المثقف - قضايا

سليم الحسني: العراق.. وهم الدولة (22): أتباع يبحثون عن عصمة القادة وصحة الخرافة

salim alhasani2ربما لاحظ الاخوة الكرام، تكرر الإعتراض الذي أورده بعض المعلقين على المقالين الاخيرين من سلسلة (العراق، وهم الدولة)، وأقصد به:

إنني تناولت الخرافة في الفرقة الشيرازية، واستشهدت بمقاطع من أحاديث السيد (الفالي)، لأنه هاجم حزب الدعوة.

ولعلهم لاحظوا أيضاً عدد المرات التي كررت فيها الفكرة التالية:

لقد كتبت عشرات المقالات في نقد قيادات حزب الدعوة، بعد سقوط النظام، على مدى عدة سنوات، فقد صار شأنه شأن كل الكيانات الشيعية وغيرها من اطراف العملية السياسية من سنية وكردية، فكلها تورطت في السرقة والفساد بلا استثناء.

ورغم تأكيدي على ذلك، فقد ظل الاشكال قائماً يكرره مجموعة من الأخوة القرّاء، ولا أظن بأن التأكيد يمكن أن ينفع معهم مهما كثر تكراره، لأنه لا يمكنهم تصور أن شخصاً يمكن أن يتحرر من تبعية القادة. وهذه الفئة من القرّاء هم الذين تجد فيهم الفرقة الشيرازية ضالتها، لسهولة التحكم بعقولهم والتلاعب بقناعاتهم. فكيف يفهم الحقائق من عجز عن فهم موقفي من قيادات الدعوة وغيرها من الكتل السياسية، بعد ما يقرب من عشر سنوات من النقد المباشر وبالاسماء.

 ...

تُعطي هذه الظاهرة، تصوراً واضحاً عن منهجية الحوار لدى افراد شريحة ليست قليلة من العراقيين، فهم لا يتعاملون مع الفكرة موضع النقاش عندما ترتبط بشخص يحبونه أو يتبعونه او يقدسونه. إنما يخرجون عن دائرتها بمسافات بعيدة للعثور على طريق نجاة يمكن من خلاله الهروب من محاكمة (الشخص الرمز، أو الكيان الرمز).

لا يمكن لهؤلاء أن يتصوروا أنفسهم يقفون على أقدامهم، من دون التبعية لشخص يحمل صفة القائد. إنهم يشعرون بالضياع والتيه والغربة عندما تقترب منهم فكرة تمس رموزهم. وقد يرون أنفسهم بأنهم لن يكونوا على قيد الحياة، فيما لو راودتهم فكرة التخلي عن قائدهم. لذلك يبحثون عن العصمة للشخص القائد، وإن كانوا يمتنعون عن التصريح بها علناً.

 ...

أتيت على هذه المقدمة، لخطورتها على الانسان والمجتمع، وبالتالي إعاقتها بناء الدولة، وهي للأسف مما اُبتلي به قطاع كبير من المجتمع العراقي، وخاصة الشيعي، وبشكل متصاعد متزايد بعد عام 2003، حتى صارت هذه الظاهرة قانوناً حاكماً لا يقبل النقض والإبرام، ويحذر المثقف من الإقتراب منها، لأنه يعلم أن الأتباع يسلقونه بألسنة حداد. مع أن ذلك لا يبرر للمثقف صمته، فدوره هو نشر الوعي، بصرف النظر عن ردة الفعل المضادة. بل أن ردة الفعل الشديدة، هي الأمر الطبيعي في مجتمع مثل المجتمع العراقي عاش عقوداً طويلة تحت سلطة القهر الحكومي، وفي ظل أجواء قمعية حرّمت الثقافة والانفتاح، إلا بما يخدم سلطة الدكتاتور.

فالمثقف موقف يُسجله في العلن، وكلمة يُلقيها في مواجهة الجهل، وعندما يخشى على نفسه من ردة الفعل، فانه صار جزءً من أجواء الجهل والتخلف، وتحوّل الى كتاب مركون في مكتبة مهجورة، وأصبح محارباً مهزوماً خائفاً أمام مجاميع المعتاشين من أدعياء الثقافة. ...

طوال سنوات وأنا أكتب في نقد أخطاء القادة والكيانات الشيعية التي تولت مناصب الحكم والسلطة والمواقع المهمة في العراق، فأهملت المواطن الفقير وزادته تعاسة، واستغرقت بمصالحها الشخصية والفئوية، مشتركة في ذلك في نهج الفساد والسرقة مع الكيانات والقيادات السنية والكردية. وكان الكلام من أجل الانسان العراقي عموماً، والشيعي خاصة الذي ورث المأساة عقداً بعد عقد، في محاولة للفت نظره الى الخطأ، والى ما يجب ان يقوم به ليتخلص من هذا التدهور المرير الذي يعيش فيه. لكن الإعتراض كان يأتي من الأتباع قبل القيادات، حيث يدافعون عن قادتهم، رغم أنهم يعيشون أتعس الظروف، ومع ذلك فلا يمكنهم التحرر من عبودية الشخص القائد.

يبدو أن فكرة العيش بدون العبودية للرمز، تعني لهم الموت الميداني.

إن هذا المواطن المسكين المرهق، يريد غيره ان يتحرر من زعيمه، أما هو فلا يمكنه أن يفعل ذلك، فبمجرد ان تدور الفكرة في رأسه، فانه يجد نفسه أمام صحراء مترامية تتربص به المخاطر، فيعود راكضاً يلوذ بالتبعية لقائده، فيكون عنده الجوع والفقر مقبولاً أمام الضياع في صحراء مجهولة.

 ...

الأمر الذي يحدث في مجال السياسة، يتضخم في مجال الدين والمذهب والطائفة، لأنه سيدخل في دائرة المقدس، وهي الدائرة التي تركن لها النفس. ولكي لا يفتح على نفسه أبواب الضياع، فانه يمسك بأقرب كلام يناغم عاطفته، ولكي يشعر بالاطمئنان والأمان اكثر فانه يشطب على العقل، لينعم بأقصى مستويات الراحة والخدر الوهمي. وبالتدريج يترك القرآن الكريم ويهمل السنة النبوية ويتجاوز سيرة المعصومين عليهم السلام، فهذه كلها تُحرّك فيه العقل والتفكير، بينما هو يريد العاطفة الفياضة، وهذه يوفرها له رواة الأحلام والخرافة والتجهيل.

لها تتمة

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

اكتب سيدي الفاضل بما يمليه عليك ضميرك وعقلك وجزاك الله عنا خيرا

ابو سجاد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3629 المصادف: 2016-08-12 04:38:55


Share on Myspace