى اتباع بلا إرادة.

إن منطقة الوسط بين المواطن البسيط وبين القائد، هي منظومة العلاقة بينهما، وهي من مسؤولية المثقف بالدرجة الكبرى، فهو الذي يديرها ويحدد ضوابطها ويحافظ على نسقها، ومن ثم يحدد شكلها، بان تكون واعية أو متخلفة، متحررة او مستعبدة.

 لقد اهتمت الدكتاتوريات بمنطقة الوسط هذه، فكانت تُقصي المثقف الملتزم منها، وتملأها بالمثقف المعتاش، فتضمن بذلك تحول الجماهير الى اتباع بلا رأي ولا إرادة ولا تفكير.

وإهتم قادة التخلف والتجهيل، فاستعانوا بفئة من المعتاشين لينتشروا في هذه المنطقة، فيصنعوا جمهوراً يسير خلف القائد المقدس بتسليم مطلق.

إن الفئة المسيطرة على منطقة الوسط، تكون مؤثرة الى حد بعيد، وعندما ملأها المعتاشون صاروا المحرك للجمهور البسيط، فأغرقوه بالخرافات والتجهيل، وحوّلوا الأشخاص الى أرباب مقدسين. وعند هذه النقطة تتفجر عاطفة البسطاء، فيقدسون عجلات السيارات والملابس ومواضع أقدامهم، وتصبح كلمات الأرباب هي الدين والعقيدة والحق المطلق.

 ...

إن مشكلة الشيعة اليوم، في هذه المنطقة الحساسة، منطقة الوسط، فهي تشهد غياب المثقف الواعي، أو أن حضوره فيها ليس بالقدر المطلوب، فهذا المثقف يتوزع نتاجه على النخبة المتخصصة، أو على الطبقة المثقفة من امثاله، وحتى لو أراد ان يعالج مشاكل الناس وأسباب التخلف والتدهور في المجتمع والدولة، فانه يوجه خطابه لأمثاله، ويتوقع أن يؤثر بالانسان البسيط. وفي الحقيقة فان نتاجه وآراءه مهما كانت قيمة وواقعية، فانها تتجه بعيداً عن دائرة الهدف المطلوب.

وهذا ما يفسر تمتع بعض القيادات التي لا تصلح لموقع القيادة، باتباع يسيرون خلفهم بإرادة مسلوبة وعقل عاطل. ويفسر أيضاً شكوى الطبقة المثقفة من عدم قدرتهم على تغيير قناعات البسطاء المخدوعين بالقادة الوهميين.

في الحلقة القادمة سأذكر شواهد ميدانية وتاريخية عن هذا الموضوع.

للحديث صلة

 

للاطلاع على جميع حلقات:

العراق.. وَهْمُ الدولة / د. سليم الحسني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3624 المصادف: 2016-08-07 14:06:54


Share on Myspace