المثقف - قضايا

سليم الحسني: العراق.. وَهْمُ الدولة (19): لماذا لا يتحسن واقع الإنسان الشيعي؟

salim alhasaniلا أعود الى التاريخ للحديث عن ظلامة الانسان الشيعي الضاربة في عمق الماضي، فهذا أمر معروف. إنما أتحدث عن واقعنا الراهن، فهذا المواطن الشيعي يحلم بالدولة الجديدة، ويطلب الحكم العادل، وينشد الحياة الكريمة ليعيش بقية عمره ويطمئن على مستقبل أبنائه. لكنه لا يحقق شيئاً من ذلك، ويبقى يواجه الجوع والمرض والفقر والبطالة والموت بالتفجيرات.

إن إحساسه بالمعاناة مقدمة ضرورية للفعل المؤثر، ورغبته بالتغيير وإصلاح الحال تُعبّر عن إمتلاكه الإرادة والتطلع، وهذه من عناصر النجاح، لكن النجاح لا يتحقق، فأين الخلل؟

...

من نقاط الخلل الأساسية في شخصية الشيعي ـ والكلام هنا في العموم ـ يتمثل في عدم فهمه لحقيقة الانتماء، فالهوية الشيعية عنده مشوشة مفاهيمياً، وتقوم على الشخصنة السطحية، فهو مقتنع بأنه شيعي صادق لأنه يؤمن بالأئمة عليهم السلام، ويؤمن بالامام المهدي المنتظر، ويُقلّد أحد مراجع الدين، ويستمع لخطباء المنبر وعليه فهو شيعي بكامل المواصفات.

شريحة كبيرة من الوسط الشيعي، لم تتمكن لظروفها التعليمية والمعاشية أن تدرس مدرسة أهل البيت وتستوعب مضامينها العميقة. فعوضت هذا النقص المعرفي والعقيدي، بالارتباط الشكلي الظاهري بالاشخاص، وسلكت طريقاً معكوسة في الارتباط الشخصي. فهذه الشريحة الكبيرة عددياً، تأخذ المفهوم وما تظنه أنه عقيدة التشيع، من أقرب شخص لها، وهو خطيب المنبر، والخطيب الذي يجيد عرض المظلومية المأساوية، يكون هو الأصدق والأقرب لقلوبهم ومن ثم يصبح هو المتحدث باسم أهل البيت ومبلغ رسالتهم، ويكون هو القيّم على القرآن الكريم والسنة النبوية.

ومن خطيب المنبر ينتقل ولاء الانسان الشيعي البسيط والمقهور، الى الجهة التي ينتمي اليها الخطيب أو الى المرجع الذي يروّج له. ومن خطيب المنبر تتشكل عقائد الجمهور في فهم التشيع والأئمة والعقائد الاسلامية.

 ...

في ثمانينات القرن الماضي، كانت مجالس عميد المنبر الحسيني الشيخ أحمد الوائلي، قد بدأت تتراجع أمام مجالس الشيخ حميد المهاجر. وكانت تلك ظاهرة غريبة شكلت بداية تراجع الوعي الشيعي الذي بدأه الشيخ محمد رضا المظفر ومن بعده السيد الشهيد محمد باقر الصدر.

كيف يتجه الشيعة الى مجالس حميد المهاجر، بشكل يفوق عددياً مجالس رمز الوعي الشيعي الشيخ الوائلي؟

الجواب: إن الشيخ الوائلي كانت يخاطب العقل، بينما كان حميد المهاجر يتحرك على العاطفة، وعادة يضع الانسان البسيط، عقله تحت تصرف عاطفته، وعادة تنساق العاطفة وراء ما يلامسها ويغذي حاجتها. وهذا ما استحسنه الشيعي البسيط المهمش والمظلوم على يد الانظمة الحاكمة الطائفية.

توسعت مجالس حميد المهاجر لأنه هجر فكر أهل البيت وعقائدهم ومدرستهم الأصيلة، واستبدلها بمنبع جديد هو الأحلام والخرافة والغلو. فما أكثر ما رآى الزهراء عليها السلام في منامه، وما أكثر ما ألتقى الامام المنتظر والرسول والأئمة وهم يأتون اليه وهو نائم.

 ...

بالأحلام أسست الفرقة الشيرازية منهجها في نشر الخرافة، وانتشرت عدوى الأحلام الليلية الى بقية خطبائها، واختص بالنسبة الأكبر من رؤى الليل السيد الفالي. وبهذه الأرضية من الخرافة والتجهيل، برز ياسر حبيب وغيره.

ثم اضاف كبار الفرقة الشيرازية منهجاً آخر من الانحراف والتشويه للعقيدة الشيعية، عندما ادخل كبار رجالهم البذاءة والعبارات الساقطة اخلاقياً في محاضراتهم، مما يعف اللسان عن ذكرها.

ومما يؤسف له انها منتشرة على اليوتيوب ومواقع التواصل الاجتماعي. ومن يطلع عليها فانه يتخذها دليلاً على فساد عقيدة الشيعة، وقد استغل الوهابيون ذلك لزيادة طعنهم بالشيعة والتشيع.

 ...

في مثل هذا الواقع، وهو ينمو ويتسع ويأخذ الاشكال المتنوعة، كيف يستطيع الانسان الشيعي البسيط، ان يتحول الى عنصر ضغط ضد الفساد والخراب والتدهور؟ وكيف يمكنه ان يعرف الطريق الصحيح للمطالبة بحقوقه، وتحسين وضعه المنهار اجتماعياً وخدمياً وسياسياً؟

فحلم من أحلام الليل يراه هؤلاء، يُجمد في الشيعي البسيط العقل، ويعطل الارادة، ويبقيه مستسلماً للظلم والتخلف وتردي الأوضاع.

لها تتمة

 

 ..............................

للاطلاع على جميع حلقات:

العراق.. وَهْمُ الدولة / د. سليم الحسني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3627 المصادف: 2016-08-10 03:21:46